LOGIN«ضعي ذلك المشرط جانبًا يا هالة،» قالت ناهد بصوت أجشّ، وقد استعادت شيئًا من اتزانها.
لم تتحرك الطبيبة. وقفت في إطار الباب بقامتها المنتصبة وذراعها ممدودة، والضوء الأصفر يلمع على نصل المشرط الصغير. كان في ملامحها هدوء مخيف، هدوء من أنهى حساباته كلها مسبقًا.
«سمعتُ ضجة،» قالت. «ظننتُ أن أحدًا يُقتل.»
«ولذلك حملتِ سلاحًا؟»
«أحمل هذا في حقيبتي دائمًا. أنا جرّاحة.» رفعت المشرط إلى مستوى عينيها، ثم أنزلته ببطء وأعادته إلى جيب بذلتها. «وفي قصر فيه رسائل تهدد بالقتل، لا أنوي أن أنام بيدين فارغتين.»
كانت الحجة معقولة، وهذا ما أزعجني. دخلت الغرفة بخطوات هادئة ونظرت إلى الورقة المفتوحة على الأرض، فانحنيتُ وطويتُها بسرعة، لكنها كانت أسرع. مدّت يدها وأمسكت بطرف الورقة بإصبعين رشيقتين كأنها تمسك عيّنة نسيج.
«أرِني.»
لم أجد ما أقول. تركتُها تقرأ. رأيتُ عينيها تنزلان على الأسماء الأربعة، ثم على السطر الأخير. وللحظة قصيرة جدًا، لا تتجاوز رمشة، انكمش وجهها.
«وهالة تعرف اليوم الأخير،» قرأت بصوت خافت. ثم ابتسمت ابتسامة باردة. «ممتاز. أصبحتُ بطلة قصة لا أعرفها.»
«هل تعرفين؟» سألتُ.
«لا.»
وأنا أتأمل عينيها وهي تقولها، لاحظتُ شيئًا جعل قلبي يخفق: تحرّكتا نحو اليمين. ما قالته جُمانة بسخرية قبل ساعات صار فجأة أثقل من الحجارة. لم أقل شيئًا. لكنني حفظتُه في مكان لا يصل إليه أحد.
ساد صمت ثقيل. كل واحدة منا كانت تحسب في رأسها ما تخسره إن تكلمت وما تخسره إن سكتت. وفي النهاية، ما من شيء يجمع الناس في القصور المغلقة مثل الخوف المشترك من أن يعرف الآخرون ما نعرف.
اتفقنا نحن الثلاث، بلا كلام معلن، على ألا نخبر الباقيتين. أخذت هالة الورقة وطوتها في جيب بذلتها، ولم تعترض ناهد، وشعرتُ أنني خسرتُ دليلًا لا يُعوّض. وحين صعدنا بعد ذلك إلى غرفنا، كنتُ أعرف أنني لن أنام، وأن أحدًا في القصر لن ينام حقًا.
استلقيتُ على سريري أحدّق في بقعة الرطوبة التي تشبه خريطة بلد لا وجود له، وأتساءل لماذا يكون اسمي أول الأسماء. فكّرتُ في أبي، وفي الليلة التي لم يعد فيها إلى البيت، وفي الحقيقة التي لم أخبر بها أحدًا. وحين غلبني النعاس أخيرًا، كان النهار قد بدأ يتسلل من أطراف الستائر.
في الصباح، كان المطر قد توقف، لكن السماء ظلت رمادية كجثة. نزلتُ إلى قاعة الطعام في الثامنة، فوجدتُ المائدة الطويلة معدّة بخبز طازج وجبن ومربّى وإبريق قهوة نحاسي يتصاعد منه البخار. جلست جُمانة في مقعدها تقضم تفاحة وتحدّق في هاتف غير موجود، كأن يدها لم تعد تعرف ما تفعل بدونه. وجلست ورد في الركن تأكل الخبز الجاف بتركيز راهب.
وصلت ناهد بعدي، في ثوب أخضر داكن وقد رتّبت شعرها وزيّنت وجهها كأنها ذاهبة إلى حفلة. لم يظهر على عينيها أي أثر لليلة الماضية.
«صباح الخير يا بنات،» قالت بمرح مصطنع. «آمل أنكنّ لم تحلمن بالموت.»
لم تضحك أي واحدة. صبّت لنفسها فنجان قهوة، وأضافت مكعبين من السكر، وحرّكت بملعقتها الصغيرة وهي تتحدث عن الطقس. رأيتُ هالة تدخل في تلك اللحظة، وتجلس قبالتي، وتنظر إلى ناهد نظرة قصيرة لم أستطع تفسيرها.
«أم يحيى،» نادت ناهد. «هل صنعتِ هذه القهوة بنفسك؟ طعمها أفضل من العادة.»
«لا يا سيدتي.» جاء صوت المدبّرة من المطبخ. «وجدتُها جاهزة على الموقد حين نزلتُ. ظننتُ أن إحدى السيدات...»
لم تكمل. شهقت ناهد شهقة غريبة، كمن ابتلع هواءً بلا أكسجين، وسقط الفنجان من يدها وتحطم على الأرض.
«ناهد؟»
وضعت يدها على صدرها. وجهها يتحول بسرعة مروّعة: شاحب، ثم أزرق عند الشفتين، وعيناها تتسعان بذعر ما ينقص الأوكسجين. حاولت أن تقف فانهارت على الكرسي ثم على الأرض، وشفتاها تتحركان بلا صوت.
صرخت جُمانة. ووقفت ورد جامدة كتمثال. أما أنا فقفزتُ نحو ناهد، وقلبتُها على ظهرها، وتحسست نبضها بدربة سنين المهنة: ضعيف، سريع، غير منتظم.
«سُمّ!» قلتُ. «اتصلوا... لا، لا هاتف... هالة! أنتِ طبيبة!»
لكن هالة كانت قد وصلت إلى جانبي قبل أن أنهي كلامي. فتحت حقيبتها السوداء بحركة واحدة سريعة، ولم تُخرج مشرطًا هذه المرة، بل حقنة جاهزة ومعبّأة، وأمبولة صغيرة بلا بطاقة. دفعت الإبرة في ذراع ناهد بلا تردد ولا فحص.
كانت أصابعي تمسك بمعصم ناهد، وشعرتُ بالنبض يتباطأ ثم يعود إلى إيقاع منتظم بعد دقيقة طويلة كالدهر. عادت الدماء إلى شفتيها، وانفتحت عيناها نصف انفتاحة.
«هل ستعيش؟» سألت جُمانة وهي تبكي.
«ستعيش.» رمت هالة الحقنة الفارغة في حقيبتها وأغلقتها بقوة. «لقد بُدئ بالعلاج في الوقت المناسب.»
«في الوقت المناسب،» كرّرتُ بصوت منخفض. «وكان معكِ المصل جاهزًا.»
رفعت عينيها نحوي. لم تقل شيئًا. وفي صمت القاعة، سمعتُ ما لم يسمعه غيري، لأنني كنتُ الأقرب: همسة ناهد المتقطعة وهي تمسك بكمّي بيد ترتجف.
«القهوة... لم تكن... مُعدّة لي.»
«ماذا؟»
«كانت... لواحدة أخرى.» أغمضت عينيها وكلماتها تضعف. «الفنجان... الأخضر... أنا أخذتُ... فنجان غيري...»
ثم فقدت وعيها.
لم يصرخ أحد. هذا ما أدهشني لاحقًا: أن الموت الذي انتظرناه ثلاثين ليلة لم يأتِ بضجة.جلستُ على الأرض بجانب كرسيها، أمسك يدها الباردة، وأنظر إلى الأمبولة الفارغة في أصابع هالة. كانت هالة واقفة بلا حراك، وحقيبتها السوداء مفتوحة على المائدة، ووجهها خالٍ من أي تعبير. ومن خلف الباب الصغير، انفتح باب المخزن ببطء، وظهر أبي على العتبة.«هذا الصوت،» قال بصوت متكسّر. نظر إلى هالة، وعيناه تتسعان. «هذا هو الصوت يا مي. امرأة الطعام. المرأة التي كانت تقول لي: ابقَ حيًّا.»التفتت إليه هالة ببطء. لم تنكر. لم تتحرك. لكنني رأيتُ عينيها، للمرة الأخيرة، تتحركان نحو اليمين.«رأيتُ أمبولة،» قلتُ. وكنتُ أتكلم بصوت يشبه صوت المحقق لا الضحية. «أمبولة بلا بطاقة. أنقذتِ ناهد بمثلها قبل أسبوعين. فلماذا ترددتِ هذه المرة؟ ولماذا لم تعمل؟»التقطتُ الأمبولة من يدها وشممتُها ببطء. لا رائحة. ثم تذوقتُ قطرة من داخلها، فعرفتُ الطعم الذي لا يخطئه من عمل في المستشفيات: ماء مقطّر. «هذه ليست ترياقًا،» قلتُ. «هذا ماء.»«فريدة كانت تحتضر على أي حال،» قالت هالة بصوت هادئ. «لم يكن العلاج...»«ليس هذا.» أخرجتُ من جيب بذلتي ورقة م
لا أذكر كيف نهضتُ. أذكر فقط أنني كنتُ على الأرض بين ذراعيه، والجرح يمزقني، وهو يردد اسمي كأنه يتأكد أنه يستطيع أن ينطقه من جديد. رائحته كانت رائحة طين ومطر وخوف قديم، ولحيته تحكّ وجهي كما كانت تفعل في طفولتي حين يحملني على كتفيه.كان وجهه أنحل مما أذكر، وعيناه غائرتين، لكن في ابتسامته المتعبة ذلك الدفء القديم الذي كان يفتح لي أبواب الدنيا. مرّ في رأسي كل ما حملتُه من أسئلة طوال ثلاث سنين، وبدا لي أنها كلها تذوب في هذا العناق الواحد.«ثلاث سنين،» قلتُ. «ثلاث سنين يا أبي.»«كنتُ أعدّ الأيام بخطوط على جدار،» قال بصوت مبحوح. «بلغتُ ألفًا ومئة وعشرين خطًّا. ثم فتح لي أحدهم الباب في الليلة الماضية.»«من؟»«لا أعرف. كان الظلام. سمعتُ مفتاحًا يدور، ثم صوتًا يقول: اذهب. الطريق إلى القصر. ولم أرَ وجهه.»نظرتُ إلى فريدة. كان في عينيها شيء يشبه الارتياح، وشيء يشبه الخوف. «من فتح لك؟» سألت.«لا أعرف يا سيدتي. لكن في كل مرة كانت تأتيني فيها امرأة بالطعام، كانت تهمس لي بكلمة واحدة: ابقَ حيًّا.» أطرق. «صوتها... لو سمعتُه مرة أخرى لعرفتُه.»ساد الصمت. وتبادلنا النظرات، وفي ضوء المصباح الزيتي رأيتُ فري
استيقظتُ على رائحة الياسمين والدواء، فعرفتُ قبل أن أفتح عينيّ أنني في الجناح الغربي.كان الضوء الرمادي يتسلل من الستار الثقيل، والألم في جنبي الأيسر ينبض كقلب ثانٍ. حاولتُ أن أتحرك فشدّني خيط الجرح المخيط كأنه يشدّ روحي من داخلها. وبجانب السرير، على الكرسي الجلدي، كانت ورد جالسة وقد انتفخت عيناها من البكاء، وركبتاها مضمومتان إلى صدرها كطفلة تنتظر عقابًا.«مي،» همست. «لا تتحركي. هالة قالت إن عليكِ ألا تتحركي.»«هالة؟»«هي التي أنقذتكِ.» ابتلعت ريقها. «فتحت حقيبتها وخاطت الجرح على ضوء الشموع، ثلاث ساعات. كانت يداها لا ترتجفان.» ثم انفجرت: «لم أكن أريد أن أقتلكِ! كان السكين قصيرًا... ظننتُ أنني سأجرح ذراعك فقط... كانوا يقولون إن...»«ورد.» رفعتُ يدي بصعوبة. «احكي من البداية.»وحكت. قالت إن أول بطاقة وصلتها كانت تحت بابها في الليلة الثالثة، بخط أنثوي أنيق: «أخوكِ يوسف حيّ. وسيبقى حيًّا ما دمتِ تطيعين.» لم تعرف كيف عرف أحد بأخيها الذي فقدته بعد دخولها السجن وظنت أنه مات في ملجأ. ثم جاء صوت الهاتف الأسود في الممر، صوت رجل بارد يعطيها التعليمات: خذي مفاتيح أم يحيى من حزامها حين تنام. لا تقول
في الظلام، ينشأ الذعر كما ينشأ الفطر في الرطوبة.في أول لحظة بعد انطفاء المدفأة، أدركتُ أن القاعة صارت مسرحًا بلا مخرج. كانت الجدران تردّ الصدى كأن عشرة أشخاص يصرخون في آن، والرائحة تغيرت: دخان ورماد ومطر وعطر ياسمين ثقيل يأتي من مكان لا أعرفه.سمعتُ قبل أن أرى: صراخ جُمانة، ثم أثاثًا يسقط، ثم أنفاسًا متلاحقة، وأقدامًا تتدافع على الرخام. أمسكتُ بالمقعد القريب منّي وشددتُ على ذراعه. كنتُ أعرف أن أول ما يفعله الجبناء في العتمة أن يضربوا.«لا أحد يتحرك!» صاح صوت هالة. «ابقوا في أماكنكم!»«فريدة!» صرخت ناهد. «أين فريدة؟»«هنا،» جاء صوت ضعيف من الوسط. «لا تقلقوا.»أشعل أحدهم عود ثقاب. كان ضوءه الصغير يتراقص على الوجوه كشعلة في مغارة. رأيتُ ناهد قرب الجدار، وهالة عند الدرج، وأم يحيى منكمشة في ركن، وجُمانة ملتصقة بكرسي فريدة ماسكة بيدها، وورد، ورد التي أحببتُها، تقف إلى جانبي، قريبة جدًا، على بعد خطوة واحدة.لم أرَ من أشعله. ولا أعرف إن كان من فعلها هو نفسه من خطط لما بعدها. لكنني رأيتُ ما يكفي لأفهم أن كل واحدة منا في تلك اللحظة تحمل سرًّا يكفي لتحتمل أن تقتل أو تُقتل.«ورد،» همستُ. «هل أنت
ظهرت فريدة في أعلى الدرج كما تظهر الأشباح في الروايات القديمة.كان مشهدها يوقف القلب: امرأة هزيلة بوجه شمعي وشعر فضي مرفوع، في كرسي متحرك مغطى ببطانية صوفية رمادية، تحيط بها ظلال الثريا المتأرجحة، وكأنها ملكة مخلوعة تعود إلى عرشها في ليلة الانقلاب.لم تكن وحدها. كان كرسيها يُدفَع بيدين لم أرَ صاحبهما في الظلام، ثم خرج الجسد من العتمة إلى ضوء المدفأة: ورد. وجهها شاحب، وعيناها واسعتان بنظرة من يعلم ما سيحدث. نظرت إليّ لحظة، ثم أشاحت بوجهها.«ورد!» صرختُ. «أين كنتِ؟»«أحضرتُها،» قالت بصوت مبحوح. «طلبت مني السيدة ذلك.»انحنت الأعين كلها نحو الكرسي المتحرك، وسقط الصمت على القاعة كغطاء ثقيل. ناهد، التي رأتها ميتة في تسجيل الوصية، جمدت بلا حراك. وجُمانة وضعت يديها على فمها. وهالة تراجعت خطوة، كأنها رأت وجهًا لم تتوقع رؤيته.«مساء الخير يا بناتي،» قالت فريدة بصوتها الجاف المعروف. «كنتُ أعرف أنكنّ ستفعلن هذا بي. لكنني لم أتوقع أن أتأخر هكذا.»«أنتِ... حية!» همست ناهد.كانت ناهد تحدّق فيها بعينين غائرتين، وفيهما مزيج من الغضب والذهول والارتياح الذي لا تريد الاعتراف به. وتخيلتُ للحظة أن ثلاثين س
فضّت ناهد الشمع بإبهامها وهي تنظر إلى الصورة المحطمة على الأرض، ولم تعلّق. كنا خمسًا في الدائرة الصغيرة حول المدفأة، ورد غائبة، وكان الضوء الأحمر يرسم على وجوهنا ظلالًا تتبدّل كلما اشتدت الريح في المدخنة.أخرجتْ الورقتين ببطء شديد، كمن يخشى أن تتفتت بين أصابعه. ورأيتُ يدها وهي تمسك الورق، يدًا قوية نحيلة، كان في أصابعها أثر قديم لحبر الأقلام، فتذكرتُ أنها كانت مصممة أزياء قبل أن تخسر كل شيء.أخرجت ورقتين من المظروف. الأولى مكتوبة بخط فريدة، مؤرخة قبل ستة أشهر. الثانية مختومة بخاتم مكتب عاصم القاضي. قرأت ناهد الأولى بصوت مرتفع، وصوتها يخرج جافًا:«أنا فريدة الحلواني، بكامل قواي العقلية. هذه وصيتي الأولى، وقد كُتبت قبل الوصية المسجلة التي سيعرفها الجميع. أوصي بكل ما أملك من أموال وأسهم وعقارات، وهذا القصر، إلى حفيدتي جُمانة سامر الحلواني، ابنة ابني الوحيد، وهي دمي الوحيد المتبقي.»سقطت أنفاس الغرفة كلها دفعة واحدة. لم تتحرك جُمانة. ظلّت عيناها مثبتتين على الورقة كأنها لا تفهم اللغة.كنتُ أراقب وجوه النساء واحدة بعد واحدة. ناهد جامدة كتمثال. هالة تعبس كمن يحاول أن يفكّ معادلة. أم يحيى تن







