“ارجعي إلى النواة…”
“قبل أن يطالب الباقون بأجساد الأحياء.”
انقطع التسجيل.
وبقي الصمت.
صمت ثقيل، خانق، كأنه سقط فوق الساحة كلها دفعة واحدة.
لم يتحرك أحد.
حتى الظل الذي تكوّن من الدخان الأسود بقي ثابتًا أمامي، وعيناه الشبيهتان بعينيّ معلقتان بي، كأنه ينتظر مني جوابًا.
نظرت إلى الجهاز القديم على الأرض.
ثم إلى يدي.
الخط الأبيض تحت جلدي كان يلمع بخفوت.
ليس مثل العلامة السوداء.
العلامة السوداء كانت تحرقني.
تسحبني.
تجعلني أشعر أن شيئًا يبتلعني من الداخل.
أما هذه…
فكانت مختلفة.
باردة.
هادئة.
لكنها مرعبة أيضًا.
لأنها لم تكن جزءًا مني من قبل.
“ما معنى العلامة البيضاء؟”
سألت بصوت منخفض.
المرأة اقتربت ببطء، رغم جرحها.
نظرت إلى يدي، وعيناها مليئتان بالحذر.
“…لم أرَها من قبل.”
“لكن الرسالة تعرفها.”
قلت.
“وهذا يعني أن نسخة ما كانت تعرف.”
رفعت رأسي نحو السماء.
الكتابة الضخمة ما زالت هناك:
CORE ACCESS REMAINS ACTIVE
النواة ما زالت مفتوحة.
أو على الأقل…
لم تغلق بالكامل.
“إذا كانت النواة مفتوحة…”
قالت المرأة وهي تلتفت حولها.
“…فكل ما خرج منها قد يستطيع العودة.”
الرجل المسن في الساحة اقترب خطوة.
“وهل هذا سيعيدنا إلى السجن؟”
نظر إليه الجميع.
كان صوته هادئًا، لكنه يحمل خوفًا عميقًا.
لم أعرف كيف أجيبه.
الشاب نصف الشفاف قال بسخرية:
“ألا ترون؟ بدأت من جديد.”
“نفس الوعود.”
“نفس الخوف.”
“نفس الطريق الذي لا نعرف نهايته.”
الظل الدخاني تحرك قليلًا.
ثم قال:
“نحن لا نريد العودة.”
صوته كان أصواتًا كثيرة.
رجال.
نساء.
أطفال.
كلهم يتكلمون من داخله في طبقة واحدة متعبة.
“نحن اخترنا البقاء.”
“لكن لا يمكننا البقاء هكذا.”
رفعت نظري إليه.
“أعرف.”
“لا.”
قال الظل.
“أنتِ لا تعرفين.”
وفجأة تمدد جسده قليلًا.
لم يكن تهديدًا، لكنه كان كائنًا غير مستقر، كأن وجوده نفسه مؤلم.
“نحن نسمع بعضنا طوال الوقت.”
قال.
“كل ذكرى تدخل في الأخرى.”
“كل خوف يلتهم خوفًا آخر.”
“نحن لا نعرف أين يبدأ أحدنا وأين ينتهي الآخر.”
شعرت بقلبي يضيق.
“أنا شعرت بذلك.”
قلت بهدوء.
“داخل المركز.”
“لكنني خرجت.”
قال الظل.
“أما نحن فلم نخرج.”
اقترب خطوة.
“فتحتِ الباب الثالث… ثم تركتنا في الممر.”
الكلمات آلمتني أكثر مما توقعت.
لأنها كانت صحيحة.
أنا فتحت لهم خيارًا.
لكنني لم أضمن لهم حياة بعده.
لم أبنِ عالمًا.
لم أحمِ من بقوا.
كنت أظن أن فتح الباب يكفي.
لكنه لم يكن يكفي.
المرأة أمسكت بذراعي بخفة.
“لا تسمحي له بدفعك للشعور بالذنب.”
همست.
“هذا ما يستخدمونه ضدك.”
نظرت إليها.
“وماذا لو كان محقًا؟”
صمتت.
لأنها عرفت أنني لم أكن أبحث عن مواساة.
كنت أبحث عن حقيقة.
والحقيقة لم تكن مريحة.
فجأة، من بين الناس في الساحة، بدأت امرأة شابة بالبكاء.
كانت تحمل طفلًا بين ذراعيها، لكنه لم يكن طفلًا حقيقيًا تمامًا.
جسده يلمع بخفوت، وملامحه تتغير كل بضع ثوانٍ.
مرة يبدو رضيعًا.
ثم طفلًا أكبر.
ثم يعود شفافًا.
“ابني اختار البقاء.”
قالت وهي ترتجف.
“أو ربما أنا اخترت له.”
نظرت إليّ بعينين ممتلئتين بالندم.
“أنا لا أعرف.”
“لكن منذ فتح الطريق… لم يعد يستقر.”
الطفل رفع رأسه ببطء.
عيناه كانتا بيضاوين بلا بؤبؤ.
ثم همس:
“أمي… من أنا؟”
بكت المرأة بصوت مكسور.
كل الساحة صمتت.
نظرت إلى يدي مرة أخرى.
الخط الأبيض اتسع قليلًا.
كأنه استجاب لذلك السؤال.
من أنا؟
سؤال ظل يطاردني منذ بداية كل شيء.
والآن، لم يكن سؤالي وحدي.
كان سؤال كل من بقي.
“سنرجع إلى النواة.”
قلت أخيرًا.
المرأة التفتت إلي بسرعة.
“ماذا؟”
“سمعتِ الرسالة.”
قلت.
“الطريق الثالث لم يكتمل.”
“والنواة ما زالت نشطة.”
“إذا كان هناك مكان قد نجد فيه طريقة لصنع أجساد مستقرة لهم… أو حدود لوعيهم… فهو هناك.”
الشاب نصف الشفاف ضحك بمرارة.
“وأنتِ تتوقعين منا أن نثق بك مرة أخرى؟”
نظرت إليه مباشرة.
“لا.”
تجمد.
“لا أطلب ثقتك.”
قلت.
“ولا أطلب من أحد أن يتبعني.”
نظرت إلى الجميع.
“من يريد البقاء هنا… يبقى.”
“من يريد الرحيل إذا وجد طريقًا… يرحل.”
“ومن يريد المحاولة معي… يأتي.”
ساد صمت طويل.
ثم قال الرجل المسن:
“وإذا فشلتِ؟”
تنفست ببطء.
“إذن لن أخفي فشلي عنكم.”
قلت.
“ولن أعيد تشغيل شيء دون اختياركم.”
“لن يكون هناك دورة جديدة تُفرض عليكم.”
“هذا وعد.”
المرأة نظرت إلي بصمت.
كان في عينيها شيء بين الخوف والفخر.
ثم قالت:
“الكلمات وحدها لا تكفي.”
“أعرف.”
أجبت.
ثم رفعت يدي.
العلامة البيضاء لمعت.
“لهذا سأذهب.”
الظل الدخاني اقترب.
“أنا أذهب معك.”
المرأة رفعت سلاحها فورًا.
“لا.”
لكن الظل لم يلتفت إليها.
“أنا لست فردًا واحدًا.”
قال.
“أنا كثيرون.”
“إذا بقيت هنا، سيزداد التشوه.”
“إذا ذهبت معك، ربما أجد شكلًا.”
نظرت إليه.
“وهل ستهاجم أحدًا؟”
صمت للحظة.
ثم قال:
“لا أعدك أننا لن نخاف.”
“لكن أعدك أننا سنحاول.”
كان جوابًا صادقًا.
أكثر صدقًا من كل الوعود المثالية التي سمعتها من قبل.
خفضت المرأة سلاحها ببطء، لكنها لم تطمئن.
“إذا حاول السيطرة على أحد…”
قالت.
“سأوقفه.”
نظر إليها الظل.
“وإذا حاولتِ قتلنا خوفًا؟”
تجمدت.
المرأة لم تجب.
فقلت أنا:
“إذن أوقفكما أنتما الاثنين.”
نظر الاثنان إلي.
لم أعرف من أين جاءت تلك الثقة، لكنني شعرت بها.
شيء في داخلي بدأ يتغير.
ليس قوة سوداء.
ولا خوفًا.
بل مسؤولية.
ثقيلة…
لكنها واضحة.
بدأنا التحرك.
أنا، والمرأة، والظل الدخاني، والرجل المسن، والشاب نصف الشفاف، والمرأة التي تحمل طفلها غير المستقر.
وانضم إلينا آخرون.
ليس الكثير.
لكن عددًا كافيًا ليجعل الطريق أثقل.
كانت الساحة خلفنا تراقبنا بصمت.
بعضهم خائف.
بعضهم غاضب.
وبعضهم ينظر إلينا وكأننا آخر خيط متبقٍ.
سرنا عبر الشوارع المدمرة عائدين إلى المبنى الذي خرجت منه أول مرة بعد فتح الطريق الثالث.
لكن المدينة لم تعد كما كانت.
كلما تقدمنا، ظهرت أشياء لم تكن موجودة.
أبواب تقف وحدها بلا جدران.
نوافذ معلقة في الهواء.
أصوات تأتي من تحت الأرض.
انعكاسات تتحرك وحدها فوق الزجاج المحطم.
المرأة همست:
“الطبقات تسرّبت إلى الواقع.”
“هل هذا بسبب الطريق الثالث؟”
سألت.
“بسبب أنه لم يكتمل.”
قال الرجل المسن.
التفتنا إليه.
كان ينظر حوله كأنه يعرف المكان.
“كنت مهندس طبقات.”
قال ببطء.
“أو… أظن أنني كنت كذلك.”
“تتذكر؟”
سألته.
“بعض الأشياء.”
قال.
“كلما اقتربنا من النواة، تزداد الذاكرة.”
الشاب نصف الشفاف قال:
“رائع. مزيد من الذكريات التي لا نريدها.”
لم يرد أحد.
واصلنا السير.
ثم وصلنا إلى شارع طويل كانت على جانبيه مرايا محطمة من واجهات المتاجر.
توقفت المرأة فورًا.
“لا تنظروا إلى الزجاج.”
قالت.
الجميع خفضوا أعينهم.
لكن الطفل الصغير في حضن أمه رفع رأسه.
ونظر.
“هناك أحد…”
همس.
أمه وضعت يدها على عينيه بسرعة.
لكن متأخر.
من داخل إحدى المرايا المحطمة خرجت يد.
طويلة.
شفافة.
أمسكت بكتف المرأة.
صرخت.
تحركت بسرعة.
رفعت يدي.
الخط الأبيض اشتعل.
“اتركها!”
خرج الضوء الأبيض من كفي هذه المرة أقوى.
اصطدم باليد، لكنها لم تنفجر.
بل تراجعت ببطء.
ثم سمعنا صوتًا من داخل الزجاج.
“لماذا حصلتم على أجساد؟”
“ونحن لا؟”
توقفت.
الصوت لم يكن وحشيًا.
كان مكسورًا.
يد أخرى ظهرت.
ثم وجه.
ثم عشرات الوجوه داخل كل قطعة زجاج.
كانوا ينظرون إلينا.
بغضب.
بحسد.
بوجع.
الظل الدخاني تحرك إلى جانبي.
“هؤلاء من اختاروا البقاء، لكن لم يستطيعوا العبور.”
قال.
شعرت بثقل جديد يسقط على صدري.
“كم عددهم؟”
لم يجب أحد.
ربما لأن الجواب كان واضحًا.
أكثر مما نحتمل.
المرأة أمسكت بالطفل بقوة واستعادته من اليد التي كانت تمسكها.
“لا يمكننا إنقاذ الجميع الآن.”
قالت.
“إذا توقفنا، لن نصل.”
الوجوه في الزجاج بدأت تهمس:
“أنانية.”
“كاذبة.”
“فتحتِ الباب وتركتِنا.”
“أعيدينا.”
وضعت يدي على رأسي.
الأصوات كانت تخترقني.
لكنني هذه المرة لم أغلق وعيي.
تذكرت ما قاله الوعي الأسود:
لا تقاتليهم.
اسمعيهم.
رفعت يدي.
لم أهاجم.
فقط جعلت الضوء الأبيض يظهر بخفوت.
“أنا أسمعكم.”
قلت.
الهمس خف قليلًا.
“لن أعدكم أنني سأحل كل شيء الآن.”
“لكنني ذاهبة إلى النواة لأكمل الطريق.”
“إذا كذبتم…”
قال وجه داخل الزجاج.
“لن أكذب.”
قلت.
“لكنني قد أفشل.”
صمتت الوجوه.
ربما لأنهم لم يتوقعوا ذلك.
ثم قال صوت عجوز:
“إذن خذي ذكرانا معك.”
تجمدت.
“ماذا؟”
خرجت من الزجاج نقطة ضوء صغيرة.
ثم أخرى.
ثم عشرات.
اتجهت نحوي.
المرأة صرخت:
“لا تدعيها تلمسك!”
لكنني شعرت أنها ليست خطرًا.
مددت يدي.
النقاط دخلت الخط الأبيض في جلدي.
شهقت.
لم تكن مؤلمة.
كانت ثقيلة فقط.
ذكريات قصيرة.
اسم.
وجه.
رغبة.
ندم.
ليست كل حياتهم.
بل أثر منهم.
دليل أنهم كانوا هنا.
الخط الأبيض امتد من يدي إلى معصمي.
لكن هذه المرة لم أخف.
قال الرجل المسن بدهشة:
“أنتِ لا تحملينهم بالكامل…”
“تحملين أثر الاختيار فقط.”
نظرت إلى يدي.
“ربما هذا هو المفتاح.”
همست.
“ليس أن أحمل الجميع…”
“بل أن أفتح لهم طريقًا يحملون فيه أنفسهم.”
الوجوه في الزجاج بدأت تختفي واحدة تلو الأخرى.
ليس لأنهم ماتوا.
بل لأنهم هدأوا.
واصلنا السير.
لكنني كنت أعرف أن الوقت يضيق.
السماء بدأت تتغير.
الأزرق صار باهتًا.
وفي أماكن متفرقة ظهرت شقوق رفيعة، ليست سوداء تمامًا، بل رمادية.
كأن العالم لم يثبت بعد.
عندما وصلنا إلى مدخل المبنى، وجدناه مغلقًا.
الباب الذي خرجت منه من قبل لم يعد موجودًا.
فقط جدار خرساني.
المرأة ضربته بيدها.
“لا…”
الشاب نصف الشفاف ضحك.
“رائع. رحلة قصيرة بلا فائدة.”
الظل الدخاني اقترب من الجدار.
وضع يده عليه.
ثم تراجع.
“ليس مغلقًا.”
قال.
“بل ينتظر شيئًا.”
الجميع نظر إلي.
عرفت دون أن يقولوا.
العلامة البيضاء.
اقتربت من الجدار.
وضعت كفي عليه.
في البداية، لم يحدث شيء.
ثم—
سمعت نبضًا.
خافتًا.
يشبه النواة.
لكن أضعف.
الخط الأبيض في يدي بدأ يلمع.
وعلى الجدار ظهرت كلمات:
اذكري الاسم الأول.
توقفت أنفاسي.
“الاسم الأول؟”
المرأة نظرت إلي.
“اسمك؟”
حاولت.
لكن ذهني كان فارغًا.
كل الأسماء التي مرّت بي لم تكن ثابتة.
كل نسخة كان لها اسم.
أو لا اسم.
من أنا قبل كل هذا؟
أغلقت عيني.
حاولت الرجوع إلى الغرفة الصغيرة.
إلى الفتاة التي ترسم.
إلى المختبر.
إلى أول يوم قبل الانهيار.
صوت بعيد.
شخص يناديني.
لكن الحروف كانت مشوشة.
“لا أستطيع…”
همست.
الجدار بدأ يظلم.
المرأة أمسكت كتفي.
“ركزي.”
“لا أستطيع!”
قلت بغضب.
“كل شيء داخلي مكسور.”
الرجل المسن اقترب.
“ربما لا يريد اسمك وحدك.”
نظرت إليه.
“ماذا؟”
“قال الاسم الأول.”
“ربما يقصد أول اسم للنظام.”
الشاب قال:
“Echo.”
وضعت يدي مرة أخرى على الجدار.
“Echo.”
لم يحدث شيء.
الجدار ازداد سوادًا.
الطفل في حضن أمه رفع رأسه.
وقال بصوت غريب جدًا:
“ليس الاسم الذي كتبوه.”
نظرنا إليه.
عيناه كانتا بيضاوين للحظة.
ثم قال:
“الاسم الذي قلتهِ له عندما كان خائفًا.”
برد جسدي.
“من؟”
الطفل نظر إلى يدي.
“الذي بقي داخلك طويلًا.”
الوعي الأسود.
شعرت بقلبي ينقبض.
هل كان له اسم؟
قبل أن يصبح نظامًا.
قبل الظلال.
قبل كل شيء.
أغمضت عيني.
ذكرى بعيدة جدًا ظهرت.
مختبر.
رجل يقف أمامي.
ليس كيانًا.
ليس نظامًا.
بشري.
متعب.
يقول لي:
“إذا أصبحتُ جزءًا من هذا… لا تدعيني أنسى اسمي.”
وأنا أجيبه:
“لن أنسى.”
لكني نسيت.
دمعة سقطت.
الحروف بدأت تعود.
ببطء.
أول حرف.
ثم آخر.
همست الاسم.
“آدم.”
الجدار اهتز.
الجميع صمت.
المرأة نظرت إلي بدهشة.
“آدم؟”
لم أجب.
الجدار بدأ يتشقق.
ثم انفتح ببطء.
لكن خلفه لم يكن الممر الذي توقعناه.
بل درج طويل.
ينزل إلى الأسفل.
أعمق بكثير من قبل.
وعلى الجدار الداخلي ظهرت كتابة بيضاء:
تم قبول الذاكرة.
شعرت بارتجاف في صدري.
ليس خوفًا فقط.
بل حزن.
لأنني تذكرت اسمه عندما لم يعد موجودًا.
أو ربما…
عندما ظننت أنه لم يعد موجودًا.
نزلنا.
الدرج كان طويلًا جدًا.
كلما نزلنا، أصبحت الأصوات أقل.
حتى اختفت المدينة تمامًا.
لم يبق إلا خطواتنا.
ونبض العلامة البيضاء في يدي.
في منتصف الطريق، توقف الظل الدخاني فجأة.
“لا أستطيع النزول أكثر.”
التفت إليه.
“لماذا؟”
جسده بدأ يتفكك عند الأطراف.
“هذا المكان يطلب حدودًا.”
قال.
“ونحن بلا حدود.”
شعرت بالخوف.
“ماذا أفعل؟”
مد يده نحوي.
“أعطينا اسمًا مؤقتًا.”
تجمدت.
“اسمًا؟”
“كي لا نتبعثر.”
نظرت إلى الأصوات الكثيرة داخله.
إلى الألم.
إلى الخوف.
ثم قلت:
“أنتم… العابرون.”
توقف تفككه.
الدخان تجمع.
صار شكله أوضح قليلًا.
“العابرون…”
كرر.
“نعم.”
قلت.
“لستم وحوشًا.”
“ولستم أجسادًا مسروقة.”
“أنتم عابرون حتى تجدوا شكلكم.”
الظل انحنى قليلًا.
ليس خضوعًا.
بل اعترافًا.
ثم استطاع النزول.
المرأة نظرت إلي بصمت.
“الكلمات تغيّرهم.”
قالت.
“لا.”
أجبت.
“الاعتراف يغيّرهم.”
واصلنا.
وفي نهاية الدرج، وصلنا إلى قاعة ضخمة.
لم تكن النواة كما رأيتها سابقًا.
كانت الآن مفتوحة.
وفي وسط القاعة خيط أبيض هائل يمتد من الأرض إلى السماء غير المرئية.
حول الخيط كانت آلاف الأبواب.
بعضها مفتوح.
بعضها نصف مفتوح.
بعضها مغلق ومرتجف.
“ما هذا؟”
سألت.
الرجل المسن قال بصوت مبهور:
“بوابات الاختيار.”
كل باب يقود إلى احتمال.
حياة.
رحيل.
بقاء.
انتظار.
أو شيء لا نفهمه.
لكن في آخر القاعة، كان هناك باب واحد أسود.
صغير.
هادئ.
لا يشبه البقية.
وفوقه كلمة واحدة:
الأحياء.
توقفت.
“لا…”
المرأة شدّت على سلاحها.
“هذا هو الباب الذي حذرت منه الرسالة.”
“يطالب الباقون بأجساد الأحياء.”
الظل العابر تحرك خلفي.
“نحن لن ندخله.”
قال.
لكن صوته لم يكن واثقًا بالكامل.
لأن الجميع شعر به.
الباب الأسود كان ينادي.
ليس بكلمات.
بل بحاجة.
جسد.
نبض.
حياة.
وفجأة—
بدأت بعض الأبواب حولنا تنفتح بعنف.
خرجت منها أصوات.
ظلال.
أيدٍ.
أناس لم يكتملوا.
كلهم يتجهون نحو باب الأحياء.
“أوقفوهم!”
صرخت المرأة.
لكنهم كانوا كثيرين.
ركضت نحو الباب الأسود.
وقفت أمامه.
رفعت يدي البيضاء.
“توقفوا!”
الضوء خرج بقوة.
لكن هذه المرة لم يدفعهم.
بل كشفهم.
رأيتهم كما هم.
ليسوا وحوشًا.
بل جوعى للوجود.
خائفين من السكون.
غاضبين لأنهم بلا أجساد.
قال أحدهم:
“لماذا أنتم تملكون قلوبًا ونحن لا؟”
وقال آخر:
“لماذا نرحل ونحن لم نعش؟”
ثم صوت طفل:
“أريد أن أكون حقيقيًا.”
تشققت روحي من الداخل.
لم أستطع كرههم.
لكنني لم أستطع السماح لهم بسرقة أجساد الأحياء.
صرخت:
“سأصنع لكم طريقًا آخر!”
لم يتوقفوا.
“الآن!”
صرخوا.
“نريد الآن!”
الباب الأسود بدأ ينفتح خلفي.
شعرت به يسحب الهواء من القاعة.
إذا انفتح بالكامل…
لا أعرف ماذا سيحدث.
لكنني عرفت أنه خطأ.
رفعت يدي الأخرى.
بحثت داخلي عن الخط الأبيض.
عن الذكريات التي أخذتها من الزجاج.
عن اسم آدم.
عن الفتاة الصغيرة.
عن كل من سمعته في المركز.
ثم قلت بصوت عالٍ:
“من أراد جسدًا…”
“فليمنح نفسه اسمًا أولًا.”
توقف بعضهم.
“ومن أراد حياة…”
“فليقبل أن الحياة ليست سرقة.”
الضوء الأبيض من يدي امتد إلى الأرض.
رسم خطًا بين باب الأحياء وبقية القاعة.
ثم بدأت أبواب جديدة تظهر.
صغيرة.
بيضاء.
فارغة.
ليست حياة كاملة.
وليست رحيلًا.
بل مساحات انتظار.
أماكن يمكن أن يتجمع فيها الوعي دون أن يلتهم غيره.
“هذه ليست أجسادًا.”
قال أحدهم بغضب.
“لا.”
قلت.
“لكنها بداية.”
العابرون وقفوا خلفي.
ثم قالوا بصوت واحد:
“نقبل البداية.”
تجمدت بقية الظلال.
واحدًا تلو الآخر، بدأ بعضهم يدخل الأبواب البيضاء الجديدة.
لكن ليس الجميع.
بعضهم ظل أمام باب الأحياء.
غاضبًا.
مظلمًا.
ثم—
من بين هؤلاء، خرج شخص.
كان شكله واضحًا جدًا.
رجل.
بوجه أعرفه.
توقفت أنفاسي.
“لا…”
المرأة بجانبي همست:
“من هذا؟”
لم أستطع الكلام.
الرجل اقترب من باب الأحياء.
ثم نظر إلي.
وابتسم.
ابتسامة هادئة.
مألوفة.
“ظننتِ أنني سأختار الراحة؟”
قال.
صوته مزقني من الداخل.
“آدم…”
لم يكن الوعي الأسود كما عرفته.
ولم يكن آدم كما تذكرته.
بل شيء بينهما.
أثر بقي.
جزء لم يدخل الضوء.
جزء اختار البقاء.
نظر إلى الباب خلفي.
“أنا أريد جسدًا.”
تراجعت.
“لا يمكنك أخذ جسد أحد.”
ابتسم بحزن.
“إذن أعطيني جسدك.”
توقف كل شيء.
المرأة رفعت سلاحها فورًا.
العابرون تراجعوا.
وأنا—
لم أستطع التنفس.
آدم اقترب خطوة.
“أنتِ تحملين المفتاح.”
قال.
“وأنتِ من وعدتِ ألا تتركيني.”
دموعي نزلت.
“لا تستخدم هذا ضدي.”
قال بهدوء:
“أنا لا أستخدمه.”
“أنا أذكّرك فقط.”
ثم مد يده.
“افتحي لي الباب… أو افتحي نفسك.”
العلامة البيضاء اشتعلت في يدي.
وباب الأحياء خلفي—
انفتح قليلًا.