LOGINالمقدمة .. في قلب الصحراء، حيث ترقص الرمال على أنغام الرياح، وتختبئ الأسرار خلف خيامٍ منسوجة بالصبر والنار، تنبض حكاية لا تشبه سواها. بين قبيلة بدوية تعتنق الشرف كوصية، وقبيلة من الغجر تتبع الحرية كدين، تنشأ صراعات لا تهدأ، وتتشابك الأقدار كما تتشابك خيوط الرداء الأزرق الذي ترتديه "نجمة"، الفتاة التي لا تنتمي تمامًا إلى أي من العالمين. ذات الرداء الأزرق، ليست مجرد فتاة عابرة في زمنٍ مضطرب، بل هي شرارة التغيير، وصوت الحقيقة الذي يحاول أن يشق طريقه وسط ضجيج الكراهية والانتقام. بين نيران الثأر، وأغاني الغجر، ووصايا الشيوخ، تنكشف خيوط الماضي، وتُنسج خيوط مستقبل لا يعرف أحد ملامحه. هذه الرواية ليست فقط عن صراع بين قبيلتين، بل عن صراع الهوية، والانتماء، والحب الذي يولد في أكثر الأماكن قسوة. فهل يمكن للرداء الأزرق أن يوحّد ما فرّقته العادات؟ وهل يمكن لصوت امرأة أن يعلو فوق طبول الحرب؟ وهل يصبح الرداء الازرق خليط بلون آخر؟ هذه رحلةٍ بين الكثبان والأنغام، حيث لا شيء كما يبدو، وكل شيء قابل للانقلاب. --
View More"الفصل الأول"
وسط غسق الليل،حين يسكن كل شيء إلا الوجع، وقفت بمنتصف الصحراء قابضة على الزجاج المشطور، حطمته لاشلاء عند الصخرة، ثم نثرته بالهواء كحبات رمال، اعتلته بقدميها العاريتان، إلا من خلخالٍ صغير يرنّ كأنّه نبض قلبها الأخير. كل خطوة تخطوها كانت الشظايا تغرز أنيابها في قدميها، وكل حركة كانت نزيفًا في الروح. رقصت كطائر مذبوح، لا يشعر بالألم في الجسد، لأن الألم الحقيقي يسكن في مكان أعمق... في القلب الذي لم يعد يعرف كيف يحب، في الروح التي تعبت من الطواف بين الخيبات.
شعرها يتطاير كلهيبٍ حرّ، وعيناها شاردتان، تتلألا الدموع بمحجرتيهما، رافضة التحرر. كل شرارة ألم كانت تضيء جزءًا من تلك الطفلة التي كبرت قبل أوانها، وتعلّمت أن الرقص أحيانًا يكون وسيلة للبقاء، لا للعرض فقط. رنة الخلخال ، والدماء تسيل، وحركاتها تزداد هوسًا على إيقاع تكسير روحها، ونزيف قدميها. لا أحد يصفّق،لكنهم حاضرين، شاهدين على صوت حِطامها، متفرجين على وجعًا لا يُحتمل. إلى أن سقطت على ركبتيها، لا من ضعف، بل من ثقل الخيانة التي ذبحتها بسكينٍ بارد، والرمال احتضنتها، تواسي وجعها، فقد كانت مترقبة لحظة سقوطها. ثواني معدودات ولملمت شتاتها،قاومت ضعفها، فهي لا زالت العنيدة القوية، سرعان ما تدراكت العيون الشاخصة لحالتها المذرية تلك، عيون تلتهمها وتتفرس جسدها، نهضت رافضة ذاك السقوط وركضت كالغزالة تحتمي بخيمتها ، تسدل الستار عن وجعها المكلوم وقلبها الممزق، وقفت شامخة أمام مرآتها الصغيرة المُعلقة بمنتصف الخيمة، طالعت وجهها الملتخط بسواد الكحل الذي سال من عينيها الجمليتين وصبغ وجنتيها ، رفعت كفيها تجفف دموعها المنهمرة وتمحي أثر الوجع، ثم هوت بجسدها الضئيل تتسطح فراشها في محاولة بائسة ترغم نفسها على نسيان كل ما سمعته قبل لحظات..❈-❈-❈
صرخت "سماهر" بزوجها وهي تولج خيمتها: -ابنتي مفطورة الفؤاد، لن أطأطت رأسي وسيدفع الشيج "راجي"ثمن دموع ابنتي ضحك "مرجان" بملئ فمه ومال على أذنها بخبث قائلا بفحيح كأنه خرج من فم أفعى عملاقة: -هل نسيتي الماضي يا زوجتي الحبيبة؟ اتينا اليوم بعد عشرون عامًا من طردنا لا من أجل الحب بل من أجل الأنتقام. اقتدت عينيها بحمرة الغضب: -لن أضع صغيرتي داخل انتقامك، ولكني سأجلب لها حبيبها راكعًا أمامها يطلب ودها. -حسنا افعلي ما يرضيكِ، وأتركيني وشأني. تركت الخيمة بخطوات واسعة ثم دلفت الخيمة المجاورة، دنت من ابنتها النائمة وهزتها برفق: -أعلم أن النوم يُجافي عيني العاشقين، أقسم لكِ من تسبب في سيل دموعك اليوم وجرح قلبك ، سيأتي يومًا وأجعله يقبل قدميكِ أمام جميع قبيلته. فتحت عينيها بوهن لترتمي داخل أحضان والدتها، التي ضمتها بحنان ولكن عقلها منشغل في أمر أخر وهو الوعيد .. ❈-❈-❈ –داخل قبيلة البدو— تنتصب خيمة شيخ القبيلة كالقلعة بمنتصف الصحراء، واسعة، مشدودة الأركان، تُرفرف أطرافها بنسيمٍ خفيف يحمل عبق القهوة والهيل. يجلس الشيخ، شامخًا كجبلٍ عتيق، رغم سنوات عمره السبعين إلا أن الحكمة والهيبة لا زالت تغلف تقاسيم وجهه. المجلس مفروش بسجادٍ عربيٍّ عتيق، والوسائد المطرزة مصطفة على الجوانب، بينما بالمنتصف توجد طاولة منخفضة أمامهم، عليها فناجين القهوة التي تُقدم معها التمر وأكواب الحليب . الرجال يجلسون في صمتٍ مهيب، يستمعون للشيخ، يأيدون رأيه دون أعتراض. جمعهم اليوم من أجل زيجة الحفيد الذي ينوى كسر الأعراف. هتف الشيخ "راجي" وهو يرمق حفيده بنظرات حادة: -بنت من الغجر؟! هل نختلط بدمٍ لا نعرف أصله؟! هؤلاء قومٌ لا يقيمون في مكان واحد، كيف نأتمنهم ويكون بيننا نسب؟! ثم تابع قائلا بنبرة غاضبة: -زواجك منها يعني كسر أعرافنا، وكأنك تطعن القبيلة في شرفها. نظر "سيف"نحوه و في عينيه سؤال متألم ، لكنه لم يقدر على التفوه. هتف الشيخ راجي بصوت غليظ: - تلك الفتاة ليست كما تظن، وقد يكون زواجك منها بداية نار لا تنطفئ بيننا وبين الغجر. ثم تابع بحسم لم يقبل النقاش: -زواجك من ابنة عمك سيقام بعد ثلاث ليالي. ترقرت دمعة خائنة داخل مقلتيه تأبى التحرر، طأطأ رأسه أمام جده في طاعة وخنوع، ثم غادر المجلس بثبات لكي لا يطعن في رجولته وتسخر منه قبيلته. ساقته قدماه حيث مكانه المعهود الذي كان يلتقي بمحبوبته في ظلمة الليل، لكي لا يرأهما أحد، خيل له هذه المرة وهي تستند بجزعها عند النخيل وتعزف على ربابتها لحنًا حزينًا، لأنهما تفرقًا، لم يحظى بموافقة قبيلته لاتمام هذه العلاقة، فقد تم الحكم عليها بالموت، ودفن قلبهما تحت رمال الصحراء. قلبه منشطر إلى نصفين، نصف غادر صدره مع نجمته التي أصبحت بعيدة المنال، فهي حقا نجمة في السماء وهو على الأرض لن يمكنهما اللقاء. والنصف الأخر منصاع لأوامر شيخ قبيلته وجده الذي حُكم عليّ منذ أن كان طفلا صغيرًا بألا يكسر كلمة ويطيع تقاليد البدو ولن يعصي لهما أمرًا. تذكر لقائهما الأول ، وكيف آثرته بوميض عينيها العسلي، ورداءها الأزرق الذي يميزها عن فتيات القبائل، وكيف كان يتلهف النظر إليها ومراقبتها خلسة لكي يعلم إلى أي القبائل تنتمي؟بينما كانت تمشي بين الخيام في السوق البدوي، نظرات الناس ترمقها بفضول، وهي لا تبالي.
في تلك اللحظة، لمحها "سيف" من بعيد، فقد كانت مختلفة عن باقي النساء… الرداء الأزرق الذي ترتديه يضيء تحت شمس الغروب، وعيناها الواسعتان فيهما وهج لا يُشبه أحدًا. مرّ بجانبها متعمدًا، يبحث عن فرصة لتودد إليها، فاستوقفتها نسمة ريح جعلت الرداء يرفرف على كتفه. كاد أن يلتصق بها ، تراجع خطوة للخلف ثم همس بالقرب منها: -اللون الأزرق لا يليق إلا بأجملهن حُسن. ارتبكت من سماع غزله، لكنها لم تُجبه، شعرت حينها بالخجل، وتوردت وجنتيها، كما أن نبضات قلبها عصفت بها ، رغم أنها لم تكن المرة الأولى التي تتعرض فيها للغزل ولكن أحست بقلبها الذي يقرع بصخب، هذا جعلها ترمق الشاب بنظرة خاطفة. تلاقت اعينهما لأول مرة، طالت النظرة بينهما، كأنه يُبحر في سحر بركتيها العسليتين، أما هي فقد غاصت في جوف الليل بسودوايته الكحيلة. مرت الأيام التالية، كان يراها في السوق، في احتفالات الخيام، وفي لحظات عزفها على الربابة… وكل مرّة، كان يسألها سؤالًا صغيرًا، وعرف بأسمها ، كما هو أخبرها بأسمه. وبدء يروي لها قصة عن النجوم البدوية التي ترشد الرحّالة، وكأنه يريد أن يعرفها أكثر دون أن يخترق جدارها. وهي بدأت تبتسم له. بدأت تسأله عن الرمال، عن الخيل، عن الشعر البدوي، وبدأت تشعر أن قلبها ينتمي لهذا الرجل، رغم أن عقلها يصرّ أنه من عالمٍ آخر بعيدًا عن عالمها. علم حينذاك بأنها فتاة من الغجر ، وكان يتردد على خيام الغجر، يسهر الليل بقربها وهي تدندن على ألحان الربابة ، أطمئن قلبه بأنها ليست مثلهن كفتاة الغجر اللذين يتمايلون بأجسادهن ويتراقصون بثياب عارية، فهي غيرهن، ترتدي ثوبها المميز باللون الازرق الذي عشقه منذ أن وقعت عيناه عليها ، ولم يعد يهمه الأمر بعد أن مال قلبه وعقله وكيانه لها، العشق جعله ينسى عادات وتقاليد قبيلته، بعد أن أخبر والده بأن يريد الزواج من فتاة أحبها ، ثار غضبًا وأخبر والده شيخ القبيلة وهو جده الشيخ راجي ، رفض رفضا قاطعًا،و وصمه بالعار والخيانة، ولابد من تنفيذ حكم الزواج من ابنه عمه، فلا يجوز لرجُل من البدو أن يتزوج من قبيلة أخرى، وكما قالها الجد الغجر مواصمين بالعار من كثرة الترحال ولم تكن لهم أرضًا تأويهم، فهم منتشرين في كل بقاع وليس لديهم عائلات ولا أستقرار..❈-❈-❈
أتاها الخبر كالصاعقة، عندما سمعت بزفافه من ابنه عمه بعد ثلاث ليالي، وأن قبيلته تُقام الإحتفالات من اليوم وتريدهم في إحياء تلك الليالي، لم تعلم منه، تخلى عنها وجرح قلبها ، خانها ولم تتحمل منه ذلك. كان الخبر أسرع إليها من أن يخبرها هو بذلك، ود أن يلتقي بها لكي يجدًا حلا سويا لهذه الكارثة، ود الحديث معها لكي لا يصبح بنظرها الخائن الذي أوهمها بالعشق وتركها ليتزوج من غيرها. بعد أن تركتها والدتها، سارت متخفية في عتمة الليل لكي تصل إلى النخيل بالقرب من خيام البدو، كلما اقتربت في خطواتها ترى ظله يقترب منها إلى أن وصلت لوجهتها، دار بجسده في لهفة عندما أستمع لأنفاسها الناعمة التي تقترب منه، نهض في ملاقتها، وهمس في دفء: -أوحشتني يا نجمتي التي تضيء عتمة حياتي صرخت بصوت مبحوح أثر بكاءها: -توقف عن تلك الثرثرة الكاذبة، فقد أنفضح أمرك يا "سيف" كنت تظن بأنني لقمة سائغة تنال منها ثم تلقيها، تلهو معي وعندما تريد الزواج تختار ابنة عمك. جذبها بقوه إليه وقيد حركة يديها ثم مال على وجنتها وألصق وجنته بوجنتها، هامسًا بصدق مشاعره: -أقسم بعشقي لكِ لم اخدعك، ولا أردت خداعك يوما ما، أنا وقفت في مواجهة قبيلتي ولكنهم جميعا صدوني لكي أتراجع عن الزواج منكِ، ووجب عليَّ الزواج من ابنة عمي كما شيع خبر زفافنا، وأردت التحدث معكِ لكي لا تحزني يا نجمتي الوحيدة ودليلي المنير. أفلتت يدها منه بغضب بعدما هو أرخى قبضته عنها، ورفعت عينيها ترمقه بنظرات حادة لأول مرة منذ أن عرفها : -أياك أن تتلاعب بقلبي مرة أخرى، أتيت من أجل الثأر فقط ابتسم بحنو فهو يعلم كم هي مجروحة بسبب ما سمعته ويرى الغيرة تنهش بقلبها وعقلها معًا. -أرى عشقك الذي دوما ينير طريقي، كفى غيرة ودعينا نتحدث بجدية، الأمور تزداد خطورة. صمتت قليلا وأنسابت دموعها التي مزقت قلبه حزنًا، رفع أنامله ببطء محى تلك الدموع وهو يضمها بقوة يلصقها بصدره العريض ، ود لو اخترقت ضلوعه الأن ليكون هذا هو مكانها ومأمنها -أقتل نفسي قبل أن اتسبب في حزنك هكذا. ضربته برفق بكف يدها وقالت بهمس: -لا أريد أن أصبح أرملة. ابتسم وبرزت نواجزه وهو يشاكسها بكلمة تبغضها: -أحبك يا غجريتي. -لا تقولها وإلا أغضبتك حقًا. تنهد بعمق ثم هتف بنبرة جادة: -حسنًا، دعينا نفكر في الخطوة القادمة. قالت بلا مبالاة: -ترفض الزواج من ابنة عمك. اتسعت عيناه بصدمة وعاد يتحدث بجدية ورزانة: -ليس الأمر بهذه السهولة، الأمور معقدة، منذ أن ذاع الخبر وهي كأنها زوجتي أمام القبيلة، ليس من حقي التراجع، لن اوصم ابنة عمي بالعار إذ رفضت زواجها. ابتعدت عنه ودفعته بقوة من صدره وخرج صوتها غاضبًا: -أذهب إلى قبيلتك وتزوج منها ودعني وشأني، وإياك أن تقرب إليََّ، أنت مُخادع ولن أسامحك يا "سيف" وأعلم أنك الخاسر، خسرت قلب أحبك أكثر من نفسه. ركضت مبتعدة، جريحة، تركت دموعها تنهمر كالسيل وهي تعدو في ركضها، حاول منادتها ولكنها لم تستمع إلا لصوت تحطيم قلبها...❈-❈-❈
بدأت قبيلة الشيخ راجي في مراسم الزفاف، حيث تُقام الذبائح من الأبل والشاه، ويقف والد "سيف" يعد عدة شوي الشاه على الجمر المشتعل، ويشرف شقيقه الأكبر على طهي (المندي) وآخرون يوزعون أكواب الحليب الرائب والقهوة والتمر على رجال القبيلة.
تصدح صوت الدفوف تخترق السكون والعروس تجلس وسط النساء بثوبها المزركش والحنانة توشم كفيها بالحناء.قبضت "سماهر" على كف العروس بغضب دفين تخفيه خلف قناع من الجليد، تحاول شق ابتسامتها وهي تزغد من حين لأخر, ولكنها طالت النظر في الفتاة التي تقتد بشعلة من الفرح ، حيث تزف بعد ليلتين إلى حب طفولتها التي طالما حلمت به، ملامحها هادئة ، حسناء الوجه مليحة القوام دقت لها وشم البادية على ذقنها فتلك هي علامة تميز بها البادية والفتيات المتزوجات.
تلونت "سماهر" كالحرباء من أجل فرحة ابنتها التي تبخرت بين ليلة وضحاها وهذه العروس ستكون مكان ابنتها في قلب الشاب الذي اختاره قلبها، بخت سمها في أذن الفتاة وهمست لها بصوت منكسر نجحت في أخراجه: -راجعي نفسك يا ابنتي، فأنا أخشى عليكِ من القادم. ارتجف جسدها اثر كلماتها وحدقت بها بخوف قائلة بتوتر: -ماذا تقصدين؟ أمسكت بباطن كفها قبل أن تصبغه بالحناء: - طالعكِ ينذر بالشؤم. ثم أكملت كلماتها بثقة: -أنا سماهر، قارئة الودع وأعرف من الخبايا والأسرار لم يحظى به بشر، أرى خطوط من التعاسة تركض خلفك، إذا أردتي نصيحتي فلن تكملي تلك الزيجة، الودع لا يخطئ. شهقت بفزع وترقرقت الدموع داخل محجرتيها ، وسحبت كفها من يد تلك المشعوذة ، ثم نهضت وصرخت بوجهها بأن تغادر خيمتها ولن تريد رؤيتها ثانيًا. تركت سماهر الخيمة بجسد ممشوق ، شامخ لن تقبل بالهزيمة، ألقت نظرها بين الرجال المصففون عند ساحة التي سيقام بها الزفاف، وقعت عيناها بعينين الشيخ راجي ، ظلت تحدق به عدة ثواني ثم دارت بجسدها مبتعدة عن خيام البدو، أما عن الشيخ فلم يتيقن من رؤيتها، مال على ولده الأكبر قائلا بتسأل: -من تلك السيدة التي غادرت خيمة العروس؟ أجابه بهدوء: -أنها الحنانة "سماهر" من نساء الغجر، كما أخبرتنا بأن الغجر هم من سيحيون زفاف "سيف وغفران"٠ هز الشيخ رأسه بايماءة خفيفة : -بعد انتهاء الزفاف لأبد برحيل الغجر عن أرضنًا، يكفي ما حدث. -أمرك مُطاع يا شيخ القبائل. تنهد راجي بهدوء ثم ربت على كتف ولده وأمره بمباشرة مراسم الاحتفال بنفسه. ❈-❈-❈ وقفت غفران تطالع وجهها الجميل داخل المرآة، تجحظ العينين وهي تسأل نفسها: -هل أنا قبيحة ؟ لم أحظى بالجمال الفاتن الذي يعشقه "سيف"؟! دلفت والدتها وأحتضنتها من الخلف ثم وضعت كفها تقرأ آيات الحسد لكي تبعد عيون الحاسدين عن ابنتها -جمالك لا مثيل له، فأنتِ أجمل فتيات القبيلة حُسنًا وأدبًا. -حقًا يا أمي؟ يا ليت سيف يراني كما ترين يا امي همست بتلك الكلمات في نفسها، بينما ضمتها والدتها إليها بحنو، وأنسابت دموعها فرحًا على رؤية ابنتها عروس وحزنًا على ما فقدته ولا زال يألم فؤادها ولكنها تحاول أخفاء حزنها من أجل فرحة ابنتها ...أما عن "سيف" فقد كان مثل الأسد الجريح، الحبيس كأنه مكبل بالأصفاد ولم يستطيع الزئير، حائرًا بين قلبه و أعرافه، منقسم بين هذا وذاك، لم يريد كسر العادات والتقاليد التي فُرضت عليه وبين أختيار قلبه، وهو الآن خسر "نجمه" للأبد، من أجل أرضاء قبيلته.
حدق في رماد النار التي خمدت منذ ساعات، وهمس لنفسه: -أرضيتهم... لكنني لم أرضَ عن نفسي، نجمةٌ كانت لي، والآن تضيء لغيري. دلف شقيقه الأكبر "رماح" يدعوه لمشاركة الاحتفال والجلوس بين مجلس الرجال يستمعون لقرع الطبول ونغمات الربابة وينشدون الأغاني البدوية.. دقت المزامير وعلى هتاف شباب البدو عذبيني جنّيني ما عليّه غربليني اذبحيني يا بدوية أموت في طبع البداوة والصخاوة وين عهدك يا صبية يا حبيبة يا قريبة افهميني يا عجيبة يا أديبة احتويني أنا حبيتك وربي ما أخبي ولا أعتقد حبي خطيه اطلبيني آمريني لو بنظرة صدقيني ولكن "سيف" جالسًا بجسده فقط، بينما عقله وقلبه بمكان أخر حيث تكون محبوبته..كانت تهرول كالغزال الذي فر من القطيع لكي لا تلتقفه فم الحيوانات المفترسة، شاردة لا تعرف خطواتها، تتعثر قدميها بالرمال تارة وتارة أخرى تقف تلهث أنفاسها المتسارعة، وجدت ذراعين يجذبها لكي تكف عن الركض، أغمضت عينيها مستسلمة لهذه اللحظة فلم يعد لديها قوة على أكمال ركضها، لكن أتاها صوتا حانيًا مطمئنًا-لا تخافي صغيرتي ، ها أنا ألتفت بجسدها المرتجف لتشعر بأن الدنيا تميد تحت قدميها الحافيتين، تعلقت مقلتيها المغرقة بالدموع وكأنها وجدت يد القدر التي تدخلت لكي تربت على كتفيها بحنان وطوقه بذراعيه لكي تستقر برأسها عند صدرته وتنساب دموع الأخرى وهو يهمس بصوته الدافئ:-لن يقدر مرجان على أذيتك بعد الأن، لا تخافي يا حبيبتيتشبست بذراعه وخرج صوتها بهمس خافت :-تعبت يا أبي، أريد أن أستريحأنسابت دموعه وأزادات نبضاته وهو يستمع لتلك الكلمة التي خرجت من فمها أخيرا، جاء الحين الذي أستمع لها تناديه بأبي وتعترف بوجوده، لكم تمنى تلك اللحظة منذ أن عادت إليه.شدد هو في ألصاقها بصدره كأنه يحاول تعويض نفسه عن غيابها وضياعها تلك السنوات الماضية ، يحاوطها بين ذراعيه خائفا من ضياعها ثانيا ، متلهفا لابنته الصغيرة الذي
غادر المقدم عمر مبنى المشفى وزين يسير خلفه لا يعرف شيئا عما حدث بأقوال قوت، تساؤلات تلاحق عقله دون توقف من الذي فعلها ؟ ما الحديث الذي دار بين ضابط المباحث وقوت؟ هل رأت الجاني أم أنه لا زال ضمن المشتبه بهم ؟ أسئلة كثيرة ولم يجد إجابتها ، كما أن قلقه الاول والاخير على غياب نجمته ، هل هي تائهة بالشوارع ولم تعرف كيف اعود إلى المنزل؟ هل ساقتها قدميها بأن تتفتل بين الشوارع ونست الطريق إلى العودة؟ أين توجد الأن ؟ وماذا تفعل؟ هل تبكي ضياعها ، لابد أنها خائفة، مذعورة من تكرار ما حدث معها بالماضي ،هل الماضي اللعين سيظل يلاحقها حتى بعدما صارت فتاة ناضجة؟ فاق من شروده على صوت عمر المتسأل:-أخبرني ما تعرفه عن مرجان توقفت قدماه عن السير ونظر إليه بدهشة:-مرجان؟! أستقل عمر السيارة ولحق به زين مكرر سؤاله، رمقه عمر بهدوء قبل أن يقود السيارة وينطلق بها مسرعًا:-مرجان هذا هو من فعل ذلك بقوت، أخبرني هل تعلم أين يوجد.الأن ؟ أريد معرفة كل صغيرة وكبيرة تخصه.-لا يهمني مرجان هذا فليحترق في الجحيم، أريد معرفة أين توجد زوجتي الأنقال كلماته بأنفعال سرعان ما تحول قلق وتقازفت شياطين الغضب على رأسه عندما بتر
أنشغل زين بجلي السيارات داخل جراج العمارة ولم يشعر بمرور الوقت ، بعدما أنتهى من عمله، جفف عرقه المتساقط وسار عائدا إلى منزله.طرق الباب برفق وانتظر أن تفتح نجمة الباب ولكن مرت بضع دقائق ولم تفتح ، ظن أنها عادت من السوبر ماركت وصعدت إلى فيروز فدلف هو الشقه واغلق الباب برفق ، توجها إلى المرحاض لينعش جسده بالماء ويزيل تعب اليوم، ثم أبدل ثيابه بأخرى ولا زالت نجمة لم تأتي بعد.زفر بضيق وهو ينظر من نافذة غرفته فقد حل ظلام الليل ولم يعتاد أن تظل عند فيروز كل هذا الوقت، ساقته قدماه واستقل المصعد الكهربائي وصولا إلى الطابق الثالث، وقف عند باب الشقة ثم ضغط زر الجرس انتظر برهة إلل أن فتحت الخادمة الباب وسألها عن زوجته-هل نجمة هنا مع الآنسة فيروز اتت فيروز على صوته واجابته:-زين تفضل -تنحنح وهو يعتذر منها عن قدومه ولكنه تفاجئ بقولها-نجمة لم تأتي منذ أن تركتني عصرًا-حقا !قالها بصدمة، ثم استطرد قائلا: -عند المغيب ذهبت إلى الجراج واستغرقت وقتا طويلا في غسل السيارات و لم أشعر بمرور الساعة، ونجمة أخبرتني أنها ستتفقد أغراضا من السوبر ماركت، وعندما عدت ولم أجدها ظننتها برفقتك اعتراها القلق وقالت
مرت الأيام سريعا ولا زالت التحقيقات جارية في البحث عن الجاني الذي أراد قتل "قوت" وتحاول المباحث أن تبذل قصارى جهدها في إيجاد هوية صاحب البصمة المجهولة .منتظرين أيضا إفاقتها من غيبوبتها لمعرفة الحقيقة الكاملة.أما عن علاقة "نجمة" ب"زين" أزدادت قوة وترابط بعدما أفاضت بمشاعرها أتجاهه وهو فرح بذلك الالتحام الذي جمع بينهما ووثق زواجهما قولا وفعلا، كما أنها صدقته فهو لم يخونها قط وتفاجئ بأقتحام قوت منزلهم رغم طردها .وقررا معا بداية جديدة وطي صفحات الماضي البائس لكي لا يعكر صفو حياتهم الجديدة.تركته يباشر عمله وهي متواجدة عند صديقتها وشقيقتها التي تجد الراحة والسكينة في قربها .علمتها فيروز كل شيء بداية من الكتابة والقراءة وكل فنون العشق التي جعلتها تفعلها مع زوجها لكي يستمر الحب بينهما ولن تسمح للفتور أن يسكن عشهم الصغير .ذات يوم وهي بصحبة فيروز أعطتها حقيبة هدايا عندما فتحتها تفاجئت بمستواها:قالت مندهشة: -هاتف محمول لما؟ابتسمت فيروز وهي تخرج من الحقيبة الهاتف الاخر وقالت بود:-واحد لك والثانِ ل زين لكي تتبادلون المكالمات الهاتفية ويطمئن كل منكما على الآخر ، كما أنني أخبرتك كيف تستخدم
reviews