Share

مَن بقوا

last update publish date: 2026-05-10 20:22:03

“لأن من اختاروا البقاء… ليسوا جميعًا بشرًا.”

توقف الصوت.

وبقي التشويش.

تجمدت في مكاني، والجهاز القديم بين يدي يصدر ذلك الصوت الخافت، كأنه نفس أخير لشيء لم يمت تمامًا.

المرأة رفعت رأسها ببطء.

كان وجهها شاحبًا، وكتفها ينزف، لكنها لم تنظر إلى جرحها.

كانت تنظر إلى الجهاز.

“…أعيديها.”

قالت بصوت منخفض.

نظرت إليها.

“ماذا؟”

“الرسالة.”

ضغطت الزر مرة أخرى.

تشويش.

ثم صوتي المسجل عاد:

“إذا نجحتِ في فتح الطريق الثالث…”

“فلا تثقي بالسماء الهادئة.”

“لأن من اختاروا البقاء… ليسوا جميعًا بشرًا.”

انتهت.

الصمت الذي تبعها كان أثقل من أي صراخ.

نظرت إلى السماء عبر الشق في السقف.

كانت زرقاء.

هادئة.

مخيفة بهدوئها.

“ما معنى هذا؟”

سألت.

المرأة لم تجب فورًا.

حاولت الوقوف، لكنها تألمت وسقطت مرة أخرى على الجدار.

اقتربت منها بسرعة.

“لا تتحركي.”

قالت وهي تدفع يدي بعيدًا برفق.

“…ليس الآن.”

“أنتِ تنزفين.”

“كلنا ننزف بطريقة ما.”

قالتها بابتسامة متعبة.

لم أبتسم.

لم أستطع.

نظرت إلى الجهاز مرة أخرى.

“من التي سجلت هذه الرسالة؟”

المرأة نظرت إلي طويلًا.

“…أنتِ.”

“أي نسخة؟”

سألت بسرعة.

“لا أعرف.”

قالت.

“لكن إن كانت تعرف بالطريق الثالث قبل أن تفتحيه…”

توقفت.

وشعرت بأن الهواء أصبح أبرد.

“فهذا يعني أن شخصًا ما وصل إلى هذه النقطة من قبل.”

توقفت أنفاسي.

“لكن الفتاة الصغيرة قالت إنني أول من وصل.”

“ربما كانت أول مرة تصلين فيها أنتِ…”

قالت المرأة.

“…وليس أول مرة يصل فيها شيء آخر.”

سرت قشعريرة في ظهري.

شيء آخر.

لم تقل “شخصًا”.

ولم تقل “نسخة”.

قالت: شيء.

خرجنا من المبنى بصعوبة.

كانت المدينة المدمرة مختلفة تمامًا عن آخر مرة رأيتها.

لم تعد تحترق.

لم تعد تصرخ.

لكنها لم تكن حية أيضًا.

الشوارع خالية.

الزجاج المحطم يلمع تحت الشمس.

الريح تحرك أوراقًا قديمة وقطع قماش معلقة على نوافذ مكسورة.

لا حصادون.

لا تشوهات.

لا عين في السماء.

ومع ذلك—

كان هناك شعور بأن شيئًا يراقب من خلف الهدوء.

نظرت إلى الأفق.

الخيوط الضوئية ما زالت تصعد من أماكن مختلفة في المدينة.

بعضها يختفي في السماء.

وبعضها يبقى معلقًا.

كأنه لا يعرف أين يذهب.

“هؤلاء الذين اختاروا؟”

سألت.

المرأة أومأت.

“بعضهم رحل.”

“وبعضهم بقي.”

“وبعضهم…”

توقفت.

“ماذا؟”

“…لم يختر بعد.”

مشينا بين الشوارع ببطء.

كانت المرأة تستخدم قطعة حديد كعكاز.

أما أنا فكنت أتحسس أثر العلامة على وجهي وعنقي بين فترة وأخرى.

اختفت تقريبًا.

لكن مكانها ما زال ساخنًا قليلًا.

كأن شيئًا ترك أثره تحت جلدي.

“هل ما زال بداخلي؟”

سألت فجأة.

المرأة عرفت من أقصد دون أن أقول اسمه.

“لا أعرف.”

“لكنه اختفى.”

“لا شيء يختفي تمامًا هنا.”

قالت.

“لقد تعلمتِ ذلك.”

صمتُّ.

لأنها كانت محقة.

كل شيء هنا يعود بشكل أو بآخر.

النسخ.

الذكريات.

الأصوات.

حتى الخوف.

مررنا بجانب متجر قديم واجهته محطمة.

انعكاسي ظهر في قطعة زجاج كبيرة.

توقفت.

وجهي كان وجهي.

لكن عينيّ بدتا مختلفتين.

أعمق.

أكثر تعبًا.

كأنني عشت عمرًا أطول مما يحتمله جسد واحد.

وفجأة—

رأيت شيئًا خلفي في الانعكاس.

ظل.

التفت بسرعة.

لا شيء.

“ماذا رأيتِ؟”

سألت المرأة.

“لا شيء…”

لكنني لم أكن مقتنعة.

في الزجاج، ظهر الظل مرة أخرى.

هذه المرة لم يختفِ.

وقف خلفي.

طويلًا.

هادئًا.

بلا ملامح واضحة.

رفعت يدي ببطء.

وانعكاسي فعل الشيء نفسه.

لكن الظل—

اقترب.

في الزجاج فقط.

تراجعت بسرعة.

“هناك شيء في الانعكاس.”

المرأة رفعت سلاحها فورًا.

“لا تنظري إليه.”

“ما هو؟”

“بقايا.”

“بقايا ماذا؟”

“الذين بقوا…”

قالت بصوت خافت.

“…لكنهم لم يعودوا كما كانوا.”

الزجاج بدأ يتشقق من الداخل.

ليس من سطحه.

بل كأن شيئًا يدفعه من الجهة الأخرى.

ثم—

سمعنا طرقًا خفيفًا.

واحدة.

اثنتان.

ثلاث.

من داخل الزجاج.

المرأة أمسكت بيدي وسحبتني بعيدًا.

“لا.”

قالت بحدة.

“لا تفتحي أي انعكاس.”

“أي انعكاس؟!”

“الطريق الثالث فتح مخارج كثيرة.”

قالت وهي تسحبني.

“ليست كلها آمنة.”

ابتعدنا عن المتجر.

لكنني سمعت الهمس خلفنا.

صوتًا ضعيفًا.

كأنه يأتي من تحت الماء.

“…لا تتركينا.”

توقفت.

المرأة شدت يدي.

“لا.”

“ربما يحتاج مساعدة.”

قلت.

نظرت إلي بقسوة.

“أو ربما يحتاج جسدًا.”

برد جسدي.

لم أتكلم بعدها.

واصلنا المشي حتى وصلنا إلى ساحة واسعة.

كانت في وسط المدينة.

فيها نافورة جافة، وحولها تماثيل مكسورة لا أعرف أصحابها.

لكن ما جعلني أتوقف—

أن الساحة لم تكن فارغة.

كان هناك أشخاص.

عشرات.

يقفون بصمت.

كلهم يلبسون ملابس مختلفة.

بعضهم يبدو عاديًا.

بعضهم شفاف قليلًا.

وبعضهم…

كان يتحرك بطريقة غير طبيعية.

كأن جسده لا يطيع ذاكرته.

المرأة توقفت فورًا.

“ابقَي خلفي.”

لكنهم لم يهاجمونا.

فقط نظروا إلي.

ثم بدأوا يقتربون ببطء.

رجل مسن تقدم أولًا.

وجهه شاحب، لكن عينيه كانتا واضحتين.

“أنتِ من فتحتِ الطريق.”

قال.

لم أجب.

لم أعرف ماذا أقول.

امرأة بجانبه قالت:

“هل انتهت الدورات؟”

ابتلعت ريقي.

“أظن… نعم.”

همهمة خافتة انتشرت بينهم.

رجل شاب بوجه نصف شفاف ضحك.

لكن ضحكته كانت مؤلمة.

“تظنين؟”

نظرت إليه.

“أنا فعلت ما استطعت.”

“وما استطعتِ فعله حرر البعض…”

قال.

ثم اقترب.

“…وترك البعض الآخر عالقًا.”

المرأة رفعت السلاح.

“تراجع.”

رفع يديه.

“لا أريد القتال.”

ثم نظر إلي.

“أريد جوابًا.”

“عن ماذا؟”

سألته.

“نحن اخترنا البقاء.”

قال.

“لكن هذا المكان ليس حياة.”

نظر حوله.

“ولا موت.”

“ولا نظام.”

“ماذا نحن الآن؟”

لم أعرف.

وهذا كان أسوأ ما في الأمر.

كنت السبب في فتح الاختيار.

لكنني لم أعرف كيف أتعامل مع الذين اختاروا.

“سنجد طريقة.”

قلت.

ضحك الشاب مرة أخرى.

“الكلمة نفسها التي بدأ بها المشروع.”

شعرت كأنه صفعني.

المرأة تدخلت بسرعة.

“إذا أردتم النجاة، ابتعدوا عن الانعكاسات والظلال.”

الرجل المسن نظر إليها.

“فات الأوان.”

تجمدت.

“ماذا تقصد؟”

فتح الرجل كفه.

وفي منتصف راحته كانت هناك علامة سوداء صغيرة.

ليست مثل علامتي.

أصغر.

لكنها تتحرك.

مثل نقطة حبر حي.

تراجعت خطوة.

“لا…”

المرأة شحبت.

“كم واحدًا منكم يحمل هذا؟”

لم يجب أحد.

لكن ببطء—

رفع كثيرون أيديهم.

علامات سوداء.

على الكف.

العنق.

الجبين.

أو تحت العين.

شعرت بأن الأرض تميل بي.

“هذا مستحيل.”

قالت المرأة بصوت مخنوق.

“الوعي الأسود انتهى.”

الرجل الشاب قال:

“ربما لم ينتهِ.”

ثم ابتسم.

“ربما توزع.”

توقفت أنفاسي.

توزع.

في الذين بقوا.

نظرت إلى السماء.

الخيوط التي بقيت معلقة كانت تنبض بلون خافت.

ليس أبيض.

ولا ذهبيًا.

بل رمادي يميل إلى الأسود.

“هذا ما قصدته الرسالة…”

همست.

“من بقوا ليسوا جميعًا بشرًا.”

فجأة—

أحد الواقفين في الخلف بدأ يرتجف.

رجل في منتصف العمر.

أمسك رأسه وصرخ.

الجميع تراجع.

العلامة على عنقه بدأت تكبر بسرعة.

تتمدد كجذور سوداء تحت الجلد.

“ابتعدوا!”

صرخت المرأة.

الرجل سقط على ركبتيه.

صوته تغير.

صار أعمق.

متقطعًا.

“نحن…”

رفع رأسه.

عيناه أصبحتا سوداوين للحظة.

“…لم نرحل.”

ثم انفجر جسده إلى دخان أسود.

صرخ الجميع.

الدخان لم يتبدد.

بل تجمع في الهواء، واتخذ شكلًا بشريًا.

ليس حصادًا.

ولا وعيًا أسود كاملًا.

بل شيء بينهما.

فتح عينيه.

وكانت عينيه—

عيناي.

تراجعت.

“لا…”

الشيء نظر إلي.

ثم قال بصوت هادئ:

“أنتِ فتحتِ الباب.”

ثم أشار إلى الناس حولنا.

“والآن… علينا أن نختار أجسادنا.”

بدأ الناس يهربون في كل اتجاه.

المرأة أطلقت النار.

الطلقة مرت خلال الدخان.

لم تؤثر.

الشيء ابتسم.

ثم اندفع نحو أقرب شخص.

امرأة شابة.

صرخت.

لكن قبل أن يصل إليها—

رفعت يدي دون تفكير.

“توقف!”

خرج من كفي ضوء أبيض خافت.

ليس قويًا.

لكنه ضرب الظل ودفعه للخلف.

تجمدت.

المرأة نظرت إلي بصدمة.

“كيف فعلتِ ذلك؟”

نظرت إلى يدي.

لم تكن هناك علامة سوداء.

بل خط أبيض رفيع ظهر للحظة ثم اختفى.

الشيء الدخاني تراجع.

ثم ضحك.

“إذن احتفظتِ بالمفتاح.”

المفتاح.

الكلمة أصابتني كذكرى.

الكرسي.

المركز.

الأبواب.

الاختيار.

رفعت يدي مرة أخرى.

لكن الضوء لم يظهر.

“لا…”

همست.

الشيء اندفع نحوي هذه المرة.

المرأة حاولت الوقوف أمامي.

لكنني دفعتها بعيدًا.

لم أعرف لماذا.

فقط شعرت أن هذا الشيء لا يريد قتلها.

يريدني أنا.

قبل أن يصل إلي—

سمعت صوتًا داخليًا.

ضعيفًا جدًا.

ليس الوعي الأسود كما كان.

بل صدى.

“لا تدفعيه.”

تجمدت.

“ماذا؟”

“اسمعيه.”

الظل اصطدم بي.

لم أسقط.

بل دخل من خلالي.

شهقت.

كل شيء تجمد.

رأيت داخله.

لم يكن وحشًا.

كان عشرات العقول الممزقة.

أشخاص اختاروا البقاء، لكن لم يعرفوا كيف يبقون منفصلين.

كانوا يصرخون.

يتداخلون.

يبحثون عن شكل.

عن ذاكرة.

عن حدود.

دموعي نزلت.

“أنتم لستم وحوشًا…”

همست.

“…أنتم خائفون.”

الدخان ارتجف.

ثم بدأ ينسحب مني.

تجمع أمامي مرة أخرى.

لكن شكله أصبح أقل رعبًا.

أقرب إلى إنسان.

“نحن لا نعرف كيف نبقى.”

قال.

صوته لم يعد صوتًا واحدًا.

بل أصوات كثيرة تتكلم معًا.

“لقد أعطيتِنا الاختيار…”

“لكن لم تعطينا طريقة.”

شعرت بالذنب ينهش صدري.

كانوا محقين.

فتحت الباب الثالث…

لكنني لم أبنِ الطريق بعده.

نظرت إلى الناس في الساحة.

الخوف في عيونهم.

العلامات على أجسادهم.

السماء الهادئة فوقنا.

كلها كذبة مؤقتة.

لم تنتهِ القصة.

بل بدأت بشكل مختلف.

قلت بصوت ثابت قدر الإمكان:

“سأجد طريقة.”

الشاب نصف الشفاف سأل بمرارة:

“وماذا لو فشلتِ؟”

نظرت إليه.

ثم إلى الظل أمامي.

ثم إلى المرأة.

“إذن لن أعيد الدوامة.”

قلت.

“ولن أجبر أحدًا على طريق.”

“لكنني لن أترككم تتحولون إلى شيء لا تريدونه.”

الظل اقترب خطوة.

“وإن كنا نريد جسدًا؟”

سكت الجميع.

السؤال كان مرعبًا.

لكنني لم أهرب منه.

“إذن يجب أن يكون الجسد لكم.”

قلت.

“لا مسروقًا.”

الظل سكت.

ثم قال:

“اصنعيه.”

تجمدت.

“ماذا؟”

“أنتِ فتحتِ الطريق.”

قالت الأصوات.

“أكمليه.”

وقبل أن أجيب—

اهتزت السماء.

ليس مثل السابق.

لا شق أسود.

بل موجة خفيفة مرت فوقها.

ثم ظهرت كتابة ضخمة في الأفق.

كأنها محفورة داخل الضوء:

CORE ACCESS REMAINS ACTIVE

المرأة همست:

“النواة لم تُغلق…”

نظرت إلى يدي.

الخط الأبيض ظهر مرة أخرى.

هذه المرة أوضح.

كأنه خيط صغير تحت الجلد.

ثم سمعت الرسالة القديمة من الجهاز تعمل وحدها على الأرض.

تشويش.

ثم صوتي:

“إذا ظهرت العلامة البيضاء…”

“فهذا يعني أن الطريق الثالث لم يكتمل.”

توقفت أنفاسي.

الصوت أكمل:

“ارجعي إلى النواة…”

“قبل أن يطالب الباقون بأجساد الأحياء.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • انا لستُ الأولى    اللّذين خارج السيطرة

    “راقبنا اختياركم.”“والآن جاء دورنا.”الكلمات بقيت معلقة على الشاشات السوداء كأنها نُقشت داخل الهواء نفسه.لا مصدر.لا توقيع.ولا أي أثر يدل على من أرسلها.البرج كله صمت.حتى الخيوط البيضاء حولنا توقفت عن الحركة للحظة قصيرة.شعرت ببرودة تسري في ظهري ببطء.المرأة كانت أول من تكلم.“…لا.”همست.“أخبروني أن هذا ليس مستوى جديدًا من الجنون.”لكن لا أحد أجابها.لأن الجميع شعر بنفس الشيء.هذه الرسالة مختلفة.ليست من الصفر.ولا من شبكة الظل.ولا من القلب الأول.شيء آخر.شيء كان يراقب كل ما حدث بصمت.رائف ظهر على الشاشة مجددًا.ملامحه أكثر توترًا من أي وقت مضى.“هل هذا منكم؟”سأل إلياس مباشرة.إلياس هز رأسه ببطء.“…لا أعرف هذا التوقيع.”نور اقتربت من إحدى الشاشات.كانت البيانات تتحرك بسرعة.لكن المصدر…غير موجود.“مستحيل.”همست.“حتى الأنظمة المعزولة تترك أثرًا.”الطفلة عند الباب نظرت إلى الرسالة بصمت طويل.ثم قالت بهدوء:“…إنهم لم يكونوا داخل الشبكة أصلًا.”شعرت بالقشعريرة.“ماذا يعني ذلك؟”التفتت إلي.“…هناك من رفضوا Echo منذ البداية.”“ورفضوا الصفر.”“ورفضوا حتى شبكة الظل.”المرأة عقدت حاجب

  • انا لستُ الأولى    الاستيقاظ

    “…لقد استيقظ.”همست الطفلة بالكلمات.وفي اللحظة نفسها—اختفى الصوت من العالم.لم يعد هناك صراخ.لا إنذارات.لا تشويش.حتى نبض القلب المعدني في البرج توقف.كان الصمت كاملًا بطريقة غير طبيعية.ثم—شعرت به.شيء هائل يتحرك تحت كل الطبقات.ليس جسدًا.ولا كيانًا.بل وعي قديم جدًا يفتح عينيه بعد نوم طويل.الأرض اهتزت تحت أقدامنا.ثم بدأت الجدران حولنا تتلاشى.البرج الأسود.الشاشات.القلب المعدني.كلها صارت شفافة، كأننا لم نعد نقف داخل مكان، بل داخل ذاكرة المكان.المرأة اقتربت مني بسرعة.“ماذا يحدث؟”لم أعرف كيف أجيب.الطفلة رفعت يدها نحو الباب الضخم.“القلب الأول لم يعد نائمًا.”إلياس شحب وجهه.“إذا اتصل بالكامل…”قاطعته الطفلة بهدوء:“…لن يتصل كما تظنون.”نظر إليها.“ماذا يعني هذا؟”لكن قبل أن تجيب—ظهر الضوء.ليس من الباب فقط.بل من كل الجهات.خيوط لا تُحصى خرجت من الجدران.من البحر الأبيض.من الأرشيف السفلي.من الخارج.من الصفر.من شبكة الظل المنهارة.كلها ارتفعت في الهواء والتفت حولنا.ثم ظهرت داخل كل خيط صورة.إنسان.ذكرى.خوف.اختيار.شعرت أنني أقف وسط تاريخ البشر كله.نور كانت تنظر حو

  • انا لستُ الأولى    الأصل

    ORIGINالكلمة كانت تتوهج فوق الباب العملاق تحت البحر الأبيض كأنها شيء حي.ليست مجرد حروف.بل وعد.أو تهديد.البرج كله صمت للحظة طويلة.حتى الإنذارات بدت بعيدة جدًا.كنت أحدق في الباب فقط.وأشعر أن شيئًا داخلي يعرفه.رغم أنني لم أره من قبل.البحر الأبيض حوله كان يتحرك ببطء.الوجوه داخله تراقبنا.العابرون في المدينة السفلى توقفوا عن الصراخ.حتى الخوف نفسه بدا وكأنه ينتظر.القلب الأول قال بصوته الهادئ الهائل:“…هناك بدأ كل شيء.”نور همست:“…الأصل.”إلياس شحب وجهه أكثر.“لا…”قالها كأنه يتوسل.“…لا تفتح الباب.”العين العملاقة التفتت نحوه ببطء.“…أنت من أغلقه.”شعرت بقشعريرة.“ما الموجود هناك؟”سألت.لكن إلياس لم يجب فورًا.كان ينظر إلى الباب وكأنه يرى أسوأ لحظة في حياته.ثم قال بصوت مكسور:“…أول اتصال بشري كامل.”“تقصد الصفر؟”هززت رأسي فورًا.“…لا.”أجاب.“…قبل الصفر.”شعرت بأنفاسي تضيق.كم طبقة أخرى تحت هذا العالم؟كم مرة حاول البشر لمس شيء أكبر منهم؟القلب الأول قال:“…عندما أرادوا بناء فهم كامل للبشر…”“…استخدموا شيئًا لم يكن يجب لمسه.”نور اقتربت خطوة.“ماذا؟”الصمت طال.ثم—“…الوعي

  • انا لستُ الأولى    قلب الاساس

    “…بل الواقع المرتبط به أيضًا.”الجملة بقيت معلقة في الهواء كأن البرج نفسه خاف منها.شعرت ببرودة تمتد في صدري ببطء.“ماذا يعني الواقع المرتبط به؟”سألت بصوت خرج أضعف مما أردت.إلياس ظل يحدق في النقطة الحمراء العميقة على الشاشة.FOUNDATION COREثم قال بهدوء مرعب:“…Echo لم يكن مجرد نظام.”“بل طبقة مضافة فوق الإدراك البشري.”تجمدت.“ماذا؟”نور اقتربت من الشاشة ببطء.“تقصد… أن العالم الخارجي متصل به منذ البداية؟”إلياس أومأ.“…بشكل جزئي.”“لكن بعد الانهيار الأول…”“…أصبح الفصل بين الواقع والشبكة غير كامل.”شعرت بأنفاسي تضيق.كل شيء يعود لنفس الفكرة.لا يوجد انفصال حقيقي.فقط حدود يظن الناس أنها ثابتة.المرأة قالت بحدة:“تكلم بلغة مفهومة.”إلياس أغلق عينيه للحظة.ثم قال:“إذا انهار قلب الأساس بعنف…”“…فلن تتعطل الأنظمة فقط.”“…بل قد تبدأ العقول بفقدان القدرة على التمييز بين الواقع والإدراك المشترك.”برد جسدي بالكامل.رائف فهم أولًا.وشحب وجهه.“…تداخل إدراكي شامل.”نور همست:“…الناس سيرون أشياء لا وجود لها.”“وسيشاركون ذكريات ليست لهم.”أكمل إلياس.“…وقد يفقد بعضهم القدرة على معرفة أنفسهم

  • انا لستُ الأولى    الهدف الحقيقي

    “…القنابل ليست الهدف الحقيقي.”شعرت وكأن البرج كله توقف عن التنفس.حتى الإنذارات بدت بعيدة للحظة.نظرت إلى آدم داخل التشويش.وجهه كان يتقطع بين الضوء الأبيض والرموز العسكرية.كأنه يقف بين عالمين في الوقت نفسه.“ماذا تقصد؟”صرخت.لكنه لم يجب فورًا.بل كان ينظر إلى شيء داخل الشبكة.شيء لا نستطيع رؤيته.ثم قال ببطء:“…القنابل مجرد غطاء.”رائف شحب وجهه.ولأول مرة منذ رأيناه—ظهر عليه خوف حقيقي.“لا…”همس.إلياس التفت إليه فورًا.“ماذا فعلتم؟”رائف لم يجب.وهذا كان كافيًا.نور اقتربت من الشاشة بصدمة.“هناك شيء آخر داخل النظام؟”آدم أومأ ببطء.ثم ظهرت أمامنا خرائط جديدة على الشاشات.ليست لمسارات القنابل.بل لشبكة ضخمة تمتد تحت المدن.داخل الأبراج.المستشفيات.مراكز البيانات.حتى البيوت.شعرت بقشعريرة.“…ما هذا؟”إلياس نظر إلى الخرائط.ثم أغلق عينيه بألم.“…البنية العميقة.”“أي بنية؟!”صرخت المرأة.لكن رائف أجاب أخيرًا.وصوته هذه المرة لم يعد باردًا تمامًا.“…بعد انهيار Echo الأول…”“…قمنا بزرع شبكة احتياطية داخل العالم الخارجي.”شعرت بالغثيان.“احتياطية لماذا؟”“في حال عاد الاتصال الجماعي.”

  • انا لستُ الأولى    الدخول إلى الشبكة

    “…سأدخل إلى الشبكة العسكرية.”الصمت الذي تبع الجملة كان مرعبًا أكثر من الصراخ.حتى الإنذارات داخل البرج بدت بعيدة للحظة.شعرت ببرودة تسري في جسدي بالكامل.“لا.”قلت فورًا.لكن آدم كان ينظر إلى السماء الظاهرة على الشاشات.إلى مسارات القنابل الثلاث.أضواء حمراء تتحرك بسرعة نحو المنطقة.المرأة اقتربت من الحافة.“هل هذا ممكن أصلًا؟”إلياس أجاب بصوت ثقيل:“…إذا كان متصلًا بالصفر الآن…”“…فهو لا يلمس العقول فقط.”“بل كل شبكة مرتبطة بـ Echo.”نور شهقت بخفة.“حتى الأنظمة الدفاعية…”أومأ إلياس ببطء.لكن وجهه كان مليئًا بالخوف.“إذا دخل بعمق أكثر…”“…قد لا يستطيع العودة.”شعرت بالغضب والخوف يختلطان داخلي.“كفى.”قلت بعنف.“كل حل هنا يتطلب أن يختفي أحد!”آدم التفت نحوي أخيرًا.وابتسم.تلك الابتسامة الهادئة التي أصبحت أكرهها لأنها دائمًا تسبق شيئًا سيئًا.“…هذه ليست تضحية.”قال.“بل اختيار.”“لا تجرؤ على قول ذلك وكأنه شيء بسيط!”صرخت.البحر الأبيض تحته ارتجف.الوجوه داخله بدأت تتحرك ببطء.تشعر بتوتري.بتوتره.حتى الصفر صار يتنفس معنا الآن.آدم قال بهدوء:“إذا انفجرت القنابل…”“…سينتهي كل شيء.”“إ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status