Partager

٣

last update Date de publication: 2026-08-29 04:50:11

الفصل الثالث

من احترق في تلك الليلة؟

لم تستطع مريم أن تتحرك.

ظلت واقفة أمام سليم، تحدق في وجهه وكأنها تنتظر أن تتغير ملامحه، أو أن يضحك فجأة ويخبرها أن كل ما قاله كان مجرد سوء فهم.

لكن سليم لم يضحك.

ولم ينكر.

وهذا كان أسوأ شيء.

قالت بصوت مرتجف:

— أنا مين؟

ظل صامتًا.

اقتربت منه خطوة.

— سألتك سؤال واضح.

لم يجب.

— أنا مين يا سليم؟

أدار وجهه بعيدًا عنها.

فشعرت بالغضب يتغلب على خوفها.

— بص لي!

رفع عينيه إليها.

— أنتِ مريم.

— مريم مين؟

توقف.

— بنت مين؟

لم يجب.

— بنت بابا؟

ظل ساكتًا.

ضحكت مريم بمرارة.

— واضح إن حتى دي مش قادر تقولها.

قال أخيرًا:

— أنتِ ابنة والدك، بالطبع.

— إذن لماذا قلت إنني المرأة التي كنت تبحث عنها؟

— لأن هناك أشياء لا تعرفينها عن عائلتك.

— وأنت تعرفها؟

— بعضها.

— ومن أخبرك؟

— والدك.

تراجعت مريم خطوة.

كانت كلمة واحدة كافية لإشعال عشرات الأسئلة داخل رأسها.

والدها.

الرجل الذي وثقت به طوال حياتها.

الرجل الذي شجعها على الزواج من سليم.

الرجل الذي كتب لها قبل زفافها أن هذا الزواج «مهم».

والآن يخبرها سليم أن والدها يعرف الحقيقة.

قالت:

— اتصل به.

— ماذا؟

— اتصل ببابا.

— مريم...

— اتصل به دلوقتي.

— هو خارج البلاد.

— عنده رقم.

— لن يجيب.

— جرب.

ظل ينظر إليها.

ثم أخرج هاتفه.

اتصل.

انتظرا.

رن الهاتف عدة مرات.

ثم جاء صوت مسجل.

لم يجب أحد.

أغلقت مريم عينيها.

— مرة ثانية.

اتصل سليم.

هذه المرة لم يرن الهاتف طويلًا.

انقطع الاتصال مباشرة.

نظر سليم إلى الشاشة.

ثم قال:

— قلت لك.

— هو قافل موبايله؟

— يبدو ذلك.

— هو عمره ما بيقفل موبايله.

لم يرد.

تقدمت مريم نحوه.

— أنت عارف مكانه؟

— لا.

— كذاب.

— مريم...

— أنت كنت بتكلمه.

— منذ فترة.

— قبل ما تطلب الطلاق؟

سكت.

— كان بينكم اتفاق؟

— ليس اتفاقًا.

— إذن ماذا؟

— تحذير.

رفعت حاجبيها.

— تحذير من ماذا؟

نظر إلى النافذة.

كانت السيارة السوداء لا تزال في الخارج.

لاحظت مريم نظراته.

اقتربت من النافذة.

— مين العربية دي؟

قال فورًا:

— ابتعدي عن النافذة.

— ليه؟

— مريم.

لكنها لم تستمع.

أزاحت الستارة قليلًا.

رأت المرأة.

كانت تقف على الجانب الآخر من الشارع.

شعر طويل.

معطف رمادي.

وقلادة النجمة حول عنقها.

تجمدت مريم.

همست:

— هي.

وقف سليم خلفها.

— لا.

— دي نفس الست اللي في الصورة.

— لا تقتربي من الزجاج.

— أنت تعرفها؟

— مريم، ابتعدي.

استدارت إليه.

— هي نورا؟

لم يجب.

— هي نورا؟

ظل ساكتًا.

— سليم!

قال:

— لا أعرف.

ضحكت.

— مش عارف؟

ثم أشارت إلى النافذة.

— هي واقفة قدام بيتنا، لابسة نفس القلادة، وبعتت لي رسائل، وأنت تقول لي لا أعرف؟

أمسك بذراعها.

— سنخرج من الباب الخلفي.

نزعت ذراعها من يده.

— أنا مش ههرب.

— هذا ليس هروبًا.

— أمال إيه؟

— حماية.

— أنا تعبت من كلمة حماية.

أخذت حقيبتها.

— سبع سنين وأنت بتقول لي إنك بتحميني.

نظر إليها.

— لأنني كنت أفعل.

— من غير ما أعرف؟

— لو عرفتِ، كنتِ في خطر أكبر.

— أنا بالفعل في خطر.

توقف.

كانت هذه أول مرة يقول فيها وجهه ما عجز عن قوله لسانه.

قالت:

— صح؟

لم يجب.

اقتربت منه.

— أنا في خطر فعلًا.

هز رأسه ببطء.

— نعم.

ابتلعت ريقها.

— من مين؟

— لا أعرف كلهم.

— مين اللي برا؟

— ربما شخص منهم.

— ونورا؟

— ربما.

— وأبي؟

— ربما يعرف أكثر مما أعرف.

ضحكت مريم بحزن.

— جميل.

ثم قالت:

— كل واحد فيكم يعرف جزءًا وأنا الوحيدة اللي ما تعرفش حاجة.

لم يرد.

جلست على الأريكة.

وضعت يدها على رأسها.

— أنا تعبت.

جلس أمامها.

لأول مرة منذ بداية حديثهما لم يكن هناك ملف طلاق بينهما.

فقط رجل وامرأة أمام حقيقة أكبر من زواجهما.

قال سليم:

— مريم، أريد منك أن تثقي بي هذه المرة.

رفعت عينيها إليه.

— بعد سبع سنين؟

— أعرف أنني لا أملك حق طلب ذلك.

— فعلًا لا تملك.

خفض عينيه.

— لكنني لم أكذب عليك في كل شيء.

— ما الذي كنت صادقًا فيه؟

— عندما قلت إنني لم أحب امرأة أخرى.

توقفت.

— نورا؟

— أختي.

— لكنك كنت تحبها.

— نعم.

قالها بلا تردد.

— أحببتها أكثر من أي شخص في حياتي.

شعرت مريم بارتباك.

— لماذا إذن كنت تتعامل معي كأنك تكرهني؟

نظر إليها طويلًا.

— لأنك كنتِ تشبهينها.

— وده سبب كرهك ليا؟

— لا.

صمت.

ثم قال:

— كان سبب خوفي منك.

— خوفي؟

— كلما نظرت إليك، كنت أرى وجهها.

ابتسمت مريم بمرارة.

— عشان كده ما كنتش بتبص لي.

أخفض عينيه.

— نعم.

ساد الصمت.

ثم قالت:

— احكي لي عن ليلة الحريق.

تغير وجهه.

— لا.

— لازم أعرف.

— ليس الآن.

— الآن.

— مريم...

— أنت قلت إنك عايزني أثق فيك.

نظر إليها.

— إذن ابدأ بالحقيقة.

تنهد.

ثم جلس إلى الخلف.

وبدأ يتحدث.

قبل سبع سنوات، في الليلة السابقة لزفاف سليم ومريم، كانت نورا قد اكتشفت ملفًا داخل مكتب والدها.

لم يكن ملفًا عاديًا.

كان يحتوي على أوراق تخص عائلة السيوفي.

عائلة مريم.

وكان اسم والد مريم مكتوبًا في أكثر من صفحة.

لكن الأمر الذي أثار شك نورا لم يكن اسم العائلة.

بل صورة قديمة.

صورة لطفلتين.

قال سليم:

— نورا اتصلت بي في منتصف الليل.

— ماذا قالت؟

— قالت إنها اكتشفت أن هناك سرًا يتعلق بك.

— بي أنا؟

— نعم.

— لكنها لم تكن تعرفني.

— كانت تعرف اسمك.

— كيف؟

— والدنا كان يعرف والدك منذ سنوات.

— لماذا؟

سكت سليم.

— سليم.

— كانت هناك شراكة قديمة بينهما.

— في ماذا؟

— تجارة.

— أي تجارة؟

— لا أعرف كل التفاصيل.

نظرت إليه بشك.

— أكمل.

قال:

— نورا أخبرتني أن والدنا ووالدك لم يكونا شريكين فقط.

— أمال كانوا إيه؟

— كان بينهما اتفاق.

— اتفاق على إيه؟

— على حماية شخص.

شعرت مريم بقشعريرة.

— مين؟

رفع عينيه إليها.

— فتاة.

— نورا؟

هز رأسه.

— لا.

توقف قليلًا.

ثم قال:

— أنتِ.

ساد الصمت.

قالت مريم:

— أنا؟

— نعم.

— ليه؟

— لأنهم كانوا يعتقدون أن هناك أشخاصًا سيحاولون الوصول إليك.

— بسبب إيه؟

— لا أعرف.

— أنت تعرف أكثر مما تقول.

— لأنني لم أكن أعرف كل شيء وقتها.

— وماذا عرفت؟

قال:

— أن والدك لم يكن والدك البيولوجي.

توقفت مريم عن التنفس لثوانٍ.

— ماذا؟

— مريم...

نهضت فجأة.

— كرر كلامك.

— والدك الذي رباك ليس والدك البيولوجي.

هزت رأسها بعنف.

— لا.

— اسمعيني.

— لا.

— مريم...

— بابا هو بابا.

— أعرف.

— أنا ابنته.

— في كل شيء يهم.

— لا تقول «في كل شيء يهم».

بدأت دموعها تنزل دون أن تشعر.

— أنت عايز تقنعني إن الراجل اللي رباني من وأنا طفلة مش أبويا؟

— أنا لا أريد إقناعك بأي شيء.

— إذن لماذا تقول هذا؟

— لأنك طلبت الحقيقة.

ضحكت من بين دموعها.

— الحقيقة؟

مسحت وجهها.

— أنت طلبت مني أمضي ورقة طلاق، وبعدين اكتشفت إن أختك الميتة يمكن تكون عايشة، وإن بابا مش بابا، وإن زواجي منك كان لحمايتي!

صاحت:

— ده جنون!

أمسك سليم برأسه.

— أعرف.

— لا، أنت لا تعرف.

اقتربت منه.

— كل يوم في السبع سنين اللي فاتوا كنت بتعاملني كأنك ندمان على جوازنا.

— كنت أحاول إبعادك عني.

— ليه؟

— لأن كل من اقترب مني مات أو اختفى.

توقفت.

لم تستطع الرد.

قال:

— نورا اختفت.

— ومين تاني؟

— والدي مات.

— ووالدتك؟

— عاشت، لكنها انهارت.

— وأنت؟

— بقيت أحاول أعرف من يفعل ذلك.

— ومريم؟

نظر إليها.

— كنت أخشى أن تكوني التالية.

في الخارج، تحركت المرأة الواقفة أمام المنزل.

دخلت سيارتها.

انطلقت ببطء.

لم تلاحظ مريم ذلك.

كانت لا تزال تحاول استيعاب كل شيء.

قالت:

— أنت كنت متجوزني عشان تحميني؟

— نعم.

— ولماذا طلبت الطلاق الآن؟

صمت.

— جاوب.

قال:

— لأن الخطر عاد.

— وماذا يعني الطلاق؟

— يعني أن اسمك لن يعود مرتبطًا باسمي قانونيًا.

— وهل هذا يحميني؟

— مؤقتًا.

— وماذا سيحدث بعد ذلك؟

— لا أعرف.

— إذن أنت لا تطلقني لأنك لا تحبني.

رفع عينيه إليها.

توقفت مريم.

كانت تنتظر الإجابة.

قال:

— لا.

— لا ماذا؟

— لا أطلقك لأنني لا أحبك.

صمتت.

لم تتوقع هذه الجملة.

قال:

— لكنني أطلقك لأنني أحبك أكثر مما ينبغي.

حدقت فيه.

لم تعرف ماذا تقول.

بعد سبع سنوات من البرود، كانت تلك أول مرة يقول فيها كلمة حب.

وفي أسوأ لحظة ممكنة.

قالت:

— متأخر.

— أعرف.

— جدًا.

— أعرف.

جلست.

كان قلبها يؤلمها أكثر مما كانت تتوقع.

لأنها انتظرت تلك الكلمة سبع سنوات.

وحين جاءت…

لم تعد تعرف هل تصدقها.

بعد ساعة، كان سليم قد غادر إلى مكتبه.

أخبرها ألا تخرج من المنزل.

لكن مريم لم تستمع.

جلست أمام حاسوبها.

كانت تريد أن تعرف حقيقة واحدة.

حقيقة والدها.

بحثت في ملفات قديمة.

أسماء.

تواريخ.

صور.

لم تجد شيئًا.

ثم تذكرت كلام سليم عن صورة الطفلتين.

بحثت في الصور التي أرسلتها لها المرأة المجهولة.

وجدت واحدة.

صورة قديمة جدًا.

طفلتان صغيرتان.

واحدة كانت نورا.

أما الأخرى…

فكانت مريم.

لكنها لم تكن مريم في شكلها الحالي.

كانت طفلة لا تتجاوز الخامسة.

جلست تحدق فيها.

كيف يمكن أن تكون هي ونورا في صورة واحدة؟

كتبت إلى الرقم المجهول:

«أين التقطت هذه الصورة؟»

وصل الرد بعد ثوانٍ.

«في المكان الذي بدأت منه قصتك.»

ثم رسالة ثانية:

«دار الأطفال في المنصورة.»

تجمدت.

مريم لم تعش في دار أطفال.

على الأقل هذا ما تعرفه.

اتصلت بوالدتها.

رن الهاتف.

مرة.

مرتين.

ثم جاء صوتها:

— ألو؟

قالت مريم:

— ماما، أنا محتاجة أسألك سؤال.

— خير يا بنتي؟

— أنا اتولدت فين؟

ساد الصمت.

كان صمتًا طويلًا جدًا.

قالت أمها:

— لماذا تسألين؟

— جاوبيني.

— في القاهرة.

— متأكدة؟

— طبعًا.

— وكنت أنا أول بنت ليكم؟

لم تجب الأم.

— ماما؟

سمعت صوت تنفسها.

ثم قالت:

— من قال لك؟

تجمدت مريم.

— يعني إيه؟

— مريم، اسمعيني.

— لا، أنتِ اسمعيني.

بدأ صوتها يرتجف.

— هل أنا كنت في دار أطفال؟

صمت.

— ماما!

جاءها صوت أمها مكسورًا:

— كنتِ هناك لفترة قصيرة.

وضعت مريم يدها على فمها.

— ليه؟

— لأن...

توقفت.

— لأن إيه؟

— لأننا كنا نحاول نحميك.

أغمضت مريم عينيها.

الجملة نفسها.

مرة أخرى.

نحميك.

كل شخص يعرف شيئًا.

وكل شخص يستخدم الكلمة نفسها.

— من مين؟

قالت أمها:

— لا تسألي.

— كل الناس بتقول لي متسأليش.

— لأنك لو عرفتي، حياتك هتتغير.

— حياتي اتغيرت خلاص.

بكت أمها.

— مريم...

— مين أمي الحقيقية؟

انقطع الصوت.

لم تجب.

شعرت مريم أن قلبها يهبط.

— ماما؟

جاء صوتها أخيرًا:

— والدتك الحقيقية ماتت.

توقفت مريم.

— مين هي؟

— لا أستطيع.

— اسمها.

— مريم...

— اسمها!

قالت أمها:

— ليلى.

تجمدت.

— ليلى مين؟

— ليلى السيوفي.

توقفت أنفاسها.

السيوفي.

نفس اسم عائلتها.

— يعني إيه؟

— كانت أخت والدك.

— عمتي؟

— نعم.

— إذن لماذا...

لم تستطع إكمال السؤال.

كانت هناك قطعة أخرى من اللغز.

والدها ليس والدها.

وأمها الحقيقية أخته.

فمن يكون والدها الحقيقي؟

قالت:

— ماما، مين أبويا الحقيقي؟

لم تجب.

ثم جاء صوت بكاء مكتوم.

— لا تسأليني.

— ماما!

لكن الاتصال انقطع.

في اللحظة نفسها، كان سليم في مكتبه.

فتح درجًا سريًا خلف لوحة قديمة.

أخرج صندوقًا معدنيًا.

وضعه على المكتب.

كان يحمل اسمًا واحدًا:

مريم.

فتح الصندوق.

في داخله عشرات الأوراق.

وصورة قديمة.

وملف طبي.

ومفتاح صغير.

التقط الصورة.

كانت لنورا.

لكن بجوارها فتاة أخرى.

ليست مريم.

كانت امرأة في الثلاثين تقريبًا.

قرأ الاسم المكتوب خلف الصورة:

ليلى السيوفي.

أخت مريم.

وأم نورا؟

لا.

توقف.

نظر إلى الورقة.

كان هناك سطر لم يستطع نسيانه:

«الطفلة مريم ليست ابنة ليلى، لكنها تحمل دمها.»

أغلق عينيه.

ثم جاءه اتصال.

رقم مجهول.

أجاب.

— نعم؟

جاءه صوت امرأة.

— سليم.

تجمد.

— نورا؟

ضحكت المرأة.

— تأخرت كثيرًا.

نهض من مكانه.

— أين أنتِ؟

— قريبة.

— ماذا تريدين؟

— أريد مريم.

— لن تقتربي منها.

— أنت لا تستطيع منعي.

— أين كنتِ طوال السنوات الماضية؟

صمتت.

ثم قالت:

— أهرب.

— من من؟

— من نفس الأشخاص الذين تحاول حمايتها منهم.

— لماذا ظهرتِ الآن؟

— لأن الوقت انتهى.

— ماذا تقصدين؟

— مريم بدأت تعرف.

أمسك سليم بالهاتف بقوة.

— ماذا تعرف؟

— أنها ليست ابنة الرجل الذي ربّاها.

— هذا كل شيء؟

— لا.

سكت.

ثم قالت:

— بدأت تعرف أن أمها الحقيقية لم تمت في الحريق.

تجمد سليم.

— ماذا قلتِ؟

— ليلى حية.

لم يستطع الكلام.

قالت:

— لكنها ليست حرة.

ثم انقطع الاتصال.

في منزل مريم، كانت جالسة وحدها.

أمامها صورة الطفلتين.

كانت تحاول تذكر طفولتها.

شيء ما كان مفقودًا.

ذكريات السنوات الأولى كانت ضبابية.

كانت تتذكر منزلًا صغيرًا.

امرأة تغني لها.

رائحة ياسمين.

ثم حريق.

صرخات.

ورجل يحملها.

بعدها…

لا شيء.

تذكرت فجأة شيئًا.

كانت في الخامسة.

كانت هناك امرأة تمسك يدها.

وتقول:

— مهما حصل، لا تقولي اسمك الحقيقي لأي حد.

ثم صوت آخر.

رجل.

— خديها بسرعة.

ثم صراخ.

ثم نار.

ثم الظلام.

شهقت مريم.

وضعت يدها على رأسها.

كانت الذكرى تعود.

قطعة صغيرة.

لكنها حقيقية.

أخرجت هاتفها.

بحثت عن اسم ليلى السيوفي.

ظهرت نتيجة واحدة.

صورة قديمة في أرشيف صحفي.

عنوان الخبر:

«وفاة ليلى السيوفي في حريق منزل عائلتها.»

التاريخ.

قبل سبع سنوات بالضبط.

في الليلة نفسها التي ماتت فيها نورا كما قيل.

لكن مريم لم تتوقف عند العنوان.

قرأت التفاصيل.

«تم العثور على جثة امرأة مجهولة الهوية في موقع الحريق، ويُعتقد أنها ليلى السيوفي.»

لم تكن هناك هوية مؤكدة.

لم تكن هناك جثة مؤكدة.

كان كل شيء «يُعتقد».

وضعت مريم يدها على فمها.

ثم فهمت.

المرأة التي قيل إنها ماتت في الحريق…

ربما لم تكن ليلى.

والمرأة التي قيل إنها ماتت في حادث…

ربما لم تكن نورا.

والأخطر…

أن أحدًا طوال سبع سنوات كان يتعمد جعل الجميع يعتقدون أن امرأتين ماتتا.

رن جرس الباب.

انتفضت.

نظرت إلى الساعة.

لم يكن سليم قد عاد.

اقتربت من الباب.

سمعت صوت امرأة:

— مريم.

تجمدت.

كان الصوت نفسه الذي اتصل بها صباحًا.

فتحت الباب ببطء.

كانت المرأة تقف أمامها.

المعطف الرمادي.

الشعر الطويل.

والقلادة.

لكن هذه المرة لم تكن تخفي وجهها.

حدقت مريم فيها.

لم تكن بحاجة إلى صورة.

ولا إلى دليل.

كانت تعرف.

الملامح نفسها.

العينان نفسيهما.

الوجه الذي رأته في الصورة.

قالت المرأة:

— كنتِ دائمًا أذكى مما ظننت.

همست مريم:

— نورا.

ابتسمت المرأة.

— نعم.

تراجعت مريم.

— أنتِ حية.

— كما ترين.

— لماذا؟

— لأنني كنت أبحث عنك.

— لماذا؟

دخلت نورا خطوة واحدة.

— لأنك لستِ مريم.

تجمدت.

قالت مريم:

— ماذا تقصدين؟

أغلقت نورا الباب خلفها.

ثم قالت:

— الاسم الذي ناداك به الجميع طوال حياتك ليس اسمك الحقيقي.

شعرت مريم بأن الأرض تهتز.

— مين أنا؟

نظرت نورا إلى وجهها طويلًا.

ثم قالت:

— أنتِ ابنة ليلى.

شهقت مريم.

— مستحيل.

— وهي لم تكن أخت والدك.

— ماذا؟

اقتربت نورا.

— كانت أمي.

تراجعت مريم حتى اصطدمت بالحائط.

— إذن أنتِ...

ابتسمت نورا بحزن.

— أختك.

وفي اللحظة نفسها، انفتح باب المنزل بعنف.

ظهر سليم.

كان يحمل مسدسًا، لكنه لم يرفعه.

حدق في نورا.

ثم في مريم.

وقال بصوت مكسور:

— كنت أتمنى ألا تعرفي بهذه الطريقة.

نظرت إليه مريم.

— أنت كنت تعرف؟

لم يجب.

صرخت:

— كنت تعرف أنها أختي؟!

أغمض عينيه.

ثم قال:

— نعم.

شعرت مريم بأن شيئًا داخلها انهار.

قالت:

— سبع سنين؟

لم يجب.

— سبع سنين وأنا عايشة وسطكم وأنتم عارفين؟

قالت نورا:

— لم نكن نعرف كل شيء.

نظرت إليها مريم.

— وأنتِ؟

— كنت أعرف أنكِ أختي.

— لماذا تركتني؟

انكسرت ملامح نورا.

— لأنني ظننت أنكِ متِ.

— وأنا ظننت أنكِ متِ.

— وهذا ما أرادوه.

تدخل سليم:

— يجب أن نغادر الآن.

التفتت إليه مريم.

— إلى أين؟

— مكان آمن.

— لا.

— مريم...

— لن أتحرك خطوة واحدة قبل أن أعرف كل شيء.

اقترب سليم.

— ليس لدينا وقت.

— أنا انتظرت سبع سنين.

صرخت:

— عندي وقت!

فجأة دوى صوت زجاج يتحطم.

سقطت نافذة غرفة المعيشة.

اندفع الجميع إلى الأرض.

سليم أمسك بمريم وسحبها خلف الجدار.

نورا انحنت.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال سليم:

— وصلوا.

مريم كانت ترتجف.

— مين؟

لم يجب.

نظر إلى نورا.

ثم قال:

— نفس الأشخاص الذين أحرقوا البيت قبل سبع سنوات.

رفعت نورا عينيها.

— وهم لم يكونوا يبحثون عني.

قالت مريم:

— أمال كانوا بيدوروا على مين؟

نظرت نورا إليها.

ثم قالت:

— عليكِ.

وفي الخارج، توقفت سيارة سوداء أمام المنزل.

نزل منها ثلاثة رجال.

كان أحدهم يحمل صورة قديمة.

صورة لطفلة صغيرة.

وبجانبها جملة واحدة:

«أعيدوا الطفلة إلى مكانها قبل أن تتذكر كل شيء.»

أما مريم…

فكانت قد بدأت تتذكر.

وتذكرت شيئًا واحدًا فقط.

الرجل الذي حملها من وسط الحريق.

لم يكن والدها.

ولم يكن سليم.

كان رجلًا آخر.

رجلًا كانت تعرفه جيدًا.

رجلًا لم تره منذ سبع سنوات.

لكنها تذكرت اسمه الآن.

فؤاد الراوي.

والد سليم.

الرجل الذي قيل إنه مات قبل سبع سنوات.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • بعد سبع سنوات من الزواج   ٤٧

    الفصل 47الذاكرة التي رفضت أن تموتالرجل خطى خطوة واحدة جوه النور.لأول مرة، ملامحه ظهرت بوضوح كفاية تخلي سليم يتجمد مكانه.مريم بصت لسليم، مش للرجل.كانت عايزة تعرف من عينيه قبل ما تسمع أي كلمة.لكن سليم ما اتكلمش.بس إيده شدت على إيدها.مريم همست:— سليم؟ما ردش.الرجل ابتسم ابتسامة هادية.— لسه زي ما أنت.سليم رفع عينه له.— أنا أعرفك.الرجل:— عارف.— شفتك قبل كده.— أكيد.— فين؟الرجل قرب خطوة.— في المكان اللي قضيت فيه وقت أطول مما تتخيل.مريم:— الغرفة البيضاء؟الرجل بص لها.— ذكية.سليم:— ما تقوليش له أي حاجة.مريم:— أنا بس بحاول أفهم.الرجل:— وأنا جاي عشان أخليكم تفهموا.سليم:— إنت كنت موجود يوم الاختبار.الرجل:— أيوه.— وإنت اللي كنت بتتكلم معايا.— أيوه.— كنت بتسألني عن مريم.الرجل سكت.سليم قرب منه.— صح؟الرجل:— كنت بسألك عن الشاهد.مريم:— أنا؟الرجل:— أيوه.مريم:— وأنا كنت عندي كام سنة؟الرجل:— سبعة.مريم جسمها ارتعش.سليم لاحظ.— مريم؟— أنا كويسة.الرجل:— مش هتكوني كويسة لما تفتكري.مريم رفعت رأسها.— أنا طول عمري بفتكر أجزاء.— لأن الذاكرة اتقسمت.— مين قس

  • بعد سبع سنوات من الزواج   ٤٦

    الفصل 46الرجل الذي عرف سليم قبل مريمدخل الرجل خطوة كاملة في النور.سليم اتجمد.مريم كانت واقفة جنبه، وعينيها بتحاول تشوف ملامحه، لكن سليم مد إيده بسرعة وحجب عنها الرؤية.«ما تبصيش.»مريم شدّت إيده.«إنت شايفه؟»«أيوه.»«مين؟»«لسه مش قادر أقول.»«ليه؟»«لأن اسمه موجود في دماغي قبل ما يكون على لساني.»الرجل ضحك بهدوء.«لسه زي ما أنت يا سليم.»سليم:«إنت.»الرجل:«أيوه.»سليم:«أنا افتكرتك.»الرجل:«مش بالكامل.»سليم:«افتكرت يوم المستشفى.»الرجل:«وده الجزء اللي كنت عايزك تفتكره.»مريم:«إنت كنت موجود يوم ولادتي.»الرجل:«كنت.»مريم:«وكنت موجود يوم ولادة سليم.»الرجل:«كنت.»سليم:«وكنت موجود لما أخويا اتولد.»الرجل:«كنت.»مريم:«والطفلة الثالثة.»الرجل سكت.مريم:«كنت موجود لما أختي اتولدت.»الرجل:«أيوه.»سليم:«إنت اللي أمرت ياخدوها.»الرجل:«أنا اللي أمرت بحمايتها.»سليم:«كذاب.»الرجل:«لو كنت عايز أقتلها، كانت ماتت في الليلة دي.»مريم:«طب ليه أخفيتها؟»الرجل:«عشان أضمن إنها تفضل حية.»مريم:«وتفضل فين؟»الرجل:«بعيدة عنك.»سليم:«ليه؟»الرجل:«لأن اجتماعكم كان خطر.»مريم:«

  • بعد سبع سنوات من الزواج   ٤٥

    الفصل 45 الوعد الذي لم يتذكره سليم «الحارس لم يُخلق ليحمي الشاهد... بل ليختار إن كان سيقتله أم ينقذه.» الجملة فضلت قدامهم على الحيطة. مريم كانت بتبص لسليم. وسليم كان بيبص للكلمات كأنه بيحاول يلاقي جواه حاجة ضاعت من سنين. مريم قربت منه. «سليم.» ما ردش. «بصلي.» رفع عينه. «إنت مش قاتل.» ابتسم ابتسامة باهتة. «إنتِ ما تعرفيش.» «أعرف.» «إنتِ ما تعرفيش أنا كنت إيه قبل ما أعرفك.» «أنا عارفة اللي عملته.» «بس مش عارفة اللي كنت ممكن أعمله.» «ممكن.» «يعني مصدقة الكلام؟» «مصدقة إنهم كانوا عايزين يحولوا حياتك لخطة.» «وده معناه إن كل حاجة عملتها كانت بتوجيه منهم.» «لأ.» «ليه؟» «لأنك لما كان قدامك اختيار، اخترت.» «إنتِ مش فاكرة.» «ولا إنت.» «أنا خايف أفتكر.» مريم مسكت إيده. «يبقى نفتكر سوا.» «ولو افتكرت إني كنت المفروض أقتلك؟» «هفتكر معاك إنك ما قتلتنيش.» سليم سكت. مريم كملت: «ولو افتكرت إنك كنت عايز تقتلني...» «مريم.» «هسألك ليه.» «ولو الإجابة وجعتك؟» «هنواجهها.» «ولو غيرت كل اللي بينا؟» «مش هتغيره.» «إزاي؟» «لأن اللي

  • بعد سبع سنوات من الزواج   ٤٤

    الفصل 44 سليم قبل أن يكون الحارس «دي علامتي أنا.» الجملة فضلت معلقة في الهوا. مريم كانت واقفة قدام أول درجة في السلم، عينيها مثبتة على الحرفين المحفورين في الحجر. س.م بصت لسليم. «س.م؟» سليم ما ردش. «سليم، أنا بسألك.» «مش عارف.» «إنت بنفسك قلت إنها علامتك.» «لأني شوفتها قبل كده.» «فين؟» «مش فاكر.» «إنت لسه من شوية بتقول إنك مش فاكر، وبعدين تقول شوفتها قبل كده.» «لأن الذكرى مش كاملة.» «حاول.» «بحاول.» «فين شفتها؟» سليم قرب من الحائط، ومد إيده ناحية الحرفين، لكنه وقف قبل ما يلمسهم. «في مكان أبيض.» «يعني إيه مكان أبيض؟» «أوضة.» «مستشفى؟» «مش عارف.» «بيت؟» «لأ.» «المشروع؟» «يمكن.» مريم قربت منه. «إيه أول حاجة فاكرها؟» سليم غمض عينيه. «كان فيه سرير.» «سرير إيه؟» «سرير أطفال.» «وكان عليه مين؟» سليم فتح عينيه فجأة. «طفل.» «مين؟» «مش عارف.» «سليم، ركز.» «كان طفل صغير جدًا.» «رضيع؟» «أيوه.» «وإنت كنت كام سنة؟» «يمكن خمسة عشر.» «وكنت لوحدك؟» «لأ.» «مين كان معاك؟» «أبويا.» مريم سكتت. «أبوك كان م

  • بعد سبع سنوات من الزواج   ٤٣

    الفصل 43الصوت الذي خرج من الظلامانفتح الباب ببطء.صرير طويل قطع الصمت اللي كان مالي المكان.مريم فضلت واقفة مكانها.وشها شاحب، وعينيها مثبتة على الباب.سليم مد إيده ومسك إيدها.«مريم... ما تتحركيش.»مريم همست:«سمعت صوتها.»«ممكن يكون تسجيل.»«لأ.»«إحنا سمعنا أصوات قبل كده.»«الصوت ده أنا عارفاه.»والدها قرب منها.«مريم، ابعدي عن الباب.»مريم بصت له.«إنت كنت عارف؟»«عارف إيه؟»«إن فيه حد هييجي.»سكت.مريم صوتها ارتفع.«كنت عارف إن فيه حد هيقول إنه أختي؟»ليلى قربت منها.«مريم، اسمعيني.»«ماما، إنتِ عارفة؟»ليلى دموعها نزلت.«أنا...»«إنتِ عارفة إن كان ليا أخت؟»«مش بالشكل اللي إنتِ فاهمته.»كريم بص لوالد مريم.«يعني إيه طفل ثالث؟»يوسف قال بسرعة:«مافيش طفل ثالث.»مريم بصت له.«إنت متأكد؟»«أيوه.»جلال قال:«يوسف...»«ما تسكتنيش.»جلال:«أنا ما قلتش حاجة.»يوسف قرب من الباب.«الصوت ده مش صوت أخت.»مريم قالت:«إنت سمعت صوتها قبل كده؟»يوسف سكت.«رد.»«أيوه.»سليم:«فين؟»يوسف بص لمريم.«في التسجيلات القديمة.»«إمتى؟»«قبل الحريق.»«كانت مين؟»يوسف ما ردش.مريم قربت خطوة.«كانت مين؟

  • بعد سبع سنوات من الزواج   ٤٢

    الفصل 42العم الذي كان خلف كل شيءوقف سليم مكانه كأنه فقد القدرة على الحركة.بص للرجل الواقف عند باب المبنى، وبعدها بص لمريم.«عمي؟»مريم ما ردتش.الرجل ابتسم.«أيوه يا سليم.»صوت هادي.واثق.وكأنه ما كانش واقف قدامهم باعتباره أخطر شخص في الحكاية.سليم قرب خطوة.«عمي مين؟»الرجل ضحك.«إنت عارف.»«أنا عايز أسمعها منك.»«جلال.»تجمدت مريم.بصت لوالدها.«جلال؟»والدها ما ردش.سليم بص له.«عمي جلال؟»والد مريم قال:«أيوه.»سليم رجع يبص للرجل.«إنت كنت ميت.»«الناس قالت كده.»«أبويا قال إنك مت.»«أبوك كان مضطر يقول كده.»«ليه؟»«عشان يحميك.»سليم ضحك بسخرية.«كل واحد بيقول إنه كان بيحميني.»جلال رد بهدوء:«لأن ده كان حقيقي.»«حقيقي؟»سليم صوته ارتفع.«إنت كنت ورا مشروع 12!»«مش أنا اللي بدأته.»«بس إنت كملت فيه.»«أنا حاولت أصلحه.»يوسف قال:«كذاب.»جلال بص له.«إنت آخر واحد يتكلم عن الكذب.»يوسف تقدم.«أنا كنت منفذ.»«وأنا كنت واحدًا من الذين يحاولون منعك.»«كنت واحدًا منهم.»«لكنني خرجت.»«بعد ما خربت حياة ناس.»جلال ابتسم.«كلنا خربنا حياة ناس.»سليم وقف بينهم.«كفاية.»ثم بص لجلال.«عا

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status