Masukعادت سلين إلى المنزل في ذلك الوقت المتأخر من الليل، ووجهها شاحب كالأموات، وعيناها تحملان صدمة عميقة وثقيلة لم تستطع إخفاءها خلف قناع المحقق الصارم الذي ترتديه طوال النهار. كانت ترتجف رجفة خفيفة في أطرافها، رغم أن الهواء لم يكن بارداً بما يكفي ليبرر ذلك الارتجاف. دخلت المنزل بصمت مطبق، وأغلقت الباب خلفها ببطء شديد، وكأنها تحاول أن تحبس كل فظاعات العالم خارج تلك الجدران، أو كأنها تخشى أن توقظ صدى صوتها في الممر المظلم.لقد شهدت سلين الكثير من الجثث ومسارح الجريمة المروعة طوال حياتها المهنية، واعتادت على معاينة الدمار البشري بأبشع صوره. لكن هذه المرة كانت مختلفة كلياً، ومخترقة لدرعها النفسي. تلك الجثة لم تكن مجرد رقم في ملف قضية جديدة تضاف إلى أرشيف مكتب التحقيقات، بل كانت جزءاً حياً من قصة مؤلمة وموجعة؛ قصة امرأة مكسورة كانت تحاول الهروب من جحيم ماضيها وزوجها السادي المتسلط لعلها تجد ملاذاً آمناً في منزل سلين، تماماً مثلما كانت سلين طوال سنوات عمرها تحاول الهروب من أشباح طفولتها المرعبة.في المقابل، كان لينار جالساً بهدوء في غرفة المعيشة المضاءة بخافت الأضواء، منكبّاً على قراءة كتاب بين
كان الصباح هادئاً بشكل غير معتاد. استيقظت سلين باكراً، وشعرت بفراغ غريب في المنزل. نزلت إلى المطبخ، فلم تجد لينار هناك، ولم تجد رائحة القهوة الطازجة التي اعتادت أن تستقبلها كل صباح، ولم تجد صوت الخطوات الهادئة التي كانت تملأ المكان، ولا صوت ريان وهو يضحك بين ذراعي لينار. توقفت عند باب المطبخ، تحدق في المكان الفارغ، وشعرت بقلبها ينقبض بانقباضة غريبة لم تكن متوقعة. كانت المرة الأولى منذ أسابيع التي تستيقظ فيها ولا تجده. اعتادت على رؤيته كل صباح، على ابتسامته الهادئة، على كوب القهوة الذي يضعه أمامها دون أن تطلب. كان وجوده أصبح جزءاً من روتينها اليومي، جزءاً من حياتها، لدرجة أنها لم تكن تدرك كم كانت تعتمد عليه حتى اختفى فجأة. "لينار؟" نادت، لكن الصمت كان جوابها. صعدت إلى غرفته، فوجدت الباب مفتوحاً، والغرفة خالية. كان السرير مرتباً، وكأنه لم ينام فيه الليلة الماضية. شعرت بذعر خفيف يزحف إلى صدرها، وقلبها بدأ ينبض بسرعة. أخرجت هاتفها، واتصلت به، لكنه لم يجب. حاولت مرة أخرى، فلم يرد. تركت رسالة: "لينار، أين أنت؟ قلقت عليك. اتصل بي عندما ترى هذه الرسالة." نزلت إلى غرفة ريان، فوجدته نائماً
مر أسبوعان منذ أن بدأت سلين تشعر بأن حياتها تستعيد توازنها، وكأن الهدوء الذي افتقدته لسنوات طويلة قرر أخيراً أن يحط رحاله في منزلها. كان لينار قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من روتينها اليومي، جزءاً من صباحاتها التي تبدأ برائحة القهوة الطازجة، ومن عشاءها الذي تعود إلى المنزل لتجده جاهزاً على المائدة، ومن لياليها المتعبة التي تجد فيها صوتاً هادئاً يسألها عن يومها. كانت تثق به، ليس لأنه أخو رامي فقط، بل لأنه كان الوحيد الذي جعلها تشعر بالأمان منذ سنوات طويلة، سنوات ظنت أنها لن ترى فيها أي أمان، سنوات قضتها وحدها تحارب العالم وتحاول حماية ابنها من كل شيء. كان لينار، بوجوده الهادئ، قد ملأ فراغاً كبيراً في حياتها. لم تكن تدرك كم كانت تفتقر إلى هذا الدفء حتى جاء. كان يعتني بريان وكأنه ابنه، يعد له الطعام، يلعب معه، يقرأ له القصص قبل النوم. وكان يعتني بها أيضاً، دون أن تطلب منه ذلك، كأنه يعرف احتياجاتها قبل أن تشعر بها هي نفسها. في أحد الأيام، بينما كانت سلين جالسة في غرفة المعيشة، نظرت إلى لينار وهو يلعب مع ريان على الأرض. كانت الابتسامة على وجه ريان كبيرة جداً، وقلبها امتلأ بدفء لم تشعر به منذ
الجو العام في المنزل كان يوحي بالاستقرار والطمأنينة السطحية؛ فريان وجد في لينار الأب الذي حرم منه في ظل غياب والدته المستمر، وسلين وجدت في وجوده سنداً حقيقياً يزيح عنها ثقل التعب والقلق المستمر. لكن خلف هذه الواجهة العائلية الهادئة، كانت الأيام تسير بخطى حثيثة نحو اصطدام حتمي.---في الصباح، كان ريان يستيقظ باكراً، يقفز من سريره الصغير ويركض نحو المطبخ حيث لينار يقف أمام الموقد يقلب الفطائر بمهارة وهدوء. كان المشهد يتكرر يومياً، وكأنه أصبح طقساً عائلياً لا يمكن الاستغناء عنه. ريان كان يجلس على الطاولة، ينتظر بفارغ الصبر، ولينار يضع أمامه طبقاً من الفطائر الذهبية، ويسأله عن أحلامه، وعن ألعابه، وعن كل شيء صغير يمر في ذهن الطفل."عم نينو... لماذا فطائرك ألذ من فطائر ماما؟" سأل ريان، وفمه ممتلئ.ضحك لينار، ومسح على شعره الناعم:"لا تخبرها بذلك يا صغيري... وإلا ستغضب مني.""لن أخبرها!" قال ريان بجدية طفولية، وعيناه تلمعان. "سيكون سرنا!"ابتسم لينار، ولكن في عينيه الكحليتين، كان هناك شيء عميق لا يفهمه ريان. شيء يختبئ خلف الدفء الظاهري.في تلك اللحظة، نزلت سلين الدرج، مرتدية ملابس العمل، ووق
في زقاق مظلم، كانت امرأة تركض، أنفاسها متقطعة، وخوفها يسبق خطواتها. كانت تحاول الهروب من ظل يطاردها، لكن ساقيها كانتا ترتجفان ولا تحملانها. "ساعدوني! أرجوكم!" صرخت، لكن صوتها اختنق في الزقاق المظلم، كأن المدينة كلها كانت صماء. توقفت عندما وصلت إلى نهاية الزقاق المسدود. التفتت، ورفعت يديها، والدموع تملأ عينيها: "من أنت؟ ماذا تريد مني؟" لم يجبها أحد. فقط ظل طويل يقترب ببطء، خطواته هادئة كأنها خطوات وحش يتلذذ بمطاردة فريسته. كانت تحاول رؤية وجهه، لكن القبعة السوداء والنظارات الداكنة كانت تخفي ملامحه تماماً. ارتجفت. تذكرت تلك الليلة، حين كانت عائدة إلى منزلها بعد أن طردتها سلين. سمعت محادثة غامضة في زقاق مظلم، كلمات لم تفهمها تماماً، لكنها شعرت بالخوف. كانت تعرف أنها سمعت شيئاً لا يجب أن تسمعه. "سمعتِ شيئاً..." همس الصوت، بارداً، خالياً من أي عاطفة. "سمعتِ ما كان يجب أن تسمعيه." "أنا لم أفهم شيئاً!" بكت. "لم أسمع شيئاً! أرجوك!" لكن الظل لم يتحرك. كان ينتظر. "لكنكِ كنتِ هناك..." همس. "وكنتِ ستفعلين." اقترب منها ببطء، وكأنه يمنحها لحظة أخيرة لتقول شيئاً. لكنها لم تستطع س
نام ريان بهدوء، لكن سلين بقيت مستيقظة، تتقلب في فراشها كمن يطارده كابوس لا يريد أن يغادر. رسمة الذئب التي وجدتها على الطاولة الصغيرة بجانب سرير ابنها لا تزال عالقة في ذهنها، تلك العيون الحمراء المرسومة بدقة غريبة، كأنها تنبض بالحياة، تهمس لها بأن هناك شيئاً تخفيه هذه الجدران.نهضت مع أول خيوط الفجر، ونزلت إلى المطبخ تحضّر قهوتها بصمت ثقيل. كانت تفكر في كل شيء: رسمة الذئب، كلمات ريان عن "العم نينو"، وصمت سعاد الغريب الذي بدأ يتحول إلى جدار لا تخترقه الأسئلة.جلست على طاولة المطبخ، وفنجان القهوة بين يديها، وعيناها مثبتتان على الحائط، لكنها لم تكن تراه. كانت ترى رسمة الذئب، ترى عينيه الحمراء، ترى يد ريان الصغيرة وهو يشير إليها ويقول: "العم نينو". من يكون هذا الرجل؟ ولماذا يختبئ خلف اسم وهمي؟ ولماذا اختار ابنها؟مرت سعاد من أمام المطبخ، حاملة صينية الإفطار، وعيناها لا ترتفعان إلى سلين. كانت تتصرف كمن يحاول ألا يلفت الانتباه. نظرت إليها سلين للحظة، ورأت ارتعاشاً خفيفاً في يديها وهي تضع الكأس على الطاولة.وقفت سلين، واتجهت نحوها ببطء:"سعاد... تعالي إلى هنا."تجمدت سعاد في مكانها. التفتت بب