LOGINلم تمر سوى دقائق قليلة حتى صعد فارس إلى الطابق العلوي.كان يصعد الدرج بخطوات سريعة وثقيلة، وملامحه جامدة بصورة لم تعهدها سلمي منه من قبل.كانت جالسة في غرفة المعيشة، وقد وضعت أمامها كوبًا من الشاي، بينما كانت تقلب هاتفها بين يديها دون اهتمام حقيقي بما يظهر على شاشته.ما إن سمعت خطواته حتى رفعت رأسها.توقفت عيناها عليه للحظة.كان هناك شيء مختلف.شيء واضح في وجهه.نهضت ببطء من مكانها، وظلت تراقبه وهو يقترب دون أن يقول شيئًا.— «فارس؟»لم يجبها.مر من جوارها، ثم توقف بعد خطوات قليلة، واستدار إليها بنظرة باردة جعلتها تعقد حاجبيها.— «من اليوم، ستسمعين كلام أمي.»حدقت فيه بعدم تصديق.— «ماذا؟»اقترب منها خطوة، وكانت نبرته خالية تمامًا من اللين الذي اعتادت عليه في حديثه معها.— «سمعتِني. ما تقوله أمي ستنفذينه.»وضعت الهاتف على الطاولة.— «ولماذا؟»رمقها بنظرة ضيقة.— «لأنها والدتك الآن، وعليكِ احترامها.»كادت تضحك من شدة غرابة الجملة.— «والدتي؟ إنها أمك أنت، يا فارس.»— «وأنتِ زوجتي، وهذا يعني أنكِ ستعيشين في هذا البيت وفقًا لما أراه مناسبًا.»تجمدت ملامحها.قبل ساعات فقط كان يخبرها أن أمه
في صباح اليوم التالي، غادر فارس الغرفة قبل أن تستيقظ سلمي.كان قد قضى الليل يفكر في حديثها معه، وفي الطريقة التي حاولت بها إغاظة والدته من خلال ارتداء أحد قمصان النوم التي أعطتها لها.لم يغضبه تصرفها بقدر ما أزعجه تدخل والدته المستمر في حياتهما.كان يعرف أمه جيدًا، ويعرف أنها لن تتوقف بسهولة، ولذلك قرر أن يتحدث إليها قبل أن يتطور الأمر إلى مشكلة أكبر.هبط الدرج بخطوات ثابتة، حتى وجدها في غرفة المعيشة.كانت جالسة إلى جوار الطاولة، تحتسي قهوتها بهدوء، وحين رأته رفعت عينيها إليه.توقفت يدها فوق الفنجان.كانت تعرف من نظرة وجهه أنه جاء بسببها.قال فارس دون مقدمات:— «أريد أن أتحدث معكِ.»وضعت الفنجان أمامها، ثم أشارت إلى المقعد المقابل.— «اجلس.»جلس، لكنه لم يبدُ مرتاحًا.أسند ظهره إلى المقعد، ثم قال بنبرة واضحة:— «ما فعلته بالأمس مع سلمي لن يتكرر.»لم تتفاجأ.بل نظرت إليه بهدوء شديد.— «وما الذي فعلته؟»— «أحضرتِ طبيبة دون علمها، وأردتِ أن تخضعيها لفحص لا علاقة لكِ به، ثم أعطيتها ملابس وأمرتها كيف تتصرف معي، وكأنكِ صاحبة القرار في حياتنا.»تنهدت والدته.— «أنا أمك يا فارس، ولست امرأة غر
حلَّ الليل على المنزل ببطء، وانسحبت الحركة من أرجائه شيئًا فشيئًا، حتى خفتت الأصوات التي كانت تتردد في الممرات طوال النهار، وأصبحت الغرف تغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى، بينما استقر السكون فوق المكان بصورة جعلت كل صوت صغير يبدو أوضح مما ينبغي.كانت سلمي قد قضت الساعات الأخيرة وهي تحاول أن تتجاهل ما حدث معها.جلست مع ابنتها لبعض الوقت، ثم عادت إلى غرفتها، وأشغلت نفسها بأشياء لا تحتاج إليها، ورتبت بعض الملابس أكثر من مرة، وأعادت وضع أغراضها في أماكنها، وكأنها تحاول أن تجد لنفسها شيئًا يشغل عقلها عن الكلمات التي ألقتها والدة فارس في وجهها.لكنها لم تستطع.كلما حاولت طرد حديثها من رأسها، عاد إليها بصورة أكثر وضوحًا.تذكرت القمصان الملونة التي وضعتها المرأة أمامها، والطريقة التي نظرت بها إليها وهي تخبرها أن عليها أن تتخلى عن ملابس الحداد، وأن فارس ما زال في عز شبابه، وأن عليها أن تهتم بمظهرها من أجله.لم تكن المشكلة في الملابس نفسها.بل في الطريقة التي تحدثت بها إليها، وكأنها لم تكن امرأة لها رأيها وحدودها، وإنما زوجة دخلت هذا المنزل وعليها منذ اللحظة الأولى أن تنفذ كل ما يُطلب منها.كلما تذ
جلست «سلمي» إلى جوار ابنتها في غرفة الجلوس، وقد بدت أكثر هدوءًا من الصباح، وإن لم يكن ذلك الهدوء سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها الكثير من التوتر والإرهاق.كانت قد أمضت الساعات الماضية وهي تحاول إقناع نفسها بأن ما حدث في الصباح لا يستحق كل هذا الغضب، وأن عليها أن تتعامل مع الأمر بعقلانية، خصوصًا وأنها لم تكن في وضع يسمح لها بخوض معركة جديدة كلما اصطدمت بنظرة أو كلمة من والدة فارس.لكن الحقيقة أنها لم تستطع أن تتجاوز الأمر بهذه السهولة.منذ اللحظة التي وطئت فيها قدماها هذا البيت كزوجة لفارس، وهي تشعر وكأن كل خطوة تخطوها تخضع للمراقبة، وكأن وجودها بينهم أصبح أمرًا يحتاج إلى تبرير مستمر. لم تكن تشعر بأنها امرأة بدأت حياة جديدة، بل امرأة انتقلت من حياة انتهت بالقوة إلى حياة أخرى لم تمنحها حتى فرصة اختيار شكلها.كانت تجلس الآن إلى جوار ابنتها، وتراقبها وهي منشغلة ببعض ألعابها فوق السجادة. كانت الصغيرة تحرك قطع اللعبة أمامها بتركيز شديد، ثم ترفع رأسها بين حين وآخر لتتأكد من وجود والدتها إلى جوارها، قبل أن تعود إلى لعبها مطمئنة.مدت سلمي يدها ببطء، وأبعدت خصلة صغيرة عن وجه ابنتها، ثم تركت أصابعها
في صباح اليوم التالي، استيقظت «سلمي» وهي لا تزال تشعر بثقلٍ واضح في جسدها، وكأن النوم لم يمنحها الراحة التي كانت تحتاج إليها بقدر ما ترك فوق كتفيها إرهاقًا آخر. فتحت عينيها ببطء، وظلت لثوانٍ تحدق في السقف فوقها دون أن تتحرك، قبل أن تعود إليها تفاصيل اليوم السابق واحدة تلو الأخرى.عقد القران.الانتقال إلى هذه الشقة.المواجهة مع والدة فارس.الطبيبة.الكاميرا.ثم ذلك الصراع الطويل الذي انتهى بها نائمة على الأريكة بدلًا من السرير.رفعت يدها إلى رقبتها بحركة تلقائية، وتحسست موضع الألم بأطراف أصابعها. كان الألم الذي اعتصر عضلاتها بالأمس أخف قليلًا بعد جلسة العلاج الطبيعي، لكنه لم يختفِ تمامًا، ولا تزال تشعر بتيبس واضح كلما حاولت تحريك رأسها في اتجاه معين.أطلقت زفرة هادئة، ثم جلست على طرف الأريكة ببطء.بقيت هكذا للحظات، تحدق في الأرض أمامها، قبل أن ترفع عينيها نحو السرير.كان مرتبًا.أما هي، فكانت لا تزال تحمل آثار الليلة الماضية فوق ملامحها.نهضت أخيرًا، واتجهت إلى المرآة.وقفت أمام انعكاسها، وأخذت تتأمل نفسها بصمت.لم تكن ترغب في ارتداء أي شيء يلفت الأنظار إليها، ولا كانت لديها الرغبة في
دخلت «سلمي» إلى غرفة النوم دون أن تقول كلمة أخرى.كانت لا تزال غاضبة، إلا أن الغضب بدأ يختلط بإرهاق شديد استنزفها طوال اليوم.اتجهت مباشرة نحو الخزانة، أخرجت منها وسادة وغطاءً خفيفًا، ثم حملتهما إلى الأريكة الصغيرة الموجودة في أحد أركان الغرفة.راقبها «فارس» من مكانه.— «ماذا تفعلين؟»لم تلتفت إليه.— «سأنام هنا.»قطب حاجبيه.— «على الأريكة؟»— «نعم.»— «ولماذا؟»وضعت الوسادة فوق الأريكة، ثم فردت الغطاء عليها.— «لأنني لن أنام معك في السرير.»صمت فارس لحظة، ثم قال:— «لم أطلب منكِ أن تنامي معي.»— «وأنا لم أقل إنك طلبت.»ثم سحبت الغطاء فوق الأريكة.— «لكنني لا أريد أن أنام في السرير نفسه معك.»ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم قال:— «حسنًا.»استدارت لتغطي نفسها، لكنه أضاف:— «على الأقل خذي السرير.»نظرت إليه.— «وأنت؟»— «سأنام هنا.»وأشار إلى الأريكة.هزت رأسها.— «لا، أنا سأبقى هنا.»— «الأريكة ضيقة.»— «لا يهم.»— «ستؤلمك رقبتك صباحًا.»التفتت إليه بنظرة ثابتة.— «ستكون رقبتي أهون من أن أنام إلى جوارك.»سكت فارس.لم يجادلها هذه المرة.اكتفى بأن أومأ برأسه، ثم اتجه إلى السرير.استلقت سلمي ع







