Home / الآخر / بائعة الجسد / الحرية لها ثمن

Share

الحرية لها ثمن

Author: DAMDOMA
last update publish date: 2026-07-03 12:05:39

بائعة الجسد

الفصل الثاني والعشرون: الحرية لها ثمن

"ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح... فبعضها يُحسم بفكرةٍ تولد في اللحظة المناسبة."

دوّى صوت الجرس في أنحاء القاعة.

"تبقّت ساعة واحدة."

رفعت أريام رأسها عن الطاولة للمرة الأولى منذ بداية التحدي.

تسللت نظراتها سريعًا إلى القاعة.

كانت الحركة لا تهدأ.

أصوات المقصات تمتزج بأزيز ماكينات الخياطة، وروائح الأقمشة الجديدة تعبق في المكان، بينما كان المشرفون يتنقلون بين الطاولات، يدونون ملاحظاتهم بصمت.

شعرت أن الوقت يركض أسرع منها.

خفضت بصرها نحو تصميمها.

كان الرسم قد اكتمل تقريبًا، لكن تنفيذه على القماش احتاج إلى دقة أكبر مما توقعت.

التقطت قطعة الحرير البيضاء، ومررت أصابعها فوقها برفق.

همست لنفسها:

"لا تخذليني..."

بدأت بقص القماش بحذر، محافظة على انحناءات الخطوط التي رسمتها قبل قليل.

كانت يدها ثابتة، لكن قلبها لم يكن كذلك.

على الطاولة المقابلة، كانت إحدى المتسابقات تعمل بثقة لافتة، تحيط بها مساعدتها بعدد من العينات، بينما أخذ بعض المشاركين يلتفتون إليها بإعجاب.

لاحظت أريام ذلك، لكنها سرعان ما أعادت تركيزها إلى عملها.

قالت في سرها:

"إذا انشغلت بالآخرين... سأخسر نفسي."

وفي الطابق العلوي، وقف سليم المنصوري أمام الزجاج العريض، يتابع القاعة بعين الخبير.

توقفت ملاحظاته مرة أخرى عند الطاولة رقم سبعة وعشرين.

لم يكن ما لفت انتباهه سرعة أريام...

بل هدوءها.

وسط كل ذلك الضجيج، كانت تعمل وكأنها في عالمها الخاص.

ابتسم ابتسامة خفيفة.

ثم أغلق دفتر ملاحظاته دون أن يكتب كلمة.

لم يكن قد اتخذ قراره بعد...

لكن فضوله ازداد.

في الجهة الأخرى من القاعة، توقفت إحدى المتسابقات أمام طاولة أريام لثوانٍ.

ألقت نظرة سريعة على التصميم، ثم ابتسمت ابتسامة يصعب فهمها، وغادرت دون أن تنطق بكلمة.

تابعتها أريام بعينيها.

لم تعرف لماذا، لكن تلك النظرة تركت في داخلها شعورًا بأن المنافسة لن تكون شريفة دائمًا.

عادت إلى عملها.

وضعت آخر غرزة في موضعها، ثم رفعت التصميم قليلًا تتأمله تحت الضوء.

لم يكن كاملًا...

لكنه كان صادقًا.

وللمرة الأولى، شعرت أن الفستان لا يحكي قصة فتاة هربت من الألم...

بل قصة امرأة قررت أن تواجهه.

في تلك اللحظة، انطلق الجرس من جديد.

"انتهى الوقت."

ساد صمت ثقيل.

أنزل الجميع أدواتهم في اللحظة نفسها.

تبادل المتسابقون نظرات متوترة، بينما بدأ المشرفون في جمع الأعمال تمهيدًا لعرضها على لجنة التحكيم.

وقفت أريام تراقب تصميمها وهو يُحمل بعيدًا عنها.

شعرت وكأن جزءًا من قلبها يغادر معها.

ولم تكن تعلم...

أن القرار الذي ستتخذه لجنة التحكيم خلال الدقائق القادمة لن يحدد مصيرها في المسابقة فحسب...

بل سيفتح الباب أمام سر ظل مدفونًا سنوات طويلة.

حمل أفراد اللجنة التصاميم واحدًا تلو الآخر إلى قاعة التقييم.

أُغلقت الأبواب خلفهم.

وبقي المتسابقون في الخارج، لا يملكون سوى الانتظار.

كانت تلك الدقائق أثقل من ساعات التحدي نفسها.

راح بعض المشاركين يتبادلون الأحاديث في محاولة لتخفيف التوتر، بينما جلس آخرون في صمت، تحدق أعينهم في الباب المغلق كأنها تنتظر أن يبوح بما يجري خلفه.

أما أريام...

فاختارت مقعدًا في زاوية القاعة.

وضعت كفيها فوق ركبتيها، وأخذت نفسًا عميقًا.

حاولت أن تقنع نفسها بأن ما حدث قد انتهى، وأن النتيجة لم تعد بيدها.

لكن قلبها رفض أن يهدأ.

اقترب منها آدم، وجلس إلى جوارها دون أن يتحدث.

ظل صامتًا للحظات، ثم قال بهدوء:

"هل ندمتِ على شيء؟"

هزت رأسها بالنفي.

"لا... لو عاد بي الوقت، لرسمت الفكرة نفسها."

ابتسم ابتسامة خفيفة.

"إذن لا تخافي من النتيجة."

نظرت إليه، وكأن كلماته انتشلتها من دوامة أفكارها.

في الجهة المقابلة، انفتح الباب قليلًا.

خرج أحد أعضاء اللجنة يحمل مجموعة من الملفات، ثم همس بشيء إلى إحدى المنظمات قبل أن يعود سريعًا إلى الداخل.

لم يمر ذلك المشهد دون أن يثير فضول المتسابقين.

بدأت الهمسات تنتشر.

"يبدو أنهم اختلفوا على أحد التصاميم."

"ربما سيستبعدون أكثر من نصف المشاركين."

"أو ربما وجدوا مخالفة."

أخفضت أريام رأسها.

كانت تحاول ألا تستمع إلى شيء.

وفجأة...

خرجت نورا من قاعة التقييم.

ألقت نظرة سريعة على بطاقات المشاركين، ثم قالت بصوت واضح:

"المتسابقة رقم سبعة وعشرون..."

توقفت الكلمات في حلق أريام.

"...أريا."

شعرت بأن الأنظار كلها اتجهت نحوها.

وقفت ببطء.

تقدمت خطوة، ثم أخرى.

اقتربت من نورا، وسألت بصوت خافت:

"هل هناك مشكلة؟"

ابتسمت نورا ابتسامة يصعب تفسيرها.

"لا أستطيع الإجابة."

ثم أضافت:

"لكن رئيس اللجنة يود مقابلتك."

ساد الصمت في القاعة.

تبادل المتسابقون النظرات.

لم يُستدعَ أي شخص آخر.

ازدادت دقات قلب أريام.

هل أعجبهم تصميمها؟

أم أنها ارتكبت خطأً لم تنتبه إليه؟

فتحت نورا الباب، وأشارت لها بالدخول.

توقفت أريام لحظة على العتبة.

كانت تشعر أن عبورها هذا الباب لن يكون مجرد لقاء مع لجنة التحكيم...

بل خطوة جديدة في طريق سيكشف لها أسرارًا لم تتخيل يومًا أنها ستخرج إلى النور.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بائعة الجسد   الفصل الرابع والعشرون: الخطة الثانية

    "حين يفشلون في تشويه موهبتك... يبدأون بمحاولة تحطيم روحك."لم تغادر أريام مكانها.كانت تحدق في الظرف البني الموضوع فوق الطاولة، وكأنه قنبلة انفجرت داخل حياتها.كيف وصل إلى حقيبتها؟ومن الذي فعل ذلك؟ولماذا هي؟التفتت إلى آدم، فرأت في عينيه هدوءًا غريبًا، ذلك الهدوء الذي لا يسبق إلا العواصف.اقترب سليم المنصوري من الطاولة، ثم أغلق الظرف بنفسه.قال بصوت حازم:"ستنتهي الجلسة هنا. لن تُعلن أي عقوبة قبل انتهاء التحقيق."اعترضت المتسابقة التي ادعت السرقة، وقالت بانفعال:"لكن الأدلة أمامكم!"رفع سليم نظره إليها.لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه حمل سلطة جعلت القاعة كلها تصمت."الأدلة تُفحص... ولا تُصدق بمجرد ظهورها."ساد الصمت.ثم أشار إلى رجال الأمن."لا يغادر أحد من المتسابقين حتى ننتهي من مراجعة تسجيلات المراقبة."تغيرت ملامح المرأة للحظة...كانت واثقة قبل قليل.أما الآن، فقد ارتسم على وجهها ارتباك خاطف، سرعان ما أخفته.لم يفت ذلك آدم.قال في نفسه:"إذن... هناك ما تخشاه."بعد دقائق...دخل أحد موظفي الأمن مسرعًا.اقترب من سليم وهمس في أذنه.تغيرت ملامح سليم للمرة الأولى."ماذا تعني أنها لا تعمل؟"

  • بائعة الجسد   الفصل الثالث والعشرون: بصمة لا تُنسى

    بائعة الجسد"هناك مواهب تُكتسب بالتعلّم... وأخرى تتركها الدماء إرثًا لا يستطيع الزمن محوه."أغلقت نورا الباب بهدوء خلف أريام.للحظة، شعرت وكأن العالم في الخارج قد اختفى.لم يعد هناك ضجيج ماكينات الخياطة، ولا همسات المتسابقين، ولا أصوات خطوات المنظمين. لم يبقَ سوى صمت ثقيل يملأ قاعة التقييم.اصطف أعضاء لجنة التحكيم حول طاولة طويلة تتوسطها التصاميم المتأهلة، بينما وقف في نهايتها رجل تجاوز الخمسين بقليل، يرتدي بدلة داكنة أنيقة، وتستقر في عينيه نظرة يصعب تفسيرها.كان سليم المنصوري.أشار إليها بالجلوس.— تفضلي.جلست أريام، لكنها أبقت ظهرها مستقيمًا، وكأنها تستعد لمعركة لا تعرف طبيعتها.نظر سليم إلى الملف أمامه، ثم رفع عينيه إليها.— أريام... أليس كذلك؟أومأت برأسها.— نعم.ساد صمت قصير قبل أن يدير التصميم نحوها.— أخبريني... لماذا اخترت هذا الأسلوب؟نظرت إلى الفستان المعلق أمامها، وشعرت بشيء غريب.لأول مرة تراه مكتملًا تحت الإضاءة الاحترافية.بدا كأنه يروي قصة لم تكتبها الكلمات.قالت بهدوء:— لأنني أردت أن أصنع فستانًا يشبه الإنسان... قد يتمزق، لكنه لا يفقد جماله.رفع أحد المحكمين حاجبه بإ

  • بائعة الجسد   الحرية لها ثمن

    بائعة الجسدالفصل الثاني والعشرون: الحرية لها ثمن"ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح... فبعضها يُحسم بفكرةٍ تولد في اللحظة المناسبة."دوّى صوت الجرس في أنحاء القاعة."تبقّت ساعة واحدة."رفعت أريام رأسها عن الطاولة للمرة الأولى منذ بداية التحدي.تسللت نظراتها سريعًا إلى القاعة.كانت الحركة لا تهدأ.أصوات المقصات تمتزج بأزيز ماكينات الخياطة، وروائح الأقمشة الجديدة تعبق في المكان، بينما كان المشرفون يتنقلون بين الطاولات، يدونون ملاحظاتهم بصمت.شعرت أن الوقت يركض أسرع منها.خفضت بصرها نحو تصميمها.كان الرسم قد اكتمل تقريبًا، لكن تنفيذه على القماش احتاج إلى دقة أكبر مما توقعت.التقطت قطعة الحرير البيضاء، ومررت أصابعها فوقها برفق.همست لنفسها:"لا تخذليني..."بدأت بقص القماش بحذر، محافظة على انحناءات الخطوط التي رسمتها قبل قليل.كانت يدها ثابتة، لكن قلبها لم يكن كذلك.على الطاولة المقابلة، كانت إحدى المتسابقات تعمل بثقة لافتة، تحيط بها مساعدتها بعدد من العينات، بينما أخذ بعض المشاركين يلتفتون إليها بإعجاب.لاحظت أريام ذلك، لكنها سرعان ما أعادت تركيزها إلى عملها.قالت في سرها:"إذا انشغلت بالآخر

  • بائعة الجسد   بوابة الأحلام

    بائعة الجسد الفصل الحادي والعشرون: بوابة الأحلام "ليست أصعب الخطوات تلك التي تقودك إلى القمة... بل تلك التي تجبرك على مواجهة ماضيك وأنت في طريقك إليها." لم تنم أريام إلا ساعات قليلة. كانت الرسالة الإلكترونية ما تزال مفتوحة على شاشة هاتفها، وكأنها تخشى أن تستيقظ فتكتشف أن قبولها في المسابقة لم يكن سوى حلم قصير. أعادت قراءة السطور للمرة العاشرة. "تم اختيار المتسابقة أريا ضمن أفضل خمسين مشاركًا..." مررت أصابعها برفق فوق الشاشة، ثم أغلقت الهاتف وأطلقت زفرة طويلة. غدًا... ستدخل المكان الذي سمعت عنه في طفولتها عشرات المرات. المكان الذي كانت والدتها تصفه بعينين تلمعان بالشغف، وتقول إن كل مصمم يحلم بأن تطأ قدماه قاعاته يومًا. لكن القدر اختار أن تدخله الابنة... لا الأم. وقفت أمام النافذة، وكانت أول خيوط الفجر تلوّن السماء بلون أزرق باهت. امتدت أمامها الحقول ساكنة، يلامسها ضباب الصباح، بينما حملت الرياح رائحة التراب الرطب. أغمضت عينيها للحظة. وضعت يدها فوق قلبها. كان يخفق بسرعة. لم يكن خوفًا فقط... بل مزيجًا من الترقب، والرهبة، والأمل. همست لنفسها بصوت بالكاد سمعته: "هذه ال

  • بائعة الجسد   الفصل الخاص (1): أريام... حين تصبح الندوب بدايةً للحياة

    بائعة الجسدبقلم: DAMDOMA"ليست كل الأرواح التي نجت من الموت قد شُفيت... فبعضها يعيش عمرًا كاملًا وهو يتعلم كيف يتنفس من جديد."لم تكن أريام فتاةً تلفت الأنظار منذ اللحظة الأولى، لكنها كانت من ذلك النوع الذي يبقى عالقًا في الذاكرة بعد الرحيل. لم يكن جمالها صاخبًا، ولا حضورها قائمًا على المبالغة، بل كانت تملك هدوءًا غريبًا، وكأنها تحمل في داخلها بحرًا من الأسرار لا يسمح لأحد بالاقتراب منه.في الرابعة والعشرين من عمرها، كانت تقف على أعتاب حياة جديدة، بعد أن دفعت ثمنًا باهظًا لم تختره يومًا. كانت طويلة القامة نسبيًا، يبلغ طولها مئة وثمانية وستين سنتيمترًا، بجسد رشيق اكتسب تناسقه من الحركة والعمل أكثر مما اكتسبه من الاهتمام بالمظهر.كان وجهها بيضاويًا ناعم الملامح، تعلوه بشرة قمحية فاتحة تضفي عليها دفئًا خاصًا. أما عيناها، فكانتا أكثر ما يميزها؛ عسليتان تميلان إلى الأخضر عندما تعانقهما أشعة الشمس، وتحملان تناقضًا غريبًا بين الحزن والرجاء. من ينظر إليهما يدرك أنها عاشت أكثر مما ينبغي في سنوات قليلة، وأنها ما زالت، رغم كل شيء، ترفض أن تستسلم.كان شعرها بنيًا داكنًا، طويلًا وناعمًا، ينساب حت

  • بائعة الجسد   خطوة نحو الضوء

    بائعة الجسدبقلم: DAMDOMA"هناك أبواب لا تُفتح بالمفاتيح... بل بالشجاعة."مرّت ثلاثة أيام منذ أحداث الكوخ.كانت المزرعة التي تقيم فيها أمينة أكثر هدوءًا من أي وقت مضى، لكن الهدوء لم يكن يعني أن الخطر قد انتهى.في إحدى الغرف الواسعة، التي حوّلتها أمينة إلى مشغل صغير، وقفت أريام أمام طاولة كبيرة غطتها الأوراق والأقمشة وأدوات الرسم.أمامها عشرات الرسومات.لكنها لم تكن راضية عن أي واحدة منها.مزقت ورقة.ثم أخرى.وألقت القلم بعيدًا وهي تتنهد."لا... ليس هذا."راقبتها أمينة بصمت، ثم اقتربت منها."لماذا تمزقين كل شيء؟"أجابت أريام بإحباط:"لأنني كلما رسمت، أشعر أنني أقلد أمي."ابتسمت أمينة برقة."وهل تعلمين ماذا كانت ليلى تقول لي عندما أمر بالموقف نفسه؟"رفعت أريام رأسها.قالت أمينة:"التلميذ يبدأ بالتقليد... لكن الفنان ينتهي باكتشاف نفسه."ساد الصمت.جلست أريام على الكرسي، وأغمضت عينيها.كانت تتذكر كل ما مرت به...الخوف...الفقد...الأمل...ثم أمسكت قلم الرصاص من جديد.هذه المرة لم تفكر في الموضة.بل فكرت في نفسها.بدأت الخطوط تنساب على الورقة.ببطء...ثم بثقة.بعد ساعة كاملة...دخل آدم الم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status