LOGINظلّ جالسًا في مكانه، وعيناه معلقتان بالواجهة المضيئة للفيلا. لم يكن يعرف ما الذي ستقابله لوسين خلف تلك الأبواب، ولا ما الذي دفعها إلى المجيء. كل ما كان يعرفه أن رؤيتها تدخل ذلك المكان قد أيقظت في داخله خوفًا لم يستطع تجاهله. --- في الداخل، سارت لوسين عبر الممر المؤدي إلى الغرفة التي تعرفها جيدًا. كانت خطواتها هادئة، لكنّها لم تكن تشعر بالهدوء. توقفت أمام الباب، ثم رفعت يدها إلى مقبضه دون أن تديره على الفور. لحظة واحدة فقط. كانت تحتاج إلى لحظة تجمع فيها ما تبقى من تماسكها قبل أن تعبر العتبة. أخذت نفسًا عميقًا، وأبقت الهواء في صدرها لثوانٍ، ثم أخرجته ببطء. لم يساعدها ذلك كثيرًا. كانت تعرف ما ينتظرها، ومع ذلك لم تستطع منع التوتر من التسلل إلى أطرافها. أدارت المقبض ودفعت الباب. ما إن دخلت حتى ابتلعها الظلام. لم يكن هناك ضوء خافت يسمح لها بتمييز حدود الغرفة، ولا نافذة يتسلل منها ضوء الشارع. كان الظلام كاملًا، كما اشترط العقد منذ البداية. انغلق الباب خلفها بصوت خافت، فانقطع عنها آخر ما يربطها بالعالم الخارجي. لم تعد ترى شيئًا. كان بإمكانها سماع أنفاسها، و
في الخارج، كانت السيارة التي اعتادت انتظارها متوقفة أمام المبنى. فتحت الباب وجلست في المقعد الخلفي، ثم أغلقت عينيها للحظة بينما انطلقت السيارة. لم تحاول التحدث إلى السائق، ولم تشغل نفسها بمراقبة الطريق. كانت تعرف وجهتها جيدًا. طوال الرحلة، حاولت أن تحصر أفكارها فيما ينبغي عليها فعله، وأن تمنع عقلها من الانجراف لماذا أصبح كل شيء أثقل مما كان عليه في البداية؟ وكيف تحوّلت الليالي التي ظنت أنها تستطيع تجاوزها واحدة تلو الأخرى إلى عبء يرافقها حتى في ساعات النهار؟ لم تكن تريد التفكير في ذلك الآن. كان عليها أن تصل، وأن تنهي ما جاءت من أجله، ثم تعود إلى حياتها وكأن شيئًا لم يحدث. هكذا كانت تفعل في كل مرة. وهكذا أقنعت نفسها بأنها ستستمر في فعل ذلك حتى النهاية. --- توقفت السيارة أمام الفيلا. نزلت لوسين، وانعكست أضواء المدخل الخافتة على فستانها الأسود، بينما بدت أناقتها هشة على نحو غريب، كأنها لا تنتمي إلى هذا المكان ولا إلى الحياة التي تُجبر نفسها على عيشها وعلى الجانب الآخر من الجادة العريضة، كانت سيارة أخرى تقف في الظلام. داخلها، جلس جيمن خلف المقود، يراقب المشهد
كان المساء قد أرخى ظلاله على مكاتب مجموعة أندرسون، ولم يبقَ في الطابق سوى ضوء خافت يتسلل من المصابيح الموزعة على امتداد الممرات. جلس جيمن خلف مكتبه، مسندًا ظهره إلى المقعد، بينما استقرت عيناه على شاشة الحاسوب دون أن تستوعبا شيئًا مما تعرضه. كانت أمامه ملفات تنتظر المراجعة، ورسائل لم يردّ عليها، وأعمال كان ينبغي أن ينهيها قبل مغادرته، لكنه لم يكن قادرًا على التركيز في أيٍّ منها. فمنذ ساعات، لم يعد ذهنه ينشغل بشيء سوى اسم واحد. «السيد العقد». كلمتان لا تبدوان مثيرتين للريبة في ظاهرهما، ومع ذلك ظلّتا تترددان في رأسه بإلحاح، كأنهما تحملان إجابة لسؤال لم يستطع حتى تحديده بدقة. لم يكن الاسم في حد ذاته ما أقلقه، بل رد فعل لوسين حين سمعته. استعاد مشهد المطعم، مسترجعًا التفاصيل التي لم تمنحه أهميتها الكافية في اللحظة نفسها. كان يتحدث معها بصورة عادية حين ظهر الرساله .الاسم في الحديث. لم يتوقع أن يثير سؤال بسيط كل ذلك الاضطراب فيها. رأى عينيها تتسعان للحظة، ثم شحب وجهها على نحو لافت، وكأنها تلقت خبرًا سيئًا لم تكن مستعدة لسماعه. لم يكن شحوبًا عابرًا فحسب؛ لقد بدا كأن شيئًا انت
على طاولة لوسين، خفّ التوتر فجأة بعد مغادرة ناثان، لكنه لم يختفِ تمامًا. أفلت جيمن يدها أخيرًا، ثم استند إلى ظهر كرسيه، وألقى نظرة باتجاه الباب الذي خرج منه ناثان. ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية. — حسنًا، تمتم. يبدو أن الرئيس لا يتحمل المنافسة. لم تضحك لوسين، ولم تعلق على كلماته. كان جزء منها يشعر بالارتياح لأن ناثان غادر، بينما ظل جزء آخر مشغولًا بسؤال لم تستطع التخلص منه. قلق خفي في أي حالة هو؟ . لم يكن يبدو كرجل تلقى اتصالًا بشأن اجتماع طارئ. يبدو غاضب لكنها سرعان ما أجبرت نفسها على التوقف عن التفكير فيه. لم يكن من شأنها أن تعرف ما يدور في رأس ناثان . ولم يكن من حقها أن تهتم. مدت يدها إلى هاتفها الموضوع بجانب الطبق، تبحث عن أي شيء يصرف انتباهها عن تلك الأفكار المتشابكة. وفي اللحظة نفسها، أضاءت الشاشة. وصل إشعار جديد. رسالة. توقف قلبها لوهلة، ثم أخذ ينبض بسرعة متزايدة. التقطت الهاتف وفتحته على الفور. لم تحتج إلى قراءة الرسالة مرتين. **«الليلة، الساعة السابعة مساءً. لا تأخير. — السيد العقد»** شحب وجهها. شعرت وكأن الدم قد انسحب من أطرافها دفعة واحدة. الساعة ال
على الطاولة الأخرى، وصل طبق السلطة الذي طلبته لوسين. انتظر جيمن حتى ابتعد النادل، ثم مال نحوها متفحصًا طبقها. — أهذه كل وجبتك؟ — نعم، هذا يكفيني. هز رأسه بعدم اقتناع. — لا أظن ذلك. أنت بحاجة إلى شيء يمنحك بعض الطاقة. لن تعيشي على أوراق الخس وحدها. وقبل أن تتمكن من الاعتراض، قطع قطعة صغيرة من اللحم في طبقه، ثم رفعها بشوكته نحوها. — تفضلي، تذوقي هذا. إنه لذيذ. تجمدت لوسين في مكانها، وحدقت في الشوكة التي يمدها إليها. — جيمن، لا داعي لذلك، همست بارتباك. — إنها مجرد لقمة يا لوسين. لن يحدث شيء. هزت رأسها، وتراجعت قليلًا إلى الخلف، لكن جيمن اكتفى بهز كتفيه، ثم أعاد الشوكة إلى فمه وأكل اللقمة بنفسه، وكأن الأمر لا يستحق كل هذا التردد. حاولت لوسين العودة إلى طعامها، متمنية أن تنتهي هذه الأمسية دون مزيد من المواقف المحرجة. لكن جيمن لم يكن قد انتهى بعد. رفع يده ونادى النادل. — قليل من الفلفل المطحون حديثًا للسيدة، من فضلك. ثم انتظر حتى ابتعد النادل، قبل أن يميل نحوها مجددًا. — هناك شيء هنا، قال وهو يشير إلى زاوية فمها. رفعت لوسين يدها تلقائيًا لتتحقق، لكنه سبقها، ومد إبهامه ليمس
كان ناثان، بدوره، بالكاد قد ألقى نظرة على أرجاء المطعم عند دخوله. بدا منشغلًا بأفكاره، ولم يبدُ مهتمًا بما يحيط به. لكن ما إن جلس إلى الطاولة حتى جالت عيناه في المكان، إلى أن استقرتا على لوسين. تجمّد للحظة. شعر وكأن تيارًا كهربائيًا اجتاز المسافة الفاصلة بين الطاولتين، بينما راحت نظراته تستقر عليها بحدة لم يستطع إخفاءها. لم يبتسم. اكتفى بالتحديق فيها، وملامحه عصية على الفهم. أكان غضبًا؟ إحباطًا؟ أم شيئًا آخر أكثر قتامة، وأكثر تعقيدًا؟ كانت لوسين أول من أشاح بنظره. تسارعت ضربات قلبها، فحاولت أن تشغل نفسها بمفرش الطاولة، ثم بانعكاس الضوء على كأس الماء أمامها. غير أن محاولاتها لم تفلح في تبديد شعورها بنظراته التي ظلت تلاحقها، ثقيلة وحارقة، وكأنها تضغط على أعصابها دون رحمة. لاحظ جيمن ما يحدث، لكنه لم يُظهر أنه انتبه إلى شيء. أشار إلى النادل، ثم التفت إلى لوسين بابتسامة واثقة. — نبيذ أبيض، شيء منعش. وللبداية، المحار، أليس كذلك يا لوسين؟ وقبل أن تجيبه، وضع يده فوق يدها المستقرة على الطاولة. بدت الحركة عفوية في ظاهرها، لكنها كانت محسوبة بعناية؛ لفتة حميمة بما يكفي لتلفت انتباه الج







