Share

بعد ثلاث سنوات... أصبح والد طفلتي مديري
بعد ثلاث سنوات... أصبح والد طفلتي مديري
Author: القطة المتألقة

الفصل 1

Author: القطة المتألقة
لم يخطر ببال ليلى سليم قط أن المدير الجديد الذي تم تعيينه في الشركة سيكون والد ابنتها.

لو كانت تعلم مسبقًا أنها ستلتقي بفارس منصور هنا، لما أتت إلى هذه الشركة أبدًا.

منذ بضعة أيام والقسم يعج بالحديث عن تعيين مدير شاب وواعد.

يقال إنه ابن رئيس المجموعة، وقد وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب.

كل سطر في سيرته الذاتية كان بالنسبة لهؤلاء الموظفين العاديين شيئًا بعيد المنال يستحيل بلوغه.

وقف الرجل داخل قاعة الاجتماعات، واضعًا إحدى يديه في جيبه، وقد أبرزت بدلته المصممة خصيصًا له أناقته. كان طويل القامة، وقد حلت الملامح الحادة محل براءة الماضي، ورغم صغر سنه، كان يفرض حضورًا مهيبًا.

كانت يده ذات المفاصل البارزة تمسك بجهاز التحكم، بينما يشرح بثقة المعلومات في العرض التقديمي.

تردد صوته العميق العذب في أرجاء قاعة الاجتماعات.

لم يجرؤ أحد على التقاط أنفاسه، خوفًا من أن يأخذ هذا المدير انطباعًا أول عنهم بأنهم حمقى.

كانت ليلى تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها.

لكن للأسف، كانت أرضية قاعة الاجتماعات تلمع من شدة النظافة، فلم تسمح لها بالاختباء، بل انعكس عليها بريقها أيضًا، فكشف وجهها المُحرج.

كانت تعلم أن اسم المجموعة هو "آل منصور"، لكنها لم تتخيل قط أنها تعود إلى فارس منصور.

انقبضت أصابع قدميها من فرط الإحراج، وبدأ العرق البارد يتصبب على ظهرها.

واجتاحها شعور خانق.

مرت ثلاث سنوات.

ثلاث سنوات منذ آخر مرة التقيا فيها، وثلاث سنوات أيضًا منذ انفصالهما.

"من المسؤول عن هذا المشروع؟"

انطلق صوت منخفض وعميق وبارد من على المنصة، وجال بصر الرجل على جميع الموظفين. ساد الصمت المكان، ولم ينبس أحد ببنت شفة.

عبس فارس ورفع صوته.

"هل نسيتم حتى المشاريع التي أنتم مسؤولون عنها؟"

نهضت الزميلة التي كانت بجوارها وهي ترتجف، ثم قالت بخوف: "سيد فارس، أنا المسؤولة."

لم تدر إن كان مجرد وهم أم لا، لكن في اللحظة التي رفعت فيها ليلى رأسها، بدا وكأن نظراتها التقت بنظرات فارس.

وكأن الهواء بينهما تجمد إلى صقيع، حتى إنها نسيت أن تتنفس للحظة.

سرعان ما صرف فارس نظره، وقال بنبرة حادة: "هذا المحتوى يحتاج إلى تحسين. كيف تجرئين على تقديمه بهذا الشكل؟"

تنفست ليلى الصعداء.

لا بد أنه لم يرها.

فهي اليوم لم تعد كما كانت قبل ثلاث سنوات.

أطرقت رأسها، محاولة أن تقلل من إحساس الآخرين بوجودها.

ظلت تحدق في الأرض، وفجأة رأت زوجًا من الأحذية الجلدية الفاخرة اللامعة يقترب منها.

شعرت وكأن أحدًا ألقاها في أعماق البحر، فابتلعتها المياه المالحة وسلبت أنفاسها، حتى خدرت أطرافها في لحظة واحدة.

كان فارس يقف إلى جانبها.

حاولت زميلتها أن تبرر موقفها قائلة: "سيد فارس، لقد حصلنا بالفعل على موافقة العميل."

ألقى فارس جهاز التحكم على الطاولة، ثم رفع عينيه، وحدق بعينيه السوداوين الحادتين في زميلة ليلى، وقال ببطء: "الخطة غير المكتملة تظل غير مكتملة، فهل اتخاذ العميل ذريعة هو معياركِ؟"

"أم أنكِ تظنين أن العمل مكان للهو؟"

كان ينظر بتعال في تلك اللحظة.

إلا أنه لم يكن ينظر إلى زميلة ليلى التي كانت تعرض التقرير، بل كان ينظر إلى ليلى.

حدق الجميع في أقدامهم، خشية أن يمتد غضب السيد فارس إلى أمثالهم من الموظفين الصغار.

أخذت ليلى نفسًا عميقًا.

وحاولت بكل ما أوتيت من قوة أن تستعيد هدوءها.

تابع فارس قائلًا: "قومي بتحسينها ثم قدميها مرة أخرى."

"حسنًا يا سيد فارس."

وبينما تنفس الجميع الصعداء، استقرت نظرات فارس على ليلى.

كان ذلك الوجه لا يزال جميلًا كما عهده، إلا أن جسدها أصبح أنحف بكثير.

كانت ترتدي الآن تنورة تناسب بيئة العمل، وقد رفعت شعرها بعناية خلف أذنيها، وما زالت بشرتها ناصعة البياض كما كانت، لكنها لم تستطع إخفاء الهالات الداكنة تحت عينيها وآثار الإرهاق.

لم تنظر إليه.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وهو يقول: "إذا قدمتِ خطة مشروع كهذه مرة أخرى، فسيكون عليكِ تحمل العواقب."

نقر بأصابعه النحيلة على مكتب ليلى بنقرات غير منتظمة.

كانت ليلى تعلم أن هذا يعني أنه كان في مزاج سيئ.

كانت عيناه السوداوان تخفيان مشاعر يستحيل سبر أغوارها، ومجرد النظر إليهما كان كفيلًا بأن يُغرق كفيها بالعرق.

لحسن الحظ، لم يقل شيئًا آخر، وأخذ يسأل عن سير العمل في بقية المشاريع.

ارتجفت ساقا ليلى قليلًا.

انتهى الاجتماع.

عادت ليلى مع بقية زملائها إلى مكاتبهم، ولم تهدأ إلا بعد أن جلست في مكانها وشربت نصف كوب من الماء.

انتقد فارس أيضًا المشروع الذي يتولى فريق ليلى مسؤوليته.

الآن، اضطر القسم بأكمله تقريبًا للعمل لساعات إضافية.

تنهدت إحدى زميلاتها قائلة: "يحب المديرون الجدد إظهار حماسهم، وأصبحنا عبرة لذلك. ليلى، هل تعلمين لماذا ظل السيد فارس واقفًا بجانبنا؟ لقد أرعبني حقًا."

تفاجأت ليلى قليلًا.

لقد وقف على الأرجح بجانبهما ليتمكن من سماع رد زميلتها بوضوح أكبر.

لكن حتى عندما بدأت فرق المشاريع الأخرى في الإجابة، لم يغادر مكانه.

بل ظل واقفًا بجانب ليلى.

لم تجرؤ ليلى على رفع رأسها، وغادرت على عجل فور انتهاء الاجتماع، دون أن تنظر إليه.

لكن من تصرفات فارس، بدا وكأنه قد نسي العلاقة العبثية والقصيرة التي جمعتهما في الماضي.

وإلا، فلماذا كان سيقف بجانبها طوال الوقت؟

وحده من لا يبالي يستطيع أن يتصرف وكأن شيئًا لم يكن.

كان فارس في الماضي نجم كلية الاقتصاد بجامعة النهضة، وحاز على لقب "أكثر الطلاب وسامة" لأربع سنوات متتالية.

كما أثارت قصة حبه مع ليلى، الابنة الكبرى لعائلة سليم، ضجة كبيرة.

في ذلك الوقت، كان الجميع يقول إنها تتخذه كعشيق لها، وتستخدم المال لإجباره على بيع نفسه لها.

كانت ليلى أيضًا تعتقد ذلك.

ففي النهاية، كان فارس يبدو حينها مجرد طالب جامعي فقير، رغم أنه لم يسبق له أن أخذ أي مال قدمته له.

وظل الأمر كذلك إلى أن حل عيد ميلاده، ففتحت حسابه على تطبيق التسوق، حيث أرادت أن ترى السلع الثمينة التي أضافها إلى عربة التسوق ولم يستطع شراءها، حتى تتمكن من طلبها له.

لكنها رأت محادثة خاصة بينه وبين شخص آخر داخل التطبيق.

كان الشخص الآخر يناديه باسمه بمودة.

وقال إنه لا يبدو من النوع الذي يُعجب بليلى.

شعرت ليلى آنذاك وكأن دلوًا من الماء المثلج قد سُكب على رأسها، وجعلها تبتل تمامًا.

ولكن لا بأس، لأن فارس لم يرد على الرسالة، لذا اشترت الهدية على أي حال.

عندما استلم فارس الهدية في حفل عيد ميلاده، لم يظهر عليه أي اندهاش أو فرح، واكتفى بشكرها.

وأثناء ذهابها إلى دورة المياه، سددت ليلى الفاتورة.

وعند عودتها، سمعت أصوات الناس داخل الغرفة الخاصة وهي تفيض بالسخرية والتهكم.

"لولا أن الآنسة ليلى عديمة الحياء وتلتصق بفارس رغبة منها في التودد إليه، فكيف لفارس أن يكون مع امرأة تافهة مثلها؟"

"بالضبط، إنها تظن نفسها عظيمة لمجرد امتلاكها بعض المال."

قال فارس شيئًا وصل بوضوح إلى مسامع ليلى: "في الحقيقة، لم آخذ أمر ليلى على محمل الجد قط."

وطغت ضحكات من حوله على بقية كلماته.

"كنت أعلم أنك تحتقر هؤلاء الأثرياء محدثي النعمة."

لم تستطع ليلى نسيان ما شعرت به في تلك اللحظة؛ فقد كان قلبها يتألم بشدة حتى كادت تختنق، وتخدرت أطرافها وكأن كهرباء سرت في جسدها.

طرأ أمر ما في المنزل آنذاك، وأرسلها والدها إلى الخارج.

ودام رحيلها ثلاث سنوات.

وبعد عودتها عقب ثلاث سنوات، من كان يتخيل أن مديرها الجديد سيكون فارس؟

لم تتخيل قط أن فارس الذي كان يعتمد في الماضي على العمل بدوام جزئي والمنح الدراسية لتأمين قوته، هو في الواقع الابن الوحيد لمجموعة آل منصور.

ولكن بالنظر إلى تصرفه قبل قليل، فربما ينوي أن يتظاهر بأنهما غريبان عن بعضهما.

وهذا أمر جيد جدًا.

داخل مكتب الرئيس التنفيذي.

كان فارس يجلس على أريكة جلدية ناعمة، وأصابعه النحيلة تنقر على الفأرة، مستعرضًا معلومات جميع الموظفين بسلاسة.

كانت ليلى من بينهم.

انضمت إلى هنا منذ عام، وبفضل سيرتها الذاتية الممتازة ومهارتها المميزة في العمل، لم تصبح موظفة بدوام كامل في غضون عام فحسب، بل أصبحت أيضًا قائدة فريق مشروع.

أظلم وجهه، وأخذ يطرق بمفاصل أصابعه على المكتب مرارًا وتكرارًا.

وقف السكرتير شادي جانبًا، يراقب تعابير وجه مديره، ثم قال: "سيد فارس، هل لديك أي أوامر؟"

رفع فارس فنجان القهوة الذي كان بجوار يده، وارتشف منه بوقار قبل أن يقول بهدوء: "لقد جئت للتو ولا أزال غير ملم بالمشاريع بعد، عرفني على قادة الفرق."

فهم شادي الأمر، وأخذ يعرفه بهم واحدًا تلو الآخر.

حتى وصل أخيرًا إلى ليلى.

"ليلى صغيرة السن، ولم يمض على وجودها في المقر الرئيسي سوى عام، وكانت تعمل من قبل في الفرع الخارجي، وحققت إنجازات ممتازة."

إنجازات ممتازة؟

ارتسمت على شفتي فارس ابتسامة ساخرة.

هل يمكن لابنة عائلة سليم التي في ذاكرته أن تتخلى عن كبريائها وتعمل؟

كان من الصعب عليه أن يصدق أن تلك الإنجازات لم تقم بشرائها بأموال عائلتها.

ففي النهاية، هي تحب استغلال المال لإهانة الآخرين.

كما أنها تحب أن ترحل دون وداع حين تكون المشاعر في أوجها.

عندما لاحظ شادي أنه لا يتكلم، تابع حديثه وهو يراقب تعابير وجهه: "هذا المشروع تتولى ليلى مسؤوليته، ومجلس الإدارة يضع عليه آمالًا كبيرة."

تنهد شادي بخفة.

عملت ليلى تحت إشراف شادي خلال فترة تدريبها، وتُعد ممن تخرجوا على يديه.

كان يكن كثيرًا من التقدير لشابة مثلها؛ قليلة الكلام، لا تفتعل المشاكل، وتعمل بنظام وكفاءة.

فلم يتمالك نفسه وأضاف بضع كلمات أخرى.

"إذا لم تؤد عملها على أكمل وجه، فلا تتردد في توبيخها، لكن فقط امنحها فرصة."

رفع فارس رأسه ببرود، وارتفع جفنا عينيه قليلًا، وكانت نظراته تفيض منها برودة تقشعر لها الأبدان.

لم تمض سوى سنة واحدة على قدومها، واستطاعت بالفعل أن تجعل الآخرين يدافعون عنها؟

يبدو أنها لا تزال كعادتها قادرة على التلاعب بقلوب الآخرين.

لم ينتبه شادي إلى تعابير وجه فارس.

تنهد وتابع قائلًا: "ليلى تعاني من ظروف عائلية صعبة؛ فقد توفي والدها، وأصيبت والدتها بمرض خطير، فضلًا عن ابنتها الصغيرة التي يتوجب عليها إعالتها، وصحة تلك الطفلة واهنة أيضًا. وما يزيد الطين بلة، أن زوجها أيضًا..."

قاطعه فارس، ونظر إليه بحدة وهو يقول:

"شادي، هل أدفع لك راتبًا لتثرثر؟"

ارتعد شادي وأخذ يعتذر مرارًا وتكرارًا. ولما رأى فارس لا يبدو منزعجًا، انحنى وغادر المكتب.

لم يستطع فهم طباع السيد فارس بعد، يبدو أن عليه توخي الحذر في المستقبل.

ساد الصمت المكتب مجددًا.

مسح فارس القهوة التي انسكبت منه سهوًا قبل قليل، ثم سحب الفأرة إلى الأسفل ليحرك الشاشة.

وفتح الملف الوظيفي الخاص بليلى.

كانت صورة هويتها قد أُخذت لها في أيام الجامعة، حين ألحت عليه لكي يذهبا معًا لالتقاطها.

واصل السحب إلى الأسفل حتى وصل إلى خانة الحالة الاجتماعية.

متزوجة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بعد ثلاث سنوات... أصبح والد طفلتي مديري   الفصل 30

    لم يكن طلب صفوت صعبا."في عطلة نهاية الأسبوع، اختاري مركزا تجاريا، والتقيني هناك، يكفي أن تلقي والدة فارس نظرة سريعة عليك، ثم ينتهي الأمر ونفترق."فأخبرته ليلى باسم المركز التجاري الذي اتفقت مع كريم على لقائه فيه."إذن فلنلتقي هناك، سأصطحب ابنتي إلى ذلك المكان للتنزه في عطلة نهاية الأسبوع."ولم توافق ليلى إلا بعد أن اتفقت مع صفوت على أنها لن تضطر إلى الاحتكاك بوالدة فارس.وبعد أن أنهت المكالمة، لم تعد لديها أي رغبة في الرسم، فاستلقت على السرير.كان المطر يقرع إطار النافذة بلا توقف.تاهت أفكار ليلى في كل اتجاه.كانت قد رأت والدة فارس مرة واحدة، حين كانت على علاقة بفارس.لم تكن ليلى تحب السكن في الحرم الجامعي، لكن منزلها كان يقع في الحي نفسه الذي تقع فيه الجامعة، ولا يستغرق الوصول إليه بالسيارة سوى عشر دقائق، كما أن والدها لم يكن يسمح لها باستئجار مسكن خارج الجامعة.وفي ذلك اليوم، بعدما تأكدت من أن والديها ليسا في المنزل، اصطحبت فارس إلى بيتها.وبعد أن عبثا ومرحا معا داخل غرفتها، أجرت والدة فارس مكالمة فيديو مع فارس، وما إن رأت فارس حتى سألته مباشرة أين هو، ولماذا تبدو الخلفية وردية اللو

  • بعد ثلاث سنوات... أصبح والد طفلتي مديري   الفصل 29

    ثم أنهى المكالمة.استمعت والدة فارس إلى صافرة غلق الخط من الطرف الآخر، فازداد قلقها، وربتت على زوجها، والد فارس، الذي كان منهمكا في لعب لعبة الأوراق على الهاتف ثم قالت: "برأيك، ألا تظن أن ابنك غير طبيعي؟"ولم تنتظر رد زوجها، بل سارعت على الفور، في عجلة ولهفة، إلى ترتيب موعد تعارف لفارس.ثم اتصلت بصفوت....انتهت ليلى من الاغتسال والاستعداد للنوم في ساعة متأخرة من الليل.كانت غرفتها صغيرة للغاية؛ وإذا ما قورنت بمنزل آل سليم القديم، فإن غرفة النوم هذه لم تكن تزيد في مساحتها على مساحة حمامها هناك.لم يكن في الغرفة سوى سرير، وخزانة ملابس، ومكتب دراسة التقطته من متجر للأثاث المستعمل لتستخدمه كطاولة زينة؛ وذلك كان كل ما تحتويه الغرفة.فتحت هاتفها، لتجد أن العميل الذي تواصل معها آخر مرة من أجل التعاون قد رد عليها؛ فقد وافق على السعر الذي حددته، وأراد أن يطلب منها تنفيذ عدة رسومات.أكدت ليلى مع الطرف الآخر أسلوب الرسوم ونوعها، واتفقا على موعد تسليم المسودات الأولية، ثم استلمت العربون وخرجت من حسابها.ولم تكن متطلبات العمل معقدة.كانت ليلى رسامة مشهورة في أوساط الفنون، وقد سبق أن نفذت عدة أعمال

  • بعد ثلاث سنوات... أصبح والد طفلتي مديري   الفصل 28

    كانت قد أرسلت له ملصقا تعبيريا.لكن ذلك الحساب كان قديما، ومعه بقيت تلك الملصقات حبيسة الماضي أيضا.كان الملصق عبارة عن صورة متحركة لدب صغير مرسوم بخطوط بسيطة، يركض مسرعا نحو دب آخر، ثم يعانقه ويقبله.في الماضي، كان فارس يتلقى هذا الملصق كل يوم.لكن ليلى أرسلته بالخطأ، فحذفته على الفور بحركة واحدة وبكل سهولة.فتح فيسبوك، فرأى منشورا لليلى تطلب فيه ممن يمر بطريقها أن يوصلها إلى المنزل.ولحسن الحظ، كان قريبا من المكان، كما أن طريق عودته إلى المنزل يمر بمحطة مترو طريق الأمل، فاصطحبها معه في طريقه.غير أن منزله، وشقتها القديمة الصغيرة المتهالكة في ضواحي المدينة، كانا يقعان في طرفين متباعدين من مدينة الضفاف، حتى بدا وكأن بينهما أقصى مسافة يمكن تصورها.وعندما رآها فارس، وجدها غارقة بالمطر من رأسها إلى أخمص قدميها، في هيئة بائسة تثير الشفقة.بدت كجرو صغير لا مأوى له، قضى يومه يتلقى الأذى في الخارج.كان شعرها ملتصقا بوجهها، وأطرافه تقطر ماء بلا انقطاع، بينما التصق فستانها المبتل بجسدها، وما إن ركبت السيارة حتى ارتجفت من شدة برودة المكيف.فرفع فارس درجة حرارة المكيف في هدوء، من دون أن يظهر ذلك.

  • بعد ثلاث سنوات... أصبح والد طفلتي مديري   الفصل 27

    أطلق فارس زفرة ساخرة، ثم انعطفت السيارة إلى شارع آخر، كان المطر يهطل بغزارة، حتى إن عدد السيارات على الطريق قد قل كثيرا."ذوقك عادي جدا.""… ماذا؟"لم تستوعب ليلى ما يقصده بعد، حتى سمعته يتحدث بنبرة غريبة؛ فيها شيء من الاستقصاء، وشيء من الازدراء، وشيء من التشكيك.أو لعلها، ببساطة، رغبة صاحب السلطة في فرض سيطرته على مرؤوسيه."ما الذي جعلك تعجبين بوالد ابنتك؟"أطرقت ليلى برأسها، بينما كانت أصابعها تقبض على طرف فستانها الذي ابتل تماما، كانت تنوي أن تلتزم الصمت، لكن موقف فارس أوضح أنه لم يكن ينوي التراجع.فلم تجد بدا من أن تجيب بإيجاز: "همم، لأنه وسيم."بدا فارس وكأنه سمع سببا سخيفا إلى حد العبث.ضغط بطرف لسانه على أضراسه الخلفية، حتى أصدر فكه صوت طقطقة خافتا.قال فارس: "حقا؟ من أجل المظهر، كان بإمكانك التضحية بصحة طفلتك؟"شحبت ملامح ليلى.لم يكن ضعف صحة ليان له أي علاقة بوالدها.بل لأنها، أثناء حملها، عاشت تقلبات حادة بين الفرح والحزن، ومرت بأحداث لا تحصى، وكانت مرهقة إلى أقصى حد كل يوم، حتى إنها في بعض الأيام لم تكن تنام سوى ثلاث ساعات.في ذلك العام، مرت ليلى بكل ما يمكن أن يختبره الإنسا

  • بعد ثلاث سنوات... أصبح والد طفلتي مديري   الفصل 26

    في ذلك الوقت، كانت حزينة للغاية.بكت خفية في السكن الجامعي، ولم تجرؤ على أن تدع فارس يعلم بذلك.لقد كانت تحب فارس حقا.لكن فارس كان دائما باردا وفاترا، يعامل الجميع بالطريقة نفسها.وما إن عادت شيرين، حتى رأت ليلى منطرحة على فراشها تمسح دموعها، وعيناها محمرتان، وبين ذراعيها دمية دب قبيحة كان فارس قد فاز بها من آلة التقاط الدمى بعدما ألحت عليه أن يجرب.كانت ليلى فاتنة متألقة بطبعها؛ حتى وهي تبكي في الخفاء، فإن انسياب الدموع على وجهها الناعم كالحرير كان كفيلا بأن يهز القلوب.كان جمالها، جمالا يبعث على الغيرة.فسألتها شيرين، وقد امتزج صوتها بفرحة خفية يصعب إخفاؤها: "ما الأمر؟ هل تشاجرت مع فارس؟"في ذلك الوقت، لم تكن الأحداث التي وقعت بين شيرين وليلى لاحقا قد حدثت بعد، وكانت علاقتهما لا بأس بها.إلا أن مزاج ليلى كان سيئا، فلم تكن راغبة في تبادل الأحاديث."لا شيء، سأخلد إلى النوم قليلا، لا تهتمي بي."تمتمت شيرين: "حسنا."وبالفعل، لم تعبأ بها.وسرعان ما ارتدت سماعاتها وبدأت تلعب، ثم نزعتها بعد برهة وقالت: "ليلى، نفدت بطارية سماعاتي، لذا سأشغل اللعبة بصوت عال."كان صوت اللعبة مرتفعا جدا، حتى إ

  • بعد ثلاث سنوات... أصبح والد طفلتي مديري   الفصل 25

    لم تكن ليلى بحاجة إلى رفع رأسها لتشعر بالمطر المتساقط على وجهها، كانت ثيابها قد التصقت بجسدها بالكامل، فارتجفت ارتجافة بائسة من شدة البرد.توقفت سيارة رانجلر عند مدخل محطة المترو، وما إن التقت عينا سائقها بعيني ليلى حتى ضغط على بوق السيارة عدة مرات على عجل، مستحثا إياها.عضت ليلى على شفتها السفلى، ثم اندفعت وسط الرياح والأمطار نحو السيارة، وأمسكت بمقبض الباب الخلفي محاولة فتحه.لكنه لم يفتح.كانت مياه المطر تغطي نافذة السيارة وتنحدر على الزجاج، وخشيت ليلى أن ينتظرها فارس طويلا، فمدت يدها مباشرة إلى باب المقعد الأمامي المجاور للسائق.فانفتح الباب على الفور.قالت بوجه شاحب: "هل يمكنك فتح الباب الخلفي من فضلك؟"ففي النهاية، بدا لها أن المقعد الأمامي المجاور للسائق ليس مكانا يحق لها الجلوس فيه.ظل فارس عابس الوجه."هل تظنين أنني سائقك الخاص لتجلسي في الخلف؟"وعندما فكرت في الأمر مليا، أدركت أن ذلك لم يكن مناسبا فعلا.ما إن جلست في السيارة حتى كانت قد ابتلت بالكامل تقريبا، وكانت قطرات الماء تتساقط من أطراف شعرها على المقعد الجلدي.قالت ليلى بعفوية: "آسفة يا سيد فارس، سأدفع لك لاحقا تكلفة تن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status