Share

الفصل الثاني

Penulis: سحبُ الضباب الصاعدة
في صباح اليوم التالي، عادت شاهيناز إلى زيارتي بالمشفى.

قالت وهي تبتسم بدلال:

"لقد سقطت ساعتكِ في حقيبتي يا طبيبة شهد".

كانت تمشي بخطى متعثرة قليلًا، بينما تحمل ابتسامة زائفة على وجهها.

ثم تناولت الساعة بين أناملها، وقالت بنبرة إعجابٍ مشوبةٍ بالحسد:

"ما أروع هذه الساعة! أظن أنه لا توجد نسخة مثلها في المدينة كلها".

شعرت بالرغبة في صوتها ولهجتها الطامعة، لكنني اكتفيت بالنظر إليها ببرود ولم أمد يدي لأستعيدها.

فقلت لها بفتور: "إن أعجبتك، يمكنكِ أن تأخذيها".

ابتسمت شاهيناز ابتسامةً خفيفة، وضغطت على شفتيها، ثم وضعت الساعة على الطاولة قائلةً:

"لا حاجة لي بها، فلست أهوى المراقبة".

توقفت يدي للحظة.

جلست أمامي، وأسندت ذقنها إلى كفها، ثم سألتني وهي تبتسم ابتسامةً خبيثة:

"أخبريني إذًا يا طبيبة شهد، هل استمتعت بما سمعتِ ليلة أمس؟ لقد أحضرت معي الحقيبة إلى غرفة النوم حتى تسمعي كل شيء بوضوح".

نظرت إليّ ثم تابعت بخبث:

"يبدو أن بعض الأشياء قد فاتتكِ، فإن سامح لا يكتفي بالبقاء في الغرفة، بل يعشق تجربة أماكن متفرقة".

تأملتُ ابتسامة النشوة على وجهها، وعندها أدركتُ أنها كانت على علمٍ بكل شيء.

ولما رأت صمتي، أخرجت هاتفها في لطفٍ مصطنع، وفتحت تسجيلًا صوتيًا.

"أخبرني يا سامح، أتحبني أكثر أم تحب شهد أكثر؟"

اشتدت حركات سامح، بل وازداد صوته حدة وخشونة وقال:

"إنها لا تبلغ نصف أنوثتكِ".

ثم قال برضا: "يبدو أن الطبيبة ماهرة".

أغلقت شاهيناز التسجيل، وردّت الهاتف، ثم ابتسمت ابتسامة تحدٍّ وقالت:

"اعذريني يا طبيبة شهد، أظنني سأضطر لإزعاجكِ كثيرًا في المستقبل".

نظرت إليّ ثم أضافت بينما تطيل لفظ تلك الكلمة: "إن زوجي مولِع بالأمر حقًا".

نظرت إلىّ وكانت تنتظر أن ترى انكساري وضعفي فشعرت بخيبة الأمل عندما لم تر أي ردة فعل كانت تنتظرها.

وقالت بنبرةٍ ساخرة:

"لهذا يقول سامح أنكِ لوح خشبي لا يشعر، وليس به روح".

لم تتم عبارتها وقد رفعت يدي، وأمسكت بشعرها، وجذبتها بعنف.

صفعتها بقسوة، بينما يدوي صوت صراخها في المكان.

صرخت، وهي تمسك رأسها:

"كيف تجرئين على ضربي؟!"

أمسكت بها، وسحبتها للخارج، بينما أخبر الجميع:

"ما دمتِ تشعرين بهذا الفخر، فسأساعدكِ وأخبر الجميع بكل شيء، ليرى الجميع كم أنكِ وقحة".

وفي تلك اللحظة، انفتح الباب فجأة.

صرخت شاهيناز، وقد أفلتت نفسها واندفعت نحوه:

"سامح!"

ثم ارتمت عليه باكية، وقالت:

"آتيت لأعيد الساعة إلى الطبيبة شهد، لكنها شتمتني واهانتني، ثم صفعتني حتى شوهت وجهي!"

نظر سامح إلى آثار أصابعي على وجهها، فعقد حاجبيه قليلًا.

أما أنا، فنظرت إليه دون أن أنطق.

وبينما كانت عيناها تزدادان زهوًا، إذ به يلتفت إلى سكرتيره، ويقول ببرود:

"أعد الآنسة شاهيناز إلى منزلها".

صرخت به غير مصدقة: "سامح!"

نظر إليها ببرود دون اهتمام، ثم قال لها:

"تذكري من أنتِ! فليس لي سوى زوجة واحدة".

ساد الصمت المكان بعد خروجها.

اقترب مني سامح، وامسك بيدي التي احمرّت، وأخذ ينفخ عليها برفق:

"هل يدكِ تؤلمكِ؟ لمَ تعبثين معها؟ إنها طائشة تافهة".

قلتُ، بلهجةٍ لا رجعة فيها:

"لننفصل".

رفع رأسه، وقد بدا عليه الذهول:

"ماذا؟"

سحبت يدي من بين يديه، وكررتُ كلامي ببطءٍ وحزم:

"لنتطلق يا سامح، لقد انتهى كل شيء".

توقف للحظة، ثم رأى الحزم في ملامحي، فأطلق ضحكةً ساخرة وقال:

"فكّري جيدًا يا شهد فايز، إن نهايتكِ ستحين حقًا إذا تطلقنا".

لم أتحرك.

قطّب جبينه، وقال بنفاد صبر:

"هل لأنني على علاقة بامرأة أخرى؟! أتضخّمين أمرًا تافهًا كهذا إلى هذا الحد؟"

ثم تابع مستنكرًا:

"تعلمين أن هذا هو حال الجميع في مجتمعنا".

"لكنني لم أكن على علاقة بفتاة سواها طوال تلك السنوات، ألست أفضل من الأخرين؟"

ظللتُ صامتة، فاسودّ وجهه تمامًا.

وفجأة، اندفع السكرتير إلى الداخل، وقد شحب لونه، وقال بصوتٍ مضطرب:

"سيدي سامح!

حدث أمر سيء، إن الآنسة شاهيناز صدمتها سيارة عند الباب!"
Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • انقضى وهجُ الصيف، وطال ليلُ البرد   الفصل التاسع

    أفاق سامح بعد ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ من غيبوبته، وقد انتزع من الموت انتزاعًا.لم يكن يذكر شيئًا مما جرى له في تلك اللحظات التي كادت تنتهي فيها حياته، فكان أول ما سأل عنه، حين فتح عينيه، زهرة اللوتس الثلجية.فقلت له وقد عجز من حوله عن الإجابة:"لقد أطعمتها للكلاب".ثم دخلتُ وأنا أحمل الدواء، فوضعته أمامه في هدوءٍ.حدّق بيّ غير مصدقًا، ثم أزاح الغطاء عنه، وهمّ بالنهوض من سريره، وهو يقول:"سأذهب لأبحث عنها من جديد".حاول من حوله أن يمسكوه، فلم يستطيعوا ردعه.فدنوتُ منه، وصفعته بقوة، ثم قلت:"سامح، أتظن أنني أحتاج إلى كل هذا؟" وأيضًا:"إن علّتي لن تُشفى بعقارٍ سحريّ، ولا بعشبةٍ نادرة…إنما يكفيني أن تكفّ عن ملاحقتي، وأن تغيب عن بصري، حتى أستعيد عافيتي.أنت…أنت وحدك سبب كل إيذائي!"مال رأسه إلى جانبٍ من أثر الصفعة،وانسدل شعره على جبينه، فأخفى اضطرابه.ظل صامتًا طويلًا،ثم قال بصوتٍ أجشّ: "شهد، أتكرهينني إلى هذا الحد؟"قلت بلا تردد: "نعم!"ورفعت يدي اليمنى أمام عينيه،فبانت تلك الندبة القبيحة، كأنها سهم أمام عينيه.وقلت، وقد ارتجفت نبرتي:"يا سامح، أنت من تسبب لي في كل تلك الجراح…لقد ح

  • انقضى وهجُ الصيف، وطال ليلُ البرد   الفصل الثامن

    لم يرحل سامح في النهاية.كنتُ أظن أن قسوة البرد، ووحشة المرتفعات، كفيلتان بأن تردّه عن قراره.غير أن ظني قد خاب؛ إذ لم يكتفِ بالبقاء، بل اشترى بيتًا، واستقر فيه كأنه عزم أن يجعل هذا المكان موطنه.كلما خرجتُ لأتفقد المرضى، لا يكاد يمرّ يومٌ إلا وينبّهني بعضهم:"يا طبيبة، إن ذلك الشاب الوسيم الذي يقف هناك يراقبكِ من بعيد".أغلقت باب العيادة تمامًا.وحجبت نفسي عنه، كأنني أحجب شبحًا لا أطيقه عني.فلما أدرك أني قد سئمت وجوده، كفّ عن الظهور أمامي،لكن حضوره لم ينقطع، بل غدا خفيًّا.وفي إحدى الليالي،خُيّل إليّ أن في الخارج حركةً خافتة،غير أن النعاس كان أثقل من أن يدعني أنهض لأتفقد الأمر.فلما أشرق الصباح،فوجئت بأن النافذة التي حطّمتها الريح قد رُمّمت،بل صارت أقوى مما كانت عليه.وفي ليلةٍ أخرى، سمعت طرقا خفيفًا على باب العيادة.ظننت أن مريضًا قد جاء يستغيث، فلما فتحت الباب، لم أجد أحدًا.لم أجد سوى دلوًا كبيرًا من الماء الساخن على الأرض.وكان الماء في هذا البلد عزيزًا، إذ إن كثيرًا من البيوت الفقيرة ليس بها غاز،فلا يمكن تسخينه إلا بوسائل بدائية شاقة.ومضت الأيام...وظل سامح يصنع لي معروفً

  • انقضى وهجُ الصيف، وطال ليلُ البرد   الفصل السابع

    أُعيد سامح إلى الحياة كمن ينتشل جروًا من فم أسد.لقد ظل حيًا لكنه قد فقد منذ تلك الليلة رغبته في العيش.لا يذوق طعامًا، ولا يمس شرابًا، وإنما يجلس وحيدًا لساعات يحدق ساعات إلى خارج النافذة.بذلت السيدة سوزان كل ما بوسعها لتعيده إلى الحياة، لكن كان ذلك دون جدوى، لم تفلح أيًا من وسائلها.وفي أحد الأيام وقع بصره على أحد الصور مصادفة على الأنترنت بعنوان "المشاهد البديعة في الربوع النائية".كانت تقف طبيبة تعالج الناس، وقد التقط لها أحد المارة صورة خلسة.ظهرت في تلك الصورة باسمةً، كان وجهها كاللوحة، تجمد سامح في مكانه ما أن وقع بصره عليها.بذل كل ما في وسعه حتى يصل إلى صاحب الصورة،وعرف منه عنوان المكان.كانت السيدة سوزان تعلم أنها لن تستطيع ردعه، فقالت له: "فكر جيدًا، أن شهد قد اختارت تلك الحياة، وظهورك بحياتها مرة أخرى سيعكر صفو الحياة التي تعيشها".لم يلتفت إليها، بل مضى وقد عزم أمره وصعد للطائرة ذاهبًا لها.وقال قبل أن يغادر:"أمي، إنني أموت بدونها، وإن كنت سأموت، فسأختار الموت حيث يمكنني رؤيتها".حين وقعت عيناي عليه.خال لي أنني أرى طيفًا من أوهامي، حتى نطق اسمي وعلمت أنني لا أتوهم.تر

  • انقضى وهجُ الصيف، وطال ليلُ البرد   الفصل السادس

    في تلك الليلة، انطلق سامح، رئيس مجموعة السويدي، وقد ذاع صيته في الآفاق، يجوب بسيارته أرجاء المدينة كلها، لا يدع مستشفىً إلا دخله، ولا يلقى أحدًا إلا سأله عن اسم زوجته، كأنما يبحث عن أثرٍ ضائعٍ بين وجوه الناس.واستمر على حاله، ساعة بعد ساعة، حتى جاوز منتصف الليل،إلى أن أمرت السيدة سوزان بإعادته قسرًا إلى المنزل.كان لا يزال يقبض بيده على تلك الشهادة وكأن حياته تعتمد عليها،احمرت عيناه وقد خبت فيهما الحياة، وانطفأ بريقهما انطفاءً.أخذ يردد: "إنكم تكذبون عليّ، جميعكم تكذبون".وأغلق على نفسه الباب وقطع صلته بالعالم،فلم يعد يستجيب لأحد،ولم يبرح لسانه تلك العبارة، يكررها تكرارًا كأنها آخر ما تبقى له من يقين.نظرت إليه السيدة سوزان، وقد بدا عليها الإعياء من رؤية حاله، وتنهدت قائلةً:" إنك تشبه أباك…نفس الطبع، ونفس العناد".ثم أطلقت بصرها نحو سماء الليل خلف النافذة، وقد اضطربت في عينيها خواطر متراكبة،وقالت:"لقد كان أبوك يومًا مثلك شابًا متمردًا، أبى أن يخضع لزواجنا الذي فرضته العائلتان، متمسكًا بفتاةٍ أحبها، ولا يريد استبدالها"."لقد قاوم العائلتان، لكن مقاومته في نظرهما كانت أشبه بطف

  • انقضى وهجُ الصيف، وطال ليلُ البرد   الفصل الخامس

    قالت السيدة سوزان بحزم:"لا داعي أن تذهب إليها! لقد ماتت شهد، ولن تراها بعد اليوم". تجمد سامح في مكانه كأنما صعقته كلمات والدته، ثم قال: "ماذا قلتِ؟"وما إن استعاد وعيه حتى دفع الخادم الذي يقف أمامه بعنف، وهم بالخروج مسرعًا بينما يقول:"أمي! هذا ليس وقتًا للمزاح".ثم أردف، وقد اشتد صوته:"أعلم أنكِ لم تحبِ شهد يومًا، لكنها مصابة إصابةً خطيرة، ولا بد أن أذهب لأراها".حين رأته السيدة سوزان وقد فقد عقله، ويرفض السماع إليها ومصرًا على الذهاب،تقدمت إليه ورفعت يدها وصفعته بقوة، فأوقفت حركته.وقالت بغضبِ حازم: "ألا يكفيك كل هذا العبث؟!""انظر إلى نفسك! انظر إلى أين بلغ بك الحال!"تمتمت شاهيناز من فوق سريرها، بصوتٍ خافتٍ مرتجف:"سيدة سوزان...أرجوكِ، لا تلومي سامح، لقد فعل كل ذلك لأجلي".نظرت إليها السيدة سوزان ببرودِ، ففهم الخادم الإشارة، وأقبل عليها،وصفعها صفعتين متتاليتين يمينًا ويسارًا، ثم قال لها: "إذا تحدثت السيدة مع ولدها، فلا يمكن لأي شخص غريب أن يتدخل بالأمر!"وضعت شاهيناز يدها على وجهها المتورم، وعضّت شفتيها تكتم دموعها التي كادت تنفجر على وجهها، ثم رأت نظرات السيدة سوزان إليها،

  • انقضى وهجُ الصيف، وطال ليلُ البرد   الفصل الرابع

    لا أدري كم مضى عليّ وأنا فاقدة للوعي، لكنني أفقت على أرض قاسية من شدة الألم الذي أشعر به.كانت شاهيناز تضغط بقدمها على جرحي وتدوس عليه مرارًا كالمجنونة التي تتلذذ بألمي.وقالت بلهجة متعجرفة:"لقد أوصاكِ سامح قبل أن يغادر أن تخدميني، لِمَ لا تنهضي الآن؟!"رفعتُ بصري إليها، وقد احمرّت عيناي من كثرة البكاء، وابتسمتُ ساخرة منها:"لا يزال يرفض أن يطلقني بعد كل ما حدث، بينما لا يربطكِ به أي شيء أو صلة، إنكِ مجرد عشيقة، ستبقين حبيسة الظلام مهما فعلتِ". صرخت بغضب: "أيتها..."ثم ضغطت بقدمها على الجرح، وتبدلت ملامحها إلى حد مخيف،استعادت نفسها بعد برهة وابتسمت بخبث:"لا بأس يا شهد، حتى لو لم يوافق سامح على الطلاق، فهناك طريقة أخرى، إذا متِ، فسينتهي الزواج تلقائيًا".لم أفقه عبارتها بعد، حتى كتم أحدهم فمي من الخلف، وغاب وعيي.حين أفقتُ، وجدت نفسي فوق سطحٍ مهجور.كانت رؤيتي ضبابية، وراسي يدور، ما أن تماسكت قليلًا، لأجد أحدهم قد ركل الباب بقوة، فدّوى صوت عنيف."شهد!"سمعت صوت سامح يصيح بي غاضبًا.استعدتُ وعيي، فإذا بي أقبض في يدي على مِشرطٍ جراحي.وكانت شاهيناز منكمشةً على الأرض وهي تبكي حتى تور

  • انقضى وهجُ الصيف، وطال ليلُ البرد   الفصل الثالث

    حين أدخلوا شاهيناز المشفى كانت الدماء قد غمرت جسدها فلا تكاد تستوضح لونها الحقيقي.وقف سامح مشدوهًا ينظر إلى يديه الملطختين بالدم، وتكسو نظرات الخوف وجهه دون أن يشعر.هتف فيمن حوله بحدة: "ألا يمكن لأحدكم أن ينقذها؟"حين وقعت عينيّ شاهيناز عليّ، حتى ارتعبت فجأةً، وصرخت في فزع:"يا طبيبة شهد، أعلم أنن

  • انقضى وهجُ الصيف، وطال ليلُ البرد   الفصل الأول

    بعد أن انتهت الجراحة، وضعتُ ساعتي خفيةً في حقيبة شاهيناز المهدي.وفي تلك الليلة، جلستُ إلى مائدة الطعام، أحدّق شاردة الذهن في أطباقٍ ملأت الطاولة، وقد بردت كلها.وكانت السكرتيرة قد أرسلت إليّ حليّ فاخرة، تواً، تكاد تملأ الغرفة من فرط ما فيها.قالت السكرتيرة:"سيدتي، يقول السيد سامح إن لديه صفقةً مهم

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status