Share

الفصل 4

Author: ندى السلام
كان الألم لا يُحتمل.

حين تداخلت الذكريات مع الواقع، أصبحت ضحى تتمنى الموت على أن تستمر في الحياة.

انتفضت بكل ما لديها من غريزة المقاومة، وأخذت تتلوى بجسدها بكل ما أوتيت من قوة.

لكن أحزمة التقييد كانت مشدودة إلى أقصى حد، ومع استمرار مقاومتها، انغرست في جلدها واحتكت به، تاركةً وراءها جروحًا، وسرعان ما تدفقت منها الدماء وانسابت على طول حواف كرسي العلاج الكهربائي.

أمسك بها عدة أشخاص، مجبرين إياها على البقاء ساكنة تمامًا.

تحول التيار الكهربائي إلى وتد فولاذي حاد، اخترق جسدها من رأسها حتى أخمص قدميها، واجتاحها بالكامل في لحظة واحدة.

عضّت ضحى شفتها السفلى بقوة لمقاومة الألم، حتى امتلأ فمها بطعم الدم المعدني اللاذع.

"آه—— ! آه ——!"

طوال يوم وليلة، أخذت صرخات الألم تخفت تدريجيًا، حتى لم يتبقَ منها سوى أنفاس واهنة.

كانوا يتركونها تفقد الوعي بفعل الصعق الكهربائي، ثم يسكبون عليها الماء البارد لإفاقتها، قبل أن يعاودوا صعقها من جديد، ويكرروا تعذيبها مرة تلو الأخرى.

ولم يلقوا بضحى أخيرًا في غرفة أبيها إلا بعدما تحولت غرفة العلاج بالصدمات الكهربائية إلى بحر من الدماء.

ارتطم الهاتف بوجهها بعنف، فأعادها الألم الشديد إلى الواقع.

رفعت رأسها بصعوبة، وحين رأت أن أباها على السرير الطبي قد عاد إلى وضعه المعتاد، وأعيد توصيل جميع الأجهزة الطبية، تنفست الصعداء أخيرًا.

في تلك اللحظة، رنّ هاتفها، وظهرت رسالة جديدة من مي.

كانت الرسالة تحتوي على صورة لمذكرات اصفرّت صفحاتها.

لقد كانت مذكرات ضحى!

وكتبت في الرسالة:

(كاد زين أن يحرق هذا الشيء باعتباره مجرد خردة، لكنني كنت لطيفة بما يكفي لأحتفظ به لكِ.)

(إذًا، اتضح أن أكثر ما كنتِ تتمنينه هو الذهاب مع زين إلى القارة المتجمدة لمشاهدة الشفق القطبي! يا لها من مصادفة رائعة، أتدرين أين نحن الآن؟)

ثم انهالت عليها عشرات الصور تباعًا.

جميعها تظهر زين ومي متلاصقين تحت أضواء الشفق القطبي، في مشاهد تكشف عن مدى قربهما.

بل إنه اشترى كويكبًا صغيرًا، وأطلق عليه اسم "مزين" ليجمع بين اسميهما.

كان زين مغرمًا بمي.

وكان هذا حلمًا دونته ضحى بدقة في مذكراتها.

حلمت بأن تشاهد الشفق القطبي برفقة من تحب.

وحلمت بأن تُطلق على كويكب اسمًا يجمع بين اسميهما.

أما الآن، فقد أصبحت كل تلك الأحلام من نصيب مي.

أطفأت ضحى شاشة الهاتف بملامح جامدة، ثم كرست اهتمامها لرعاية أبيها.

وخلال فترة سفر زين، تمكنت من التواصل مع إحدى دور الرعاية في الخارج، ووقعت معها اتفاقية استقبال إلكترونية.

وفي المقابل، لم تتوقف رسائل مي المتباهية.

وبعد مغادرتهما القارة المتجمدة، ذهبا إلى الشلالات في دولة الأنهار، وجزيرة السعادة، وتمثال المسيح الفادي في دولة الغابات...

كل ما دونته في مذكراتها حققته مي بدقة.

ومع كل وجهة كانا يصلان إليها، كانت ضحى تحرق جزءًا من الذكريات التي جمعتها بزين.

حتى جاء اليوم الذي تسلّمت فيه أوراق الطلاق، فأحرقت آخر كومة من صورهما المشتركة...

كانت النيران تتأجج بشدة في الموقد أمامها، حين دوى خلفها فجأة صوت غاضب يصرخ: "ماذا تفعلين؟!"

اقتحم زين المكان غاضبًا، ورفع قدمه ليوجه ركلة قوية إلى بطنها.

"أخيرًا توقفتِ عن التظاهر، أليس كذلك؟ لم تعودي تجنين المال، ولذلك حتى هذه الأشياء أصبحت تزعجكِ ولا تطيقين رؤيتها، أليس كذلك؟"

تعثرت ضحى وسقطت، فارتطم ظهرها بعمود رخامي، واهتز صدرها بقوة من شدة الارتطام.

اندفعت دفعة من الدماء من فمها، وامتلأت شفتاها وأسنانها باللون القرمزي.

ومع ذلك، تحدثت بهدوء لم يسبق له مثيل: "إذا احتفظت بهذه الأشياء، ألا تخشى أن تراها مي فتشعر بالانزعاج؟"

وبعد أن أنهت كلامها، حاولت النهوض بصعوبة، ثم استدارت مترنحةً وهي تستعد للمغادرة.

ظل زين ينظر إليها مذهولًا لفترة طويلة، قبل أن يكتشف فجأة أنها أصبحت نحيلة إلى هذا الحد، دون أن يعرف متى حدث كل ذلك.

تمايلت ملابسها الفضفاضة عليها مع حركاتها، حتى بدت وكأنها ستتحطم إلى قطع بمجرد أن يلمسها أحد برفق.

انقبض قلبه، وغمره خوف مبهم.

أسرع زين خلفها، ثم أمسك بها من خصرها وضمها بقوة إلى صدره، قائلًا: "ضحى! لقد استسلمت، أرجوكِ توقفي عن إثارة المشاكل..."

جعلها هذا الحنان النادر تتصلب في مكانها، وبدأ قلبها يخفق بعنف واضطراب.

لكن في اللحظة التالية، رنّ الهاتف، مقاطعًا كلامه.

انطلق صوت مي القلق من السماعة: "زين، هناك من يتبعني! أنا خائفة جدًا! أرجوك أنقذني..."

تغيرت ملامح زين بشكل جذري.

ومن دون أدنى تردد، ترك ضحى واستدار ليغادر: "مي، لا تخافي، أنا قادم حالًا!"

حتى بعد أن غادر مجددًا، بقيت ضحى متجمدة في مكانها.

كان دفء جسده لا يزال عالقًا بها، لكن قلبها تجمد حتى صار كقطعة من الجليد.

وبعد برهة طويلة، أطلقت ضحكة خافتة ساخرة، ثم رفعت يدها وصفعت نفسها بقوة.

تردد صدى صوت الصفعة في المكان.

"ضحى، أنتِ تستحقين ما يحدث لكِ فعلًا، كيف كدتِ تضعفين مرة أخرى..."

لكن لا بأس، فلم يتبقَ سوى يومين قبل أن تغادر هي ووالدها نهائيًا.

وبعد ذلك، ذهبت ضحى إلى سريرها لتنام كعادتها.

لكنها ما إن غفت حتى جذبها أحدهم بعنف.

وبعد ذلك مباشرة، انسكب فنجان قهوة مثلجة على وجهها، فشعرت بحرقة في عينيها.

ثم دوى صوت زين القاسي والعنيف، باردًا تمامًا كالقهوة التي غطت وجهها: "ضحى، كيف تجرؤين على تدبير اختطاف مي؟! هل نسيتِ ما قلته لكِ في المرة السابقة؟!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بانتهاء الاتفاقية، انتهى حبي   الفصل 16

    ابتسمت مي ابتسامة قاسية:"ضحى، بأي حق تملكين كل شيء الآن، بينما أنا لا أملك أي شيء؟""زين هو من وعدني بنفسه بأنه سيعاملني جيدًا إلى الأبد! فبأي حق ينتهي به الأمر إلى تدمير حياتي وجعلي أبدو هكذا؟! كل هذا بسببكِ! لقد أصبحت أشبه بالشبح الحي، ولن أسمح لكِ بأن تعيشي بسلام أنتِ أيضًا!"وبعد أن أنهت كلامها، اندفعت مي نحو ضحى وهي تحتضن القنبلة بين ذراعيها.استدارت ضحى وركضت مذعورة، وبينما كانت مي على وشك الإمساك بها، ظهر زين وبسام فجأة.اندفع الاثنان معًا للسيطرة على مي التي فقدت عقلها تمامًا، وثبتاها بقوة على الأرض الموحلة.لطخ الطين القذر ملامحها، ومع ذلك استمرت في الشتم.وبعد أن تأكد بسام من إحكام السيطرة عليها، استدار على الفور واحتضن ضحى بقوة، محاولًا تهدئتها.رفع زين عينيه، ونظر بألم إلى الاثنين وهما يتعانقان.كان بإمكانه أن يستشعر بوضوح مدى تعلق ضحى ببسام وعاطفتها تجاهه. ورغم أن الغيرة كانت تكاد تدفعه إلى الجنون، فإنه أدرك أنه لم يُسوِ حساباته مع ماضيه بعد، وأنه حتى لم يعد يملك الحق الكامل في محاولة استعادتها.نهض بثبات، ناظرًا إلى ضحى من بعيد."لقد أضعتكِ مرة، ولن أسمح بأن يتكرر ذلك مر

  • بانتهاء الاتفاقية، انتهى حبي   الفصل 15

    لقد قللت ضحى من تقدير مدى الجنون الذي يمكن أن يصل إليه زين.فقد فتح بثًا مباشرًا، وحبس نفسه داخل قفص في حظيرة للكلاب، وسمح للكلاب التي لم تأكل منذ عدة أيام بأن تنهش جسده."لقد خنت ثقة المرأة التي أحبها، وسمحت للآخرين بالتسبب في موت أطفالي الخمسة. لذا سأكفر عن ذنبي تجاه أطفالي بجسدي ولحمي."ظل عدد مشاهدي البث المباشر مرتفعًا، فيما حدق زين في الكاميرا بتركيز شديد، وكأنه ينظر إلى ضحى خلفها مباشرة، وارتسمت على وجهه ابتسامة حنونة."لا أنتظر غفران حبيبتي، كل ما أريده هو أن أبذل قصارى جهدي لتعويضها عما فعلته، وأن أجعلها ترى أنني نادم حقًا..."وبعد أن أنهى كلامه، أمسك بقضيب حديدي وأخذ يضرب القفص بجنون، متعمدًا استفزاز الكلاب الشرسة وإثارة غضبها.انهالت التعليقات على البث المباشر بلا توقف، وأجمع الجميع على أن زين قد فقد عقله تمامًا.نهضت ضحى فجأة، وراحت يدها التي تقبض على الهاتف ترتجف دون توقف.كان يجبرها، يجبر هذه المرأة الطيبة القلب على الاختيار بين حياته والكراهية التي تحملها له.ما إن علم بسام أن زين قد جاء للبحث عن ضحى، حتى أنهى عمله على الفور وعاد مسرعًا. اقترب منها، وسحب الهاتف من يدها ب

  • بانتهاء الاتفاقية، انتهى حبي   الفصل 14

    بفضل رعاية بسام، استعادت ضحى قدرتها على الحركة تدريجيًا.كما استعان لها بأخصائيين في العلاج النفسي لمساعدتها على التعافي من الاكتئاب.كان بسام يعيش في دولة جزرية صغيرة المساحة لكنها متقدمة تكنولوجيًا وحضاريًا. وبعد تعافي ضحى، رفضت عرض العمل في مجموعة آل شكري، وبدلًا من ذلك تقدمت إلى وظيفة في إحدى شركات الألعاب.على مدى سنوات طويلة، ظلت ضحى تدور في فلك زين، حتى إنها كادت تنسى بنفسها أنها فازت خلال دراستها الجامعية بالعديد من الجوائز الذهبية في تصميم الألعاب وبرمجتها.فقد كانت موهبة استثنائية.كان الرجوع إلى العمل أمرًا شاقًا بعض الشيء بالنسبة إلى ضحى.لكن من خلال هذا الجهد المتواصل، بدأت تشعر بأمان لم تعرف له مثيلًا من قبل.ومضت الأيام يومًا بعد يوم.توطدت علاقة ضحى وبسام تدريجيًا.كانا يتناولان الطعام معًا، ويتجاذبان أطراف الحديث ويتسوقان معًا، وأحيانًا يشربان معًا أيضًا. وكان أسلوب تعاملهما يشبه إلى حد كبير علاقة حبيبين عاديين.في الحقيقة، كانت ضحى تشعر بمشاعر بسام تجاهها.لكنها كانت قد خرجت لتوها من زواج فاشل، ولم تكن ترغب في خوض علاقة عاطفية جديدة بهذه السرعة.ولحسن الحظ، لم يكن بسا

  • بانتهاء الاتفاقية، انتهى حبي   الفصل 13

    فتحت ضحى عينيها فجأة.كان أثر الاختناق الشديد لا يزال يخيّم عليها.ضغطت على صدرها بقوة، ونظرت حولها في ذهول."لقد استيقظتِ؟"جاء صوت من المدخل، ودخل رجل أنيق ومهذب، يحمل بين يديه حوضًا من الماء ومنشفة لمسح وجهها."لقد ظللتِ فاقدة للوعي لمدة أسبوعين. قال الطبيب إن جسدك لم يعد يعاني من أي مشكلة، لكن عقلك الباطن كان قد استسلم للموت، ولم تكن لديكِ أدنى رغبة في البقاء على قيد الحياة، ولهذا تأخرتِ في الاستيقاظ."حدقت ضحى في الرجل بذهول.شاهدته وهو يمشي إلى جانب السرير ويجلس براحة متمرسة.كان الأمر طبيعيًا كما لو أنه مرّ بهذا المشهد مرات لا تُحصى من قبل.نظر إليها الرجل وابتسم برفق: "لا تنظري إليّ هكذا. لقد أنقذتكِ عندما كنت في البحر. وبينما كنتِ فاقدة للوعي خلال الأيام القليلة الماضية، كنت أنا من يعتني بكِ، بل ورويت لكِ الكثير من القصص أيضًا."صمتت ضحى طويلًا، وعندما تكلمت أخيرًا، كان صوتها أجشًا كأن حلقها قد جُرح."شكرًا... شكرًا لك. ما... ما اسمك؟"عندها فقط وضع الرجل حوض الماء جانبًا، ولوّح بيده أمام عينيها، ثم تعمّد التظاهر بمظهر المشاكس وقال: "يا لكِ من جاحدة! أحقًا لم تعودي تعرفينني؟"

  • بانتهاء الاتفاقية، انتهى حبي   الفصل 12

    نظرت السيدة فتحية إلى وجه زين الشاحب كالورق، ثم هزّت رأسها."كفّ عن التظاهر. لقد كانت هذه الاتفاقية محفوظة طوال الوقت في الخزنة في قبو منزل العائلة القديم. ألم تكن تجري بثًا مباشرًا مع ضحى يوم عادت إلى هناك لأخذ الاتفاقية؟ كيف لم تكن تعلم؟"أطلق زين ضحكة مريرة.كانت كل كلمة يسمعها أشبه بسهم مسموم ينفذ بقسوة إلى قلبه.حاول جاهدًا أن يجمع أجزاء الحقيقة في ذهنه ويربط بينها، لكنه في تلك اللحظة شعر وكأنه أحمق، وكان رأسه يطنّ بشدة حتى لم يعد قادرًا على ترتيب أفكاره.وفجأة، تذكر أن ضحى كانت قد وضعت إعجابًا من حسابها الرئيسي على التعليق الأكثر تداولًا على الإنترنت، والذي طالبها بالطلاق منه.في ذلك الوقت، كان زين مقتنعًا بأن ضحى تتظاهر وتفتعل المشاكل لجذب انتباهه.ثم اعتقد لاحقًا أنها ذهبت إلى الخزنة وأخذت مبلغًا ضخمًا من المال، ولهذا توقفت.حتى في حفل اليوم، كان لا يزال يعتقد أنها ملتزمة بالاتفاقية فقط من أجل مال عائلة سامح، فلم تعد تتدخل في حياته أو تغار أو تفتعل الشجارات.لكن الحقيقة كانت أن ضحى لم تمسّ سنتًا واحدًا من المال، بل أخذت الاتفاقية الثانية وحدها.لقد كانت قد اتخذت قرار الطلاق منه

  • بانتهاء الاتفاقية، انتهى حبي   الفصل 11

    بنغ!شعر زين وكأن صاعقة هائلة قد ضربته.تسمّر في مكانه، وكأن حواسه قد تلاشت.ماذا؟ مات؟!كيف يمكن أن يكون قد مات؟!انفجر غضبًا فجأة، وأمسك بياقة المدير بقوة: "لماذا لم يخبرني أحد بهذا الأمر الخطير؟!"خفض المدير صوته، وقد أرعبته هيبة زين."هذا... هذا لأن السيدة ضحى قالت إنه لا داعي لإبلاغك... لقد توفي حماك في المستشفى، ولم يعد إلى دار الرعاية أصلًا، وقالت السيدة ضحى إنها دفنت والدها بالفعل..."بدا وكأن الهواء قد تجمد من حولهما.اتسعت عينا زين، وظل يحدق في مدير دار الرعاية بذهول شديد.كان يفهم كل كلمة ينطق بها المدير، لكن عندما اجتمعت الكلمات معًا، لم يستطع استيعاب معناها.قبض يديه تدريجيًا، وظهرت في عينيه نظرة دموية.شعر وكأن يدًا ضخمة قد قبضت على قلبه بقوة في لحظة واحدة.وكأن تلك اليد لم تترك لقلبه أي مجال للنبض، بينما أخذ الاختناق يتفاقم داخل صدره، حتى بدأت ملامحه تتغير تدريجيًا وبدت عليه علامات الانهيار والجنون.لقد مات والد ضحى، وانقطعت بذلك آخر صلة تربطه بها...شعر زين بدوار شديد، وكاد يفقد توازنه، فتراجع مترنحًا عدة خطوات.وفي تلك اللحظة، وصل مساعده، فسارع إلى التقدم وإسناده."سيد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status