LOGINوقبل أن تجيب سارة، ألمحت صديقاتها قادمات من بعيد، فتجاهلت لارا وسارت باتجاههن مسرعة لتتهرب من نظراتها المتفحصة. وقفت لارا على مسافة قريبة تكفي لسماع أصواتهن، حيث قالت إحداهن بغضب: "سارة، تلك الحقيرة... ماذا قالت لكِ مجدداً؟" ردت الأخرى بنبرة حادة: "إنها تتباهى علينا فقط! وماذا يعني إن كان والدها رئيس مجلس إدارة؟ أكره تلك الطبقة المخملية، جميعهم متكبرون!" ثم ربتت على كتف سارة وأردفت: "لا تحزني يا سارة... ستتلقى عقابها حتمًا" في تلك اللحظة، استدارت لارا بخطوات حاسمة ولحقت بالفتاة المتنمرة، فوجدتها واقفة مع والدتها في الفناء الخارجي بالقرب من البوابة. وعندما رأت سارة لارا تخرج خلف الفتاة، شعرت بالذعر ولحقت بها مسرعة؛ كانت سارة تخشى طوال الوقت أن يُكشف سر عائلتها وأن يعرف الجميع أنها ابنة صاحب شركة "غولباك" الشهيرة. ففي وسائل الإعلام، يُعرف مراد دائماً بـ "مراد غولباك" وليس "مهران"، وهو ما استغلته سارة بذكاء لإخفاء انتمائها لطبقة شديدة الثراء فهي لا تريد أن تخسر صديقاتها . شاهدت سارة لارا وهي تتقدم بثبات وثقة نحو الفتاة وأمها، لتفاجأ بلارا تقف أمامهما وتقول بنبرة هادئة وساخرة:
اندفعت سارة نحو الحديق بخطوات سريعة وملامح مشتعلة غضبًا كانت تشهد حزن ليلى ودموعها، وبحسب ظنونها ورأسها المعبأ بالشكوك، لم تكن ترى في لارا إلا دخيلة مجهزة بالشرور، تستغل غياب مراد لتضغط على ليلى وتكسر خاطرها وقفت سارة أمامهما متكتفة الذراعين، ونظرت إلى لارا بنبرة طفولية حادة تحمل الكثير من التحدي: "ما الذي تفعلينه هنا يا لارا؟ ولماذا تجعلين الآنسة ليلى تبكي؟ هل تظنين أن غياب أبي يمنحكِ السيطرة لتفعلي ما تشائين؟" فوجئت ليلى باقتحام سارة، ومسحت حافة عينها بسرعة لتدارك الموقف. ابتسمت ليلى بسخاء وقالت بهدوء تحاول من خلاله حماية السر وطمأنة الصغيرة: "سارة يا حبيبتي... لارا لم تفعل شيئاً يغضبني! أنا من جئتُ لأزورها، ولست أبكي... جئتُ أشكرها لأنها ساعدتني في إرجاع بيانات مهمة للعمل" نظرت سارة بين وجه ليلى الشاحب وملامح لارا الثابتة والهادئة، ولم تصدق التبرير تمامًا أن رقي ليلى في الدفاع عن لارا جعلها تتراجع خطوة إلى الخلف بارتياب. نظرت إلى لارا بريبة أخيرة ثم قالت بصوت منخفض: "أنا فقط... أردتُ التأكد من أن كل شيء بخير" استدارت سارة وعادت نحو القصر بخطوات أبطأ، بينما تنهدت ليلى ب
وقفت لارا متسمرة في مكانها وهي تستمع لنبرة الصوت الناعمة والرسمية الآتية عبر السماعة: "مرحبًا... نحن إدارة مدارس الرائد النموذجية، هل أنتِ ولي أمر الطالبة سارة؟" ترددت لارا لوهلة، ثم أجابت بنبرة متزنة: "نعم... تفضلي، أسمعكِ" تابعت المتحدثة ب رصانة: "نود إعلامكم بعقد اجتماع أولياء الأمور الدوري نهاية هذا الأسبوع، ونتشرف بحضوركم لمتابعة المستوى الأكاديمي والتربوي لسارة" أنهت لارا المكالمة بعد أن أكدت استلامها للموعد وردت ب مجاملة لطيفة، ثم وضعت السماعة ب بطء وهي تغرق في تفكير عميق. كانت "مدارس الرائد" مدرسة خاصة ذات صيت جيد وسمعة طيبة، لكنها لم تكن أبدًا من المدارس المرموقة للغاية أو العريقة التي ترتادها بنات الطبقة المخملية وأبناء رجال الأعمال من طراز مراد مهران. أعادت لارا السماعة إلى صوفيا التي كانت تقف بالقرب منها، وسألتها ب فضول واستغراب لم تستطع كتمانه: "صوفيا... غريب جدًا، لماذا سارة مسجلة في هذه المدرسة تحديداً؟ ظننتُ أن ابنة مراد ستكون في إحدى المدارس الدولية الشهيرة!" تنهدت صوفيا ب ابتسامة خفيفة، وأجابت ب صدق: "في الحقيقة يا سيدتي، كان هذا طلب الآنسة سارة بنفسها؛ لق
مضت الأيام هادئة في ظواهرها، ثقيلة بحمولتها الخفية داخل القصر. كانت ليلى تعيش صراعاً طاحناً بين جدران غرفتها، تتجاذبها الحيرة والهموم حول الكيفية التي يمكنها بها كشف السر لوالدتها دون أن تحطم قلبها. وبعد تفكير طويل ومضنٍ، لجأت إلى لارا التي نصحتها بهدوء ووعي بأن أفضل حجة هي وضع الأمر كليًا بين يدي مراد؛ فهو الأقدر على التعامل مع خالته سماح وحمايتها من صدمة الحقائق القاسية. لم تعد علاقة ليلى ب لارا قريبة كالصديقات، ولا بعيدة كالغريبات؛ بل أصبحت قائمة على نوع من الامتنان الصامت. لقد أدركت ليلى المساعدة الكبيرة التي قدمتها لها لارا في أزمتها، خاصة بعد أن أغلقت ليلى باب قلبها بالكامل، وأنهت كل مشاعر الحب القديمة التي كانت تكنها لمراد، مدركة أن ما فعله والدها سامر قد قطع آخر خيط يصلها بهذا الماضي. في مكتبه الخاص بالقصر، كان مراد يجلس خلف مكتبه يتأمل شاشة الحاسوب التي عرضت محتويات الفلاش ميموري. انقبضت ملامحه وهو يقلّب الصور والفيديوهات الوثائقية التي تسجل زواج سامر السري وحياته الأخرى. التفت نحو ليلى الواقفة أمامه، وقال بنبرة هادئة وحازمة: "ليلى... أريدكِ أن تكتمي هذا الأمر تمامًا ع
عاد سامر إلى منزله والأفكار السوداء تعصف بعقله كالرياح الهوجاء. كان يمشي في أروقة المنزل بخطوات واجفة وغير متزنة، وعيناه تتنقلان بين الزوايا بذعر مكتوم. لم تكن حادثة اختفاء الفلاش ميموري من مكتبه مجرد سرقة عادية، بل كانت بمثابة حبل إعدام يلتف حول عنقه ببطء؛ إذ كان يدرك تمامًا أن تلك القطعة المعدنية الصغيرة تحتوي على أسرار خفية وسجلات زواجه السري من زهراء. كان يتخبط في تفكيره، يمسح العرق البارد عن جبينه بكفه المرتجفة، ويسأل نفسه بذهول: "أين ذهبت؟ من أخذها؟ هل حقًا بقيت معي؟" أخرج هاتفه بسرعة وأجرى مكالمة وهو يحاول كتم اضطراب أنفاسه: "ألو... زهراء! هل أنتِ متأكدة أن الفلاش كانت في جيب معطفي؟ لم أجد شيئًا! ابحثي مرة أخرى رجاءً!" كان يتشبث ب أمل واهٍ في أن تكون قد بقيت هناك ولم يجلبها معه إلى المنزل. لم يستطع سامر كبح جماح توتره، فبدأ يتجول في الغرف ب قلة صبر، يفتش الأرفف والأدراج بحجة البحث عن أوراق مفقودة، وقلبه يخفق بشدة كلما سمع حركة في البيت. وفي هذه الأثناء، خرجت ليلى من غرفتها وهي تحمل بعض كوب القهوة، لتفاجأ ب والدها يقف أمام خزانة الكتب في البهو، يقلب المحتويات بعشوائي
ساد الصمت جنبات الغرفة بعد توضيح خالد المفصل، وشعر حازم بعمق التحول الذي طرأ على مسار ابنه. ورغم القلق الذي ساوره بشأن خطورة هذا المجال الجنائي الغامض، إلا أن رؤيته لابنه مرفوع الرأس وشغوفًا بما حققه جعلته يتنهد بقلة حيلة ومحبة، مفسحًا المجال لتقبل الواقع الجديد برضا أبوي دافئ. ومع مرور الوقت واقتراب ساعات المساء الأولى، نظر مراد إلى ساعته اليدوية بهدوء ثم اعتدل في جلسته. التفت نحو حازم ووالدة لارا وقال بنبرته الرخيمة المتزنة: "عمي حازم... أستأذنكم الآن بالعودة إلى القصر، فالرحلة كانت طويلة وخالد يحتاج إلى الراحة بينكم بعد سنوات الغربة والتعب" أومأ حازم برأسه ممتنًا وقام ليودعه بتقدير كبير: "في أمان الله يا بني... لا نعرف كيف نشكرك على كل ما قدمته لخالد ولنا" قامت لارا وودعت والدتها وشقيقها بعناق حار، مشددة على خالد أن ينتبه لنفسه ويطلعها على خطواته القادمة أولاً بأول. خرجت برفقة مراد واستقلا السيارة ، لتنطلق بهما وسط شوارع المدينة التي بدأت تلمع بأضواء المساء الهادئة في طريق العودة، خيم صمت مهيب وبارد داخل السيارة، لكنه لم يكن صمت الخصام أو الجفاء كما في السابق، بل كا
لم يكن مراد رجلًا ينسى الفضل، ورغم حزمه وقسوته في إدارة شركته "غلوبال تيك"، إلا أن النجاح الباهر الذي حققته المنصة الموحدة أمام الوفد الأجنبي ترك في نفسه أثرًا عميقًا. والأهم من ذلك، أن اسم "حازم" أعاد إليه شريطاً طويلاً من الذكريات؛ فحازم لم يكن مجرد مهندس كفؤ أنهى خدمته في الشركة بكرامته، بل كان
لم تضيع لارا دقيقة واحدة. فتحت كمبيوترها المحمول بسرعة، وربطته عبر بروتوكول آمن بقاعدة بيانات شركة "غلوبال تيك" بعد أن منحها طارق صلاحية الدخول المؤقتة كمشرف نظام. ساد الصمت أركان الدكان الأنيق، ولم يكن يُسمع سوى نقرات أصابع لارا السريعة والمنظمة على لوحة المفاتيح. كان طارق وريم يراقبان الشاشة خلف
داخل الطابق الحادي عشر من برج شركة "غلوبال تيك للحلول الرقمية"، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر الحاد الذي يمكن شمه في الهواء. القاعة الزجاجية المخصصة للاجتماعات تحولت إلى ما يشبه غرفة عمليات حربية؛ الأوراق مبعثرة في كل مكان، شاشات العرض الضخمة تومض بأكواد برمجية باللون الأحمر تشير إلى وجود أخطاء برمجي
انطلقت سيارة مراد تنهب الطريق نهبًا متجهة صوب مقر إمبراطوريته الرقمية "غلوبال تيك للحلول الرقمية". مراد ليس مجرد مدير تنفيذي، بل هو مؤسس هذا الكيان، وصاحب المال، ورئيس مجلسًا بأكمله الذي يملك الكلمة الأولى والأخيرة في مصير مئات الموظفين. لم تكن سارة مجرد طفلة تحتج على غياب والدها، بل كانت المرآة ا







