ANMELDENلم تكن ليان النجار تعرف أن حياة حاسم الرفاعي قبلها كانت أكثر تعقيداً مما أخبرها به.
لم يكن حاسم من الرجال الذين يتحدثون كثيراً عن أنفسهم. حتى خلال السنوات الأربع التي عاشاها معاً، لم يسألها كثيراً عن ماضيها، وهي أيضاً لم تكن من النوع الذي يلاحقه بالأسئلة. كان بينهما اتفاق غير مكتوب. هو يحترم مساحتها، وهي تحترم مساحته. وربما كان ذلك أحد الأسباب التي جعلت زواجهما يستمر بهذه الهدوء. في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان على صوت طرق خفيف على الباب. "سيدة ليان؟" "ادخلي يا سعاد." دخلت سعاد تحمل ملابسها، ثم وضعتها على الكرسي القريب من الخزانة. "الفطور جاهز." "حسناً، شكراً." أومأت سعاد وغادرت دون إضافة شيء. ارتدت ليان ملابسها ببطء، ثم نظرت إلى نفسها في المرآة. كانت تحاول دائماً اختيار ملابس تخفي أثر الإصابة في ساقها. لم تكن تخجل من الندبة. لكنها لم تحب نظرات الناس إليها. في الماضي، كانت ساقاها مصدر قوتها. كانت تقف لساعات أمام المرآة تتدرب على حركات الباليه، وتتخيل نفسها على مسرح كبير. الآن، أصبحت تلك الأيام مجرد صور قديمة في صندوق تحت سريرها. نزلت إلى المطبخ. كان حاسم قد غادر بالفعل. وجدت كوب القهوة الذي اعتاد أن يشربه قبل خروجه، وبجانبه بعض الأوراق. لم تلمسها. لم تكن من حقها. جلست لتناول الإفطار وحدها. وبعد دقائق، وصلتها رسالة من حاسم. "لدي اجتماع خارج الشركة. قد أتأخر الليلة." قرأت الرسالة مرتين. ثم أجابت: "حسناً. لا تقلق." لم تكن معتادة على كثرة الرسائل بينهما. عادةً كانت محادثاتهما قصيرة ومباشرة. لكنها ابتسمت رغم ذلك. على الأقل أخبرها. في مكان آخر، كان حاسم يجلس في سيارة سوداء متجهة إلى أحد اجتماعاته. كان رائد يجلس بجانبه، بينما كان يزن يتابع بعض الملفات في المقعد الخلفي. قال رائد: "هل ما زلت تفكر في العرض؟" "نعم." "إنه عرض جيد." أجاب حاسم دون أن يرفع عينيه عن جهازه اللوحي: "جيد لا يعني أنه مناسب." ابتسم يزن. "هذا هو حاسم الذي نعرفه." رفع حاسم عينيه إليه. "وماذا يعني ذلك؟" "أنك تستطيع تحويل أبسط قرار إلى معركة استراتيجية." ضحك رائد. "دعه. أنت تعرف أنه لن يقتنع حتى يراجع الموضوع عشر مرات." نظر حاسم إليهما. "لو كنتما تفكران بهذه الطريقة عندما بدأنا الشركة، لما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن." ساد الصمت للحظة. ثم قال رائد: "على الأقل اعترف أننا كنا معك منذ البداية." أغلق حاسم جهازه. "لم أنكر ذلك يوماً." كانت تلك الحقيقة. رائد ويزن لم يكونا موظفين عاديين. كانا جزءاً من قصته. من الأيام التي لم يكن فيها اسم حاسم الرفاعي يعني شيئاً في عالم الأعمال. من الليالي التي كانوا يعملون فيها حتى الفجر. ومن الأيام التي اضطروا فيها إلى رفض مشاريع كثيرة لأنهم لم يملكوا المال الكافي لتنفيذها. حاسم لم ينسَ شيئاً من ذلك. ولهذا كان ولاؤه لهما مختلفاً عن ولائه لأي شخص آخر. بعد انتهاء الاجتماع، قرر الثلاثة تناول الغداء معاً. كان المكان هادئاً، بعيداً عن ضجيج المدينة. جلسوا حول طاولة واحدة. قال رائد: "هل تتذكرون أول مكتب لنا؟" ابتسم يزن. "كيف يمكن أن أنساه؟" ضحك. "كانت النافذة لا تغلق." قال رائد: "والتدفئة لا تعمل." نظر الاثنان إلى حاسم. كان يستمع إليهما بابتسامة صغيرة. قال يزن: "أغرب شيء أنك كنت واثقاً أننا سننجح." أجاب حاسم: "لأنني كنت أعرف أننا سننجح." "كنت مغروراً." "وكنت على حق." انفجر رائد بالضحك. "لم تتغير." للمرة الأولى ذلك اليوم، ضحك حاسم بوضوح. كان مشهداً نادراً. الرجل الذي يخشاه الموظفون في الاجتماعات، ويحسبون كلماته بدقة، كان مختلفاً تماماً مع الرجلين اللذين عرفاه قبل المال والنجاح. لكن وسط حديثهم، لاحظ يزن أن حاسم أصبح شارد الذهن. "ماذا بك؟" عاد حاسم إلى الواقع. "لا شيء." "متأكد؟" "نعم." لم يضغط يزن عليه. كان يعرف أن حاسم لا يحب أن يكرر الناس السؤال نفسه. بعد الغداء، عادوا إلى الشركة. مرّ اليوم سريعاً. وفي المساء، كانت ليان قد خرجت إلى الشرفة الصغيرة في شقتها. كانت تحب الجلوس هناك في نهاية اليوم. وضعت كوب الشاي على الطاولة، ثم فتحت هاتفها. تصفحت بعض الصور، ثم انتقلت إلى حسابات قديمة تعرفها. توقفت عند صورة لإحدى زميلاتها من أيام المدرسة. بدأت تتذكر تلك الفترة. المدرسة. الفصل. الممر الطويل. وحاسم. كان دائماً محاطاً بالناس. لم يكن أكثر الطلاب كلاماً، لكنه كان صاحب حضور قوي. حتى في ذلك العمر، كان مختلفاً. لم تكن تعرف كيف وقع قلبها في حبه. ربما كانت نظرة واحدة. وربما كان الأمر أقدم من ذلك. أغلقت الهاتف. لم تكن تريد التفكير في الماضي. فجأة سمعت صوت المفتاح في الباب. دخل حاسم. التفتت إليه. "عدت." "نعم." كان يبدو أكثر هدوءاً من المعتاد. وضع هاتفه على الطاولة. ثم نظر إليها. "لماذا أنت هنا وحدك؟" "أحب الجلوس هنا." أومأ. ثم نظر إلى كوب الشاي. "هل الجو بارد؟" "قليلاً." دخل إلى الصالون، وأحضر بطانية ووضعها على كتفيها. "لا تبقي هنا طويلاً." نظرت إليه. "حسناً." جلس على المقعد المقابل لها. للحظات، لم يتحدث أي منهما. ثم قالت ليان: "كيف كان يومك؟" "طويل." "اجتماع سيئ؟" "ليس سيئاً." ابتسمت. "إذن جيد." نظر إليها. كانت دائماً هكذا. لا تطلب منه الكثير. لا تضغط عليه. لا تحاول إجباره على الحديث. ربما لهذا السبب شعر معها بالراحة. لكن الراحة شيء... والحب شيء آخر. قال حاسم: "هل تريدين شيئاً من الخارج؟" هزت رأسها. "لا." "متأكدة؟" "نعم." أومأ. ثم وقف. "سأذهب للنوم." "حسناً." صعد إلى الغرفة. بقيت ليان في مكانها. كانت تشعر بشيء غريب. ربما لأنها بدأت تدرك أنها تعرف تفاصيل كثيرة عن حياة حاسم اليومية، لكنها لا تعرف شيئاً عن قلبه. وبينما كانت تفكر، وصل إشعار إلى هاتفها. لم يكن مهماً. مجرد تحديث من أحد الحسابات التي تتابعها. أغلقت الهاتف دون أن تفتحه. لم تكن تعرف أن بعد أيام قليلة فقط، ستفتح هاتفها بحثاً عن شيء عادي... وسترى شيئاً سيجعل قلبها يتوقف للحظات. شيئاً لم تكن تبحث عنه. وشخصاً لم تكن تتوقع رؤيته. أما حاسم، ففي الطابق العلوي، كان يقف أمام نافذة غرفته. أخرج هاتفه. وجد رسالة من رائد: "غداً في المساء. لا أعذار." تبعها يزن برسالة أخرى: "هذه المرة أنت من يختار المكان." قرأ حاسم الرسالتين، ثم ابتسم. كتب: "حسناً." ووضع الهاتف جانباً. لم يكن يعلم أن اجتماع الأصدقاء الذي وافق عليه ببساطة... سيكون بداية عودة جزء من الماضي إلى حياته. جزء ظن الجميع أنه انتهى. وجزء لم تعرف ليان بوجوده أصلاً. في تلك الليلة، نامت ليان وهي تعتقد أن كل شيء كما كان. وحاسم نام وهو يفكر في العمل. أما الأيام القادمة... فكانت تخبئ لهما شيئاً مختلفاً تماماً. شيئاً سيجعل السنوات الأربع الماضية تبدو وكأنها مجرد بداية.مرّت أسابيع قليلة منذ بدأت ليان إعادة التأهيل.لم تكن التغييرات كبيرة بما يكفي ليلاحظها شخص لا يعرفها، لكنها بالنسبة إليها كانت أشبه بمعجزة.أصبحت تقف لفترة أطول.خطواتها أصبحت أكثر ثباتاً.والأهم أنها لم تعد تخاف من ساقها كما كانت في السابق.كل صباح كانت تدخل مركز التأهيل وهي تعرف أن الطريق طويل، لكنها لم تعد تكره الطريق.كانت تحبه.لأنه يعيد إليها شيئاً فقدته.في ذلك اليوم، كانت ليان تنهي تمرينها الأخير عندما قال لها المدرب:"توقفي."نظرت إليه."لماذا؟""لأنك بدأت تتعبين.""أستطيع الاستمرار.""أعرف."ثم ابتسم."لكن القدرة على التوقف في الوقت المناسب جزء من العلاج أيضاً."تنهدت وجلست."حسناً."ناولها الماء."بعد أسبوعين، إذا استمر التحسن بهذا الشكل، سنزيد التمارين."رفعت رأسها بسرعة."إلى ماذا؟""إلى تمارين أقرب للحركة التي تحتاجينها في الرقص."تجمدت للحظة.
في اليوم التالي، وصلت ليان إلى العيادة في الموعد المحدد.لم تخبر حاسم.وكعادتها، لم يكن في الأمر شيء سري بالنسبة لها؛ كانت فقط تريد أن تتولى هذه المرحلة بنفسها.كان آدم قد أخبرها أن الطبيب يريد أن يبدأ معها بطريقة مختلفة قبل الانتقال إلى إعادة التأهيل.دخلت غرفة الفحص، فوجدت الطبيب يجهز أدواته.قال لها:"اليوم لن نبدأ بتمارين شاقة."نظرت إليه باستغراب."ماذا سنفعل؟""سأبدأ معك بالعلاج بالوخز بالإبر."نظرت إلى ساقها."الإبر؟"ابتسم."نعم. الهدف هو تحفيز مناطق معينة ومساعدة العضلات والأعصاب على الاستجابة بشكل أفضل، وبعدها سننتقل تدريجياً إلى إعادة التأهيل."أومأت."أنا مستعدة."استلقت ليان بهدوء.كان الطبيب يشرح لها كل خطوة قبل أن يقوم بها، حتى لا تشعر بالخوف.وضعت يدها على طرف السرير.ثم بدأت الجلسة.في البداية شعرت بوخز خفيف.ثم إحساس غريب بالشد في بعض المناطق.أغمضت عينيها.
مرت ثلاثة أيام منذ زيارة ليان للطبيب.ثلاثة أيام لم تتحدث فيها عن الأمر مع أحد.كانت تذهب إلى مركز الرقص صباحاً، ثم تعود إلى المنزل، وتكمل إجراءات سفرها بصمت.أما حاسم، فقد أصبح أكثر ملاحظة لكل تفاصيلها.لم يكن يسألها مباشرة.لكنه كان يراقب.لاحظ أنها أصبحت تستيقظ مبكراً.لاحظ أنها تخرج أكثر.لاحظ أنها لم تعد تنتظر عودته إلى المنزل.والأهم...لاحظ أنها لم تعد ترتب حياته كما كانت تفعل في الماضي.في السابق، كان يجد ملابسه جاهزة قبل أن يطلبها.ربطات العنق التي تناسب بدلاته.الأزرار التي اختارتها بنفسها.حتى بعض التصاميم التي كانت تتواصل مع يوسف بشأنها كانت تحمل لمساتها الخاصة.أما الآن؟كان يرتدي ما يجده.ولم تعد تسأله إن كان يحتاج شيئاً.في صباح اليوم الرابع، كان حاسم في مكتبه عندما وصلته رسالة من الطبيب."النتائج الأولية جاهزة. نحتاج إلى جلسة أخرى لمناقشة خطة العلاج."ظل ينظر إلى الرسالة.كان
كانت ليان قد قررت منذ أيام أن تبدأ خطوة جديدة.بعد أن حصلت على موافقة التأشيرة، لم تعد تريد أن تغادر وهي تحمل في داخلها سؤالاً واحداً عن ساقها.إذا كانت ستعود إلى الرقص، فعليها أن تعرف أولاً إلى أي مدى تستطيع جسدياً أن تفعل ذلك.ولهذا، عندما أخبرتها نادين عن طبيب جديد يستخدم تقنية مختلفة في إعادة التأهيل، اهتمت فوراً.قالت لها نادين:"إنه ليس طبيباً عادياً. آدم يعرفه، وقد أخبرني عنه."رفعت ليان عينيها."آدم؟""نعم."ثم أضافت:"يقول إن طريقته مختلفة عن الأطباء الذين ذهبتِ إليهم سابقاً."فكرت ليان للحظة.ثم وافقت.في اليوم التالي، اجتمعت ليان بنادين.كان آدم الكيلاني ينتظرهما في مقهى قريب.عندما رآها، ابتسم."مر وقت طويل."قالت ليان:"نعم."كان آدم ينظر إليها باهتمام واضح، لكنه كان حريصاً على ألا يكشف شيئاً.كان قد عرفها منذ سنوات.وعلى الرغم من أن ليان لم تكن تعرف ما كان يشعر به تجاهها، إلا أن
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان قبل شروق الشمس.لم يكن هناك سبب واضح يجعلها تستيقظ باكراً.لكن منذ أن عادت إلى مركز الرقص، أصبح النوم مختلفاً.كانت تشعر أن شيئاً قديماً استيقظ بداخلها.شيء ظنت أنه مات منذ أربع سنوات.جلست على حافة السرير، ثم نظرت إلى الصندوق الموجود بجانبها.فتحت الغطاء.كان حذاء الرقص الذي اشتراه لها حاسم بالأمس.مررت أصابعها فوقه.ثم ابتسمت."شكراً..."قالتها لنفسها.لكنها لم تكن متأكدة إن كانت تشكره لأنه أعاد إليها شيئاً تحبه...أم لأنها أدركت بسببه أن هذا الحلم لم يمت فعلاً.بعد ساعة، كانت في مركز الرقص.وقفت أمام المرآة الكبيرة.كان المدرب أمامها."سنبدأ ببطء."أومأت."أنا مستعدة.""لا تحاولي إثبات شيء."نظرت إليه."لا أريد إثبات شيء."ثم أخذت نفساً عميقاً."أريد فقط أن أرقص."بدأت الموسيقى.خطوة.ثم أخرى.
كان صباحاً عادياً...على الأقل بالنسبة إلى حاسم.استيقظ، ارتدى بدلته، تناول قهوته، ثم خرج إلى الشركة.لكن بالنسبة إلى ليان، كان كل يوم يمر يحمل معه خطوة جديدة نحو النهاية.لم تعد تفكر في سؤال واحد:هل سأرحل؟بل أصبح السؤال:متى؟بعد خروج حاسم، دخلت ليان غرفتها وأغلقت الباب.وضعت حقيبتها على السرير، ثم أخرجت ملفاً صغيراً.كانت الأوراق مرتبة بعناية.جواز السفر.شهادة اللغة.خطاب القبول.الوثائق الجامعية.ثم ورقة التأشيرة.وضعت إصبعها على التاريخ.اقترب الموعد.ابتسمت دون أن تشعر.ثم رن هاتفها.كانت الجامعة.أجابت بسرعة."مرحباً."تحدثت الموظفة معها لبضع دقائق، ثم قالت:"نعم، بالتأكيد. سأرسل لكم الوثيقة المطلوبة اليوم."أغلقت المكالمة.وأخذت نفساً عميقاً.كانت الأمور تسير كما خططت.لكنها لم تكن وحدها التي بدأت تلاحظ التغيير.







