تسجيل الدخولما إن وصلت عبير إلى المنزل حتى أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه للحظات.
لم تتحرك. كانت لا تزال تشعر بأنها لم تعد إلى البيت فعلًا، وأن جزءًا منها بقي هناك، في المقهى، أمام سليم. الهواء بين جدران غرفتها بدا ثقيلًا، مليئًا بصدى صوته ونظراته التي لم تفارقها. أغمضت عينيها. عاد صوته إلى ذاكرتها. "إنتِ أجمل من الصور بكتير." ابتسمت دون أن تشعر، وشعرت بحرارة خفيفة تنتشر في صدرها، كأن الكلمات لا تزال تلمسها. ثم تذكرت نظرته إليها، والطريقة التي كان يتابع بها كل كلمة تقولها، وكأن وجودها أمامه أهم من أي شيء آخر في العالم. كانت تلك النظرة طويلة، عميقة، تجعلها تشعر بأنها مرئية بكل ما فيها، لا مجرد وجه جميل. تحركت إلى غرفتها ببطء، ووضعت حقيبتها فوق السرير. جلست أمام المرآة. ظلت تنظر إلى انعكاسها طويلًا. لم تكن هذه المرة تنظر إلى نفسها كما اعتادت. كانت ترى نفسها بعين سليم. مدّت يدها ببطء، ومرّرت أصابعها على خدها، ثم نزلت إلى عنقها، تداعب الجلد الرقيق هناك كما لو أنها تستعيد لمسة يده. تخيّلت أصابعه مكان أصابعها، فشعرت بقشعريرة خفيفة تسري في جسدها. انزلقت يدها إلى كتفيها، ثم إلى صدرها، تمسّح برفق، تستكشف الإحساس الذي تركه فيها، كأن جسدها أصبح أكثر وعيًا بوجوده بعد أن لمس يدها فقط. تذكرت حين أمسك يدها. لم تكن اللمسة طويلة، لكنها تركت أثرًا غريبًا في داخلها، أثرًا لم يختفِ بعد. قال لها إنها أجمل من الصور. قال إن قربها منه أصعب من الكلام خلف الشاشة. والأكثر خطورة أنها لم تشعر بالخوف من كلماته كما كان يجب. بل شعرت بشيء آخر. شيء جعل قلبها يخفق كلما تذكرت نبرته، وجعل جسدها يتذكر الدفء الذي لم يكن موجودًا إلا في خيالها بعد. مدت يدها إلى هاتفها، ثم تراجعت. وضعته جانبًا. بعد لحظات حملته من جديد، وأصابعها ما زالت ترتعش قليلًا من اللمس الذي منحته لنفسها أمام المرآة. فتحت إنستجرام. لم تكن بحاجة إلى البحث طويلًا. كان اسمه في أعلى المحادثات. ظلّت تحدق في الشاشة قبل أن تكتب: "وصلت." لم تمر سوى ثوانٍ حتى ظهر رده: "وأنا مستني الرسالة دي." ابتسمت، وشعرت بدفء ينتشر في بطنها. "ليه؟" "عشان أطمن عليكي." "اطمنت؟! "لأ." "ليه؟" "عشان من ساعة ما مشيتي وأنا بفكر فيكي." شعرت عبير بحرارة خفيفة في وجهها، ويدها الأخرى ارتفعت لا شعوريًا لتلمس رقبتها من جديد. كتبت: "وأنا كمان." توقفت عند الرسالة قبل إرسالها، ثم ضغطت إرسال وهي تشعر أن الكلمات خرجت من مكان أعمق. جاء رده: "بجد؟" "آه." "في إيه؟" "في كل حاجة." "حتى كلامي؟" "خصوصًا كلامك." تأخر قليلًا. ثم كتب: "أنا من وقت ما شوفتك وأنا بحاول أتصرف بعقل." ابتسمت عبير، وشعرت بشيء دافئ ينمو داخلها. "وفشلت؟" "تقريبًا." "ليه؟" "عشان كل ما أفتكر نظرتك وأنا ماسك إيدك، الموضوع بيبقى أصعب." نظرت إلى يدها. كأنها استطاعت أن تشعر بلمسته مرة أخرى، فمرّرت أصابعها على راحة يدها ببطء، كأن تعيد خلق الإحساس. كتبت: "أنا كمان فضلت أفكر فيها." "في إيدي؟" "في إحساسها." ظل يكتب للحظات. "عبير..." "نعم؟" "إنتِ عارفة إن الكلام بينا بقى مختلف؟" "عارفة." "ومش خايفة؟" نظرت إلى السؤال طويلًا، ويدها ما زالت تداعب جلدها برفق، كأن الجسد نفسه يشاركها الإجابة. ثم كتبت: "خايفة." "ومع ذلك بتكملي؟" "آه." جاءت رسالته: "طب قوليلي بصراحة... إنتِ كنتِ حاسة بإيه وإحنا قاعدين؟" وضعت عبير الهاتف على السرير للحظات. كانت تعرف الإجابة. لكن كتابتها جعلتها أكثر حقيقة، وأكثر حميمية. حملته من جديد، وأصابعها ترتجف قليلًا. "كنت حاسة إني عايزة أقرب منك." جاء رده سريعًا: "وأنا كنت نفسي أقرب أكتر." أغلقت عبير عينيها، وشعرت بدفء ينتشر في جسدها كله. كان الفرق بين حديثهما الآن وبين كل ما سبق واضحًا. لم يعدا يتحدثان عن الإعجاب فقط. الرغبة أصبحت موجودة بين الكلمات، خفيفة لكنها حقيقية. كتبت: "لو كنا لوحدنا... كنت هتعمل إيه؟" توقفت. ثم أرسلتها، وقلبها يدق بقوة. ظهرت علامة الكتابة فورًا. "السؤال ده خطر." "ليه؟" "عشان إجابته ممكن تخليني أعمل حاجات كتير." ابتسمت، ويدها انزلقت صدرها تعتصّره، ثم إلى أسفل قليلًا، تداعب المكان الذي تخيّلت أن أصابعه قد تصل إليه يومًا. "يمكن أنا عايزة منك ده." صمت سليم قليلًا قبل أن يكتب: "كنت هقرب منك بهدوء." "وبعدين؟" "كنت هتنفسك وأخلي ريحتك كلها تملاني." شعرت عبير بقشعريرة خفيفة تسري في جسدها كله، وكأن الكلمات لمستها فعلًا. كتبت: "ولو أنا ما بعدتش؟" "ساعتها هفهم إنك عايزاني أقرب أكتر." "وإنت؟" "أنا من زمان عايزه." وضعت الهاتف على صدرها، وأخذت نفسًا عميقًا. كانت يدها الأخرى ما زالت تتحرك ببطء على جسدها، تستكشف الإحساس الذي أيقظته كلماته. كانت تعرف أن هذه المحادثة تجاوزت حدود المغازلة العادية. ومع ذلك لم تغلقها. عادت وكتبت: "إنت بتخليني أفكر في حاجات ما كنتش بفكر فيها." "زي إيه؟" ترددت، ثم سمحت لنفسها أن تكون أكثر صدقًا. "زي إن وجودك قدامي كان ممكن يكون مختلف." "مختلف إزاي؟" "أقرب... أقرب بكتير " لامس كل حتة في جسمي." جاء رده: "وأنا كان نفسي أشدك جوا حضني وإنتِ قدامي عشان تعرفي إنك وحشتيني رغم إنك كنتِ قدامي." ابتسمت، وشعرت بشيء دافئ فخذيها. "إنت غريب." "بس عاجبك." تأخرت في الرد، ويدها تداعب حلماتها برفق أشد، كأن جسدها يرد بدلًا منها. ثم كتبت: "يمكن." "يمكن دي بقت معناها آه عندك." ضحكت بصوت خافت. ثم أرسلت: "ما تتغرش." "مش غرور." "أمال؟" "رغبة." توقفت عبير أمام الكلمة. لم يحاول سليم تجميلها. قالها ببساطة. رغبة. والأغرب أنها لم تنزعج منها. بل شعرت أنها كانت تنتظر منه أن يقولها، وأن جسدها كان ينتظرها أيضًا. كتبت: "وأنا؟" "إنتِ قولي." كتبت ببطء، ويدها الأخرى ما زالت تداعب جسدها كما لو أنها تؤكد الكلمات: "يمكن عندي نفس الرغبة." لم يرد فورًا. وحين ظهر رده، كان قصيرًا: "كنت حاسس." ابتسمت، وشعرت بحرارة تنتشر في وجهها وفي أماكن أبعد. "واثق أوي." "مش واثق... بس نظرتك النهارده قالتلي." رفعت عبير عينيها إلى المرآة. تذكرت لحظة وقوفهما أمام بعضهما قبل أن تغادر. كانت فعلًا قد نظرت إليه بطريقة مختلفة. ربما أطول مما ينبغي. وربما كانت تعرف وقتها أنه فهم. ويدها الآن تتحرك ببطء أكبر على جسدها، كأن النظرة التي رآها ما زالت تسكنها. أرسل سليم: "عبير؟" "نعم؟" "عايز أشوفك تاني." وضعت الهاتف في يدها بقوة أكبر، وشعرت بقلبها يخفق بقوة. "إمتى؟" "قريب." "قريب دي إمتى؟" "لما تبقي مستعدة." ابتسمت، وأصابعها ما زالت تداعب أشفارها المبتلة برفق، كأن الاستعداد بدأ فعلًا من هذه اللحظة. ثم كتبت: "يمكن أكون مستعدة أكتر مما إنت فاكر." ظل سليم يكتب طويلًا، ثم وصلت رسالة واحدة: "يبقى المرة الجاية هتبقى أصعب." قرأت عبير الجملة أكثر من مرة. لم تسأله ماذا يقصد. لأنها كانت تعرف. وشعرت بجسدها يعرف أيضًا. أغلقت المحادثة، ثم عادت وفتحتها بعد ثوانٍ. كتبت: "تصبح على خير." جاء الرد: "مش قادر أقولك تصبحِي على خير وأنا لسه عايز أكلمك." ابتسمت، ويدها لم تتوقف عن مداعبة كل جزء من جسدها ببطء، كأن الحديث نفسه أصبح لمسًا. "خلاص، اتكلم." وهكذا بدأ الليل يطول. ولم يعد أي منهما يبحث عن سبب لإنهاء الحديث. كانت الكلمات تزداد جرأة وحميمية، والمسافة بين الرغبة والواقع تضيق شيئًا فشيئًا. كانت عبير تشعر أن كل جملة منه تلمسها في مكان ما داخلها، وأن جسدها يرد على كلماته حتى وهي بعيدة عنه. أما عبير، فكانت تعرف في أعماقها أن اللقاء القادم لن يكون مثل هذا اللقاء. لأنها لم تعد تخاف فقط من أن تقع في الخطأ. لقد بدأت تخاف من أنها... تريد أن تقع فيه.منذ أن اتفقا على اللقاء، لم تستطع عبير أن تتعامل معه باعتباره لقاءً عاديًا.كانت تعرف أن شيئًا تغير بينهما بعد آخر مرة التقيا فيها.الفصل السابق من علاقتهما كان يمكن أن يظل مجرد مساحة من الكلام والصور والاشتياق، لكن ما حدث بينهما في المرة الماضية جعل العودة إلى المسافة القديمة شبه مستحيلة.وصلت إلى المكان قبل الموعد بدقائق.كان مطعمًا هادئًا في شارع جانبي، بعيدًا عن الزحام، بإضاءة خافتة وطاولات متباعدة تمنح كل شخص قدرًا من الخصوصية.اختارت طاولة في زاوية بعيدة، وجلست وهي تحاول أن تبدو طبيعية.وضعت هاتفها أمامها، ثم أعادته إلى حقيبتها.بعد لحظات، ظهر سليم عند المدخل.رآها فورًا.توقفت عيناه عليها لثوانٍ قبل أن يتجه إليها.وعندما وصل، لم يبدأ بالكلام.وقف أمامها للحظة، يتأمل وجهها وكأنه يحاول أن يستوعب وجودها أمامه بعد كل ما دار بينهما خلف شاشة الهاتف.ابتسمت عبير."إيه؟"جلس إلى جوارها بدلًا من المقعد المقابل."ولا حاجة."كان قربه هذه المرة مختلفًا.كتفه لامس كتفها تقريبًا، وذراعه استقرت على ظهر المقعد خلفها.لم تبتعد.جاء النادل، طلبا شيئًا بسيطًا، ثم انصرف.وبمجرد أن ابتعد، ساد بينهم
لم تمر ساعات طويلة على عودتها إلى المنزل، لكن عبير شعرت أن اليوم أثقل من المعتاد.كانت تتحرك بين الغرف دون هدف واضح، تلتقط هاتفها ثم تضعه، تفتح إنستجرام وتغلقه، تنشغل بشيء صغير لدقائق ثم تعود بعينيها إلى الشاشة.كانت تنتظر سليم.ولم تكن تريد أن تعترف بذلك حتى لنفسها.بعد لقائهما الأخير، أصبح الصمت بينهما مزعجًا بطريقة لم تعرفها من قبل. كانت قد اعتادت خلال الأيام الماضية أن يكون هناك شيء ينتظرها في هاتفها؛ رسالة منه، سؤال، مزحة، أو مجرد كلمة قصيرة تشعرها بأنه يفكر فيها.أما اليوم، فكانت تنتظر أكثر.وعندما ظهر اسمه أخيرًا، فتحَت الرسالة فورًا."وحشتيني."بقيت تنظر إلى الكلمة.لم تكتب ردًا سريعًا هذه المرة.ثم كتبت:"إحنا اتقابلنا امبارح."جاء الرد:"وعشان كده؟""يعني إيه؟""يعني المفروض الواحد بعد ما يشوفك يستنى كام يوم عشان يوحشه اللي شافه؟"ابتسمت رغمًا عنها."إنت غريب.""أنا من امبارح وأنا عايز أكلمك.""طب ما كلمتنيش.""كنت مستني أشوف هتوحشيني قد إيه.""والنتيجة؟""أسوأ مما توقعت."شعرت عبير بأن شيئًا دافئًا يتحرك داخلها.كتبت:"وأنا كمان كنت مستنياك."توقفت قليلًا قبل أن تضغط إرسال.
ما إن وصلت عبير إلى المنزل حتى أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه للحظات.لم تتحرك.كانت لا تزال تشعر بأنها لم تعد إلى البيت فعلًا، وأن جزءًا منها بقي هناك، في المقهى، أمام سليم. الهواء بين جدران غرفتها بدا ثقيلًا، مليئًا بصدى صوته ونظراته التي لم تفارقها.أغمضت عينيها.عاد صوته إلى ذاكرتها."إنتِ أجمل من الصور بكتير."ابتسمت دون أن تشعر، وشعرت بحرارة خفيفة تنتشر في صدرها، كأن الكلمات لا تزال تلمسها.ثم تذكرت نظرته إليها، والطريقة التي كان يتابع بها كل كلمة تقولها، وكأن وجودها أمامه أهم من أي شيء آخر في العالم. كانت تلك النظرة طويلة، عميقة، تجعلها تشعر بأنها مرئية بكل ما فيها، لا مجرد وجه جميل.تحركت إلى غرفتها ببطء، ووضعت حقيبتها فوق السرير.جلست أمام المرآة.ظلت تنظر إلى انعكاسها طويلًا.لم تكن هذه المرة تنظر إلى نفسها كما اعتادت.كانت ترى نفسها بعين سليم.مدّت يدها ببطء، ومرّرت أصابعها على خدها، ثم نزلت إلى عنقها، تداعب الجلد الرقيق هناك كما لو أنها تستعيد لمسة يده.تخيّلت أصابعه مكان أصابعها، فشعرت بقشعريرة خفيفة تسري في جسدها. انزلقت يدها إلى كتفيها، ثم إلى صدرها، تمسّح برفق، ت
لم تنم عبير جيدًا في الليلة التي سبقت اللقاء.كانت تعرف أن سليم لم يعد مجرد صوت يأتيها من الهاتف، ولا اسمًا تنتظر ظهوره على شاشة إنستجرام. بعد كل ما قيل بينهما، وبعد الجرأة التي وصلت إليها رسائلهما، أصبح اللقاء الحقيقي شيئًا كانت تفكر فيه أكثر مما تريد الاعتراف به.وفي الموعد المتفق عليه، وصلت إلى المقهى وجلست في مكان هادئ.لم تمر سوى دقائق حتى ظهر سليم.وحين لمحها، ابتسم واتجه إليها مباشرة.قال:"وحشتيني."نظرت إليه بابتسامة صغيرة."إحنا اتكلمنا امبارح.""الكلام مش زي إنك تكوني قدامي."جلس إلى جوارها بدلًا من الجهة المقابلة، وكأن المسافة التي كانت تفصل بينهما في اللقاءات القديمة لم تعد مناسبة لما أصبح بينهما الآن.تأملها للحظات، ثم قال:"بجد... إنتِ أجمل من الصور بكتير."ضحكت بخجل."لسه فاكر الصورة؟""أنا فاكر كل حاجة.""واضح."اقترب قليلًا، وخفض صوته:"بس الصور ظلمتك."رفعت حاجبها."إزاي؟""عشان مش بتبين نظرتك الحقيقية."شعرت عبير بحرارة خفيفة في وجهها، وحاولت أن تخفي ارتباكها وهي تنظر إلى قائمة المشروبات."اطلب حاجه نشربها الأول بدل ما تفضل تتغزل فيا."ضحك."مش عارف أبطل."طلبا مش
توقفت عبير أمام ناصر، والهاتف لا يزال في يدها.قال وهو ينظر إليها:"كنتِ بتكلمي مين؟"شعرت بتوتر مفاجئ، لكنها أخفت ارتباكها بسرعة وقالت:"صاحبتي.""صاحبتك مين؟"ابتسمت محاولة تخفيف الموقف."هو لازم تعرف كل صاحباتي؟"ضحك ناصر وقال:"لا، بس بسأل عادي.""كانت بتسألني على حاجة تخص سهيلة، وبعدين أنا قفلت عشان إنت دخلت."هز رأسه دون اهتمام واضح."خلاص."ثم اتجه إلى الأريكة، وكأن الأمر انتهى بالفعل.جلست عبير بعيدًا عنه قليلًا، وشعرت براحة لم تكن تتوقعها. لم يكن هناك تحقيق، ولا شك، ولا أسئلة أخرى. مجرد سؤال عابر استطاعت أن تمر منه بكذبة صغيرة.لكنها في داخلها كانت تعرف أن المشكلة لم تكن في السؤال.المشكلة أنها أصبحت تكذب بسهولة من أجل سليم.مر يومان بعد ذلك، وحاولت عبير أن تتصرف بصورة طبيعية. كان ناصر يقضي وقته بين البيت وبعض مشاغله، بينما كانت هي تستغل اللحظات التي يبتعد فيها لتفتح هاتفها.لكن هذه المرة لم يكن الأمر مجرد رسائل.كانت تنتظر فرصة أكبر.وفي صباح اليوم الثالث، دخل ناصر الغرفة وهو يحمل حقيبة سفر صغيرة.نظرت إليه باستغراب."إيه ده؟""اتصلوا بيا من الشغل.""هتسافر؟""آه. فيه شغل لا
لم تكن الأيام الثلاثة التي ابتعدت فيها عبير عن سليم هادئة كما حاولت أن تظهر. كانت تقول لنفسها إنها فقط تحتاج إلى مساحة، وأن كثرة الحديث معه بدأت تجعلها تتصرف بطريقة لا تشبهها. لكنها في الحقيقة كانت تراقب هاتفها أكثر مما ينبغي، وتنتظر منه رسالة رغم أنها هي التي قررت الصمت. وحين لم يرسل، شعرت بالضيق. وحين أرسل أخيرًا، شعرت بالراحة. وهنا أدركت أن المشكلة أصبحت أكبر من مجرد إعجاب. في صباح اليوم الرابع، كانت عبير تعد القهوة في المطبخ حين دخل ناصر. نظر إليها وقال: "إنتِ مالك؟" التفتت إليه. "مالي؟" "بقالك كام يوم مش على بعضك." ابتسمت محاولة إنهاء الحديث. "يمكن عشان إنت لسه راجع من السفر والبيت اتقلب شوية." هز رأسه. "مش البيت." سكتت. اقترب منها قليلًا. "إنتِ." وضعت الفنجان على الطاولة. "يعني إيه أنا؟" "يعني من ساعة ما رجعت وأنا حاسس إنك مش معايا." قالها بهدوء، لكن العبارة أصابت مكانًا حساسًا داخلها. "أنا قدامك أهو." "الجسم آه." رفعت عينيها إليه. "ناصر..." "أنا مش بتخانق معاكي. أنا بس بحاول أفهم." جلست أمامه. "تفهم إيه؟" "إنتِ زعلانة مني؟" هزت رأسها. "لا." "مبسو







