เข้าสู่ระบบمر أسبوعان منذ أن بدأت سلين تشعر بأن حياتها تستعيد توازنها، وكأن الهدوء الذي افتقدته لسنوات طويلة قرر أخيراً أن يحط رحاله في منزلها. كان لينار قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من روتينها اليومي، جزءاً من صباحاتها التي تبدأ برائحة القهوة الطازجة، ومن عشاءها الذي تعود إلى المنزل لتجده جاهزاً على المائدة، ومن لياليها المتعبة التي تجد فيها صوتاً هادئاً يسألها عن يومها. كانت تثق به، ليس لأنه أخو رامي فقط، بل لأنه كان الوحيد الذي جعلها تشعر بالأمان منذ سنوات طويلة، سنوات ظنت أنها لن ترى فيها أي أمان، سنوات قضتها وحدها تحارب العالم وتحاول حماية ابنها من كل شيء.كان لينار، بوجوده الهادئ، قد ملأ فراغاً كبيراً في حياتها. لم تكن تدرك كم كانت تفتقر إلى هذا الدفء حتى جاء. كان يعتني بريان وكأنه ابنه، يعد له الطعام، يلعب معه، يقرأ له القصص قبل النوم. وكان يعتني بها أيضاً، دون أن تطلب منه ذلك، كأنه يعرف احتياجاتها قبل أن تشعر بها هي نفسها.في أحد الأيام، بينما كانت سلين جالسة في غرفة المعيشة، نظرت إلى لينار وهو يلعب مع ريان على الأرض. كانت الابتسامة على وجه ريان كبيرة جداً، وقلبها امتلأ بدفء لم تشعر به منذ زمن
مر أسبوعان منذ أن بدأت سلين تشعر بأن حياتها تستعيد توازنها، وكأن الهدوء الذي افتقدته لسنوات طويلة قرر أخيراً أن يحط رحاله في منزلها. كان لينار قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من روتينها اليومي، جزءاً من صباحاتها التي تبدأ برائحة القهوة الطازجة، ومن عشاءها الذي تعود إلى المنزل لتجده جاهزاً على المائدة، ومن لياليها المتعبة التي تجد فيها صوتاً هادئاً يسألها عن يومها. كانت تثق به، ليس لأنه أخو رامي فقط، بل لأنه كان الوحيد الذي جعلها تشعر بالأمان منذ سنوات طويلة، سنوات ظنت أنها لن ترى فيها أي أمان، سنوات قضتها وحدها تحارب العالم وتحاول حماية ابنها من كل شيء. كان لينار، بوجوده الهادئ، قد ملأ فراغاً كبيراً في حياتها. لم تكن تدرك كم كانت تفتقر إلى هذا الدفء حتى جاء. كان يعتني بريان وكأنه ابنه، يعد له الطعام، يلعب معه، يقرأ له القصص قبل النوم. وكان يعتني بها أيضاً، دون أن تطلب منه ذلك، كأنه يعرف احتياجاتها قبل أن تشعر بها هي نفسها. في أحد الأيام، بينما كانت سلين جالسة في غرفة المعيشة، نظرت إلى لينار وهو يلعب مع ريان على الأرض. كانت الابتسامة على وجه ريان كبيرة جداً، وقلبها امتلأ بدفء لم تشعر به منذ ز
"ريان! إن قبضت عليك هذه المرة، فلن أكتفي بالقرص... سأحرمك من ألعاب الفيديو لأسبوع كامل!" صرخت سلين بصوت يمزج بين الحزم اللطيف ورغبة عارمة في الضحك، وهي تتعقب خطوات ابنها الصغير الذي كان يختبئ بمهارة خلف ستائر غرفة المعيشة الفضية، ملامحه شقية وعيناه تلمعان بمكر طفولي خالص.لكن... في تلك اللحظة بالذات، وسط ضحكاته التي كانت تملأ المكان، تسلل إلى صدرها شعور خفي ومفاجئ بقبضة باردة. شعور غريب بأن هذا الهدوء المؤقت لن يدوم، وبأن شيئاً ما في تفاصيل هذا الصباح يحمل طابع النهاية لشيء ما في حياتها... وكأنها لم تكن تعلم أن هذه الساعة ستكون هي الحد الفاصل قبل أن تنقلب كل موازين أيامها."لن تستطيعي الإمساك بي يا أمي! حتى الشرطة لا تستطيع القبض عليّ!" رد عليها من مخبئه بصوت مرتجف من شدة الضحك.توقفت مكانها فجأة، وأنزلت نظرها نحو الساعة الرقمية المعلقة على الجدار. الوقت يداهمها. هجمت بسرعة خاطفة، محيطة بجسد صغيرها بذراعيها قبل أن يتمكن من الهروب، ورفعته عالياً وسط صرخاته وقهقهاته."أيها المشاغب الصغير، بسببك سأتأخر عن أهم اجتماع أمني في مسيرتي!" عانقته بقوة، دافنة وجهها في شعره الناعم.ليجيبها ببراءت
ظلّت تلك الكلمات العابثة تتردد في رأسها، تضرب جدران جمجمتها كصدى مزعج لا يهدأ، صدى يرفض التلاشي أو الاستسلام للصمت: "كان يجب أن تتذكري قبل أن تبحثي."تلك الليلة البائسة في ذلك المستودع المنسي لم تكن مجرد مهمة أمنية عابرة أو واجباً روتينياً يُضاف إلى سجل عملها؛ بل كانت قطار الماضي الثقيل، الذي حاربَت طويلاً لسنوات وسنوات لدفنه وإخفاء معالمه، قد خرج فجأة عن قضبانه الحديدية ليطاردها بوحشية مطلقة ويجرف في طريقه كل ما أقامت حوله من أسوار واهية. فبينما كانت أجهزة التحقيق وفرق الأدلة الجنائية في تلك اللحظات ترفع البصمات المبعثرة، وتزيل بعناية الجثث الأربع التي عثرت عليها في الغرفة الخلفية المظلمة، كانت سلين تعيش حالة ذهول مطلق وترقب مشحون بالخوف. جثث صامتة وُجدت محتجزة في مخبأ سري محصن، شارة أمنية قديمة ومغبرة تحمل اسمها الشخصي، ورسالة تهديد صريحة لا تقبل التأويل.ومع ذلك، وبعد ساعات طوال شاقة من استجواب العناصر المتاحة، وتوثيق الأدلة، وترتيب الأوراق الرسمية، عادت سلين إلى منزلها في ساعة متأخرة من الليل. كان عقلها يغلي بمزيج سام من التوجس البركاني العارم والقلق المبرح الذي يكاد يفتت أعصابها
مرت الأيام الواحد والعشرون بهدوء مخادع، وكأن العالم قرر أخيراً أن يمنح سلين هدنة قصيرة بعد جحيم المستودع وجثث البوابة الأمنية، تلك الأيام التي بدت وكأنها سكون ما قبل العاصفة المدمرة التي توشك أن تقتلع جذور حياتها المستقرة. خلال هذه المدة الطويلة نسبياً، كانت سعاد —المربية الجديدة— تؤدي عملها بصمت مطبق، متبلدة الملامح غالباً، لكن عينيها الحادتين كانتا تلتقطان تفاصيل دقيقة ومريبة لم تكن لتخفى على مراقب حذر.بدأت القصة في الأسبوع الأول، حين لاحظت سعاد ذلك الرجل الغريب بملابسه السوداء الطويلة ونظاراته الداكنة التي تخفي عينيه تماماً، وهو يقف طويلاً خلف سور الحديقة الخلفية، مراقباً ريان بصمت. شعرت بقشعريرة باردة تسري في عظامها، لكنها بقيت صامتة. كانت تعلم أنها لو تكلمت، ستخسر وظيفتها التي وجدتها بصعوبة، لكن الأهم أنها كانت تخاف من الرجل وتدرك أنه شخص خطير للغاية؛ صمتت لأنها أدركت أن أي كلمة ستكلفها ثمناً باهظاً قد يودي بها إلى الهلاك.وفي إحدى الليالي، بعد أن نام ريان، قررت سعاد أن تتتبعه. خرجت من المنزل بهدوء، واتجهت نحو البوابة الخلفية حيث كان يقف الرجل عادة. لكنها لم تجد أحداً. فقط ظلٌ ي
نام ريان بهدوء، لكن سلين بقيت مستيقظة، تتقلب في فراشها كمن يطارده كابوس لا يريد أن يغادر. رسمة الذئب التي وجدتها على الطاولة الصغيرة بجانب سرير ابنها لا تزال عالقة في ذهنها، تلك العيون الحمراء المرسومة بدقة غريبة، كأنها تنبض بالحياة، تهمس لها بأن هناك شيئاً تخفيه هذه الجدران.نهضت مع أول خيوط الفجر، ونزلت إلى المطبخ تحضّر قهوتها بصمت ثقيل. كانت تفكر في كل شيء: رسمة الذئب، كلمات ريان عن "العم نينو"، وصمت سعاد الغريب الذي بدأ يتحول إلى جدار لا تخترقه الأسئلة.جلست على طاولة المطبخ، وفنجان القهوة بين يديها، وعيناها مثبتتان على الحائط، لكنها لم تكن تراه. كانت ترى رسمة الذئب، ترى عينيه الحمراء، ترى يد ريان الصغيرة وهو يشير إليها ويقول: "العم نينو". من يكون هذا الرجل؟ ولماذا يختبئ خلف اسم وهمي؟ ولماذا اختار ابنها؟مرت سعاد من أمام المطبخ، حاملة صينية الإفطار، وعيناها لا ترتفعان إلى سلين. كانت تتصرف كمن يحاول ألا يلفت الانتباه. نظرت إليها سلين للحظة، ورأت ارتعاشاً خفيفاً في يديها وهي تضع الكأس على الطاولة.وقفت سلين، واتجهت نحوها ببطء:"سعاد... تعالي إلى هنا."تجمدت سعاد في مكانها. التفتت بب







