LOGINكانت الساعة تقترب من منتصف الليل.
وقفت ليان أمام المستشفى القديم، والمفتاح في يدها. نظرت إلى ياسين. — متأكد إننا لازم ندخل دلوقتي؟ — لا. ابتسم. — بس متأكد إنك لو قررتي تدخلي، مش هسيبك. ابتسمت ليان رغم توترها. — كنت عارفة إنك هتقول كده. دخلا المبنى القديم. كان الممر هادئًا، والإضاءة ضعيفة. كل خطوة كانت تعيد إلى ليان جزءًا من ذاكرة لم تكن تعرف أنها ما زالت موجودة. حتى وصلا إلى الباب. 309. توقفت. وضعت يدها على المقبض. لكنها لم تستطع فتحه. — ليان؟ — أنا خايفة. أمسك ياسين يدها. — نرجع؟ نظرت إليه. — لأ. ثم وضعت المفتاح. دار القفل. وانفتح الباب. كانت الغرفة صغيرة. سرير قديم. نافذة. وخزانة خشبية. وفي الحائط رسم طفولي. ثلاث فتيات يمسكن أيدي بعضهن. ليان. مينا. وفتاة ثالثة. تقدمت ليان ببطء. — أنا رسمت ده. قال ياسين: — فاكرة؟ — جزء منه. لمست الرسم. فجأة سمعت صوت طفلة داخل رأسها: — ليان… ما تدخليش هنا. تجمدت. — مين قال كده؟ ثم جاء صوت آخر. صوتها هي. — ليه؟ الصوت الأول: — عشان لو دخلتي، هتعرفي. تراجعت ليان. — مينا. أمسك ياسين كتفها. — إيه اللي حصل؟ وضعت يدها على رأسها. — كانت بتمنعني أدخل الغرفة. ثم بدأت الذكرى تتضح. كانت طفلة صغيرة تقف أمام الباب. مينا تمسك يدها. ونونو تقف خلفهما. ثم ظهرت امرأة. مريم. قالت: — ليان، لازم تروحي مع مينا. لكن ليان الصغيرة رفضت. — أنا عايزة أعرف إيه جوه. مريم اقتربت منها. — لما تكبري. — إمتى؟ — لما تبقي قوية. ثم ظهر رجل في نهاية الممر. كان والد ليان. وخلفه رجل آخر. رائد. قال والدها: — خدوهم. ثم التفت إلى رائد. — أنت فاهم المطلوب. رد رائد: — فاهم. توقفت الذكرى. فتحت ليان عينيها. — بابا كان هنا. قال ياسين: — ورائد؟ — أيوه. ثم نظرت إلى السرير. كان هناك صندوق صغير تحته. أخرجته. فتحته. وجدت ثلاث أوراق. الأولى تحمل اسم: ليان المصري. الثانية: مينا رائد. والثالثة… لم يكن عليها اسم. فقط: «الطفلة الثالثة.» ارتجفت يد ليان. — كانت فيه طفلة ثالثة فعلًا. قال ياسين: — واضح. فتحت الورقة. كانت تحتوي على تاريخ واحد: 27 أبريل 2000. ثم جملة: «تم نقل الطفلة الثالثة بناءً على طلب والدها.» شهقت ليان. — والدها؟ قال ياسين: — إذن والد الطفلة الثالثة معروف. قبل أن تكمل، سمعا صوتًا خلفهما. — أخيرًا وصلتي. استدارا. كان رجل يقف عند الباب. لم يكن رائد. كان رجلًا أكبر سنًا، يحمل ملفًا قديمًا. قال: — أنا كنت مستني اليوم ده من سنين. قال ياسين: — أنت مين؟ نظر الرجل إلى ليان. — أنا الشخص اللي والدك طلب منه يحتفظ بالملف. اقتربت ليان. — ملف مين؟ رفع الملف. — ملف الطفلة الثالثة. قالت: — اسمها إيه؟ تردد الرجل. ثم قال: — والدك منعني أقول الاسم لأي حد. — ليه؟ — لأنه كان خايف إن الاسم يوصل للشخص الخطأ. سألت ليان: — مين الشخص الخطأ؟ قبل أن يجيب، سمعوا صوتًا من الممر. صوت رجل: — ما تقولش لها. تجمد الجميع. عرفت ليان الصوت. رائد. ظهر عند الباب. نظر إليها. ثم قال: — قبل ما تعرفي اسمها… توقف. — لازم تعرفي ليه والدك نقلها. سألته ليان: — وليه؟ نظر رائد إليها طويلًا. ثم قال: — لأن الطفلة الثالثة… صمت. — كانت تحمل نفس العلامة اللي كانت عندك. نظرت ليان إلى ياسين. — أي علامة؟ أجاب رائد: — «ل.م.» تجمدت ليان. لكن رائد أضاف: — والفرق الوحيد… أنه لم تكن علامة حماية. بل كانت دليلًا على أصل الطفلة. ثم أغلق الرجل الملف. وقال: — والحقيقة اللي والدك حاول يخبيها عشرين سنة… — تبدأ من هنا.توقفت ليان أمام والد ياسين.— كنت هناك؟أومأ.— أيوه.قال ياسين:— فين؟أجاب والده:— في المكان اللي ماتت فيه أم ليان.ساد الصمت.شعرت ليان أن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها.— إنت كنت موجود ليلة وفاة أمي؟— أيوه.— وشفت اللي حصل؟— شفت جزء منه.اقتربت ليان.— مين كان هناك؟نظر الرجل إلى عادل، ثم إلى مريم.— ناس كتير.قالت ليان:— أنا مش عايزة أسماء عامة. عايزة الحقيقة.تنفس بعمق.— كان والدك.تجمدت.— وأمك.رفعت ليان رأسها.— ماما؟— أيوه.ثم قال:— وكان فارس.قال ياسين:— وفارس هو الحارس؟أومأ.— كان واحدًا من الأشخاص اللي حاولوا حماية الأطفال.قالت ليان:— لكن مريم قالت إنه مات.— لأن الجميع كان يعتقد ذلك.— وإنت؟— عرفت إنه عاش.سألت ليان:— مين قتل أمي؟أخفض الرجل عينيه.— ما أقدرش أقول إن شخصًا واحدًا قتلها.— ليه؟— لأن موتها كان نتيجة سلسلة قرارات.تدخلت مريم:— قول لها الباقي.نظر إليها.— والدتك اكتشفت إن سارة كانت على قيد الحياة.شهقت ليان.— قبل الحادث؟— أيوه.— وكانت عايزة ترجعها؟— كانت عايزة تجمع كل الأطفال من جديد.قال سليم:— وده اللي خوّفهم.سألت ليان:— مين «هم»؟قا
توقفت ليان أمام الباب.كان صوت مريم يأتي من الخارج بهدوء غريب:— سليم… افتح الباب.نظر سليم إلى ليان.— ما ترديش.اقترب ياسين من الباب، ثم أشار إليهما بالابتعاد.— مريم، إحنا عارفين إنك هنا.ضحكت من الخارج.— عارفين إيه؟قال ياسين:— إنك كنتِ بتشتغلي مع الحارس.ساد الصمت.ثم جاء صوتها:— أنتم فاهمين نص الحقيقة بس.قالت ليان:— إذن قولي النص التاني.— الحقيقة مش دايمًا بتنقذ أصحابها يا ليان.تجمدت ليان.— إنتِ تعرفيني؟— كنت أعرفك قبل ما تعرفي نفسك.نظر سليم إليها.— مريم، كفاية.قالت:— إنت بالذات ما لكش حق تتكلم.فتح سليم عينيه بدهشة.— ليه؟— لأنك عارف الحقيقة عن أمك.ساد الصمت.التفتت ليان إلى سليم.— أمي؟خفض سليم عينيه.— أنا ما كنتش عايز أقولك هنا.— قول.— أمنا كانت تعرف إننا هننفصل.— ليه؟— لأنها كانت عارفة إن الشخص اللي بيطارد الأطفال مش عايزك إنتِ ولا أنا.سألت ليان:— أمال عايز إيه؟أجاب سليم:— عايز الدليل.— أي دليل؟نظر إلى الملف الذي في يدها.— الملف اللي عندك.فتحت ليان الملف بسرعة.كانت الصفحات فارغة تقريبًا.إلا صفحة واحدة.في أسفلها اسم:عادل المصري.قالت:— عادل؟
الفصل ١٢٠: أخيظلت ليان تنظر إلى اسم آدم على الشاشة.«ليان… أنا عرفت مين أخوك الحقيقي.»قال ياسين:— ردي عليه.نظرت إليه.— مش خايف؟— خايف.— ومع ذلك؟— لأن الحقيقة أهم من خوفي.فتحت ليان الاتصال.— آدم؟جاء صوته متوترًا:— أخيرًا رديتي.— مين أخويا؟صمت آدم.— مش هقدر أقولك في التليفون.— آدم، كفاية.— اسمعيني بس.— أنا سمعت منك أكاذيب كفاية.تنهد.— أنا ما كنتش بكذب لما قلت لك إني الطفل الرابع.— كنت بتضللني.— أيوه.— ليه؟— لأن لو قلت لك الحقيقة من البداية، كنتِ هتدوري عليه.— وإيه المشكلة؟— لأنهم كانوا مستنيين إنك تدوري عليه.سألت:— مين «هم»؟صمت.ثم قال:— الحارس.نظرت ليان إلى ياسين.— عرفنا إنه مريم.سكت آدم طويلًا.— مريم مش الحارس.تجمدت ليان.— إيه؟— مريم كانت بتشتغل معاه.قال ياسين:— إذن مين الحارس؟جاء صوت آدم:— الشخص اللي كنتوا فاكرين إنه مات.تذكرت ليان كلام والد ياسين.— والد ياسين؟— لا.ثم قال آدم:— الشخص ده أقرب مما تتخيلي.سألته ليان:— أخويا؟— أيوه.توقفت أنفاسها.— إنت عرفت مين هو؟— عرفت مكانه.— فين؟— في المكان اللي بدأت منه كل الحكاية.قالت:— المستشف
الفصل ١١٩: الأقربظلت ليان تنظر إلى الرسالة.«ما تدوريش على أخوك… لأنه بالفعل وجدك.»رفعت عينيها ببطء.كان ياسين أمامها.وللحظة، لم تستطع منع الفكرة من دخول عقلها.هل يمكن أن يكون هو؟لاحظ ياسين نظرتها.— ليان؟لم تجب.اقترب خطوة.— إنتِ بتفكري في إيه؟قالت بصوت خافت:— الرسالة قالت إنه قريب مني.— أيوه.— وممكن يكون شخص عاش معايا سنين.صمت ياسين.قالت:— صح؟نظر إليها طويلًا.ثم قال:— لو كنتِ بتشكّي فيا، اسأليني مباشرة.ابتلعت ليان دموعها.— هل أنت أخويا؟ساد الصمت.اتسعت عينا ياسين.ثم هز رأسه.— لا.أغمضت ليان عينيها.لم تعرف هل شعرت بالراحة أم بالخوف.قال والد ياسين:— ابني مش أخوكي.نظرت إليه.— إنت متأكد؟— أيوه.ثم أضاف:— والدك كان يعرف إن ياسين مش من نفس دمك.تنفست ليان ببطء.لكنها لم تترك يد ياسين.قال:— كنت عارف إن السؤال ده هييجي يومًا.— ليه؟— لأن أبوكي كان يخاف من إن الحقيقة تفرق بيننا.نظرت إليه.— وأنا خفت.— عارف.— بس أنا مش عايزة أعيش وأنا شاكّة في كل شخص بحبه.قال ياسين:— إذن ما تخليش رسالة مجهولة تقرر مين تثقي فيه.ثم أخرج هاتفه.— خلينا نعرف مين بعتها.فتح ال
الفصل ١١٨: الغرفة ٣٠٩ساد الصمت بعد كلام عادل.قالت ليان:— يعني إيه الحارس مش عايز حد يدخل الغرفة؟أجاب عادل:— لأن فيها الدليل الوحيد اللي يقدر يثبت مين كان مسؤول عن اختفاء سارة.قال ياسين:— وأبويا طلب مني أروح هناك.— عشان يوقعك في فخ.نظر ياسين إليه.— أو عشان يقول لي الحقيقة.قالت ليان:— هنروح.اعترض عادل:— ليان، ده خطر.نظرت إليه بثبات.— أنا قضيت سنين وأنا عايشة وسط أسرار اتعملت بحجة حمايتي. المرة دي أنا اللي هقرر.نظر ياسين إليها، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.— وأنا معاكي.⸻بعد ساعة، وصلوا إلى المستشفى القديمة.كان المبنى مهجورًا، والنوافذ مغطاة بالغبار.دخلت ليان وهي تمسك يد ياسين.كان الممر طويلًا وهادئًا.ثم ظهر الرقم على الباب:٣٠٩.توقفت ليان.شعرت بدوار مفاجئ.— أنا كنت هنا.قال ياسين:— متأكدة؟— أيوه.وضعت يدها على الباب.وعادت الذكريات.سرير صغير.امرأة تبكي.طفلة تحمل دمية.وصوت رجل يقول:— لازم تاخدوها قبل ما يكتشفوا الحقيقة.فتحت ليان عينيها فجأة.— كان فيه رجل هنا.سأل ياسين:— تعرفيه؟— لا.ثم قالت:— لكني أعرف صوته.قبل أن تكمل، سُمع صوت خطوات في آخر الممر.اقترب
الفصل ١١٧: الصورة التي غيّرت كل شيءلم تستطع ليان أن ترفع عينيها عن الصورة.كانت صغيرة.تقف بجانب ياسين، الذي كان يبدو أصغر منها بسنوات قليلة.وبينهما كانت سارة.ثلاثة أطفال في مكان واحد.وفي الخلف شجرة قديمة تعرفها ليان جيدًا.قالت بصوت منخفض:— إنت كنت هناك؟نظر ياسين إلى الصورة.تغير وجهه.— أيوه.— يوم اختفاء سارة؟— أيوه.— وكنت تعرفها؟— كنت أعرفها.ابتعدت ليان خطوة.— ليه ما قلتليش؟— لأنني ما كنتش فاكر كل حاجة.— بس الصورة موجودة!— عارف.قالت ليان بحدة:— إذن إنت كنت بتكدب عليّ.هز ياسين رأسه.— لا.— أمال إيه؟اقترب منها، لكنه لم يلمسها.— أنا كنت طفل وقتها.— بس كنت فاكر!— كنت فاكر جزءًا فقط.صمتت ليان.قال ياسين:— كنت أفتكر إني شفت بنت صغيرة في مكان قديم. ما كنتش أعرف اسمها.— وبعدين؟— بعد سنين، شفت الصورة عند أبوكي.— وعرفت إنها سارة؟— أيوه.— وإنت عملت إيه؟خفض عينيه.— سألت أبوكي.— وقال لك إيه؟— قال لي أنسى الصورة.شهقت ليان.— وتسمع كلامه؟— كنت صغير ومش فاهم.ثم أضاف:— وبعدها اختفت الصورة.قالت ليان:— مين كان معاكم؟نظر ياسين إلى الصورة.— أخويا.تجمدت.— أخوك







