تسجيل الدخول
كانت رائحة الغرفة مزيجًا من العرق والكحول المسكوب والخوف.
بقيت لينا واقفة، منتصبة القامة، وقلبها يخفق بشدة. أما والدها، فكان جاثيًا على ركبتيه، يتوسل. مجددًا. كطفلٍ ضُبط متلبسًا بفعلٍ خاطئ. "أرجوك يا إلياس... ليس لها علاقة بهذا. خذ السيارة. خذ المنزل، لكن لا تأخذها..." في مواجهته، ظل الرجل ذو البدلة السوداء جامدًا. انزلقت نظراته الداكنة للحظات على الرجل العجوز الباكي قبل أن تستقر ببطء على المرأة المرتجفة في مؤخرة الغرفة. شعرت لينا بانقباض في معدتها. كان يحدق بها. ساد صمت خانق في الغرفة. "أنتَ..." تمتمت أخيرًا بصوتٍ جاف. توقف قلبها للحظة. لقد عرفت هذا الرجل. لم تنسَ نظراته أبدًا. وذلك الوجه... "أتتذكرينني؟" همس بابتسامة باردة. تراجعت لينا خطوة إلى الوراء، مصدومة. بالطبع تذكرته. قبل عامين. في إحدى الأمسيات، استفزاز، قبلة قسرية عاقبته بصفعة دون تفكير. صفعة من النوع الذي يترك أثراً عميقاً على كبرياء رجل ذي نفوذ. إيلياس بلاكوود. لم يكن رجلاً عادياً. بارد. هادئ. ثريٌّ بشكلٍ مُهين. وفوق كل ذلك، حاقد. "هل تمزح؟" همست. "لن تفعل حقاً..." "لقد فات الأوان،" قاطعها بصوت حاد. "لقد سددت ديون والدك. أنتِ ملكي الآن يا لينا." "لا. لا، هذا غير قانوني. أنا بالغة، أنا..." لكنها لم تُكمل كلامها. اقترب منها رجلان من الخلف. شعرت بأيديهما على ذراعيها، بالقوة، باستحالة الفرار. قاومت، مذعورة. "أبي!" صرخت. "أخبره أنك لا تستطيع فعل هذا! أخبره أنك ستعيدني!" لكن والدها، الذي كان لا يزال جاثيًا على ركبتيه، لم يرفع رأسه حتى. ظل متجمدًا، خجلًا، محطمًا. شعرت لينا بشيء يموت في داخلها. وضعت يد باردة على فكها. إيلياس. أجبرها على رفع ذقنها، لتنظر في عينيه. "ظننتُ أنكِ ستعودين زاحفةً يومًا ما،" قال بهدوء. "لكن لا. كان على القدر أن يمنحني هذه الهدية الصغيرة. انتقامٌ مُغلّفٌ في غلافٍ جميل." ارتجفت لينا. لم يكن رجلًا. كان فخًا. "أنت تكرهني،" همست. "إنها بداية،" أجاب. "لكن صدقيني، ستتعلمين ما هي الكراهية، الكراهية الحقيقية. تلك التي تؤلم... وتُقيّدكِ." سرى قشعريرة في جسدها. لم يأتِ باحثًا عن زوجة. أو عشيقة. لقد جاء ليُحصّل دينًا. وهي... كانت هي الثمن. لم تعد تصرخ. لم تعد تتوسل. بقيت صامتة، رأسها مرفوع، وعيناها تشتعلان غضبًا. ساد الصمت القصر كدعاءٍ ممنوع. لم تكن لينا تعرف كم مضى من الوقت وهي هناك. ساعة؟ ساعتان؟ بدا الوقت وكأنه يمتد في هذه الغرفة الشاسعة، الباردة، الفارغة. الفخمة أيضاً. كل شيء كان مثالياً، لا تشوبه شائبة، خالياً من الروح. يشبهه قليلاً. جلست على حافة السرير، منتصبة كتمثال. ثبتت نظراتها على الباب. الباب الذي سيدخل منه حتماً. لم ينطق بكلمة. لم يحدد شيئاً. لكنها كانت تعلم. كانت في غرفته. انقبض حلقها. نهضت، وخطت بضع خطوات. فستان حريري أسود معلق على علاقة في خزانة الملابس المفتوحة. مقاسها. ذوقها. اختاره لها. هو. لمسته لينا بأطراف أصابعها. ارتجفت. قميص نوم. رقيق. شبه شفاف. أمرٌ، دون كلمة. ألقت نظرة حولها. لا كاميرات في الأفق. لكنها كانت تعلم أنه يستطيع رؤيتها. أو على الأقل، هكذا كان سيرغب. فخلعت ملابسها. ببطء. ليس إطاعةً له، بل حرمانًا إياه من لذة الخوف. ارتدت الفستان. التصق بجسدها. كفخ حريري. عندما فُتح الباب أخيرًا، لم ترتجف. كانت قد هيأت نفسها. لكن لا شيء يُهيئ المرء حقًا لإلياس بلاكوود. دخل دون أن ينبس ببنت شفة، مرتديًا بنطالًا أسود وقميصًا داكنًا مفتوح الياقة. شعره المبلل ما زال يدل على استحمامه مؤخرًا. تفوح منه رائحة الجلد والخشب الثمين. حدقت عيناه فيها. طويلًا. طويلًا جدًا. "زي جميل،" همس. "أنت من اخترته،" أجابت بحدة. ساد الصمت. ابتسم ابتسامة خفيفة. "تتحدثين وكأن لكِ الخيار." التقت عيناها بعينيه. رفضت أن تُحوّل نظرها. "ماذا تريد يا إلياس؟" تحرك نحوها ببطء. شعرت بالتوتر يتصاعد في معدتها. "ما اشتريته،" أجاب ببساطة. "أنا لست سلعة." "أصبحتِ كذلك يوم وقّع والدكِ ذلك العقد." قبضت على يديها. لكنها لم تتراجع. كان الآن على بُعد بوصات منها. قريب جدًا. شعرت بحرارته، بأنفاسه. "هل أنتِ خائفة؟" سأل. "لا." كذبة. لقد رآها. مدّ يده ببطء، وأمسك بخصلة من شعرها. "أتذكر تلك الصفعة." ابتلعت لينا ريقها. "لقد استحققتِها." ابتسم. لكن نظرته ظلت فارغة. "ربما. واليوم، ستدفعين ثمنها." أمسك ذقنها. كانت أصابعه حازمة. تكاد تكون رقيقة. شعرت لينا بقشعريرة تسري في عمودها الفقري. انحنى نحوها. امتزجت أنفاسهما. لكنه لم يُقبّلها. توقف على بُعد مليمترات من شفتيها. فقط ما يكفي لتشعر بحرقة غيابه. قال بصوتٍ خافت: "بإمكاني أن آخذكِ الآن، أن أمتلككِ، أن أحوّلكِ إلى ما باعه أبوكِ." لم تتحرك. رفضت أن تمنحه تلك المتعة. أفلت وجهها ببطء. قال: "لكن هذا سيكون سهلاً للغاية." وتراجع خطوةً إلى الوراء. قال: "أفضّل أن تأتي طواعيةً. ربما محطمة، لكن راغبةً." اتسعت عيناها قليلاً. سألته: "أتظن أنني سأفعلها؟" قال: "أنا متأكد من أنكِ ستفعلين." وابتعد نحو الأريكة، وعيناه لا تفارق عينيها. قال: "ستنامين هنا الليلة. في سريري. لن ألمسك. ليس الليلة." سألته: "لماذا؟" هز كتفيه. قال: "لأنني أريدكِ أن تتساءلي متى سيحدث ذلك." سرى قشعريرة في جسدها. ليس خوفاً. ليس حقاً. شيءٌ أكثر خطورة. أكثر خبثاً. نهض. قال: "تصبحين على خير، لينا." رحل تاركًا الباب مواربًا خلفه. بقيت وحيدة، واقفةً بهذا الفستان الذي لا يُخفي شيئًا، على سرير ليس سريرها، في حياة انقلبت رأسًا على عقب. استلقت دون أن تُبدّل ملابسها. كانت رائحة الملاءة تفوح منه. أغمضت عينيها. لكن النوم رفض أن يأتيها. إن ظنّ أنه كسرها، فقد كان مخطئًا."لينا... أنا قلق عليكِ. ما يفعله، ما يفعله بكِ...""لويس، أرجوك..." قاطعته وهي تنظر إلى الأسفل."ليس له الحق في معاملتكِ هكذا،" أصرّ بصوتٍ أكثر حزمًا. "أنتِ تستحقين أفضل من هذا... أفضل من هذه السيطرة الدائمة."صمتت، تعضّ شفتها بتوتر."وأنتِ يا لينا؟" سألها بهدوء. "هل أنتِ... سعيدة هكذا؟" رفعت رأسها قليلًا، لكن الكلمات اختنقت في حلقها. بعد صمتٍ طويل، استطاعت أن تجيب بصوتٍ بالكاد يُسمع:"أنا... لا أعرف." تنهد لويس، مدركًا أنه لن يحصل على المزيد اليوم."حسنًا... لكن اعتني بنفسكِ." وإذا احتجتِ أي شيء...""شكرًا لك يا لويس،" همست، مقاطعةً إياه بابتسامةٍ صغيرة حزينة.أومأ برأسه وانصرف ببطء، تاركًا إياها وحيدةً مع أفكارها."لويس، أرجوك..." في نهاية اليوم، كان سائق إلياس ينتظرها كما وعد أمام المركز. راقبها بعض الزملاء بتكتم وهي تركب السيارة، وقد امتلأت أعينهم بالفضول.جلست لينا في المقعد الخلفي، وعيناها مثبتتان على المناظر المارة. ما زالت كلمات لويس تتردد في ذهنها."جاء إلياس لرؤيتي... لم يترك لكِ خيارًا."ضمت يديها في حجرها، وتجمعت الدموع في عينيها ببطء."حلّ الليل على منزل بلاكوود الكبير، و
في صباح اليوم التالي، غمرت الفيلا سكونٌ خانقٌ يكاد يكون مُرهِقًا. انشغلت لينا بأعمالها في صمت، مرتديةً فستانًا بيجًا بسيطًا، وإيلي يرقد في مهده قرب النافذة الكبيرة. داعبت خده برفق، غارقةً في أفكارها.دخلت خادمة بهدوء، وانحنت قليلًا، وأعلنت:"سيدتي، السيد ينتظركِ في مكتبه."عبست لينا في دهشة. ترددت للحظة، وألقت نظرة أخيرة على ابنها، ثم نهضت.بينما كانت تسير في الممر الطويل، شعرت بقلبها ينبض بسرعة. منذ حديثهما في اليوم السابق، تجنبت أي تواصل مباشر مع إيلياس. كانت تخشى كلماته، ونظراته... وقبل كل شيء، ما قد يطلبه منها. وصلت إلى الباب الخشبي الكبير، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تطرق برفق."تفضلي بالدخول،" قال صوت إيلياس العميق من الداخل. دفعت لينا الباب ودخلت ببطء. كان إلياس يجلس خلف مكتبه الكبير المصنوع من خشب الماهوجني، يرتدي قميصًا مكويًا بعناية وأكمامه مطوية قليلًا. كانت الملفات مبعثرة أمامه، لكن نظره كان مثبتًا عليها وحدها.قال بهدوء، مشيرًا إلى الكرسي المقابل له: "اجلسي".جلست بحذر، ويداها متشابكتان في حجرها.حدق بها للحظة في صمت، وكأن عينيه الداكنتين تفحصان كل تفاصيل وجهها. ثم قال:"أر
أخذ إيلياس نفسًا عميقًا، وكان على وشك الغضب، لكن لينا نهضت ببطء، وهي لا تزال تُمسك إيلي بقوة.حدّقت بها السيدة بلاكوود بغضب."إذن... لينا، هذا كل شيء؟" أومأت لينا برأسها ببطء."سأقول لكِ شيئًا واحدًا: استمتعي بهذه اللحظة ما دامت موجودة. لأن ابني سيتزوج عاجلًا أم آجلًا من امرأة تستحق هذا الاسم. لن يتزوج من فتاة فقيرة التقطتها من مكان مجهول." اخترقت الكلمات قلبها. شعرت بالدموع تتجمع في عينيها، لكنها كظمت غيظها. أما إيلياس، فقد انفجر غضبًا أخيرًا."كفى!" التفتت إليه السيدة بلاكوود بصدمة."ماذا؟""كفى يا أمي!" كررها بصوته الجهوري الذي دوّى في أرجاء الغرفة. لينا هي أم ابني، ولن تسمحي لها بالإساءة في بيتي!ساد صمت مطبق. فتحت سيلفيا فمها لتتكلم، لكن إيلياس أوقفها بحركة حادة."وأنتِ أيضًا يا سيلفيا، اخرجي من هنا. فورًا."بقيت سيلفيا متجمدة في مكانها، غير مصدقة."إيليس... لا يمكنك التحدث إليّ بهذه الطريقة!""اخرجي." لم يترك إيلياس بنبرته الحادة مجالًا للنقاش. تبادلت سيلفيا نظرة غاضبة مع السيدة بلاكوود، لكنهما غادرتا الغرفة في النهاية وهما في حالة غضب شديد. عندما أُغلق الباب الأمامي أخيرًا، بقي
تسلل ضوء الصباح الخافت عبر الستائر البيج، مداعبًا ملاءات السرير المبعثرة. فتحت لينا عينيها ببطء، وما زالت تشعر بنعاس خفيف. ذكّرها الدفء الذي يحيط بها على الفور أنها ليست وحدها.التفتت فرأت إلياس جالسًا على حافة السرير، مستيقظًا. كان يرتدي قميصًا رماديًا بسيطًا، وشعره الداكن أشعث قليلًا. كان مرفقاه مستندين على ركبتيه، يراقبها بصمت، وكأنه يخشى أن يفسد لحظتها.عندما رأى أنها مستيقظة، ابتسم ابتسامة صغيرة نادرة، تكاد تكون خجولة.قال بصوت خافت: "صباح الخير". جلست لينا ببطء، وسحبت الغطاء عليها بخفة.أجابت بصوت محايد: "صباح الخير". نهض إلياس على الفور.تمتم قائلًا: "لقد أعددت لكِ شيئًا..." قبل أن يختفي من خلف الباب لبضع ثوانٍ.بقيت لينا جامدة في مكانها، تشعر بشيء من الريبة. عندما عاد، كان يحمل صينية خشبية: وعاء من الحليب الدافئ، وشريحتان من الخبز المحمص قليلاً مع قليل من المربى، وبعض الفاكهة المقطعة بعناية.وضع الصينية على الطاولة بجانب السرير ونظر إليها، وكأنه ينتظر ردة فعلها."يجب أن تأكلي قبل أن يستيقظ إيلي." رمشت بعينيها، متفاجئة. لم يكن هذا من عادتها. جلست ببطء، وأخذت الصينية بين يديها.
"لا، اسمعيني يا لينا!" قالها بازدراء. "أنتِ لي، هل تفهمين؟! لي وحدي، لا لأحد سواي!"كانت ترتجف بشدة، وانهمرت دموعها على خديها."لماذا؟!" صرخت فجأة بصوتٍ متقطع.تجمد إيلياس للحظة، مندهشًا من جرأتها على رفع صوتها."لماذا يا إيلياس؟! لماذا لا تدعني أذهب؟!" تابعت بصوتٍ مرتجف ولكنه قوي. "أنت... أنت من طلب مني الرحيل أولًا! أنت من طردني بالمال، وكأنني لا قيمة لي!"قبض على قبضتيه، وتصلّب وجهه، لكن لينا واصلت حديثها، غارقة في ألمها."والآن... الآن تجرؤ على منعي من الرحيل؟! لماذا؟! لأنني مجرد... مجرد أم بديلة لك؟!"مسحت دموعها بحركة غاضبة، لكنها استمرت في الانهمار بلا انقطاع."ثم..." انقطع صوتها، لكنها تابعت. "ثم أنت مخطوب يا إيلياس! مخطوب! لماذا... لماذا لا تدعني أذهب وأنت مرتبط بالفعل؟!"ساد صمت ثقيل الغرفة. حدق إيلياس بها، قبضتاه مشدودتان، وصدره يرتفع وينخفض مع أنفاسه المتسارعة.كلماته... كل كلمة منها أصابت قلبه.أشاح بنظره للحظة، وكأنه يحاول استعادة رباطة جأشه، ثم عاد بنظره الداكن إليها."لن أدعكِ تذهبين،" قال أخيرًا، بصوت عميق وثابت، لكنه لا يزال آمرًا."لماذا؟!" كادت تصرخ، ويداها تقبضا
أطلقت لينا ضحكة خفيفة متوترة، لكن سرعان ما احمرّت وجنتاها. أدارت وجهها، لكن إيلياس ظلّ يحدّق بها لبرهة طويلة، وكأنه يكتشف جانبًا جديدًا منها.خطا نحوها خطوة، وإيلي لا يزال بين ذراعيه."لينا..." بدأ حديثه.رفعت رأسها ببطء، والتقت عيناهما، وللحظة... بدا وكأنه يريد أن يقول شيئًا مهمًا.لكنه غيّر رأيه، ونظر إلى الطفل مجددًا."إنه يعشقكِ، كما تعلمين،" قال ببساطة، وصوته يكاد يرتجف من شدة التأثر.ربّتت لينا برفق على يد ابنها الصغيرة وأومأت برأسها."وأنا أيضًا... أعشقه." وقفا على هذه الحال لبضع دقائق في غرفة الطعام، كأي والدين عاديين يتقاسمان لحظة بسيطة.لكن، خلف هذا المشهد الهادئ، كان هناك توتر خفيّ يخيّم على المكان. شعرت لينا بانقباض في قلبها. أرادت أن تُصدّق هذه اللحظة الرقيقة، لكن صوتًا خافتًا في داخلها ذكّرها بكل ما فعله بها.أما إلياس، فقد راقبها بنظرةٍ حادةٍ جديدة. لم يجرؤ على الاقتراب أكثر، خشية أن يُفسد هذه اللحظة الرقيقة.لكن في عينيه، تغيّر شيءٌ ما: رقة، وربما... بدايات شعورٍ حقيقيّ بالذنب. دخلت داليا بهدوء، لكن ما إن رأت المشهد حتى توقفت فجأة، وابتسامةٌ رقيقةٌ صغيرةٌ ارتسمت على وج







