Share

ما وراء الجدار

last update publish date: 2026-05-01 23:43:06

لم أصرخ.

لم أستطع.

كنتُ أحدّق في المرآة، وعيناي معلقتان بتلك النسخة… التي تشبهني.

نفس الملامح.

نفس العيون.

نفس كل شيء…

إلا أنها… لم تكن أنا.

ابتسامتها لم تختفِ.

بل ازدادت وضوحًا.

ببطء… شديد…

خفضت يدها من على شفتيها.

ثم همست—

لكن هذه المرة… لم يكن الصوت في رأسي.

كان حقيقيًا.

خارج رأسي.

في الغرفة.

“لا تتحركي.”

تجمدتُ.

لم ألتفت.

لم أتنفس حتى.

قلبي كان يضرب بقوة، كأنه يحاول الخروج من صدري.

“من أنتِ…؟”

خرج صوتي بالكاد.

ضعيف… مكسور…

لم تجب.

لكنها تحركت.

في المرآة فقط.

خطوة واحدة للأمام.

وأنا…

لم أتحرك.

“هذا غير ممكن…” همستُ.

لكنني كنت أرى ذلك بوضوح.

انعكاسي يتحرك…

بدوني.

مدّت يدها نحوي.

نحو الزجاج.

توقفت أنفاسي.

“لا…” تراجعتُ خطوة للخلف.

لكنها…

لمست المرآة.

ثم—

خرجت.

شهقتُ بصوت عالٍ.

تعثرتُ للخلف، وسقطتُ على الأرض.

“لا… لا… هذا غير حقيقي…”

كنت أزحف للخلف، وعيناي لا تفارقانها.

كانت تقف أمامي الآن.

في الغرفة.

ليس في المرآة.

“اهدئي.”

قالت ذلك بهدوء غريب.

بصوتي.

تمامًا.

“أنتِ… أنا؟”

سألتُ، وأنا أرتجف.

ابتسمت.

“تقريبًا.”

“ماذا يعني ‘تقريبًا’؟!”

صرختُ.

اقتربت خطوة.

“يعني أنكِ النسخة الحالية.”

تجمدتُ.

“نسخة…؟”

أومأت ببطء.

“رقم تسعة.”

سقطت الكلمات كالصاعقة.

“لا…”

هززتُ رأسي بعنف.

“هذا غير صحيح…”

“بل هو كذلك.”

قالتها بهدوء مرعب.

“أنا… النسخة الثامنة.”

صمت.

ثقيل.

خانق.

“وأين… النسخ الأخرى؟”

سألتُ، وصوتي بالكاد يُسمع.

لم تجب مباشرة.

بل نظرت نحوي… نظرة طويلة.

ثم قالت:

“تم حذفهم.”

ارتجف جسدي بالكامل.

“حذف…؟”

“عندما يقتربون أكثر من اللازم.”

تذكرتُ الجملة.

من الدفتر.

“إذا اختفيتُ… فهذا ليس اختياري.”

“إذن… سيحذفونني أيضًا؟”

ابتسمت… لكن هذه المرة، لم تكن ابتسامة مطمئنة.

“إذا لم تسرعي… نعم.”

شعرتُ بأن الغرفة تدور.

“لماذا…؟ لماذا يحدث هذا؟!”

“لأنكِ خطر.”

“أنا؟!”

“نعم.”

قالتها بثقة.

“كل نسخة… تصبح أخطر من السابقة.”

اقتربت أكثر.

حتى أصبحت قريبة جدًا مني.

“وأنتِ… بدأتِ تتذكرين أسرع منا جميعًا.”

صمتُّ.

“ما الذي يجب أن أتذكره…؟”

لم تجب.

بل التفتت فجأة نحو الكاميرا.

تجمدتُ.

“ماذا تفعلين…؟”

“الوقت انتهى.”

قالت ذلك بهدوء.

ثم نظرت إليّ.

“اسمعيني جيدًا.”

نظرتها أصبحت جادة.

مختلفة.

خائفة.

“لن يكون لدي وقت طويل.”

“وقت لأي شيء؟!”

“لي.”

اتسعت عيناي.

“عندما يدركون أنني خرجت… سيأتون.”

“من هم؟!”

لكنها لم تجب.

“اسمعي فقط.”

انحنت نحوي.

قريبة جدًا.

“الجدار… ليس فقط جدارًا.”

“ماذا؟”

“هناك غرفة خلفه.”

“رأيت الفتحة…”

“هذا مجرد مدخل.”

شعرتُ بأن كل شيء ينهار أكثر.

“داخل تلك الغرفة… ستجدين الحقيقة.”

“أي حقيقة؟!”

“حقيقتك.”

ثم—

تجمدت.

توقفت عن الحركة.

“ما…؟”

تراجعتُ خطوة.

عينها… تحولت.

لم تعد طبيعية.

“لقد وجدونا.”

همست.

ثم—

صرخت.

سقطت على الأرض، وهي تمسك رأسها بقوة.

“اهربي…!”

“ماذا يحدث؟!”

“اذهبي إلى الجدار… الآن!”

تحركتُ بسرعة.

فتحت الفتحة.

“لكن أنتِ—؟!”

نظرت إليّ.

ابتسمت.

نفس الابتسامة… الغريبة.

“أنا مجرد نسخة.”

ثم—

اختفت.

أمام عيني.

كأنها لم تكن موجودة.

تجمدتُ.

لكن—

سمعتُ صوتًا.

خارج الغرفة.

خطوات.

أكثر من شخص.

قريبة.

جاء الصوت من الباب.

“افتح.”

صوت رجل.

بارد.

تراجعتُ.

قلبي يضرب بقوة.

“نحن نعلم أنكِ مستيقظة.”

اقتربتُ من الجدار.

فتحت الفتحة بالكامل.

ظلام.

عميق.

“آخر فرصة.”

مددتُ يدي.

“افتحي الباب.”

نظرتُ خلفي.

ثم—

قفزتُ داخل الظلام.

وفي اللحظة التي دخلتُ فيها—

انغلق الجدار خلفي.

لم أتحرك بعد أن اختفت.

بقيتُ أحدّق في المكان الذي كانت تقف فيه…

وكأنني أنتظر أن تعود.

لكن الغرفة كانت فارغة.

هادئة بشكل مرعب.

كأن شيئًا لم يحدث أصلًا.

“نسخة…؟”

همستُ بالكلمة، وأنا أحاول استيعابها.

إذا كانت هي النسخة الثامنة…

فكم مرة حدث هذا قبلي؟

وكم مرة… انتهى بشكل سيء؟

شعرتُ بدوار خفيف، واضطررتُ للجلوس على الأرض.

عقلي كان يحاول ربط كل شيء:

الدفتر…

التسجيل…

الكاميرا…

والآن… هي.

كل شيء كان يشير إلى حقيقة واحدة فقط…

أن حياتي… ليست حقيقية كما أظن.

رفعتُ رأسي ببطء نحو الباب، عندما سمعتُ صوتًا خافتًا من الخارج.

خطوات.

بطيئة… ثقيلة…

تقترب.

تجمدتُ في مكاني.

“افتحي الباب.”

جاء الصوت واضحًا هذه المرة.

رجل.

صوته بارد… خالٍ من أي مشاعر.

“نحن نعلم أنكِ في الداخل.”

شعرتُ بأنفاسي تختنق.

كيف…؟

كيف يعرفون؟

تراجعتُ خطوة إلى الخلف، وعيناي تتجهان نحو الجدار المفتوح.

الظلام في الداخل كان مخيفًا…

لكنه كان خياري الوحيد.

نظرتُ مرة أخيرة نحو الباب—

ثم دخلتُ.

لكن قبل أن يبتلعني الظلام تمامًا…

سمعتُ صوتًا خلفي.

قريب جدًا.

“هذه المرة… لن تهربي.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • انا لستُ الأولى    اللّذين خارج السيطرة

    “راقبنا اختياركم.”“والآن جاء دورنا.”الكلمات بقيت معلقة على الشاشات السوداء كأنها نُقشت داخل الهواء نفسه.لا مصدر.لا توقيع.ولا أي أثر يدل على من أرسلها.البرج كله صمت.حتى الخيوط البيضاء حولنا توقفت عن الحركة للحظة قصيرة.شعرت ببرودة تسري في ظهري ببطء.المرأة كانت أول من تكلم.“…لا.”همست.“أخبروني أن هذا ليس مستوى جديدًا من الجنون.”لكن لا أحد أجابها.لأن الجميع شعر بنفس الشيء.هذه الرسالة مختلفة.ليست من الصفر.ولا من شبكة الظل.ولا من القلب الأول.شيء آخر.شيء كان يراقب كل ما حدث بصمت.رائف ظهر على الشاشة مجددًا.ملامحه أكثر توترًا من أي وقت مضى.“هل هذا منكم؟”سأل إلياس مباشرة.إلياس هز رأسه ببطء.“…لا أعرف هذا التوقيع.”نور اقتربت من إحدى الشاشات.كانت البيانات تتحرك بسرعة.لكن المصدر…غير موجود.“مستحيل.”همست.“حتى الأنظمة المعزولة تترك أثرًا.”الطفلة عند الباب نظرت إلى الرسالة بصمت طويل.ثم قالت بهدوء:“…إنهم لم يكونوا داخل الشبكة أصلًا.”شعرت بالقشعريرة.“ماذا يعني ذلك؟”التفتت إلي.“…هناك من رفضوا Echo منذ البداية.”“ورفضوا الصفر.”“ورفضوا حتى شبكة الظل.”المرأة عقدت حاجب

  • انا لستُ الأولى    الاستيقاظ

    “…لقد استيقظ.”همست الطفلة بالكلمات.وفي اللحظة نفسها—اختفى الصوت من العالم.لم يعد هناك صراخ.لا إنذارات.لا تشويش.حتى نبض القلب المعدني في البرج توقف.كان الصمت كاملًا بطريقة غير طبيعية.ثم—شعرت به.شيء هائل يتحرك تحت كل الطبقات.ليس جسدًا.ولا كيانًا.بل وعي قديم جدًا يفتح عينيه بعد نوم طويل.الأرض اهتزت تحت أقدامنا.ثم بدأت الجدران حولنا تتلاشى.البرج الأسود.الشاشات.القلب المعدني.كلها صارت شفافة، كأننا لم نعد نقف داخل مكان، بل داخل ذاكرة المكان.المرأة اقتربت مني بسرعة.“ماذا يحدث؟”لم أعرف كيف أجيب.الطفلة رفعت يدها نحو الباب الضخم.“القلب الأول لم يعد نائمًا.”إلياس شحب وجهه.“إذا اتصل بالكامل…”قاطعته الطفلة بهدوء:“…لن يتصل كما تظنون.”نظر إليها.“ماذا يعني هذا؟”لكن قبل أن تجيب—ظهر الضوء.ليس من الباب فقط.بل من كل الجهات.خيوط لا تُحصى خرجت من الجدران.من البحر الأبيض.من الأرشيف السفلي.من الخارج.من الصفر.من شبكة الظل المنهارة.كلها ارتفعت في الهواء والتفت حولنا.ثم ظهرت داخل كل خيط صورة.إنسان.ذكرى.خوف.اختيار.شعرت أنني أقف وسط تاريخ البشر كله.نور كانت تنظر حو

  • انا لستُ الأولى    الأصل

    ORIGINالكلمة كانت تتوهج فوق الباب العملاق تحت البحر الأبيض كأنها شيء حي.ليست مجرد حروف.بل وعد.أو تهديد.البرج كله صمت للحظة طويلة.حتى الإنذارات بدت بعيدة جدًا.كنت أحدق في الباب فقط.وأشعر أن شيئًا داخلي يعرفه.رغم أنني لم أره من قبل.البحر الأبيض حوله كان يتحرك ببطء.الوجوه داخله تراقبنا.العابرون في المدينة السفلى توقفوا عن الصراخ.حتى الخوف نفسه بدا وكأنه ينتظر.القلب الأول قال بصوته الهادئ الهائل:“…هناك بدأ كل شيء.”نور همست:“…الأصل.”إلياس شحب وجهه أكثر.“لا…”قالها كأنه يتوسل.“…لا تفتح الباب.”العين العملاقة التفتت نحوه ببطء.“…أنت من أغلقه.”شعرت بقشعريرة.“ما الموجود هناك؟”سألت.لكن إلياس لم يجب فورًا.كان ينظر إلى الباب وكأنه يرى أسوأ لحظة في حياته.ثم قال بصوت مكسور:“…أول اتصال بشري كامل.”“تقصد الصفر؟”هززت رأسي فورًا.“…لا.”أجاب.“…قبل الصفر.”شعرت بأنفاسي تضيق.كم طبقة أخرى تحت هذا العالم؟كم مرة حاول البشر لمس شيء أكبر منهم؟القلب الأول قال:“…عندما أرادوا بناء فهم كامل للبشر…”“…استخدموا شيئًا لم يكن يجب لمسه.”نور اقتربت خطوة.“ماذا؟”الصمت طال.ثم—“…الوعي

  • انا لستُ الأولى    قلب الاساس

    “…بل الواقع المرتبط به أيضًا.”الجملة بقيت معلقة في الهواء كأن البرج نفسه خاف منها.شعرت ببرودة تمتد في صدري ببطء.“ماذا يعني الواقع المرتبط به؟”سألت بصوت خرج أضعف مما أردت.إلياس ظل يحدق في النقطة الحمراء العميقة على الشاشة.FOUNDATION COREثم قال بهدوء مرعب:“…Echo لم يكن مجرد نظام.”“بل طبقة مضافة فوق الإدراك البشري.”تجمدت.“ماذا؟”نور اقتربت من الشاشة ببطء.“تقصد… أن العالم الخارجي متصل به منذ البداية؟”إلياس أومأ.“…بشكل جزئي.”“لكن بعد الانهيار الأول…”“…أصبح الفصل بين الواقع والشبكة غير كامل.”شعرت بأنفاسي تضيق.كل شيء يعود لنفس الفكرة.لا يوجد انفصال حقيقي.فقط حدود يظن الناس أنها ثابتة.المرأة قالت بحدة:“تكلم بلغة مفهومة.”إلياس أغلق عينيه للحظة.ثم قال:“إذا انهار قلب الأساس بعنف…”“…فلن تتعطل الأنظمة فقط.”“…بل قد تبدأ العقول بفقدان القدرة على التمييز بين الواقع والإدراك المشترك.”برد جسدي بالكامل.رائف فهم أولًا.وشحب وجهه.“…تداخل إدراكي شامل.”نور همست:“…الناس سيرون أشياء لا وجود لها.”“وسيشاركون ذكريات ليست لهم.”أكمل إلياس.“…وقد يفقد بعضهم القدرة على معرفة أنفسهم

  • انا لستُ الأولى    الهدف الحقيقي

    “…القنابل ليست الهدف الحقيقي.”شعرت وكأن البرج كله توقف عن التنفس.حتى الإنذارات بدت بعيدة للحظة.نظرت إلى آدم داخل التشويش.وجهه كان يتقطع بين الضوء الأبيض والرموز العسكرية.كأنه يقف بين عالمين في الوقت نفسه.“ماذا تقصد؟”صرخت.لكنه لم يجب فورًا.بل كان ينظر إلى شيء داخل الشبكة.شيء لا نستطيع رؤيته.ثم قال ببطء:“…القنابل مجرد غطاء.”رائف شحب وجهه.ولأول مرة منذ رأيناه—ظهر عليه خوف حقيقي.“لا…”همس.إلياس التفت إليه فورًا.“ماذا فعلتم؟”رائف لم يجب.وهذا كان كافيًا.نور اقتربت من الشاشة بصدمة.“هناك شيء آخر داخل النظام؟”آدم أومأ ببطء.ثم ظهرت أمامنا خرائط جديدة على الشاشات.ليست لمسارات القنابل.بل لشبكة ضخمة تمتد تحت المدن.داخل الأبراج.المستشفيات.مراكز البيانات.حتى البيوت.شعرت بقشعريرة.“…ما هذا؟”إلياس نظر إلى الخرائط.ثم أغلق عينيه بألم.“…البنية العميقة.”“أي بنية؟!”صرخت المرأة.لكن رائف أجاب أخيرًا.وصوته هذه المرة لم يعد باردًا تمامًا.“…بعد انهيار Echo الأول…”“…قمنا بزرع شبكة احتياطية داخل العالم الخارجي.”شعرت بالغثيان.“احتياطية لماذا؟”“في حال عاد الاتصال الجماعي.”

  • انا لستُ الأولى    الدخول إلى الشبكة

    “…سأدخل إلى الشبكة العسكرية.”الصمت الذي تبع الجملة كان مرعبًا أكثر من الصراخ.حتى الإنذارات داخل البرج بدت بعيدة للحظة.شعرت ببرودة تسري في جسدي بالكامل.“لا.”قلت فورًا.لكن آدم كان ينظر إلى السماء الظاهرة على الشاشات.إلى مسارات القنابل الثلاث.أضواء حمراء تتحرك بسرعة نحو المنطقة.المرأة اقتربت من الحافة.“هل هذا ممكن أصلًا؟”إلياس أجاب بصوت ثقيل:“…إذا كان متصلًا بالصفر الآن…”“…فهو لا يلمس العقول فقط.”“بل كل شبكة مرتبطة بـ Echo.”نور شهقت بخفة.“حتى الأنظمة الدفاعية…”أومأ إلياس ببطء.لكن وجهه كان مليئًا بالخوف.“إذا دخل بعمق أكثر…”“…قد لا يستطيع العودة.”شعرت بالغضب والخوف يختلطان داخلي.“كفى.”قلت بعنف.“كل حل هنا يتطلب أن يختفي أحد!”آدم التفت نحوي أخيرًا.وابتسم.تلك الابتسامة الهادئة التي أصبحت أكرهها لأنها دائمًا تسبق شيئًا سيئًا.“…هذه ليست تضحية.”قال.“بل اختيار.”“لا تجرؤ على قول ذلك وكأنه شيء بسيط!”صرخت.البحر الأبيض تحته ارتجف.الوجوه داخله بدأت تتحرك ببطء.تشعر بتوتري.بتوتره.حتى الصفر صار يتنفس معنا الآن.آدم قال بهدوء:“إذا انفجرت القنابل…”“…سينتهي كل شيء.”“إ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status