FAZER LOGINالفصل الثاني
المرأة التي ماتت ليلة الزفاف لم تنم مريم. حتى عندما بدأ ضوء الفجر يتسلل من بين ستائر غرفة المعيشة، كانت لا تزال جالسة في المكان نفسه. الظرف الأبيض أمامها. الصورة إلى جواره. والقلادة فوق الطاولة. أما الرسالة، فكانت بين أصابعها منذ ساعات، وقد أصبحت حوافها مجعدة من كثرة ما أعادت قراءتها. «إذا أردتِ معرفة سبب زواج سليم منك، ابحثي عن المرأة التي ماتت ليلة زفافكما.» لم تكن الجملة منطقية. ليلة زفافهما كانت منذ سبع سنوات. ليلة هادئة، على الأقل بالنسبة إليها. كانت تتذكر كل شيء. الفستان. قاعة الفندق. الزهور البيضاء. صوت الموسيقى. والوجوه التي أحاطت بهما. كانت تتذكر والدها وهو يبكي حين سلمها لسليم. تتذكر أمها وهي تمسك بيدها وتوصيها بالصبر. تتذكر سليم. كان صامتًا طوال الحفل تقريبًا. لكنها لم تتخيل يومًا أن شيئًا آخر كان يحدث في تلك الليلة. وضعت الرسالة جانبًا. ثم أمسكت هاتفها. فتحت محرك البحث من جديد. كتبت: نورا فؤاد الراوي وفاة ليلة زفاف سليم الراوي. ظهرت نتائج قليلة. قرأت واحدة تلو الأخرى. لا شيء. ثم غيرت طريقة البحث. كتبت: نورا الراوي اختفاء. ظهرت أخبار قديمة. لكن لم تجد أي خبر عن وفاتها. قالت لنفسها: — لو ماتت فعلًا، لازم يكون فيه خبر. فتحت أرشيف إحدى الصحف. بدأت تبحث في تاريخ زفافها. قبل سبع سنوات. شهر يونيو. اليوم نفسه. كانت الساعة تقترب من السادسة صباحًا. ومع ذلك، لم تشعر بالتعب. ثم وجدت شيئًا. خبر صغير في صفحة الحوادث. «حادث سير على الطريق الساحلي يسفر عن وفاة امرأة مجهولة الهوية.» توقفت. التاريخ مطابق. فتحت الخبر. الحادث وقع في الساعة الثانية عشرة وأربعين دقيقة بعد منتصف الليل. أي بعد بداية زفافها بساعات قليلة. لكن اسم الضحية لم يكن موجودًا. مجهولة الهوية. حدقت مريم في الشاشة. ثم نظرت إلى صورتها. كان عقلها يحاول جمع القطع. نورا اختفت. ثم حادث. امرأة مجهولة. في الليلة نفسها. لكن لماذا يخفي سليم الأمر؟ ولماذا تكون نورا شبيهة بها إلى هذا الحد؟ رفعت يدها إلى عنقها. القلادة. كانت لا تزال هناك. تذكرت أول مرة أعطاها لها. كانت ليلة هادئة في السنة الأولى. لم يكن سليم رجلًا رومانسيًا. لكنه دخل غرفتها ذات مساء، ووضع علبة صغيرة أمامها. قال: — هذه لكِ. فتحتها. وجدت القلادة. قال: — كانت لأمي. سألته: — ليه بتديهالي؟ أجاب: — لأنك تستحقينها. لم تفكر وقتها في الأمر. أما الآن، فقد بدا كل شيء مختلفًا. أغلقت الحاسوب. وقفت. كان عليها أن تذهب إلى مكان واحد. منزل سليم القديم. منزل عائلته. لم تكن تزوره كثيرًا. والدته، السيدة هناء، كانت امرأة شديدة التحفظ. منذ زواجها بسليم، لم تشعر مريم يومًا أن هناء تقبلها بالكامل. لم تكن تكرهها. لكنها كانت تنظر إليها أحيانًا بنظرات غريبة. كأنها تبحث في وجهها عن شيء. شيء لا تعرفه مريم. في الماضي كانت تفسر ذلك بأنها مجرد أم تحاول التأكد من أن زوجة ابنها مناسبة له. الآن لم تعد متأكدة. أمسكت حقيبتها. وقبل أن تغادر، نظرت إلى ورقة الطلاق. كانت لا تزال على الطاولة. أخذتها. وضعتها داخل حقيبتها. ثم أخذت الصورة والرسالة. أما القلادة، فخلعتها للمرة الأولى منذ سبع سنوات. وضعتها في جيب صغير داخل حقيبتها. كانت تشعر بأنها لا تريد أن تحمل شيئًا من سليم معها وهي ذاهبة لمواجهة عائلته. --- في الثامنة والنصف صباحًا، كانت السيارة تتوقف أمام منزل عائلة الراوي. منزل ضخم قديم، تحيط به حديقة واسعة. ترجلت مريم. لم تخبر سليم بأنها قادمة. ولم تكن تريد أن تخبره. دخلت من البوابة الرئيسية. استقبلتها إحدى العاملات، وما إن رأت وجهها حتى قالت: — مدام مريم؟ — أيوه. — الست هناء موجودة. — عارفة إني جاية؟ ترددت العاملة. — لا. — تمام. دخلت. كانت رائحة المكان كما تتذكرها. خشب قديم. عطر هناء. وقهوة عربية. كل شيء بدا طبيعيًا. وهذا جعلها تشعر بتوتر أكبر. ظهرت هناء من آخر الممر. كانت ترتدي ثوبًا منزليًا أنيقًا. وحين رأت مريم، توقفت. اتسعت عيناها للحظة. ثم قالت: — مريم؟ — صباح الخير يا طنط. — خير؟ لم تجب مريم فورًا. ثم قالت: — محتاجة أتكلم مع حضرتك. حدقت هناء فيها. — سليم حصل له حاجة؟ — لأ. تقدمت هناء. — إذن ماذا حدث؟ ابتسمت مريم. — سليم طلب الطلاق. سقط الصمت. لم تبدُ المفاجأة على وجه هناء. وهنا فهمت مريم شيئًا. كانت تعرف. قالت مريم: — حضرتك كنتِ عارفة؟ خفضت هناء عينيها. — اجلسي. — أنا مش جاية أقعد. — مريم... — عايزة إجابة. رفعت هناء عينيها. — نعم. — من إمتى؟ صمتت. — من إمتى يا طنط؟ — منذ أسابيع. ضحكت مريم بمرارة. — أسابيع؟ ثم اقتربت منها. — وأنا آخر واحدة تعرف؟ — كان يجب أن يخبرك بنفسه. — وهو أخبرني. أخرجت أوراق الطلاق من حقيبتها. وضعتها أمامها. — بس أنا مش جاية أتكلم عن الطلاق. نظرت هناء إلى الأوراق. ثم رفعت عينيها. — إذن عن ماذا؟ أخرجت الصورة. وضعتها على الطاولة. تغير وجه هناء فورًا. لم يكن تغيرًا عاديًا. كان صدمة. مدت يدها نحو الصورة، لكن مريم سبقتها وأمسكت بها. قالت: — مين دي؟ لم تجب هناء. — اسمها نورا؟ ظل الصمت. — بنت فؤاد الراوي؟ أغمضت هناء عينيها. قالت مريم: — كانت أخت سليم؟ — نعم. توقفت مريم. كانت هذه أول مرة تسمع الإجابة بوضوح. أخت سليم. — بس حضرتك قولتي لي إنها ماتت من زمان. — ماتت. — إمتى؟ لم تجب. — ليلة زفافنا؟ رفعت هناء رأسها بسرعة. — من قال لك ذلك؟ ابتسمت مريم. — يعني صح؟ — مريم، هناك أمور لا تعرفينها. — أنا متجوزة ابنك من سبع سنين. — وهذا لا يعني أن كل شيء يجب أن تعرفيه. تجمدت مريم. — لا. قالتها بهدوء. — بالعكس. ثم وضعت الصورة أمامها. — لو كل ده له علاقة بجوازي، يبقى من حقي أعرف. جلست هناء. بدت فجأة أكبر سنًا. قالت: — نورا لم تكن أخت سليم فقط. انتظرت مريم. — كانت توأمه. اتسعت عيناها. — توأمه؟ هزت هناء رأسها. — نعم. نظرت مريم إلى الصورة. الفتاة التي تشبهها. ثم إلى هناء. — طيب ليه محدش قال لي؟ — لأن سليم لم يكن يريد الحديث عنها. — ليه؟ — لأنها ماتت بطريقة مأساوية. — حادث العربية؟ لم تجب. عرفت مريم الإجابة. قالت: — كانت هي المرأة اللي ماتت ليلة زفافنا؟ تغير وجه هناء. — لا تسألي عن ذلك. — ليه؟ — لأن هناك أشياء كلما عرفتها، لن تستطيعي العودة إلى حياتك القديمة. ضحكت مريم. — حياتي القديمة انتهت امبارح. ثم قالت: — عايزة أعرف. ظلت هناء صامتة طويلًا. ثم قالت: — نورا لم تكن في الحفل. تجمدت مريم. — إيه؟ — كانت قد غادرت قبل الزفاف. — ليه؟ — كانت غاضبة من سليم. — بسبب إيه؟ — لا أعرف كل التفاصيل. — لكنك تعرفين شيئًا. صمتت هناء. اقتربت مريم. — أرجوك. تنهدت هناء. — قبل زفافك بيوم، حدثت مشكلة كبيرة. — بين سليم ونورا؟ — نعم. — إيه المشكلة؟ — نورا اكتشفت شيئًا. — ماذا؟ رفعت هناء عينيها إليها. — أنها كانت مخدوعة. شعرت مريم بقشعريرة. — مخدوعة في إيه؟ لم تجب. — طنط. — لا أستطيع. — حضرتك أمه. — ولهذا لا أستطيع. أمسكت مريم حقيبتها. ثم قالت: — أنا هعرف. استدارت لتغادر. لكن هناء أمسكت يدها. — انتظري. توقفت. قالت هناء بصوت منخفض: — هناك شيء آخر. استدارت مريم. — ماذا؟ نظرت هناء إلى القلادة التي لم تعد حول عنقها. ثم إلى وجهها. — سليم لم يعطك هذه القلادة لأنه أحبك. أحست مريم أن قلبها توقف. — أمال ليه؟ قالت هناء: — لأنها كانت لنورا. --- خرجت مريم من المنزل وهي تشعر أن الأرض تتحرك تحت قدميها. جلست في السيارة. أغلقت الباب. لم تشغل المحرك. وضعت يدها على رأسها. سبع سنوات. سبع سنوات وهي ترتدي شيئًا يخص امرأة أخرى. امرأة ماتت ليلة زفافها. امرأة تشبهها. امرأة كانت أخت سليم. لماذا؟ رن هاتفها. كان سليم. نظرت إلى اسمه طويلًا. لم تجب. رن مرة ثانية. ثم ثالثة. في المرة الرابعة، فتحت الخط. — نعم؟ جاء صوته متوترًا: — أين أنتِ؟ — عند والدتك. صمت. — لماذا؟ — كنت محتاجة أسألها عن حاجة. — ماذا سألتِها؟ — عن نورا. لم يجب. كان الصمت كافيًا. قالت: — أنت كنت عارف. — مريم... — كنت عارف إن القلادة لنورا. — اسمعيني. — وكنت عارف إنها ماتت ليلة زفافنا؟ — ليس بهذه الطريقة. — أمال بأي طريقة؟ صمت. صرخت: — بأي طريقة يا سليم؟ قال: — ارجعي البيت. ضحكت. — البيت؟ — نعم. — بيتك؟ — بيتنا. توقفت. ثم قالت: — ما عادش بيتنا. أجاب فورًا: — مريم. — أنت طلبت الطلاق. — أعرف. — يبقى متقولش بيتنا. صمت. ثم قالت: — عايزة أعرف حاجة واحدة. — ماذا؟ — ليه اخترتني أنا؟ لم يجب. — ليه أنا بالذات؟ صمت طويل. ثم قال: — لأنك كنتِ الوحيدة التي تستطيع أن تفعل ذلك. شعرت بالارتباك. — تعمل إيه؟ لكنه أغلق الخط. حدقت في الهاتف. — جبان. لكن قبل أن تضع الهاتف، وصلتها رسالة. منه. «لا تثقي في أي شخص يقول لكِ إن نورا ماتت.» حدقت في الرسالة. ثم قرأتها مرة أخرى. إن نورا ماتت. ماذا يقصد؟ هل يقول إنها لم تمت؟ أم أن وفاتها لم تكن كما قيل لها؟ --- عادت مريم إلى منزلها ظهرًا. دخلت غرفتها. فتحت الخزانة. بدأت تبحث عن الأشياء القديمة. لم تكن تعرف ما الذي تبحث عنه. لكنها كانت متأكدة أن هناك شيئًا. أي شيء. شيء يفسر لماذا اختارها سليم. بدأت تراجع ذكرياتها. أول لقاء بينهما. كان في حفل عائلي. لم تكن تعرفه جيدًا وقتها. لكنها تتذكر شيئًا غريبًا. حين رآها للمرة الأولى، لم يبدُ عليه الإعجاب. بل بدا كأنه رأى شبحًا. ظل يحدق فيها طويلًا. ثم سأل والدها: — اسمها إيه؟ أجاب والدها: — مريم. كان ذلك أول شيء قاله عنها. بعد شهرين، تقدم لخطبتها. لم تفهم السبب. كانت هناك فتيات كثيرات في عائلته. لكن سليم اختارها هي. والدها وافق بسرعة. هي وافقت لأنها كانت تحبه منذ وقت قصير. أما الآن… فكل شيء بدا كأنه كان مرتبًا. لم يكن حبًا. كان اختيارًا. لكن لماذا؟ فتحت صندوقًا قديمًا. أخرجت منه صور الخطوبة. ثم صور الزفاف. ثم رسالة قديمة من والدها. قرأتها. كانت رسالة قصيرة كتبها لها قبل زفافها بأيام. «يا مريم، أعرف أنك مترددة بسبب هدوء سليم، لكنني أثق به. هناك أمور لا أستطيع شرحها لك الآن، وسيأتي وقت تفهمين فيه لماذا كان هذا الزواج مهمًا.» توقفت. «لماذا كان هذا الزواج مهمًا». لم تنتبه إلى العبارة وقتها. والدها كان يعرف. رفعت الهاتف واتصلت به. لكن الرقم لم يجب. والدها كان مسافرًا خارج البلاد منذ أشهر. لم يكن من السهل الوصول إليه. جلست. ثم تذكرت شيئًا آخر. في ليلة زفافها، قبل دخول القاعة، كانت قد سمعت صوت رجل يتحدث مع سليم خلف الباب. لم تره. لكنها سمعت الجملة: — إذا تزوجتها، كل شيء هينتهي. وكان صوت سليم: — أعرف. ثم فُتح الباب. وابتسم لها. وقتذاك ظنت أن الحديث عن ترتيبات الزفاف. الآن لم تعد متأكدة. أغلقت عينيها. ثم فتحتها فجأة. نهضت. ذهبت إلى الخزانة. أخرجت صندوقًا آخر. كان يحتوي على فستان الزفاف. فتحت جيبًا داخليًا لم تستخدمه من قبل. وجدت ورقة صغيرة. تجمدت. أخرجتها. كان عليها اسم. «إلى مريم… لا تتزوجي سليم.» تسارعت أنفاسها. لكن الورقة كانت قديمة. قديمة جدًا. وفي أسفلها توقيع واحد. نورا. --- في المساء، عاد سليم إلى المنزل. وجد مريم جالسة في غرفة المعيشة. لم تكن تبكي. وهذا أخافه أكثر. كانت أمامها عدة صور. والرسالة. والقلادة. والورقة التي تحمل تحذير نورا. توقف عند الباب. قال: — مريم. لم ترفع عينيها. — اقعد. اقترب. جلس. قالت: — هسألك أسئلة. — حسنًا. — وهتجاوبني. صمت. — نورا كانت توأمك؟ — نعم. — ماتت ليلة زفافنا؟ تردد. — لا أعرف. رفعت عينيها. — لا تعرف؟ — لم أر جثتها. توقفت. — ماذا؟ قال بهدوء: — قيل لنا إنها ماتت. — مين قال؟ — الشرطة. — وأنت صدقت؟ — كان هناك حادث. — لكن مفيش جثة مؤكدة؟ لم يجب. — سليم! قال: — لم تكن هناك جثة يمكن التعرف عليها بسهولة. وضعت يدها على جبينها. — إذن ممكن تكون عايشة؟ — ممكن. — والرسالة اللي جاتلي؟ — ماذا قالت؟ — إن نورا لم تمت. تغير وجهه. — ماذا؟ — أنت بتخاف ليه؟ — مريم، من أرسلها؟ — لا أعرف. — هل اتصل بك أحد؟ ترددت. ثم قالت: — امرأة. تجمد. — ماذا قالت؟ — قالت إنها امرأة كان يجب أن تموت منذ سبع سنوات. نهض سليم فجأة. — ماذا قالت أيضًا؟ نظرت إليه. — قالت لي: لا تثقي في سليم. سكت. ثم ضحك ضحكة قصيرة بلا معنى. — طبعًا. — مين هي؟ — لا أعرف. — كداب. — مريم... — أنت تعرف. اقترب منها. — أقسم لك أنني لا أعرف من اتصل بك. ثم نظر إلى الورقة. تغير وجهه. — من أين حصلتِ عليها؟ — كانت في صندوق فستان زفافي. أمسكها. قرأها. يده ارتجفت. — متى وجدتِها؟ — اليوم. رفع عينيه إليها. — لماذا لم أرها؟ — لأنها كانت مخبأة. صمت. قالت: — نورا كانت تحاول تمنعني من الزواج منك. لم يجب. — ليه؟ قال: — لأنها كانت تعرف أنني لا أتزوجك من أجل الحب. ابتسمت مريم بحزن. — أخيرًا اعترفت. — نعم. — إذن ليه؟ نظر إليها طويلًا. ثم قال: — لأنني كنت أحتاج إليك. — لعمل إيه؟ صمت. — سليم. — لحماية شخص. — مين؟ — أنتِ. حدقت فيه. — أنا؟ هز رأسه. — نعم. ضحكت. — تحميني من مين؟ اقترب منها. — من الأشخاص الذين كانوا يبحثون عن نورا. — وأنا مالي؟ قال بصوت منخفض: — لأنهم كانوا يعتقدون أنكِ هي. ساد الصمت. لم تستوعب الجملة. — ماذا؟ — كانوا يظنون أن نورا ما زالت على قيد الحياة، وأنها اختبأت باسم آخر. — لكن أنا مريم. — أعرف. — إذن لماذا؟ قال: — لأن التشابه بينكما لم يكن صدفة. شعرت ببرودة في أطرافها. — ماذا تقصد؟ لم يجب. — سليم! قال: — والدك يعرف. توقفت. — بابا؟ — نعم. — يعرف إيه؟ اقترب منها أكثر. — أن نورا لم تكن مجرد فتاة تشبهك. حدقت فيه. — أمال كانت إيه؟ نظر إلى وجهها طويلًا. ثم قال: — كانت تعرفك قبل أن تعرفيها. --- في تلك اللحظة، رن جرس الباب. التفت الاثنان. قال سليم: — لا تفتحي. نظرت إليه. — لماذا؟ — انتظري هنا. ذهب إلى الباب. فتحه بحذر. لم يكن هناك أحد. فقط ظرف أسود. انحنى وأخذه. عاد إلى الداخل. مريم كانت تراقبه. قالت: — افتحه. — لا. — ليه؟ — لأنني أعرف ما بداخله. — افتحه. رفض. مدت يدها. أخذته منه. فتحت الظرف. سقطت صورة على الطاولة. هذه المرة لم تكن قديمة. كانت حديثة. صورة لامرأة تقف أمام مقهى. امرأة ترتدي معطفًا طويلًا. وجهها لم يكن واضحًا تمامًا. لكن القلادة كانت واضحة. قلادة النجمة. نفس القلادة. التي كانت مريم ترتديها سبع سنوات. تحت الصورة جملة: «أنا لم أمت.» ثم جملة أخرى: «لكن مريم ليست مريم التي تظنونها.» رفعت مريم رأسها ببطء. نظرت إلى سليم. لم يتكلم. لأن وجهه كان يقول إنه يعرف أن تلك اللحظة ستأتي. قالت مريم: — يعني إيه «مريم ليست مريم»؟ أغمض سليم عينيه. ثم قال: — هذا هو السبب الحقيقي الذي جعلني أتزوجك. شعرت مريم أن كل شيء حولها توقف. — إيه الحقيقة؟ فتح عينيه. وكان في نظرته شيء لم تره طوال سبع سنوات. خوف حقيقي. قال: — لأن المرأة التي كنت أبحث عنها طوال سبع سنوات... توقف. — كانت أمامي طوال الوقت. حدقت فيه. — مين؟ لم يجب. لكن عينيه اتجهتا إلى المرآة المعلقة خلفها. إلى انعكاس وجهها. ثم قال: — أنتِ. تراجعت مريم خطوة. — أنا مين؟ ظل صامتًا. فصرخت: — أنا مين يا سليم؟! وفي اللحظة نفسها، وصل إشعار إلى هاتفها. رسالة جديدة. فتحتها. كان الرقم مجهولًا. وجاء فيها: «اسأليه عن ليلة الحريق.» ثم رسالة ثانية: «واسأليه لماذا نجا هو... بينما اختفت أختي.» رفعت مريم عينيها. لكن سليم كان قد أصبح شاحبًا. لأنه لم يكن خائفًا من الرسالة. كان خائفًا من شيء آخر. من أن تعرف مريم الحقيقة التي أخفاها عنها سبع سنوات. حقيقة بدأت قبل زفافهما. وقبل أن يلتقيا. وقبل أن تعرف مريم حتى اسم سليم الراوي. أما مريم، فلم تعد تريد الطلاق. على الأقل ليس الآن. لأنها اكتشفت أن الطلاق لن ينهي زواجًا لم تفهم أصلًا لماذا بدأ. كانت تريد شيئًا واحدًا فقط. الحقيقة. مهما كانت قاسية. حتى لو كانت ستدمر كل ما بقي من حياتها. رفعت رأسها وقالت: — من أنا يا سليم؟ ظل ينظر إليها. ثم قال بصوت خافت: — هذا السؤال... وتوقف. — هو السؤال الذي حاولنا جميعًا أن نمنعك من طرحه. وفي الخارج، توقفت سيارة سوداء أمام المنزل. نزلت منها امرأة. رفعت رأسها نحو نافذة غرفة المعيشة. كانت تحمل في يدها قلادة على شكل نجمة. ثم ابتسمت. وقالت لنفسها: — أخيرًا عرفتي يا مريم. ثم أضافت: — لكنك لسه ما عرفتيش مين فينا مات فعلًا.الفصل 20الرجل الذي حمل القلادة الثانيةلم تنتظر مريم أن يكرر عارف جملته.كان صوت السيارة المتوقفة في الخارج لا يزال مسموعًا بوضوح، محركها يعمل، ثم انطفأ فجأة.سادت الشقة لحظة صمت ثقيل.نظر عارف إلى الباب الرئيسي، ثم إلى سليم، وقال بصوت منخفض:— ليس لدينا وقت.تقدّم سليم خطوة نحوه.— من هؤلاء؟رفع عارف إصبعه أمام فمه.— ليس هنا.ثم اتجه إلى الباب الصغير خلف الخزانة الخشبية، وأزاح قطعة معدنية كانت مخفية داخل إطارها.صدر صوت خافت، وانفتح الباب.كان خلفه ممر ضيق مظلم.حدقت مريم فيه.— إلى أين يؤدي هذا؟أجاب عارف دون أن ينظر إليها:— إلى المكان الذي كان والدك يخرج منه عندما لم يكن يريد لأحد أن يعرف إلى أين ذهب.تبادل سليم ومريم نظرة سريعة.ثم قال سليم:— أنت كنت تعرف هذا المكان طوال الوقت؟التفت عارف إليه.— كنت أعرفه قبل أن تولد مريم.— ولماذا لم تخبرنا؟— لأن معرفة الطريق ليست دائمًا حماية.اقتربت مريم من عارف.— قلت إن الرجل الذي كان يحمل القلادة الثانية مات.تغير وجه الرجل.للحظة، بدا كأنه ندم على قوله.— قلت ما يكفي الآن.— وأنا لا أقبل ذلك.— ستقبلين.— لا.رفعت مريم صوتها قليلًا.—
الفصل التاسع عشرالقلادة التي اختفتاستيقظت مريم على صوت المطر.كان خفيفًا في البداية، مجرد قطرات متفرقة تضرب زجاج النافذة، ثم بدأ يزداد شيئًا فشيئًا حتى أصبح صوتًا متواصلًا يملأ الغرفة.فتحت عينيها ببطء.للحظة لم تتذكر شيئًا.ثم مدت يدها إلى الطاولة الصغيرة بجوار السرير.العلبة.كانت أول شيء بحثت عنه.فتحت عينيها تمامًا.العلبة كانت مفتوحة.فارغة.جلست بسرعة.نظرت حولها.لم تكن القلادة هناك.قامت من السرير، وفتشت الأرض.لا شيء.رفعت الوسادة.ثم الغطاء.ثم عادت إلى الطاولة.العلبة ما زالت في مكانها.لكن القلادة اختفت.خرج صوتها مرتجفًا:— سليم!جاء من الغرفة الأخرى.— ماذا حدث؟دخل مسرعًا.نظر إليها.ثم إلى العلبة.لم يحتج إلى سؤال.اقترب.— هل كنتِ أنتِ من فتحتها؟— لا.— هل لمستِها قبل النوم؟— لا.— متأكدة؟نظرت إليه بحدة.— قلت لك لا.رفع يديه قليلًا.— حسنًا.أخذ العلبة.تفحصها.ثم نظر إلى الباب.— هل كان الباب مقفلًا؟— نعم.— والنوافذ؟— مغلقة.توقف.— هل استيقظتِ أثناء الليل؟— لا.— هل سمعتِ شيئًا؟— لا.أعاد العلبة إلى مكانها.ثم قال:— إذًا دخل شخص إلى الغرفة.شعرت مريم ببر
الفصل الثامن عشرالرجل الذي لم ينسَبقيت مريم واقفة أمام سليم، تنتظر الإجابة.لم يكن الصمت هذه المرة عاديًا.كان واضحًا في وجهه أن المكالمة لم تكن مجرد تهديد مجهول.كان يعرف الصوت.وربما يعرف صاحبه جيدًا.قالت:— من كان؟مرر سليم يده على وجهه.— لا أريد أن أخيفك.— أنا خائفة أصلًا.— مريم...— لا تقل لي إنك لا تعرف.نظر إليها طويلًا.ثم قال:— أعرفه.شعرت بقلبها ينقبض.— من هو؟— اسمه فارس.— فارس ماذا؟— لا أعرف اسم عائلته الحقيقي.— وهل كان مع أبي؟— نعم.— في الصورة؟— لا.— إذًا أين رأيته؟جلس سليم، وأشار لها بالجلوس.لكنها بقيت واقفة.قال:— رأيته ليلة خروجك من البيت.تغير وجهها.— كان هناك؟— نعم.— لماذا لم تخبرني؟— لأنني لم أكن متأكدًا من هويته وقتها.— والآن؟— الآن أنا متأكد.— ماذا يريد؟— لا أعرف.— سليم.— أعرف شيئًا واحدًا فقط.— ماذا؟— كان والدك يخشاه.سكتت.ثم قالت:— أبي كان يخافه؟— نعم.— لماذا؟— لم يقل.— لكنك رأيت شيئًا.— رأيت الرجل نفسه في أكثر من مكان.— يراقبنا؟— يراقب والدك.— وأنا؟— أحيانًا.شعرت مريم بأن الغرفة ضاقت حولها.قالت:— وأنت كنت تراقبني أيضً
الفصل السابع عشرالتاريخ الذي لم يكن مصادفةاستيقظت مريم قبل سليم بقليل.بقيت للحظات تحدق في السقف، غير قادرة على تحديد ما إذا كانت قد نامت فعلًا أم قضت الليل كله بين النوم واليقظة.كان رأسها ممتلئًا بالأرقام والصور والأسماء.م.ج.ن.ج.البوابة.القلادة.والتاريخ.تاريخ ميلادها.مدت يدها إلى الهاتف.كانت الساعة السادسة والنصف صباحًا.وحين جلست على طرف السرير، رأت الظرف.موضوعًا فوق الطاولة الصغيرة بجوار الباب.توقفت.لم يكن هناك عندما ذهبت إلى النوم.نهضت ببطء.اقتربت منه.كان أبيض، بسيطًا، بلا طابع أو عنوان.في منتصفه حرفان فقط:ن.جوتحتهما تاريخ ميلادها.شعرت بقشعريرة تسري في ذراعيها.مدت يدها، لكنها توقفت قبل أن تلمسه.كان أول شيء فكرت فيه هو سليم.التفتت نحوه.كان لا يزال نائمًا.راقبته لثوانٍ.ثم أخذت الظرف وخرجت من الغرفة.جلست في غرفة الجلوس.وضعت الظرف أمامها.لم تفتحه فورًا.كانت تريد أن تعرف من وضعه.لكنها كانت تعرف أيضًا أنها لن تستطيع مقاومة ما بداخله.فتحت الظرف.لم تجد سوى ورقة واحدة.قرأت:«إذا أردتِ أن تعرفي معنى ن.ج، لا تبحثي عن شخص يحمل هذا الاسم.»توقفت.ثم تابعت:«ا
الفصل السادس عشرالحرفان اللذان لم تفهمهما مريملم تنم مريم في تلك الليلة.لم يكن السبب الدفتر وحده.ولا الغرفة القديمة.ولا الصورة التي ظهر فيها والدها إلى جوار رجل لا تعرفه.كان السبب الحقيقي هو الجملة الأخيرة التي قرأتها قبل مغادرة المنزل:«كانت مطاردة لأنها كانت الشاهد الوحيد.»منذ عودتهما، ظلت الجملة تدور في رأسها.شاهد وحيد.لكن شاهد على ماذا؟وضعت الدفتر أمامها على الطاولة.فتحته مرة أخرى.الصفحات البيضاء بدت أكثر استفزازًا من الصفحات المكتوبة.كانت تعرف أن هناك شيئًا ناقصًا.شيئًا أخفي عمدًا.لكنها لم تعد تريد إجبار نفسها على التذكر.لقد اتفقت مع نفسها أن تترك الماضي يأتي إليها.ومع ذلك، كان هناك شيء آخر يزعجها.الرجل الذي رأته من بعيد.لم تكن تعرف أنه كان يراقبهما.ولم تعرف شيئًا عن القلادة التي يحملها.أما سليم، فلم يكن يعرف أيضًا.أو هكذا ظنت.خرج سليم من غرفة النوم، يحمل كوبين من الشاي.وضع أحدهما أمامها.قال:— لم تنامي.— وأنت؟جلس مقابلها.— أنا أيضًا.نظرت إلى الدفتر.— هل تعتقد أن أبي ترك شيئًا آخر؟— بالتأكيد.— لماذا؟— لأنه لم يكن يكتب شيئًا دون سبب.رفعت حاجبها.—
الفصل الخامس عشرالمكان الذي لم تنسه الذاكرةلم تخبر مريم أحدًا عن المفتاح.حتى ليلى، التي أصبحت في الأيام الأخيرة أكثر هدوءًا وأقل ظهورًا، لم تعرف شيئًا.كانت مريم تشعر أن كل شخص يدخل هذه القصة يحمل جزءًا منها، لكن لا أحد يملك الصورة كاملة.وربما كانت هذه هي المشكلة منذ البداية.كل شخص كان يعرف جزءًا.وكل جزء كان يخفي خلفه جزءًا آخر.أما هي، فكانت الوحيدة التي عاشت القصة كلها دون أن تعرف أنها كانت تعيشها.في صباح اليوم التالي، وضعت المفتاح على الطاولة أمام سليم.قالت:— نذهب اليوم.رفع عينيه إليها.— متأكدة؟— نعم.— لا أعرف ما الذي سنجده.— وأنا لا أعرف ما الذي سأشعر به.ظل ينظر إليها.ثم قال:— إذا شعرتِ أن الأمر أكثر من قدرتك، نعود فورًا.ابتسمت بسخرية خفيفة.— منذ متى وأنت تعطيني حق العودة؟— منذ أدركت أنني لا أملك حق اتخاذ القرارات عنك.لم تجبه.كانت هذه الجملة بسيطة.لكنها بقيت في ذهنها.لأنها كانت تعرف أن سليم أمضى سنوات وهو يقرر نيابة عنها ما يجب أن تعرفه وما يجب ألا تعرفه.وربما حان الوقت ليتعلم الاثنان طريقة أخرى.طريقة لا يكون فيها أحدهما حارسًا والآخر شخصًا يجب حمايته.ار







