FAZER LOGINبلانشغرفة العاج تماماً كما تركتها، منذ دهور. الجدران المكسوة بحرير عاجي، باهت كالكفن. السرير ذو الأعمدة، حجبته العنكبوتية تطفو في تيار الهواء من الباب الذي أغلق للتو. الزنابق البيضاء في مزهريتها الكريستالية – ذابلة، هذه المرة، بتلاتها الشفافة متساقطة على رخام الخزانة. المكتبة ذات الظهور الجلدية المتشققة. المكتب الخشبي المطعم.لكنني لم أعد نفس المرأة التي حبست هنا قبل بضعة أسابيع. تلك المرأة كانت محطمة، مرعوبة، متآكلة بالذنب والفقد. تلك المرأة لم تكن تعرف بعد ماذا تريد، ماذا كانت مستعدة للتضحية به، ماذا كانت قادرة على حبه.أنا، أعرف.الباب أغلق ورائي بنفس ذلك الضجيج المكتوم، الخانق، ضجيج قبر يُختم. حراس فانس أقفلوا من الخارج. لكنني لا أفزع. لا أصرخ. لا أضرب الخشب الضخم بقبضتيّ. أجلس على السرير، يداي موضوعتان على ركبتيّ، عيناي مثبتتان على الباب، وأنتظر.أنتظر أن تتغير طبيعة ضجيج المعارك التي ترن في القصر. أنتظر أن تتباعد طلقات الرصاص، ثم تتوقف. أنتظر أن تتحول صرخات انتصار رجال فانس إلى صرخات هزيمة، ثم إلى صمت.ثم أسمع ما
بلانشالنفق يخرج إلى أقبية القصر، متاهة من أروقة مقببة، غرف تخزين مغبرة، أبواب خشب متآكل. أعرف هذه الأقبية. خلال أسابيع تهيئي، خلال تجوالي الليلي، استكشفت كل زاوية من هذا الحصن، مدفوعة بفضول صحفية لم يطفئه الترويض أبداً. أعرف أين الممرات السرية، أدراج الخدمة، مخابئ الأسلحة. أعرف أين الحلفاء.لكنني أعرف أيضاً أن رجال فانس لا يزالون يجوبون، ينظفون جيوب المقاومة، يطاردون المخلصين لداميان. ضجيج أحذيتهم يرن في الأروقة، أصواتهم مرتدة من قبل أقبية الحجر. كل تقاطع خطر. كل زاوية ظل يمكن أن تخفي عدواً.أنزلق في الظلمة، مسدسي مقبوض بكلتا يديّ، قدماي الحافيتان صامتتان على البلاط البارد. ثوبي المخملي أسمال، مغطى بالدم – دمه، دمي، دم الآخرين. الماس الأسود في حنجرتي يلمع بخفوت، طلسم، تذكير بما أقاتل لأجله.أصل إلى درج الخدمة المؤدي إلى المطابخ. المطابخ مهجورة، المواقد مطفأة، القدور مقلوبة في عجلة الإخلاء. لكنني أعرف أن ماركوس، الملازم المخلص، أمر بتأمين المستوصف. المستوصف في الجناح الشرقي، وراء المكتبة. إذا استطعت الوصول إليه، يمكنني إحضار طبيب، نقالة،
بلانشالرصاصة التي أصابت داميان في فخذه لم تكن الوحيدة.أكتشف ذلك حين أحاول مساعدته على النهوض، في الشرفة العلوية، بعد أسر فانس. يتكشر، يحمل يده إلى جنبه، وراحتي التي كانت تسند ظهره تلامس حرارة رطبة، لزجة. أسحب يدي. إنها مغطاة بالدم. دم طازج، أحمر قانٍ، شرياني.— داميان...أفك أزرار قميصه بأصابع ترتعش، مبعدة القماش الممزق. وأرى. جرح ثان، على الجانب الأيمن من بطنه، تحت الأضلاع مباشرة. فتحة دخول رصاصة، صغيرة، شبه نظيفة، لكن الدم ينبض منها بإيقاع منتظم، مقلق. لقد أصيب خلال تبادل إطلاق النار في الحديقة الشتوية، أو ربما خلال هجوم البهو، ولم يقل شيئاً. لقد حارب، مشى، حمل بندقيته، واجه فانس، مع هذا الجرح في جنبه الذي كان ينزف بصمت تحت قميصه.— أيها ال... لماذا لم تقل شيئاً؟صوتي شهقة مختنقة، مزيج من الغضب، الرعب والكرب. ينظر إليّ، عيناه السوداوان زجاجيتان قليلاً الآن، أقل تركيزاً قليلاً.— كان يجب إنهاء العمل. فانس كان يجب أن يسقط. الباقي... لم يكن مهماً.— ليس مهماً؟ أنت تفرغ من دمك، داميان!ألتفت ن
بلانش النفق أمعاء من حجر وتراب، ضيق، رطب، جليدي. يتلوى في أساسات القصر كأمعاء وحش نائم، مضاء فقط بمصابيح طوارئ نادرة تسقط ضوءاً مخضراً، شبحياً. الهواء تفوح منه رائحة العفن، التراب المبلل، غبار القرون. خطواتنا ترن على البلاط غير المستوي، داميان يعرج بثقل بجانبي، جرح فخذه ينز دماً يلطخ الأرض عند كل خطوة. لا يشتكي. بالطبع لا يشتكي. إنه ملك الظلال، السيد، المفترس. لكنني أرى العرق الذي ينز على جبهته، شحوب ملامحه في الضوء الشبحي، تشنج فكه عند كل خطوة. إنه يتألم. ولا يظهر ذلك. وهذه القوة، هذا العناد في البقاء واقفاً رغم الألم، يعصر قلبي بمزيج من الرعب والإعجاب. — إلى أين نذهب؟ أهمس، صوتي مكتوم بضيق النفق. — إلى قلب القصر. هناك مخبأ تحت البرج الرئيسي، غرفة تحكم حيث يمكنني تنسيق الهجوم المضاد. إذا لم يكن فانس قد احتلها أصلاً. — وإذا كان قد فعل؟ — إذن سنرتجل. نخرج إلى غرفة مقببة، سرداب قديم تحول إلى ترسانة. حوامل أسلحة، سترات واقية من الرصاص، محطات اتصال. وثلاثة رجال، بزات
داميانالحديقة الشتوية كاتدرائية من زجاج وحديد مشغول، قبة فيكتورية تتقدم في عتمات المتنزه كمقدمة سفينة شبح. النجوم، جليدية وغير مكترثة، تخترق سماء الشتاء فوق الزجاج المثلج. في الداخل، غابة اصطناعية من نخيل الأصص، سرخس شجري وأوركيدات بيضاء – تلك الأوركيدات نفسها التي رفضت نزعها، منذ دهور. العطر المسكر للأزهار يمتزج برائحة التراب الرطب والحجر البارد.أنا مختبئ في ظل عمود حديد زهر، غير مرئي، بلا حراك، غرغول من لحم وعظم. قلبي كتلة جليد في صدري. يداي، مغروستان في جيوب سروالي، قبضتان مشدودتان، مفاصلي مبيضة، أظافري تغوص في راحتي حتى تترك علامات.أراقبهم.فانس وصل أولاً، وفياً لغطرسته. يقف في مركز القاعة المستديرة، تحت القبة الزجاجية، قامته الأنيقة متقطعة بضوء القمر. قناع المخمل الأسود يتدلى من عنقه، لا فائدة منه الآن. الكوميديا انتهت. وجهه الأرستقراطي قناع أكثر كمالاً من كل الأقنعة – جامد، هادئ، وجه رجل يعتقد نفسه منتصراً أصلاً.ثم تدخل بلانش.إنها حافية القدمين، ككل مرة في حميمية القصر، وهذا المنظر – قدماها الحافيتان على بلاط
بلانشالكلمة سقطت بيننا كحجر في بحيرة سوداء، وتموجات الموجة لا تزال تنتشر. داميان انتصب، عيناه السوداوان مثبتتان عليّ بحدة تخترقني. لم يصرخ. لم يزأر. عاد ليصبح ملك الظلال، الوجه منغلق، الفك مشدود، اليدان موضوعتان على ركبتيه.— اشرحي.صوته رخام مصقول، غير نغمي، سريري. الصوت الذي كان له الأمسية التي فاجأني فيها في مكتبه. صوت القاضي قبل الحكم.أنتصب بدوري، جامعة ثوبي المخملي على صدري لأغطي عريي. أصابعي ترتعش، حنجرتي مشدودة، لكن الكلمات تتفجر، تيار غير متقطع، شلال محرر.— هذا الصباح، بعد مغادرتكم، دخل السيد ف. إلى الغرفة. عبر الشرفة. لديه مفتاح، أو متواطئ، لا أعرف. هددني. لقد سجل محادثتنا الأولى في رواق المكتبة – تلك التي قبلت فيها صفقته. قال لي إنني إذا لم أسرق مفتاح USB في مكتبكم هذا المساء، سيرسل لكم ملفاً كاملاً يثبت من أنا حقاً. الصحفية. التسلل. الميثاق معه. كل شيء.صوتي ينكسر على الكلمة الأخيرة، والدموع تعود للسيلان. لا أمسحها.— أردت الاعتراف لكم بكل شيء قبل. أردت إخباركم ليلة أمس، في غرفة التدخين، لكنني وجد







