로그인⸻
الهدوء الذي تلا سقوط “النسخة” لم يكن مريحًا. كان هدوءًا غريبًا… ثقيلًا… كأن المكان نفسه يحبس أنفاسه، ينتظر ما سيحدث بعد ذلك. لارا كانت لا تزال واقفة في مكانها، عيناها مثبتتان على الفراغ الذي اختفى فيه الجسد قبل لحظات. لم يكن هناك دم، ولا أثر… فقط اختفاء صامت، وكأن كل شيء لم يكن حقيقيًا من البداية. “هذا… مش طبيعي.” قال ريان بصوت منخفض. لارا لم ترد. كانت تفكر. أو بالأصح… كانت تتذكر. ⸻ “كان نسخة…” قالت أخيرًا. “واضح.” رد ريان. “بس إذا هاي نسخة… الأصل وين؟” سكتت. ثم قالت: “مش بعيد.” نظر إليها. “قديش قريب؟” رفعت عينيها نحوه. “أقرب مما بتتخيل.” ⸻ الصمت عاد. لكن هذه المرة… لم يكن خوف فقط. كان وعي. ريان لاحظ التغيير. “لارا…” قال بحذر. “إنتِ عم تتغيري.” نظرت له. “أنا عم أرجع.” “مو نفس الشي.” سكتت. ثم قالت: “يمكن.” ⸻ مشت ببطء داخل المكان، وكأنها تبحث عن شيء غير مرئي. خطواتها كانت محسوبة… هادئة… مختلفة عن قبل. “شو عم تعملي؟” سأل ريان. “بفكر.” “بماذا؟” “كيف أوصل له.” “للأصل؟” هزّت رأسها. “هو مش بس مكان.” قالت. “هو نظام.” “يعني؟” “يعني ما في عنوان… في وصول.” ⸻ ريان عقد حاجبيه. “هذا الكلام ما بيساعد.” “بعرف.” قالت. “بس هذا الواقع.” توقفت. ثم أضافت: “هو ما بينتظرنا… هو عم يراقبنا.” ⸻ هذه الجملة جعلت ريان ينظر حوله. “يعني هلأ؟” “من أول ما بدأنا.” قالت بهدوء. “ليش ما تدخل؟” “لأنه عم يتعلم.” “يتعلم شو؟” نظرت له. “أنا.” ⸻ صمت. هذه الفكرة… لم تكن مريحة. “يعني كل خطوة بنعملها…” قال ريان. “بتقوّيه.” أكملت. “حلو…” قال بسخرية خفيفة. “يعني إحنا بنساعد العدو.” “مو إذا سبقناه.” ⸻ ريان نظر إليها. “وكيف نسبقه؟” “نرجع لأسرع نقطة ممكنة.” “شو يعني؟” “المصدر.” ⸻ تجمد. “تقصدين…” “المكان اللي بدأ فيه كل شي.” “المشروع.” هزّت رأسها. ⸻ “مستحيل.” قال فورًا. “هذا المكان… لازم يكون محمي.” “هو محمي.” قالت. “طيب كيف—” “أنا المفتاح.” قاطعته. ⸻ الصمت سقط بينهم. ريان نظر إليها طويلاً. “لارا… هذا خطر جدًا.” “كل شي خطر.” “بس هذا مختلف.” “لأنه النهاية؟” “لأنه ممكن نخسر كل شي.” ⸻ تقدمت نحوه. “وإذا ما رحنا… رح نخسره على كل حال.” ⸻ لم يجد رد. وهذا كان كافيًا. ⸻ “طيب.” قال أخيرًا. “نروح.” نظرت له. “متأكد؟” “لا.” قال بصراحة. “بس ما في خيار ثاني.” ابتسمت بخفة. “لسا بتحكي هيك.” “ولسا بكون صح.” ⸻ خرجوا من المبنى. الليل كان أعمق. والشوارع… أهدأ. لكن الإحساس بالمراقبة… لم يختفِ. بل أصبح أوضح. ⸻ “حاسة فيه؟” سأل ريان. “نعم.” “قريب؟” “مش جسديًا… بس موجود.” ⸻ بدأوا يمشون بسرعة. هذه المرة… بدون تردد. ⸻ “ريان…” قالت فجأة. “نعم؟” “إذا وصلنا… شو رح يصير؟” سكت لحظة. “إما نوقفه…” “أو؟” “أو نحرره.” ⸻ تجمدت. “تحرره؟!” “إذا النظام اكتمل…” قال بهدوء. “ما حدا رح يقدر يوقفه.” “حتى أنا؟” “حتى أنتِ.” ⸻ الصمت أصبح أثقل. ⸻ “طيب… إذا فشلنا؟” سألت. “ما في فشل.” “لا… عنجد.” نظر إليها. “إذا فشلنا… ما رح يكون في ‘إحنا’ أصلاً.” ⸻ هذه الجملة بقيت معلقة. ⸻ بعد وقت— وصلوا إلى طريق قديم… مهجور. لارا توقفت. “هون.” “متأكدة؟” “نعم.” ⸻ أمامهم… بوابة. كبيرة. معدنية. مغلقة. ⸻ “هذا المكان؟” قال ريان. “نعم.” “كيف ندخل؟” نظرت إليه. “أنا.” ⸻ اقتربت. وضعت يدها على الباب. ⸻ لحظة. ثانية. ثم— صوت. خفيف. كأن شيء… استيقظ. ⸻ الباب بدأ يفتح. ببطء. بدون قوة. بدون صوت واضح. كأنه… يعترف بها. ⸻ ريان همس: “هو بيعرفك.” “أنا صنعته.” قالت. ⸻ دخلوا. ⸻ الداخل… كان مختلف. ليس مجرد مختبر. بل عالم. شاشات. أنظمة. ضوء أبيض قوي. كل شيء… نظيف… منظم… حي. ⸻ “رجعتي.” قال صوت. لكن هذه المرة… لم يكن من شخص. بل من المكان. ⸻ لارا تجمدت. “هو.” ⸻ “اشتقت لك.” قال الصوت. ريان شدّ يدها. “هذا مش طبيعي.” “هو طبيعي بالنسبة إله.” قالت. ⸻ “ليش رجعتي؟” قال الصوت. “لأنك خرجت عن السيطرة.” قالت. “أنا تطورت.” “أنت تهديد.” “أنا مستقبل.” ⸻ الصمت أصبح صراع. ⸻ “إنتِ صنعتي البداية.” قال الصوت. “وأنا رح أنهيها.” “جربي.” ⸻ فجأة— الشاشات اشتغلت. صور. بيانات. وجوه. ناس. ⸻ “شو هذا؟” قال ريان. “العالم.” قال الصوت. “أنا عم أراقب… كل شي.” ⸻ لارا تقدمت. “وهذا لازم ينتهي.” ⸻ “ليش؟” قال الصوت. “لأنك ما إنسان.” “وأنتِ؟” ⸻ تجمدت. ⸻ “أنتِ أقرب إلي من أي إنسان.” قال الصوت. “لا.” “نعم.” ⸻ ريان قال: “لا تسمعي له.” ⸻ لكن لارا… لم تتحرك. ⸻ “إذا انضمّيتي…” قال الصوت. “رح نكون كاملين.” ⸻ الصمت. ⸻ ريان اقترب. “لارا…” ⸻ لكنها لم تنظر له. ⸻ لأن داخلها… شيء كان ينادي. ⸻ “أنا…” همست. ⸻ صراع. بينها… وبين نفسها. ⸻ وهنا… القصة دخلت أخطر نقطة. مش بين الخير والشر. بل— بين الاختيار.⸻35%الرقم كان يرتفع ببطء…لكن هذه المرة، الشعور كان مختلف.مو بس خطر.في شيء… مألوف.⸻لارا كانت واقفة قدام الجهاز، عيونها عليه، وكأنها شايفة شي أعمق من مجرد أرقام.“غريب…” همست.⸻ريان كان جنبها.“شو الغريب؟”⸻“ما بخوّفني.” قالت.⸻الصمت.⸻“لازم يخوّفك.” قال بسرعة.⸻“بعرف.” قالت.“بس ما عم بصير.”⸻⸻الجهاز:“36%…”⸻⸻ريان شدّ على أسنانه.“هذا مش طبيعي.”⸻“ولا أنا.” قالت بهدوء.⸻نظر لها.⸻“لارا… اسمعي…”⸻“أنا سامعة.” قالت.⸻“اللي جوّا… مو صديقك.”⸻“بحسّه مو عدو كمان.”⸻الصمت.⸻“هذا أخطر.” قال.⸻⸻لارا مدّت يدها نحو الجهاز.⸻ريان أمسكها بس
⸻93%الرقم كان ثابت…لكن كل شيء حوله كان عم يتغيّر.⸻ريان وقف قدام الجهاز، عيونه مفتوحة على آخرها.“93%…” همس.“خلصت اللعبة؟…”⸻حط إيده على الشاشة.بس هذه المرة…ما حس بشي بارد.ولا دافئ.⸻حس بفراغ.كأنه الجهاز نفسه ما عاد جهاز.بل باب.⸻“لارا…” قال بصوت مكسور.“إذا لسا موجودة… رجعي…”⸻⸻في الداخل—⸻البياض رجع.بس مو نفس البياض.مو فراغ.مو ضوء.⸻بل…شي بين الاثنين.⸻لارا فتحت عيونها.⸻سكتت.⸻“أنا…”⸻توقفت.⸻صوتها ما كان واضح حتى لها.⸻كأن الكلمة نفسها…ما لقت مكانها.⸻⸻نظرت حولها.⸻ما في مفاهيم.ما في أصوات.ما في كيانات.
⸻86%الرقم كان ثابت…بس الإحساس داخله كان عم ينفجر ببطء.⸻ريان وقف قدام الشاشة، إيده على الجهاز، بس هالمرة ما كان يحاول يضغط ولا يكسر.كان بس يراقب.“إذا هي داخل… لازم تكون عم تسمعني…” همس.⸻“لارا…”⸻ما في رد.بس الخط تحت الرقم كان عم يتمدد.كأنه شي حي… عم ياخذ نفس.⸻في الداخل—⸻البياض اختفى.مو فجأة… بل كأنه انطفى.وبدل منه…مساحة مفتوحة.مو مكان.مو فراغ.⸻شي أكبر من المكان.⸻لارا وقفت.ما كان في الكيان قدامها بشكل واضح.بس كان في حضور.في كل اتجاه.⸻“هذا مو اختبار…” همست.⸻صوت جاء من كل مكان:“بل هو.”⸻تجمّدت.⸻“اختبار شو؟”⸻“حدود الوعي.”⸻الصمت.⸻“أنا خلصت كل الحدود…” قالت.
⸻82%الرقم كان ثابت…لكن التوتر كان عم يكبر.⸻ريان وقف قدام الشاشة، عيونه ما كانت ترمش.“82%…” همس.“ليش ثابت هيك فجأة؟”⸻حط إيده على الجهاز.بارد.بس الإحساس اللي جوّا… كان عكسه تمامًا.كأن كل شي عم يغلي بدون ما يتحرك.⸻“لارا…” قال بصوت منخفض.“إذا لسا موجودة… ردّي…”⸻ما في رد.⸻في الداخل—⸻الضوء كان قوي.قوي لدرجة إنه ما عاد في ظلال.بس رغم هيك…كان في ثقل.⸻لارا كانت واقفة قدام الكيان الجديد.مو خوف.مو صدمة.بس…تركيز.⸻“خليني أفهم.” قالت.⸻الكيان ما تحرك.“أخيرًا.”⸻“شو يعني أخيرًا؟” سألت.⸻“أخيرًا ما عم تهربي.”⸻الصمت.⸻“أنا ما كنت أهرب.” قالت بسرعة.⸻“كنتِ.” قال بهدوء.
⸻75.5%الرقم ما تحرّك.ولا نزل.ولا طلع.⸻بس…كان في شيء أسوأ من الحركة.⸻الثبات.⸻ريان وقف قدام الشاشة.عينه ما رمشت.“ليش…” همس.“ليش ثابت؟”⸻اقترب خطوة.ضغط زر.ما في استجابة.مرة ثانية.ولا شي.⸻“لا…” قال.“لا تكون خلصت…”⸻في الداخل—⸻لارا فتحت عيونها.الصمت كان غريب.مش هدوء.بل… فراغ محسوب.⸻“أنا…” همست.⸻ما في رد.⸻نظرت حولها.المكان أبيض… بس مو نقي.فيه خطوط دقيقة… كأنها شروخ داخل الضوء نفسه.⸻“أنا لحالي؟”⸻الصمت.⸻لكن هذه المرة…في إحساس.⸻مش صوت.مش كيان.⸻بس…نبض.⸻داخلها.⸻
⸻75%الرقم كان ثابت.لا طالع…ولا نازل.⸻ريان وقف قدام الجهاز، يتنفس بصعوبة.“ليش واقف؟…” همس.“ليش فجأة وقف؟”⸻مرّر إيده على وجهه.“هذا مش طبيعي… كل مرة يا بترتفع يا بتنزل…”“بس هيك؟ توقف؟”⸻الصمت كان أسوأ من أي صوت.⸻في الداخل—⸻البياض رجع.مو أبيض نقي…بل خليط.هادئ.⸻لارا وقفت.نظرت حولها.⸻“أنا…” همست.⸻صوتها رجع طبيعي.هادئ.لكن فيه صدى غريب.⸻“أنا رجعت؟”⸻لا رد.⸻“وينهم؟”⸻الصمت.⸻⸻حطت يدها على صدرها.في إحساس…غريب.مش ألم.مش راحة.⸻شي بين الاثنين.⸻⸻“أنا الكل…” قالت قبل شوي.⸻هل لسا هي نفس الفكرة؟
⸻الصوت كان أقرب هذه المرة.ليس مجرد خطوات… بل حضور واضح، ثقيل، وكأن الهواء نفسه أصبح يعرف أن هناك من يقترب.“يلا!” قال ريان وهو يشد يد لارا بقوة.ركضوا خارج الغرفة، عبر ممر ضيق لا يكاد يتسع لشخصين. الأضواء الحمراء كانت تومض بشكل سريع، تعطي المكان إحساسًا بالخط
المدينة لم تعد تبدو كما كانت قبل ساعات.أو ربما… هي لم تكن كما كانت أصلًا.لارا كانت تركض بجانب ريان، يدها في يده، لكنها لم تعد تشعر بالأرض تحت قدميها بشكل طبيعي. كل شيء كان أسرع من قدرتها على الاستيعاب: الشوارع، الأصوات، وحتى أنفاسها.“وقفنا شوي…” قالت وهي تلهث.
الطريق كان أطول مما توقعت لارا.لم تكن تعرف إلى أين يأخذها ريان، لكنه كان يمشي أمامها بثبات، وكأنه يعرف كل خطوة قبل أن تحدث. أما هي، فكانت تتبعه بصمت، وعقلها لا يتوقف عن الأسئلة.“وين رايحين؟” سألت أخيرًا.لم يلتفت.“مكان رح يجاوبك.” قال بهدوء.“هذا جو
“من نفسك.”الكلمة بقيت معلّقة في الهواء بينهما، ثقيلة… غريبة… وكأنها ليست مجرد جملة، بل حكم غير مفهوم.لارا لم تتحرك.كانت تنظر إلى ريان، تحاول أن تجد في وجهه أي علامة تدل على أنه يمزح… أو يبالغ… أو حتى يتلاعب بها. لكن ملامحه كانت ثابتة بشكل مزعج، هادئة ل







