LOGINحلَّ الليل على المنزل ببطء، وانسحبت الحركة من أرجائه شيئًا فشيئًا، حتى خفتت الأصوات التي كانت تتردد في الممرات طوال النهار، وأصبحت الغرف تغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى، بينما استقر السكون فوق المكان بصورة جعلت كل صوت صغير يبدو أوضح مما ينبغي.كانت سلمي قد قضت الساعات الأخيرة وهي تحاول أن تتجاهل ما حدث معها.جلست مع ابنتها لبعض الوقت، ثم عادت إلى غرفتها، وأشغلت نفسها بأشياء لا تحتاج إليها، ورتبت بعض الملابس أكثر من مرة، وأعادت وضع أغراضها في أماكنها، وكأنها تحاول أن تجد لنفسها شيئًا يشغل عقلها عن الكلمات التي ألقتها والدة فارس في وجهها.لكنها لم تستطع.كلما حاولت طرد حديثها من رأسها، عاد إليها بصورة أكثر وضوحًا.تذكرت القمصان الملونة التي وضعتها المرأة أمامها، والطريقة التي نظرت بها إليها وهي تخبرها أن عليها أن تتخلى عن ملابس الحداد، وأن فارس ما زال في عز شبابه، وأن عليها أن تهتم بمظهرها من أجله.لم تكن المشكلة في الملابس نفسها.بل في الطريقة التي تحدثت بها إليها، وكأنها لم تكن امرأة لها رأيها وحدودها، وإنما زوجة دخلت هذا المنزل وعليها منذ اللحظة الأولى أن تنفذ كل ما يُطلب منها.كلما تذ
جلست «سلمي» إلى جوار ابنتها في غرفة الجلوس، وقد بدت أكثر هدوءًا من الصباح، وإن لم يكن ذلك الهدوء سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها الكثير من التوتر والإرهاق.كانت قد أمضت الساعات الماضية وهي تحاول إقناع نفسها بأن ما حدث في الصباح لا يستحق كل هذا الغضب، وأن عليها أن تتعامل مع الأمر بعقلانية، خصوصًا وأنها لم تكن في وضع يسمح لها بخوض معركة جديدة كلما اصطدمت بنظرة أو كلمة من والدة فارس.لكن الحقيقة أنها لم تستطع أن تتجاوز الأمر بهذه السهولة.منذ اللحظة التي وطئت فيها قدماها هذا البيت كزوجة لفارس، وهي تشعر وكأن كل خطوة تخطوها تخضع للمراقبة، وكأن وجودها بينهم أصبح أمرًا يحتاج إلى تبرير مستمر. لم تكن تشعر بأنها امرأة بدأت حياة جديدة، بل امرأة انتقلت من حياة انتهت بالقوة إلى حياة أخرى لم تمنحها حتى فرصة اختيار شكلها.كانت تجلس الآن إلى جوار ابنتها، وتراقبها وهي منشغلة ببعض ألعابها فوق السجادة. كانت الصغيرة تحرك قطع اللعبة أمامها بتركيز شديد، ثم ترفع رأسها بين حين وآخر لتتأكد من وجود والدتها إلى جوارها، قبل أن تعود إلى لعبها مطمئنة.مدت سلمي يدها ببطء، وأبعدت خصلة صغيرة عن وجه ابنتها، ثم تركت أصابعها
في صباح اليوم التالي، استيقظت «سلمي» وهي لا تزال تشعر بثقلٍ واضح في جسدها، وكأن النوم لم يمنحها الراحة التي كانت تحتاج إليها بقدر ما ترك فوق كتفيها إرهاقًا آخر. فتحت عينيها ببطء، وظلت لثوانٍ تحدق في السقف فوقها دون أن تتحرك، قبل أن تعود إليها تفاصيل اليوم السابق واحدة تلو الأخرى.عقد القران.الانتقال إلى هذه الشقة.المواجهة مع والدة فارس.الطبيبة.الكاميرا.ثم ذلك الصراع الطويل الذي انتهى بها نائمة على الأريكة بدلًا من السرير.رفعت يدها إلى رقبتها بحركة تلقائية، وتحسست موضع الألم بأطراف أصابعها. كان الألم الذي اعتصر عضلاتها بالأمس أخف قليلًا بعد جلسة العلاج الطبيعي، لكنه لم يختفِ تمامًا، ولا تزال تشعر بتيبس واضح كلما حاولت تحريك رأسها في اتجاه معين.أطلقت زفرة هادئة، ثم جلست على طرف الأريكة ببطء.بقيت هكذا للحظات، تحدق في الأرض أمامها، قبل أن ترفع عينيها نحو السرير.كان مرتبًا.أما هي، فكانت لا تزال تحمل آثار الليلة الماضية فوق ملامحها.نهضت أخيرًا، واتجهت إلى المرآة.وقفت أمام انعكاسها، وأخذت تتأمل نفسها بصمت.لم تكن ترغب في ارتداء أي شيء يلفت الأنظار إليها، ولا كانت لديها الرغبة في
دخلت «سلمي» إلى غرفة النوم دون أن تقول كلمة أخرى.كانت لا تزال غاضبة، إلا أن الغضب بدأ يختلط بإرهاق شديد استنزفها طوال اليوم.اتجهت مباشرة نحو الخزانة، أخرجت منها وسادة وغطاءً خفيفًا، ثم حملتهما إلى الأريكة الصغيرة الموجودة في أحد أركان الغرفة.راقبها «فارس» من مكانه.— «ماذا تفعلين؟»لم تلتفت إليه.— «سأنام هنا.»قطب حاجبيه.— «على الأريكة؟»— «نعم.»— «ولماذا؟»وضعت الوسادة فوق الأريكة، ثم فردت الغطاء عليها.— «لأنني لن أنام معك في السرير.»صمت فارس لحظة، ثم قال:— «لم أطلب منكِ أن تنامي معي.»— «وأنا لم أقل إنك طلبت.»ثم سحبت الغطاء فوق الأريكة.— «لكنني لا أريد أن أنام في السرير نفسه معك.»ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم قال:— «حسنًا.»استدارت لتغطي نفسها، لكنه أضاف:— «على الأقل خذي السرير.»نظرت إليه.— «وأنت؟»— «سأنام هنا.»وأشار إلى الأريكة.هزت رأسها.— «لا، أنا سأبقى هنا.»— «الأريكة ضيقة.»— «لا يهم.»— «ستؤلمك رقبتك صباحًا.»التفتت إليه بنظرة ثابتة.— «ستكون رقبتي أهون من أن أنام إلى جوارك.»سكت فارس.لم يجادلها هذه المرة.اكتفى بأن أومأ برأسه، ثم اتجه إلى السرير.استلقت سلمي ع
ظل شارد لثواني، ينظر إلي نقطة في الفراغ امامه بالحائط، نهض هو،متنهدا، اعتقدت أنه انتهي من طعامه، إلا أنه فجاءخا بأقترابه منها لدرجة تكاد تشعر بانفاسه علي بشرتها، ودون انذار مسبق انقض يلتهم شفتيها في قبلة قوية، تملصت بين يديه بعيون مصدومة، إلا أنه اخمد مقاومتها تحت قبلته القويةتفجائت به يحملها، بذاعيه القويتان يثبتها جيدا، وينتقل بها إلي غرفة النوم بينما هي تركل وتحاول التملص.. حتى انزلها علي السرير.وما أن ابتعد عنها بمسافة كافية، رفعت كفها تهوي علي وجهه بقوةً، تهدر فيه بصراخ:_"هل جننت أنت؟.. كيف تتجرأ، هل تظن أن ذلك الزواج سيستمر.، أنا لم اتغير، مازلت اراك فارس الصغير وأنا من ربيتك"ظل «فارس» ساكنًا أمامها بعد صفعتها، وقد أدار وجهه قليلًا من قوة الضربة.لم يحاول الإمساك بها مرة أخرى.ولم يرد على صراخها في البداية.فقط مرر لسانه على جانب فمه، ثم أطلق زفيرًا طويلًا، قبل أن يقول بصوت هادئ على نحو أثار غضبها أكثر:— «انتهيتِ؟»حدقت فيه سلمي غير مصدقة.— «انتهيت؟!»ارتفع صوتها من جديد.— «أنت تسألني إن كنت انتهيت؟! ماذا كنت تتوقع مني أن أفعل؟ أبتسم لك؟!»— «لا.»— «إذن ماذا؟»رفع فارس ع
لم تستطع «سلمي» استيعاب ما قالته والدة فارس.ظلت جالسة في مكانها، تحدق فيها بعينين متسعتين، بينما كانت الطبيبة تفتح حقيبتها بهدوء، وكأن الأمر الذي يحدث أمامها لا يحمل أي غرابة.وضعت بعض أدواتها فوق الطاولة الصغيرة، ثم التفتت إلى سلمي.— «حسنًا، علينا أن نبدأ.»انتفضت سلمي عند سماعها.— «نبدأ ماذا؟»أجابت الطبيبة بنبرة عملية باردة:— «الفحص الذي طلبته والدة زوجك.»هزت سلمي رأسها سريعًا.— «لا.»توقفت يد الطبيبة.— «ماذا؟»— «قلت لا.»، نهضت سلمي من مكانها، وابتعدت خطوة إلى الخلف، ثم أمسكت طرف فستانها بأصابع مرتجفة.حاولت الطبيبة نزعه عنها بأمر من والده زوجها القاسية— «لن أسمح بهذا.»تقدمت والدة فارس نحوها.— «سلمي، لا تفتعلي مشكلة من لا شيء.»— «هذه ليست مشكلة من لا شيء!»ارتفع صوتها للمرة الأولى، واهتز رغم محاولتها التماسك.— «أنتِ تتهمينني بشرفي، ثم تأتين بطبيبة إلى غرفتي وتأمرينها بأن تكشف عليّ دون حتى أن تسأليني إن كنت أوافق!»قالت المرأة ببرود:— «لو لم يكن لديكِ ما تخفينه، لما كنتِ خائفة إلى هذه الدرجة.»شعرت سلمي بالإهانة تخنقها.— «أنا خائفة لأنكم تعاملونني وكأنني متهمة أمام م







