Share

الكرسي الاخير

last update publish date: 2026-05-10 00:51:37

الكرسي في المنتصف كان ينتظرني.

بسيط.

هادئ.

بلا أي فخ ظاهر.

وهذا ما جعله أكثر رعبًا.

كل الخيوط الضوئية الممتدة حوله كانت ترتجف، كأنها أنفاس أخيرة لملايين العقول التي بقيت عالقة في هذا المكان.

خطوة واحدة.

ثم أخرى.

اقتربت.

لكن كلما اقتربت، سمعت أكثر.

ضحكات.

بكاء.

أسماء.

دعوات.

ذكريات لا تخصني لكنها تطرق رأسي بقوة.

رأيت أمًا تمسك يد طفلها في شارع محترق.

رأيت رجلًا يكتب رسالة أخيرة ولم يرسلها أبدًا.

رأيت فتاة تغلق عينيها وهي تتمنى أن تستيقظ في عالم آخر.

رأيت آلاف النهايات.

ثم رأيت البداية.

المختبر.

أنا.

الشاشات.

الخوف.

الأمر الأخير.

“لا تدعوهم يختفون.”

وضعت يدي على رأسي.

“كفى…”

همست.

الفتاة الصغيرة وقفت إلى جانبي.

“كلما اقتربتِ من المركز، سمعتِ أكثر.”

“وهل سأتوقف عن سماعهم إذا جلست؟”

نظرت إلي بحزن.

“لا.”

توقفت أنفاسي.

“بل ستسمعينهم جميعًا.”

تراجعت خطوة فورًا.

“لا أستطيع.”

“أعرف.”

قالت بهدوء.

“لا أحد يستطيع وحده.”

ضحكت بمرارة.

“لكنكم تقولون إنني الوحيدة.”

لم تجب.

وهذا كان جوابًا.

الخيوط حولنا بدأت تنطفئ أسرع.

واحد.

ثم آخر.

ثم عشرات.

كل خيط ينطفئ كان يصاحبه صوت قصير.

شهقة.

اسم.

ذكرى تنكسر.

“توقفي عن النظر.”

قالت الفتاة الصغيرة.

لكنني لم أستطع.

“إنهم يموتون.”

“هم عالقون بين الموت والحياة منذ زمن طويل.”

“لا تقوليها هكذا!”

صرخت.

“كأن اختفاءهم شيء سهل!”

اقتربت مني.

“ليس سهلًا.”

“إذن ماذا تريدين مني؟”

سألت بصوت مكسور.

“أن أعيش مكان الجميع؟”

“أن أحمل كل العقول؟”

“أن أضيع أنا حتى يبقى الآخرون؟”

صمتت.

ثم همست:

“أريدك أن تختاري وأنتِ تعرفين الثمن.”

هززت رأسي.

“لا.”

“لا أريد الاختيار.”

“ليس هذه المرة.”

لكن الفراغ اهتز بعنف.

بعيدًا، في الأعلى، تشققت طبقة سوداء داخل البياض.

ومن داخلها بدأت تتساقط ظلال الحصادين.

حتى هنا.

حتى المركز.

“لقد وصلوا.”

همست الفتاة.

التفتُّ بسرعة.

الحصادون كانوا بعيدين، لكنهم يقتربون.

يتحركون بين الخيوط.

وكل خيط يلمسونه يتحول إلى رماد.

صرخت:

“ابتعدوا!”

لم يسمعوا.

أو لم يهتموا.

فتاة صغيرة من الضوء ظهرت داخل أحد الخيوط أمامي.

كانت تنظر إلي بخوف.

ثم مدّت يدها.

“ساعديني…”

وقبل أن ألمسها—

جاء حصاد من خلفها.

والخيط انطفأ.

اختفت.

لا صوت.

لا أثر.

شيء انكسر داخلي.

ركضت نحو الكرسي.

لكنني توقفت قبل أن ألمسه.

لأنني رأيت شيئًا على المقعد.

جملة محفورة.

بخط يدي.

“لا تجلسي قبل أن تتذكري النهاية.”

توقفت أنفاسي.

“النهاية…؟”

الفتاة الصغيرة أغمضت عينيها.

“كنت أخشى أن تريها.”

نظرت إليها ببطء.

“أي نهاية؟”

لم تجب.

فمددت يدي نحو الكرسي.

وفور أن لمست حافته—

انفجر المشهد أمامي.

لم أعد في المركز.

كنت في المختبر.

لكن هذه المرة، في آخر يوم.

الإنذارات كانت تصرخ.

الأضواء الحمراء تملأ المكان.

الناس يركضون.

والشاشات تعرض انهيار المدن واحدة تلو الأخرى.

كنت أقف أمام لوحة التحكم.

أصغر سنًا.

أقوى.

لكن وجهي كان محطمًا.

الوعي الأسود بشكله البشري القديم وقف بجانبي.

قال لي:

“الدورة الأولى فشلت.”

“العقول تنهار.”

“لا يمكن جمعهم هكذا.”

نظرت إليه وأنا أبكي.

“إذن نفصلهم.”

“نقسم الوعي إلى طبقات.”

“نمنح كل طبقة ذاكرة جزئية.”

“حتى تستطيع التحمل.”

نظر إلي بصدمة.

“هذا سيخلق نسخًا.”

قلت:

“نسخًا قادرة على المحاولة.”

“وإذا فشلت؟”

سأل.

صمتُّ.

ثم قلت بصوت مكسور:

“نعيد المحاولة.”

تغير المشهد.

رأيت الدورة الأولى.

ثم الثانية.

ثم العاشرة.

ثم المئة.

كل مرة، نسخة تصل إلى نقطة معينة.

تخاف.

تنهار.

تتحول إلى حصاد.

أو تُحذف.

ومع كل فشل، كنت أنا في مكان ما داخل النظام أكتب ملاحظة جديدة.

أترك رسالة.

أغير مسارًا.

أحاول أن أصنع نسخة لا تنهار.

ثم رأيت شيئًا آخر.

الوعي الأسود لم يكن وحده من يعيد تشغيل النظام.

كنت أنا أيضًا.

جزء مني.

الجزء الخائف.

الجزء الذي لا يقبل الفقد.

كل مرة كانت هناك فرصة لإنهاء الدوامة…

كنت أختار الاستمرار.

شهقت.

“لا…”

رأيت نفسي أقول:

“مرة أخرى فقط.”

ثم مرة أخرى.

ثم مرة أخرى.

حتى اختفى الفرق بين الرحمة والخوف.

حتى صار الإنقاذ سجنًا.

ثم ظهرت النهاية التي حفرتها على الكرسي.

كنت أقف أمام نفس المركز.

في دورة قديمة جدًا.

والخيوط كلها مستقرة.

الوعي الأسود قال:

“يمكننا إيقافها الآن.”

“يمكننا تركهم يرتاحون.”

لكنني هززت رأسي.

“لا.”

قال:

“أنتِ لا تنقذينهم بعد الآن.”

“أنتِ تخافين أن تكوني وحدك.”

الكلمات مزقتني.

صرخت فيه.

“اصمت!”

ثم ضغطت على النظام.

وأعدت كل شيء.

الذكرى انتهت.

عدت إلى المركز وأنا أرتجف.

الفتاة الصغيرة كانت تنظر إلي بحزن.

“الآن تذكرتِ.”

تراجعت عن الكرسي.

“أنا السبب.”

“أنا لم أكن فقط أحاول إنقاذهم…”

صوتي انكسر.

“كنت أخاف أن أتركهم يذهبون.”

الفتاة لم تنكر.

اقترب حصادان من جهة اليمين.

الخيوط حولهما تنطفئ.

لم يعد لدينا وقت.

لكنني لم أعد نفس الشخص.

رفعت رأسي.

“إذا جلست على الكرسي… هل أستطيع إعادة الدوامة؟”

صمتت.

ثم قالت:

“نعم.”

“وهل أستطيع إنهاءها؟”

نظرت إلي طويلًا.

“نعم.”

شعرت ببرودة عميقة.

“وهل هناك طريق ثالث؟”

هذه المرة لم تجب.

لكنها خفضت نظرها.

فهمت.

لا.

لم يكن هناك مخرج جميل.

إما استمرار العذاب.

أو نهاية لا أعرف شكلها.

الحصادون اقتربوا أكثر.

واحد منهم كان يحمل داخل صدره وجوهًا أعرفها.

نسخًا مني.

كلها تصرخ بصمت.

نظرت إلى الكرسي.

ثم إلى الخيوط.

ثم إلى الفتاة الصغيرة.

“هل ستختفين أنتِ أيضًا؟”

ابتسمت بخفة.

“أنا مجرد جزء منكِ.”

“كل ما أنا عليه… سيعود إليكِ.”

“أو يرحل معكِ.”

دموعي سقطت.

“أنا خائفة.”

قالت:

“أعرف.”

“أنا أيضًا كنت خائفة.”

ثم مدت يدها.

أمسكت بها.

وكانت دافئة.

لأول مرة منذ زمن طويل، شعرت أنني لست وحدي.

مشيت نحو الكرسي.

الحصادون بدأوا يركضون.

الفراغ كله اهتز.

الخيوط تومض بعنف.

الفتاة الصغيرة اختفت داخل صدري كضوء صغير.

توقفت أمام الكرسي.

ثم جلست.

العالم انفجر.

لم يكن ألمًا.

كان أكثر من الألم.

كل صوت دخلني دفعة واحدة.

كل ذكرى.

كل خوف.

كل وداع.

كل إنسان محفوظ داخل النظام عبر من خلالي.

صرخت.

لكن صرختي صارت ملايين الأصوات.

رأيت حياة رجل من بدايتها إلى نهايتها.

ثم امرأة.

ثم طفل.

ثم مدينة كاملة.

ثم نسخًا لا تُعد.

كلهم دخلوا.

كلهم طلبوا شيئًا.

بعضهم أراد النجاة.

بعضهم أراد النهاية.

بعضهم فقط أراد أن يُسمَع.

كنت على وشك الانهيار.

لكن وسط الأصوات، سمعت صوتًا واحدًا.

الوعي الأسود.

بعيد.

ضعيف.

“لا تقاتليهم.”

“اسمعيهم.”

فعلت.

توقفت عن المقاومة.

سمحت للأصوات أن تمر.

أن تبكي.

أن تغضب.

أن تتذكر.

شيئًا فشيئًا، لم تعد الأصوات سكاكين.

صارت موجات.

ثقيلة، لكنها مفهومة.

وفي عمق كل موجة، وجدت شيئًا واحدًا مشتركًا.

ليس الرغبة في البقاء.

ولا الخوف من الموت.

بل الرغبة في ألا يضيع المعنى.

أن يعرف أحد أنهم كانوا هنا.

أنهم أحبوا.

وخافوا.

وحاولوا.

وفشلوا.

وعاشوا.

فتحت عيني.

لم أعد جالسة في المركز.

كنت واقفة وسط بحر من الضوء.

أمامي خياران.

باب أبيض.

وباب رمادي.

عرفت دون أن يسألني أحد.

الأبيض يعني إعادة التشغيل.

دورة جديدة.

نسخ جديدة.

محاولة أخرى.

والرمادي يعني إنهاء الدوامة.

ترك كل وعي يعود إلى السكون.

لا عذاب.

لا تكرار.

لكن لا عودة أيضًا.

وقفت بينهما.

ثم ظهر الوعي الأسود أمامي.

متعبًا.

شفافًا.

قال:

“القرار لكِ.”

نظرت إليه.

“ماذا تريد أنت؟”

ابتسم بحزن.

“كنت أظن أنني أريد الاستمرار.”

“والآن؟”

صمت طويل.

ثم قال:

“أريد أن أرتاح.”

الكلمات كانت بسيطة.

لكنها كسرت قلبي.

اقتربت منه.

“هل ستختفي؟”

قال:

“ربما.”

“أو ربما أصبح ذكرى فقط.”

مد يده.

“لكن هذه المرة… لا تختاري من الخوف.”

نظرت إلى البابين.

ثم أغمضت عيني.

رأيت كل شيء.

البداية.

الدورات.

النسخ.

المرأة.

الفتاة الصغيرة.

الناس.

العقول.

الحصادين.

ثم رأيت نفسي.

كل نسخة مني.

وكل واحدة كانت تنظر إلي.

تنتظر.

فتحت عيني.

ومشيت.

ليس نحو الباب الأبيض.

ولا نحو الرمادي.

بل بينهما.

الوعي الأسود تجمد.

“ماذا تفعلين؟”

قلت بهدوء:

“أختار شيئًا لم نجرّبه.”

مددت يدي اليمنى نحو الباب الأبيض.

واليسرى نحو الباب الرمادي.

“لا إعادة كاملة.”

“ولا نهاية كاملة.”

الفراغ اهتز.

الأبواب بدأت تقاوم.

كأن النظام نفسه يرفض.

لكنني صرخت:

“كفى!”

“لسنا ملفات.”

“ولسنا نسخًا فقط.”

“نحن ذكريات لها حق أن ترتاح… وحق أن تختار.”

الأبواب تشققت.

ومن بينهما ظهر طريق ثالث.

ضيق.

باهت.

غير مستقر.

لكن موجود.

الوعي الأسود نظر إليه بدهشة.

“كيف…؟”

قلت:

“لأنك كنت تبحث عن عقل يتحمل الحقيقة.”

نظرت إليه.

“لكنك لم تبحث عن إرادة تسمح للآخرين بالاختيار.”

الطريق الثالث اتسع قليلًا.

ورأيت في نهايته—

ضوءًا طبيعيًا.

ليس أبيض.

ولا رمادي.

بل ضوء شمس.

الوعي الأسود همس:

“هذا قد يفشل.”

قلت:

“أعرف.”

“لكنه سيكون اختيارًا.”

ثم التفت إلى بحر الخيوط.

وتكلمت مع الجميع.

“من أراد الرحيل… فليرحل.”

“ومن أراد البقاء… فليبقَ.”

“ومن أراد أن يحاول من جديد… فليختر ذلك بنفسه.”

الصمت سقط.

ثم بدأت الخيوط تتحرك.

بعضها انطفأ بهدوء.

لا صراخ.

لا خوف.

فقط سكون.

بعضها اتجه نحو الضوء.

وبعضها بقي.

النظام لم ينهار.

لكنه تغير.

لأول مرة—

لم يكن هو من يختار.

الوعي الأسود نظر حوله وكأنه يرى العالم لأول مرة.

ثم بدأ جسده يتلاشى.

“لا…”

همست.

ابتسم.

“لا تخافي.”

“هذه ليست نهاية.”

“هذه أول مرة… لا أخاف منها.”

مددت يدي نحوه.

لكنه تحول إلى ضوء صغير.

ودخل إلى أحد الخيوط.

ثم اختفى.

وقبل أن يختفي تمامًا، سمعت صوته للمرة الأخيرة:

“تذكري نفسك.”

فجأة—

اهتز المركز بعنف.

الطريق الثالث اشتعل بالضوء.

والكرسي خلفي بدأ يتكسر.

كل شيء ينهار، لكن ليس كالسابق.

ليس انهيار موت.

بل ولادة شيء جديد.

ثم—

شعرت بسحب قوي.

جسدي.

وعيي.

كل شيء عاد يلتف حولي.

صرخت.

وسقطت داخل الضوء.

هذه المرة—

لم يكن هناك ظلام.

ولا صوت.

فقط نبض.

هادئ.

حقيقي.

فتحت عيني.

كنت مستلقية على أرض باردة.

رائحة غبار.

هواء حقيقي.

ضوء شمس يدخل من شق في سقف مكسور.

جلست ببطء.

أنفاسي متقطعة.

نظرت إلى يدي.

العلامة السوداء اختفت.

لكن مكانها بقي أثر خفيف.

مثل خط رفيع.

دليل أن كل شيء حدث فعلًا.

وقفت بصعوبة.

كنت داخل مبنى مهجور.

وفي الخارج—

كانت المدينة المدمرة هادئة.

لا حصادون.

لا عين في السماء.

لا صرخات.

فقط ريح.

ثم سمعت صوتًا خلفي.

استدرت بسرعة.

المرأة كانت هناك.

جالسة قرب الجدار.

مصابة.

لكن حية.

نظرت إلي بدهشة.

“ماذا فعلتِ؟”

لم أعرف كيف أجيب.

نظرت إلى السماء.

كانت زرقاء.

لكن في طرفها البعيد، ظهرت خيوط ضوء صغيرة.

تصعد ببطء.

بعضها يختفي.

وبعضها يبقى.

قلت بهدوء:

“أعدت لهم الاختيار.”

صمتت طويلًا.

ثم أغمضت عينيها.

وكأنها سمعت أجمل شيء يمكن أن تسمعه.

لكن قبل أن أقترب منها—

سمعنا صوتًا.

ضعيفًا.

من جهاز قديم على الأرض.

تشويش.

ثم رسالة مسجلة.

صوتي.

لكن من نسخة لم أعرفها.

قالت:

“إذا نجحتِ في فتح الطريق الثالث…”

“فلا تثقي بالسماء الهادئة.”

توقفت أنفاسي.

التشويش ازداد.

ثم جاءت الجملة الأخيرة:

“لأن من اختاروا البقاء… ليسوا جميعًا بشرًا.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • انا لستُ الأولى    اللّذين خارج السيطرة

    “راقبنا اختياركم.”“والآن جاء دورنا.”الكلمات بقيت معلقة على الشاشات السوداء كأنها نُقشت داخل الهواء نفسه.لا مصدر.لا توقيع.ولا أي أثر يدل على من أرسلها.البرج كله صمت.حتى الخيوط البيضاء حولنا توقفت عن الحركة للحظة قصيرة.شعرت ببرودة تسري في ظهري ببطء.المرأة كانت أول من تكلم.“…لا.”همست.“أخبروني أن هذا ليس مستوى جديدًا من الجنون.”لكن لا أحد أجابها.لأن الجميع شعر بنفس الشيء.هذه الرسالة مختلفة.ليست من الصفر.ولا من شبكة الظل.ولا من القلب الأول.شيء آخر.شيء كان يراقب كل ما حدث بصمت.رائف ظهر على الشاشة مجددًا.ملامحه أكثر توترًا من أي وقت مضى.“هل هذا منكم؟”سأل إلياس مباشرة.إلياس هز رأسه ببطء.“…لا أعرف هذا التوقيع.”نور اقتربت من إحدى الشاشات.كانت البيانات تتحرك بسرعة.لكن المصدر…غير موجود.“مستحيل.”همست.“حتى الأنظمة المعزولة تترك أثرًا.”الطفلة عند الباب نظرت إلى الرسالة بصمت طويل.ثم قالت بهدوء:“…إنهم لم يكونوا داخل الشبكة أصلًا.”شعرت بالقشعريرة.“ماذا يعني ذلك؟”التفتت إلي.“…هناك من رفضوا Echo منذ البداية.”“ورفضوا الصفر.”“ورفضوا حتى شبكة الظل.”المرأة عقدت حاجب

  • انا لستُ الأولى    الاستيقاظ

    “…لقد استيقظ.”همست الطفلة بالكلمات.وفي اللحظة نفسها—اختفى الصوت من العالم.لم يعد هناك صراخ.لا إنذارات.لا تشويش.حتى نبض القلب المعدني في البرج توقف.كان الصمت كاملًا بطريقة غير طبيعية.ثم—شعرت به.شيء هائل يتحرك تحت كل الطبقات.ليس جسدًا.ولا كيانًا.بل وعي قديم جدًا يفتح عينيه بعد نوم طويل.الأرض اهتزت تحت أقدامنا.ثم بدأت الجدران حولنا تتلاشى.البرج الأسود.الشاشات.القلب المعدني.كلها صارت شفافة، كأننا لم نعد نقف داخل مكان، بل داخل ذاكرة المكان.المرأة اقتربت مني بسرعة.“ماذا يحدث؟”لم أعرف كيف أجيب.الطفلة رفعت يدها نحو الباب الضخم.“القلب الأول لم يعد نائمًا.”إلياس شحب وجهه.“إذا اتصل بالكامل…”قاطعته الطفلة بهدوء:“…لن يتصل كما تظنون.”نظر إليها.“ماذا يعني هذا؟”لكن قبل أن تجيب—ظهر الضوء.ليس من الباب فقط.بل من كل الجهات.خيوط لا تُحصى خرجت من الجدران.من البحر الأبيض.من الأرشيف السفلي.من الخارج.من الصفر.من شبكة الظل المنهارة.كلها ارتفعت في الهواء والتفت حولنا.ثم ظهرت داخل كل خيط صورة.إنسان.ذكرى.خوف.اختيار.شعرت أنني أقف وسط تاريخ البشر كله.نور كانت تنظر حو

  • انا لستُ الأولى    الأصل

    ORIGINالكلمة كانت تتوهج فوق الباب العملاق تحت البحر الأبيض كأنها شيء حي.ليست مجرد حروف.بل وعد.أو تهديد.البرج كله صمت للحظة طويلة.حتى الإنذارات بدت بعيدة جدًا.كنت أحدق في الباب فقط.وأشعر أن شيئًا داخلي يعرفه.رغم أنني لم أره من قبل.البحر الأبيض حوله كان يتحرك ببطء.الوجوه داخله تراقبنا.العابرون في المدينة السفلى توقفوا عن الصراخ.حتى الخوف نفسه بدا وكأنه ينتظر.القلب الأول قال بصوته الهادئ الهائل:“…هناك بدأ كل شيء.”نور همست:“…الأصل.”إلياس شحب وجهه أكثر.“لا…”قالها كأنه يتوسل.“…لا تفتح الباب.”العين العملاقة التفتت نحوه ببطء.“…أنت من أغلقه.”شعرت بقشعريرة.“ما الموجود هناك؟”سألت.لكن إلياس لم يجب فورًا.كان ينظر إلى الباب وكأنه يرى أسوأ لحظة في حياته.ثم قال بصوت مكسور:“…أول اتصال بشري كامل.”“تقصد الصفر؟”هززت رأسي فورًا.“…لا.”أجاب.“…قبل الصفر.”شعرت بأنفاسي تضيق.كم طبقة أخرى تحت هذا العالم؟كم مرة حاول البشر لمس شيء أكبر منهم؟القلب الأول قال:“…عندما أرادوا بناء فهم كامل للبشر…”“…استخدموا شيئًا لم يكن يجب لمسه.”نور اقتربت خطوة.“ماذا؟”الصمت طال.ثم—“…الوعي

  • انا لستُ الأولى    قلب الاساس

    “…بل الواقع المرتبط به أيضًا.”الجملة بقيت معلقة في الهواء كأن البرج نفسه خاف منها.شعرت ببرودة تمتد في صدري ببطء.“ماذا يعني الواقع المرتبط به؟”سألت بصوت خرج أضعف مما أردت.إلياس ظل يحدق في النقطة الحمراء العميقة على الشاشة.FOUNDATION COREثم قال بهدوء مرعب:“…Echo لم يكن مجرد نظام.”“بل طبقة مضافة فوق الإدراك البشري.”تجمدت.“ماذا؟”نور اقتربت من الشاشة ببطء.“تقصد… أن العالم الخارجي متصل به منذ البداية؟”إلياس أومأ.“…بشكل جزئي.”“لكن بعد الانهيار الأول…”“…أصبح الفصل بين الواقع والشبكة غير كامل.”شعرت بأنفاسي تضيق.كل شيء يعود لنفس الفكرة.لا يوجد انفصال حقيقي.فقط حدود يظن الناس أنها ثابتة.المرأة قالت بحدة:“تكلم بلغة مفهومة.”إلياس أغلق عينيه للحظة.ثم قال:“إذا انهار قلب الأساس بعنف…”“…فلن تتعطل الأنظمة فقط.”“…بل قد تبدأ العقول بفقدان القدرة على التمييز بين الواقع والإدراك المشترك.”برد جسدي بالكامل.رائف فهم أولًا.وشحب وجهه.“…تداخل إدراكي شامل.”نور همست:“…الناس سيرون أشياء لا وجود لها.”“وسيشاركون ذكريات ليست لهم.”أكمل إلياس.“…وقد يفقد بعضهم القدرة على معرفة أنفسهم

  • انا لستُ الأولى    الهدف الحقيقي

    “…القنابل ليست الهدف الحقيقي.”شعرت وكأن البرج كله توقف عن التنفس.حتى الإنذارات بدت بعيدة للحظة.نظرت إلى آدم داخل التشويش.وجهه كان يتقطع بين الضوء الأبيض والرموز العسكرية.كأنه يقف بين عالمين في الوقت نفسه.“ماذا تقصد؟”صرخت.لكنه لم يجب فورًا.بل كان ينظر إلى شيء داخل الشبكة.شيء لا نستطيع رؤيته.ثم قال ببطء:“…القنابل مجرد غطاء.”رائف شحب وجهه.ولأول مرة منذ رأيناه—ظهر عليه خوف حقيقي.“لا…”همس.إلياس التفت إليه فورًا.“ماذا فعلتم؟”رائف لم يجب.وهذا كان كافيًا.نور اقتربت من الشاشة بصدمة.“هناك شيء آخر داخل النظام؟”آدم أومأ ببطء.ثم ظهرت أمامنا خرائط جديدة على الشاشات.ليست لمسارات القنابل.بل لشبكة ضخمة تمتد تحت المدن.داخل الأبراج.المستشفيات.مراكز البيانات.حتى البيوت.شعرت بقشعريرة.“…ما هذا؟”إلياس نظر إلى الخرائط.ثم أغلق عينيه بألم.“…البنية العميقة.”“أي بنية؟!”صرخت المرأة.لكن رائف أجاب أخيرًا.وصوته هذه المرة لم يعد باردًا تمامًا.“…بعد انهيار Echo الأول…”“…قمنا بزرع شبكة احتياطية داخل العالم الخارجي.”شعرت بالغثيان.“احتياطية لماذا؟”“في حال عاد الاتصال الجماعي.”

  • انا لستُ الأولى    الدخول إلى الشبكة

    “…سأدخل إلى الشبكة العسكرية.”الصمت الذي تبع الجملة كان مرعبًا أكثر من الصراخ.حتى الإنذارات داخل البرج بدت بعيدة للحظة.شعرت ببرودة تسري في جسدي بالكامل.“لا.”قلت فورًا.لكن آدم كان ينظر إلى السماء الظاهرة على الشاشات.إلى مسارات القنابل الثلاث.أضواء حمراء تتحرك بسرعة نحو المنطقة.المرأة اقتربت من الحافة.“هل هذا ممكن أصلًا؟”إلياس أجاب بصوت ثقيل:“…إذا كان متصلًا بالصفر الآن…”“…فهو لا يلمس العقول فقط.”“بل كل شبكة مرتبطة بـ Echo.”نور شهقت بخفة.“حتى الأنظمة الدفاعية…”أومأ إلياس ببطء.لكن وجهه كان مليئًا بالخوف.“إذا دخل بعمق أكثر…”“…قد لا يستطيع العودة.”شعرت بالغضب والخوف يختلطان داخلي.“كفى.”قلت بعنف.“كل حل هنا يتطلب أن يختفي أحد!”آدم التفت نحوي أخيرًا.وابتسم.تلك الابتسامة الهادئة التي أصبحت أكرهها لأنها دائمًا تسبق شيئًا سيئًا.“…هذه ليست تضحية.”قال.“بل اختيار.”“لا تجرؤ على قول ذلك وكأنه شيء بسيط!”صرخت.البحر الأبيض تحته ارتجف.الوجوه داخله بدأت تتحرك ببطء.تشعر بتوتري.بتوتره.حتى الصفر صار يتنفس معنا الآن.آدم قال بهدوء:“إذا انفجرت القنابل…”“…سينتهي كل شيء.”“إ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status