الفصل الرابع
الرجل الذي مات مرتين
ظل اسم فؤاد الراوي معلقًا في الهواء.
لم تستطع مريم أن تنطق.
كانت تنظر إلى سليم، ثم إلى نورا، وكأنها تنتظر من أحدهما أن يقول إن ما سمعته مجرد خطأ.
لكن لم يحدث.
خارج المنزل، كانت خطوات الرجال تقترب.
صوت أحذية فوق الحصى.
ثم صوت باب سيارة يُغلق.
ثم صمت.
قال سليم بصوت منخفض:
— مريم، لازم نخرج من هنا.
لم تتحرك.
— فؤاد كان هنا.
قالت الجملة وكأنها تسأل.
لكنها لم تكن تسأل.
كانت تتذكر.
ليلة الحريق.
النار.
الدخان.
يد رجل تحملها.
صوت يقول:
«لا تخافي يا مريم.»
لم تكن تتذكر وجهه بوضوح.
لكنها الآن بدأت ترى ملامحه.
شعره الأبيض.
عينيه.
الخاتم في يده.
خاتم يحمل شعار عائلة الراوي.
رفعت عينيها إلى سليم.
— أبوك هو اللي أنقذني.
لم يجب.
— صح؟
أخفض سليم رأسه.
— نعم.
اتسعت عيناها.
— وقلت لي إنه مات.
— لأنه مات.
ضحكت مريم ضحكة خافتة.
— لأ.
أشارت إلى رأسها.
— أنا شفته.
تدخلت نورا:
— مريم، الذكريات ممكن تكون ناقصة.
— أنا شفته.
— أعرف.
— إذن كيف مات؟
قال سليم:
— بعد تلك الليلة.
التفتت إليه.
— كيف؟
— بعد الحريق بأيام، اختفى.
— اختفى؟
— نعم.
— لكنك قلت إنه مات.
— هكذا اعتقدنا.
— ومتى تأكدتم؟
صمت.
ثم قال:
— بعد شهر.
شعرت مريم بالدوار.
— وبعد سبع سنين؟
قالت نورا:
— لم نجد جثته.
حدقت مريم فيهما.
— إذن أبوك لم يمت.
لم يجب سليم.
وفي الخارج، جاء صوت ارتطام قوي.
انتفضت نورا.
قال سليم:
— ليس لدينا وقت.
أمسك بمريم من يدها.
هذه المرة لم تسحب يدها.
لم تكن لأنها تثق به.
بل لأنها أدركت أن الخطر حقيقي.
قال:
— الباب الخلفي.
تحركوا بسرعة.
خرجوا من الممر الضيق إلى الحديقة الخلفية.
كانت السماء مظلمة.
والهواء باردًا.
قالت مريم وهي تمشي:
— إلى أين؟
— إلى السيارة.
— سيارة مين؟
— نورا.
توقفت مريم.
— نورا كانت جاية بعربية؟
ابتسمت نورا.
— أنا لم أختفِ سبع سنوات وأنا أمشي على قدمي.
رغم خوفها، كادت مريم تبتسم.
لكن صوتًا دوى من داخل المنزل.
— أسرعوا!
ركضوا.
وصلوا إلى سيارة سوداء صغيرة.
فتحت نورا الباب.
دخلت مريم في المقعد الخلفي.
جلس سليم بجوارها.
وانطلقت نورا.
بعد ثوانٍ، خرج ثلاثة رجال من المنزل.
أحدهم رفع هاتفه.
وقال:
— خرجوا.
ثم أضاف:
— لكنهم أخذوا الفتاة.
---
ظلت مريم صامتة طوال الطريق.
كانت تراقب المدينة من النافذة.
القاهرة التي عرفتها طوال حياتها بدت غريبة.
كل شيء أصبح مشكوكًا فيه.
البيت.
والدها.
والدتها.
سليم.
زواجها.
حتى اسمها.
قالت فجأة:
— أين نذهب؟
أجابت نورا:
— إلى مكان لا يعرفه أحد.
— هل هو آمن؟
— كان آمنًا.
سألت مريم:
— «كان»؟
نظرت نورا إليها من المرآة.
— الآن لم يعد هناك مكان آمن.
صمتت مريم.
ثم سألت:
— أمي الحقيقية اسمها ليلى؟
— نعم.
— وهي حية؟
— نعم.
شعرت مريم بقلبها يخفق.
— أين؟
لم تجب نورا.
قالت:
— لا أعرف.
— كيف لا تعرفين؟
— لأنني فقدتها في ليلة الحريق.
— لكنها كانت حية؟
— عندما غادرت المكان، كانت حية.
— وأين ذهبت؟
— لم أعرف.
قالت مريم:
— وأنتِ كنتِ تعرفين أنني أختك.
— نعم.
— منذ متى؟
— منذ سبع سنوات.
توقفت مريم.
— يعني من أول يوم في زواجي؟
— قبل زواجك.
— كيف؟
تنهدت نورا.
— لأنني كنت أراقبك.
— لماذا؟
— لأتأكد أنكِ بخير.
— وكنتِ تشاهدينني أتزوج سليم؟
— نعم.
— وتركتموني أعيش معه؟
— لم يكن الأمر بهذه البساطة.
قالت مريم بغضب:
— بالنسبة لي كان بسيطًا جدًا.
ثم نظرت إلى سليم.
— أنت عرفت.
— نعم.
— وأنت كنت تعرف أنها أختي.
— نعم.
— وفضلت تسكت.
— كنت أحاول حمايتك.
ضحكت.
— كل مرة تقولون الكلمة نفسها.
قالت نورا:
— لأنها الحقيقة.
— لا.
صمتت.
— كلمة «حماية» أصبحت بالنسبة لي تعني أن الجميع يحق له أن يكذب عليّ.
لم يجب أحد.
---
بعد نصف ساعة، توقفت السيارة أمام مبنى قديم في أحد الشوارع الجانبية.
نزلت نورا.
ثم فتحت الباب لمريم.
قال سليم:
— انتظري هنا.
— لماذا؟
— سأدخل أولًا.
قالت:
— لا.
ثم نزلت.
دخلوا المبنى.
كان قديمًا، لكنه نظيف.
صعدوا ثلاثة طوابق.
ثم دخلت نورا شقة صغيرة.
أغلقت الباب بثلاثة أقفال.
قالت:
— هنا نستطيع الكلام.
جلست مريم.
أما سليم، فظل واقفًا.
قالت:
— ابدأوا.
لم يتحرك أحد.
— قلت ابدأوا.
جلس سليم أمامها.
وضعت مريم يديها فوق بعضها.
— أول سؤال.
نظرت إلى نورا.
— مين أبويا الحقيقي؟
نظرت نورا إلى سليم.
ثم قالت:
— لا أعرف.
— ماذا؟
— أعرف من تكون أمك، لكن هوية والدك الحقيقي كانت سرًا لم يخبرني به أحد.
— لكنك أختي.
— نعم.
— إذن كيف؟
— لأننا لم نكبر معًا.
توقفت مريم.
— ماذا تقصدين؟
قالت نورا:
— عندما كنت طفلة، عاشت أمي مع عائلتنا لفترة قصيرة.
— ليلى؟
— نعم.
— وكانت أمي؟
— كانت والدتي.
— وماذا عني؟
أجابت:
— أنتِ كنتِ ابنة ليلى من رجل لم نكن نعرفه.
قال سليم:
— كان هناك سبب لإخفاء هويته.
— ما السبب؟
صمت.
— سليم.
قال:
— لأنه كان خطيرًا.
— من؟
— لا أعرف اسمه الحقيقي.
— لكن أبي يعرف؟
— نعم.
— ووالدك؟
— نعم.
وضعت مريم يدها على وجهها.
— أنا لا أفهم شيئًا.
قالت نورا:
— سأحكي لك ما أعرفه.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
— قبل سنوات طويلة، كانت هناك شبكة من رجال أعمال وسياسيين ومسؤولين يستخدمون شركات وهمية لتحويل أموال ضخمة.
— وما علاقتي بهم؟
— والدك كان محاسبًا يعمل لدى إحدى الشركات.
— أبي؟
— نعم.
— لكن أبي كان مهندسًا.
— هذا هو الاسم الذي عرفتِه.
حدقت مريم فيها.
— هل كنت أعيش مع رجل مزيف؟
— لا.
— إذن؟
— والدك الحقيقي كان شخصًا آخر.
سألت مريم:
— وماذا حدث له؟
نظرت نورا إلى سليم.
قال:
— مات.
— كيف؟
— قُتل.
ساد الصمت.
ثم قالت مريم:
— بسبب الشبكة؟
— نعم.
— وهل أمي كانت تعرف؟
— نعم.
— وفؤاد؟
— كان يحاول حمايتها.
توقفت مريم.
— لهذا أنقذني؟
— نعم.
— ولماذا لم يأخذني معه؟
قال سليم:
— لأنه كان يعرف أنهم يبحثون عنك.
— لكنه أخذني.
— ثم أعادك إلى والدك بالتبني.
— لماذا؟
— لأن بقاءك معه كان أكثر أمانًا.
حدقت مريم في الفراغ.
بدأت أجزاء من طفولتها تعود.
امرأة تبكي.
رجل يصرخ.
أبواب تُغلق.
رائحة دخان.
ثم يد كبيرة تمسك بها.
لكنها لم تتذكر وجه الرجل.
قالت:
— لماذا لا أتذكر؟
أجاب سليم:
— لأنك كنتِ صغيرة.
— الحريق؟
— نعم.
— هل كان مقصودًا؟
صمت.
قالت نورا:
— نعم.
---
نهضت مريم.
بدأت تمشي داخل الغرفة.
— لماذا أحرقوا البيت؟
— كانوا يريدون مستندات.
— أي مستندات؟
— والدك الحقيقي كان يحتفظ بدليل.
— أين؟
— لا نعرف.
توقفت.
— لحظة.
ثم نظرت إلى سليم.
— لماذا كان الزواج مني ضروريًا؟
لم يجب.
— هذا السؤال أهم شيء.
قال:
— لأن الأشخاص الذين كانوا يبحثون عنك كانوا يعتقدون أنك تملكين الدليل.
— لكنني لا أملك شيئًا.
— ربما لا تتذكرين.
— ماذا؟
— أين أخفى والدك الدليل.
ضحكت مريم.
— أنا طفلة!
— لهذا السبب بالضبط.
— إذن زواجك مني كان مجرد وسيلة للوصول إلى الذاكرة؟
— لا.
— أمال؟
نظر إليها طويلًا.
— في البداية كان زواجًا لحمايتك.
توقفت.
— وفي البداية فقط؟
صمت.
اقترب منها.
— مع الوقت تغير كل شيء.
نظرت إليه.
— متى؟
— لا أعرف.
— سليم.
— ربما منذ أول سنة.
— ولماذا لم تقل لي؟
ابتسم بحزن.
— لأنني كنت أعتقد أن اعترافي سيضعك في خطر.
— أي اعتراف؟
— أنني أحببتك.
لم تجب.
لم تستطع.
بعد سبع سنوات من الانتظار، سمعت منه الكلمة مرة ثانية.
لكن هذه المرة لم تكن وحدها.
كانت الحقيقة وراءها.
قال:
— لم أتزوجك لأنني كنت أكرهك.
— كنت باردًا.
— كنت خائفًا.
— مني؟
— عليك.
صمتت.
ثم قالت:
— طلبت الطلاق.
— نعم.
— لماذا؟
— لأنني اعتقدت أنني أستطيع إبعادك عن الخطر إذا لم تعودي زوجتي.
— لكنه لم ينجح.
— لا.
— وأنا لن أوقع.
تغير وجهه.
— مريم.
— مش لأنني عايزة أفضل مراتك.
توقفت.
— لكن لأنني لن أتركك تستخدم الطلاق كطريقة للهروب من الحقيقة.
نظر إليها.
— ماذا تريدين؟
— كل شيء.
---
في منتصف الليل، بدأت نورا تفتح الأدراج.
أخرجت ملفًا قديمًا.
قالت:
— هذا ما بقي لدي.
فتحت الملف.
كانت فيه صور.
أوراق.
أسماء.
وتواريخ.
وضعت مريم يدها على أول صورة.
كان فيها فؤاد الراوي.
وبجواره رجل لم تعرفه.
لكنها شعرت بشيء مألوف.
سألت:
— مين ده؟
قالت نورا:
— لا نعرف.
قلبت الصفحة.
وجدت صورة أخرى.
امرأة.
توقفت مريم.
— أمي.
كانت ليلى.
لكن بجانبها طفلة.
مريم.
وفي الخلفية رجل.
قالت نورا:
— هذه الصورة التُقطت قبل الحريق بأسبوع.
قربت مريم الصورة من عينيها.
كان هناك شيء على الطاولة خلفهم.
صندوق خشبي.
عليه رمز غريب.
نجمة داخل دائرة.
تذكرت مريم شيئًا.
قالت:
— أنا شفت الرمز ده.
رفع سليم رأسه.
— أين؟
— في بيتنا القديم.
— أي بيت؟
— البيت اللي كنت عايشة فيه وأنا طفلة.
قالت نورا:
— أين كان؟
— لا أعرف.
— حاولي التذكر.
أغلقت مريم عينيها.
بدأت تتنفس ببطء.
كانت الصور في رأسها تتحرك.
ممر.
باب أزرق.
رائحة ياسمين.
صوت أمها.
ثم الصندوق.
كانت تضع يدها عليه.
قالت ليلى:
«لا تفتحيه يا مريم.»
قالت مريم:
— الصندوق كان عند أمي.
سأل سليم:
— ماذا كان بداخله؟
— لا أعرف.
ثم فتحت عينيها.
— لكني أتذكر أين كان البيت.
اقتربت نورا.
— أين؟
قالت مريم:
— شارع صغير في مدينة المنصورة.
توقفت نورا.
— هل أنت متأكدة؟
— نعم.
قال سليم:
— يجب أن نذهب.
— الآن؟
— قبل أن يصلوا إليه.
قالت مريم:
— ومن قال إنهم لا يعرفونه؟
صمت.
ثم أخرجت هاتفها.
كانت هناك رسالة جديدة.
من الرقم المجهول.
فتحتها.
«لا تذهبوا إلى المنصورة.»
تجمدت.
ثم وصلت الرسالة الثانية.
«لقد سبقناكم.»
ثم الثالثة.
«والصندوق لم يعد هناك.»
رفعت مريم رأسها.
— إنهم يعرفون.
قال سليم:
— أغلقوا الهواتف.
لكن الرسالة الرابعة وصلت.
«لكن لا تقلقي يا مريم.»
ثم ظهرت صورة.
صورة للبيت القديم.
قالت نورا:
— هذا هو.
وتحت الصورة:
«إذا أردتِ أن تعرفي من كان والدك الحقيقي، تعالي وحدك.»
تجمد سليم.
— مستحيل.
قالت مريم:
— لازم أروح.
— لا.
— دي حياتي.
— لن أسمح لك.
— مش من حقك.
اقترب منها.
— مريم، هؤلاء الأشخاص قتلوا أناسًا من قبل.
— وأنا لن أذهب وحدي.
نظرت إلى نورا.
— سأذهب مع أختي.
ثم نظرت إلى سليم.
— وأنت أيضًا.
قال:
— قد يكون فخًا.
— أعرف.
— إذن لماذا؟
أجابت:
— لأنني تعبت من الهروب من حياة لا أعرف حقيقتها.
---
بعد ساعتين، كانوا في الطريق إلى المنصورة.
كانت نورا تقود.
سليم في المقعد الأمامي.
ومريم في الخلف.
لم يتحدث أحد.
كانت الساعة تقترب من الثالثة صباحًا.
ثم قالت مريم:
— سليم.
— نعم؟
— لو كنت تعرف كل ده من قبل...
توقف.
— ماذا؟
— هل كنت هتتجوزني برضه؟
لم يجب فورًا.
ثم قال:
— نعم.
— لماذا؟
— لأنني أحببتك.
أغمضت عينيها.
قالت:
— أتمنى لو قلتها من سبع سنين.
لم يرد.
بعد دقائق، بدأت ملامح المدينة تظهر.
وصلوا إلى الشارع القديم.
توقفت السيارة.
نزلت مريم.
كانت تعرف المكان.
بشكل غريب.
سارت عدة خطوات.
ثم توقفت أمام منزل قديم مهجور.
الباب الأزرق.
النوافذ المكسورة.
وشجرة الياسمين التي ما زالت موجودة.
وضعت يدها على صدرها.
— أنا كنت هنا.
قالت نورا:
— نعم.
دخلوا.
كان الغبار يغطي كل شيء.
مريم بدأت تتحرك وكأنها تعرف الطريق.
الممر.
ثم الغرفة.
ثم الجدار.
وقفت أمامه.
— هنا.
قال سليم:
— ماذا؟
— الصندوق كان هنا.
أخذ مصباح هاتفه.
وجدوا أثرًا خلف قطعة خشبية.
لكن المكان كان فارغًا.
قالت نورا:
— أخذوه.
هزت مريم رأسها.
— لا.
— ماذا؟
وضعت يدها على الجدار.
— أمي قالت لي شيئًا.
— ماذا؟
بدأت تتذكر.
«لو رجعتي هنا يومًا، لا تبحثي عن الصندوق.»
صمتت.
ثم قالت:
— قالت لي أبحث عن الباب.
نظر سليم حوله.
— أي باب؟
مريم أشارت إلى الأرض.
— الباب تحتنا.
أزاحوا السجادة القديمة.
ظهرت قطعة معدنية صغيرة.
فتحها سليم.
ظهر سلم ينزل إلى الأسفل.
كان الهواء باردًا.
قالت نورا:
— لم أعرف أن هذا المكان موجود.
قالت مريم:
— أنا أيضًا.
نزلوا.
كان هناك ممر ضيق.
وفي نهايته غرفة صغيرة.
وفي وسطها…
كان الصندوق.
لكن الصندوق لم يكن فارغًا.
كان مفتوحًا.
وبداخله ملف واحد.
اقتربت مريم.
أخرجته.
على الغلاف اسم واحد.
«إلى ابنتي مريم.»
ارتجفت يدها.
فتحت الملف.
كان هناك خطاب.
بدأت تقرأ.
«إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنني فشلت في حمايتك.»
توقفت.
بدأت الدموع تنزل.
تابعت:
«لن أكتب لكِ اسم والدك، لأن معرفة اسمه ستضعك في خطر. لكنني سأترك لكِ شيئًا أهم.»
قلبت الصفحة.
سقطت صورة.
التقطها سليم.
نظر إليها.
وتغير وجهه.
— ما الأمر؟
لم يجب.
أخذت مريم الصورة.
كان فيها ثلاثة أشخاص.
ليلى.
فؤاد الراوي.
ورجل ثالث.
هذه المرة لم يكن مجهولًا.
لأن مريم عرفته.
كان الرجل الذي ربّاها.
والدها الذي ظلت تظنه والدها طوال حياتها.
لكن المفاجأة لم تكن في وجوده.
كانت في التاريخ المكتوب خلف الصورة.
«قبل ولادة مريم بعامين.»
حدقت مريم في الصورة.
ثم قالت:
— كان يعرف أمي.
قالت نورا:
— نعم.
قلبت مريم الصورة.
وفي الخلف كُتبت جملة أخرى:
«الرجل الذي رباك ليس والدك… لكنه الرجل الوحيد الذي ضحى بحياته من أجلك.»
ثم صفحة أخيرة.
كانت تحمل اسمًا واحدًا.
اسمًا جعل سليم يتراجع خطوة.
«والد مريم الحقيقي: سليم الراوي.»
سقط الملف من يد مريم.
ساد الصمت.
حدقت في سليم.
كان وجهه شاحبًا.
— مستحيل.
لم يتحرك.
— سليم؟
رفع عينيه إليها.
وكانت الصدمة واضحة في وجهه.
قال:
— أنا لم أكن أعرف.
صرخت:
— أنت والدي؟
— لا.
— مكتوب اسمك!
— أعرف.
— كيف؟
لم يجب.
ثم جاء صوت من أعلى الدرج.
صوت رجل عجوز.
هادئ.
ومخيف.
— لأنه ليس سليم الراوي الذي تعرفينه.
رفع سليم رأسه.
وتجمد.
ظهرت خطوات الرجل.
ثم ظهر وجهه في ضوء المصباح.
فؤاد الراوي.
الرجل الذي قيل إنه مات قبل سبع سنوات.
والد سليم.
وقف أمامهم حيًا.
نظر إلى مريم طويلًا.
ثم قال:
— لقد تأخرنا كثيرًا.
أما مريم، فلم تستطع سوى التحديق فيه.
ثم قالت:
— أنت...
ابتسم فؤاد.
— نعم.
توقف لحظة.
ثم أضاف:
— وأنا الوحيد الذي يعرف من هو والدك الحقيقي.
وفي تلك اللحظة، سمعوا صوت سيارات تتوقف أمام المنزل.
قال فؤاد:
— لكن قبل أن أخبرك...
أطفأ المصباح.
— يجب أن نخرج من هنا.
وفي الظلام، أمسكت مريم بيد سليم دون أن تشعر.
ولأول مرة منذ سبع سنوات، لم تكن يدها تبحث عن زوجها.
كانت تبحث عن إجابة.
أما فؤاد، فقد فتح بابًا سريًا خلف الجدار.
وقبل أن يدخلوا، قال:
— أسرعوا.
— لماذا؟
نظر إلى مريم.
— لأنهم لم يأتوا من أجل الصندوق.
ثم أضاف:
— لقد جاؤوا من أجلك أنتِ.
وفي الخارج، بدأ الرجال يقتحمون المنزل.