ANMELDENلم تكن عودة جاني السعدي مجرد ليلة واحدة.
في البداية، ظن حاسم الرفاعي أن الأمر لن يتجاوز عشاءً مع أصدقاء قدامى. لكن الأيام أثبتت العكس. بعد ذلك العشاء، بدأت اللقاءات تتكرر. مرة في مطعم. ومرة في مقهى هادئ. وأحياناً في أحد الأماكن الخاصة التي اعتاد رائد ويزن الذهاب إليها بعد انتهاء العمل. كانت جاني موجودة في معظم تلك اللقاءات. وكانت تعود شيئاً فشيئاً إلى مكانها القديم بينهم، وكأن السنوات التي غابت فيها لم تكن سوى استراحة قصيرة. رائد كان سعيداً بعودتها. ويزن، رغم هدوئه المعتاد، كان يستمتع بوجودها. أما حاسم... فلم يكن يتحدث كثيراً عن الأمر. لكنه كان يذهب. كل مرة. في أحد الأيام، عاد حاسم إلى الشقة في وقت متأخر. كانت ليان لا تزال مستيقظة. كانت تجلس في الصالون وتقرأ. رفع عينيه إليها. "لم تنامي؟" "ليس بعد." خلع معطفه ووضعه على الكرسي. لاحظت ليان شيئاً مختلفاً فيه. كانت رائحة العطر أقوى من المعتاد. لكنها لم تسأل. قال حاسم: "سأستحم وأعود." أومأت. "حسناً." اختفى في الطابق العلوي. وبعد دقائق، سمعت ليان صوت الماء. أغلقت كتابها. لم تكن تريد أن تنتظره. لكنها بقيت جالسة. لم تكن تعرف لماذا. ربما لأنها اعتادت وجوده. أو لأنها كانت تفكر في جاني. منذ عودتها، أصبح حاسم يخرج أكثر. ولم يكن يخبر ليان بالكثير. لكنها لم تسأله. كانت تحترم خصوصيته كما احترم خصوصيتها دائماً. في اليوم التالي، اتصل رائد بحاسم أثناء وجوده في مكتبه. "الليلة أيضاً." رفع حاسم عينيه عن الشاشة. "مرة أخرى؟" "جانو تريد أن ترى المدينة." ضحك يزن من الطرف الآخر. "وأنت تعرف أنها ستغضب إذا رفضت." تنهد حاسم. "أين؟" أخبره رائد بالمكان. أجاب حاسم: "سآتي." أغلق الهاتف. بقي للحظات صامتاً. ثم عاد إلى عمله. لم يكن يشرب عادة. منذ سنوات طويلة، كان حاسم يتجنب الكحول تماماً. لم يكن يحب أن يفقد السيطرة على نفسه. وكان لديه سبب آخر. ليان. بعد الحادث الذي تعرضت له، وبعد إصابتها، قطع حاسم وعداً لنفسه. ثم وعدها هي أيضاً. كان ذلك في الأشهر الأولى من زواجهما. كانت ليان قد لاحظت في إحدى المرات أنه رفض كأساً في مناسبة خاصة، فسألته عن السبب. أجابها وقتها ببساطة: "لن أشرب مرة أخرى." ضحكت معتقدة أنه يمزح. لكنه نظر إليها بجدية. "أعدك." لم تفهم لماذا كان الأمر مهماً إلى تلك الدرجة. لكنه كان يعرف. في اليوم الذي أصيبت فيه ليان، كان هو السبب الذي جعلها تدفع الثمن. ومنذ ذلك اليوم، شعر أن عليه أن يكون أكثر حذراً. أن يبقى مسيطراً على نفسه. أن يكون الشخص الذي يمكنها الاعتماد عليه. وقد حافظ على وعده أربعة أعوام. حتى عادت جاني. في تلك الليلة، جلس الأربعة حول الطاولة. رائد ويزن. حاسم. وجاني. كانت الأجواء مختلفة عن اللقاءات السابقة. الموسيقى هادئة، والحديث ممتع. جاني كانت تحكي عن السنوات التي عاشتها خارج البلاد. ضحك رائد. "لا أصدق أنك ما زلت تتذكرين هذه القصة." "طبعاً أتذكرها." قالت جاني وهي تضحك: "أنتم الثلاثة لا يمكن نسيانكم." نظرت إلى حاسم. "خصوصاً أنت." رفع حاسم عينيه إليها. "ماذا فعلت هذه المرة؟" "كنت دائماً أكثر شخص يظن أنه يعرف كل شيء." ابتسم. "لأنني كنت أعرف." ضحكت. "ما زلت كما أنت." وُضعت عدة أكواب على الطاولة. نظر حاسم إليها. ثم إلى الكأس أمامه. كان قد رفض في البداية. لكن جاني رفعت كأسها وقالت: "إلى الأيام القديمة." رفع رائد كأسه. ثم يزن. وبقي حاسم وحده. نظر إلى جاني. كانت تبتسم له. "لن تشرب معنا؟" قال: "لا." "لماذا؟" "لا أشرب." تغيرت ملامحها قليلاً. "منذ متى؟" أجاب بهدوء: "منذ سنوات." ضحك رائد. "إنه وعد." نظر إليه حاسم. توقف رائد. ثم قال: "وعد قطعه." لم يسأل أحد عن السبب. لكن جاني قالت: "مرة واحدة لن تضر." ظل حاسم صامتاً. كان يعرف أن عليه أن يرفض. لقد فعل ذلك مئات المرات. لكن تلك الليلة كان الماضي يجلس أمامه. وكانت جاني تضحك كما كانت تفعل في الماضي. للحظة، شعر أنه عاد إلى ذلك الشاب الذي كان يعرفه قبل كل شيء. مد يده إلى الكأس. رفعها. قال يزن: "حاسم..." لكنه لم يكمل. شرب حاسم. كان رشفة واحدة فقط. لكنها كانت كافية. كان ذلك الوعد قد انكسر. الوعد الذي قطعه لليان. والوعد الذي قطعه لنفسه. بعد تلك الليلة، أصبح الأمر أسهل. أو ربما أصعب. لم يعد حاسم يرفض دائماً. في كل مرة يجتمع فيها مع أصدقائه، كان يشرب قليلاً. وفي كل مرة، كان يقنع نفسه بأن الأمر لا يعني شيئاً. مجرد كأس. مجرد ليلة. مجرد أصدقاء. لكن المشكلة لم تكن في الكأس. المشكلة كانت في السبب. كان يشرب لأنه يشعر بأنه يعيش من جديد جزءاً من حياته القديمة. وجاني كانت جزءاً كبيراً من تلك الحياة. مرت أسابيع. أصبح خروج حاسم أكثر تكراراً. وفي المنزل، لم تتغير معاملته لليان. كان لا يزال يسألها عن صحتها. لا يزال يهتم بأن يكون كل شيء متوفراً لها. ولا يزال يعاملها باحترام. لكن شيئاً تغير. أصبح أقل وجوداً. وأكثر انشغالاً خارج المنزل. وفي إحدى الليالي، عاد متأخراً. كانت الساعة تجاوزت الثانية صباحاً. كانت ليان قد استيقظت على صوت الباب. نزلت إلى الصالون. وجدته يدخل. توقفت. كان حاسم يمشي بثبات، لكنه لم يكن كعادته. نظر إليها. "لماذا أنت مستيقظة؟" قالت بهدوء: "سمعت الباب." اقتربت منه. شمّت رائحة الكحول. توقفت للحظة. لم تقل شيئاً. حاسم لاحظ نظرتها. قال: "لا تقلقي." لم تجبه. كان قد وعدها. تذكرت ذلك اليوم. قبل أربعة أعوام. حين قال لها: "لن أشرب مرة أخرى." لماذا؟ لم تعرف. لكنها تذكرت أنه كان جاداً جداً. قالت بصوت منخفض: "حاسم..." نظر إليها. ترددت. ثم قالت: "هل أنت بخير؟" أجاب: "نعم." لم تسأله لماذا شرب. لم تسأله مع من كان. ولم تذكر وعده. فقط قالت: "حسناً." ثم ابتعدت. نظر إليها حاسم للحظات. كان يعرف أنها لاحظت. وكان يعرف أنها لم تقل شيئاً. لكنه لم يشعر بالراحة. لأن تلك المرأة الهادئة التي أمامه لم تكن تسأله حتى عندما يحق لها أن تسأل. صعد إلى غرفته. وبقيت ليان في الأسفل. جلست على الأريكة. لم تبكِ. لم تغضب. لكن شيئاً صغيراً انكسر داخلها. لم يكن بسبب الكحول. بل بسبب السؤال الذي لم تستطع منعه: لماذا عاد حاسم إلى الشرب الآن؟ ولم تكن تعرف أن الإجابة كانت تجلس في كل مرة أمامه على الطاولة. جاني. أما حاسم، فدخل غرفته وأغلق الباب. ولأول مرة منذ عودتها، بدأ يشعر أن وجود جاني في حياته قد لا يكون مجرد عودة لصديقة قديمة. بل بداية شيء لن يستطيع السيطرة عليه بسهولة.مرّت أسابيع قليلة منذ بدأت ليان إعادة التأهيل.لم تكن التغييرات كبيرة بما يكفي ليلاحظها شخص لا يعرفها، لكنها بالنسبة إليها كانت أشبه بمعجزة.أصبحت تقف لفترة أطول.خطواتها أصبحت أكثر ثباتاً.والأهم أنها لم تعد تخاف من ساقها كما كانت في السابق.كل صباح كانت تدخل مركز التأهيل وهي تعرف أن الطريق طويل، لكنها لم تعد تكره الطريق.كانت تحبه.لأنه يعيد إليها شيئاً فقدته.في ذلك اليوم، كانت ليان تنهي تمرينها الأخير عندما قال لها المدرب:"توقفي."نظرت إليه."لماذا؟""لأنك بدأت تتعبين.""أستطيع الاستمرار.""أعرف."ثم ابتسم."لكن القدرة على التوقف في الوقت المناسب جزء من العلاج أيضاً."تنهدت وجلست."حسناً."ناولها الماء."بعد أسبوعين، إذا استمر التحسن بهذا الشكل، سنزيد التمارين."رفعت رأسها بسرعة."إلى ماذا؟""إلى تمارين أقرب للحركة التي تحتاجينها في الرقص."تجمدت للحظة.
في اليوم التالي، وصلت ليان إلى العيادة في الموعد المحدد.لم تخبر حاسم.وكعادتها، لم يكن في الأمر شيء سري بالنسبة لها؛ كانت فقط تريد أن تتولى هذه المرحلة بنفسها.كان آدم قد أخبرها أن الطبيب يريد أن يبدأ معها بطريقة مختلفة قبل الانتقال إلى إعادة التأهيل.دخلت غرفة الفحص، فوجدت الطبيب يجهز أدواته.قال لها:"اليوم لن نبدأ بتمارين شاقة."نظرت إليه باستغراب."ماذا سنفعل؟""سأبدأ معك بالعلاج بالوخز بالإبر."نظرت إلى ساقها."الإبر؟"ابتسم."نعم. الهدف هو تحفيز مناطق معينة ومساعدة العضلات والأعصاب على الاستجابة بشكل أفضل، وبعدها سننتقل تدريجياً إلى إعادة التأهيل."أومأت."أنا مستعدة."استلقت ليان بهدوء.كان الطبيب يشرح لها كل خطوة قبل أن يقوم بها، حتى لا تشعر بالخوف.وضعت يدها على طرف السرير.ثم بدأت الجلسة.في البداية شعرت بوخز خفيف.ثم إحساس غريب بالشد في بعض المناطق.أغمضت عينيها.
مرت ثلاثة أيام منذ زيارة ليان للطبيب.ثلاثة أيام لم تتحدث فيها عن الأمر مع أحد.كانت تذهب إلى مركز الرقص صباحاً، ثم تعود إلى المنزل، وتكمل إجراءات سفرها بصمت.أما حاسم، فقد أصبح أكثر ملاحظة لكل تفاصيلها.لم يكن يسألها مباشرة.لكنه كان يراقب.لاحظ أنها أصبحت تستيقظ مبكراً.لاحظ أنها تخرج أكثر.لاحظ أنها لم تعد تنتظر عودته إلى المنزل.والأهم...لاحظ أنها لم تعد ترتب حياته كما كانت تفعل في الماضي.في السابق، كان يجد ملابسه جاهزة قبل أن يطلبها.ربطات العنق التي تناسب بدلاته.الأزرار التي اختارتها بنفسها.حتى بعض التصاميم التي كانت تتواصل مع يوسف بشأنها كانت تحمل لمساتها الخاصة.أما الآن؟كان يرتدي ما يجده.ولم تعد تسأله إن كان يحتاج شيئاً.في صباح اليوم الرابع، كان حاسم في مكتبه عندما وصلته رسالة من الطبيب."النتائج الأولية جاهزة. نحتاج إلى جلسة أخرى لمناقشة خطة العلاج."ظل ينظر إلى الرسالة.كان
كانت ليان قد قررت منذ أيام أن تبدأ خطوة جديدة.بعد أن حصلت على موافقة التأشيرة، لم تعد تريد أن تغادر وهي تحمل في داخلها سؤالاً واحداً عن ساقها.إذا كانت ستعود إلى الرقص، فعليها أن تعرف أولاً إلى أي مدى تستطيع جسدياً أن تفعل ذلك.ولهذا، عندما أخبرتها نادين عن طبيب جديد يستخدم تقنية مختلفة في إعادة التأهيل، اهتمت فوراً.قالت لها نادين:"إنه ليس طبيباً عادياً. آدم يعرفه، وقد أخبرني عنه."رفعت ليان عينيها."آدم؟""نعم."ثم أضافت:"يقول إن طريقته مختلفة عن الأطباء الذين ذهبتِ إليهم سابقاً."فكرت ليان للحظة.ثم وافقت.في اليوم التالي، اجتمعت ليان بنادين.كان آدم الكيلاني ينتظرهما في مقهى قريب.عندما رآها، ابتسم."مر وقت طويل."قالت ليان:"نعم."كان آدم ينظر إليها باهتمام واضح، لكنه كان حريصاً على ألا يكشف شيئاً.كان قد عرفها منذ سنوات.وعلى الرغم من أن ليان لم تكن تعرف ما كان يشعر به تجاهها، إلا أن
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان قبل شروق الشمس.لم يكن هناك سبب واضح يجعلها تستيقظ باكراً.لكن منذ أن عادت إلى مركز الرقص، أصبح النوم مختلفاً.كانت تشعر أن شيئاً قديماً استيقظ بداخلها.شيء ظنت أنه مات منذ أربع سنوات.جلست على حافة السرير، ثم نظرت إلى الصندوق الموجود بجانبها.فتحت الغطاء.كان حذاء الرقص الذي اشتراه لها حاسم بالأمس.مررت أصابعها فوقه.ثم ابتسمت."شكراً..."قالتها لنفسها.لكنها لم تكن متأكدة إن كانت تشكره لأنه أعاد إليها شيئاً تحبه...أم لأنها أدركت بسببه أن هذا الحلم لم يمت فعلاً.بعد ساعة، كانت في مركز الرقص.وقفت أمام المرآة الكبيرة.كان المدرب أمامها."سنبدأ ببطء."أومأت."أنا مستعدة.""لا تحاولي إثبات شيء."نظرت إليه."لا أريد إثبات شيء."ثم أخذت نفساً عميقاً."أريد فقط أن أرقص."بدأت الموسيقى.خطوة.ثم أخرى.
كان صباحاً عادياً...على الأقل بالنسبة إلى حاسم.استيقظ، ارتدى بدلته، تناول قهوته، ثم خرج إلى الشركة.لكن بالنسبة إلى ليان، كان كل يوم يمر يحمل معه خطوة جديدة نحو النهاية.لم تعد تفكر في سؤال واحد:هل سأرحل؟بل أصبح السؤال:متى؟بعد خروج حاسم، دخلت ليان غرفتها وأغلقت الباب.وضعت حقيبتها على السرير، ثم أخرجت ملفاً صغيراً.كانت الأوراق مرتبة بعناية.جواز السفر.شهادة اللغة.خطاب القبول.الوثائق الجامعية.ثم ورقة التأشيرة.وضعت إصبعها على التاريخ.اقترب الموعد.ابتسمت دون أن تشعر.ثم رن هاتفها.كانت الجامعة.أجابت بسرعة."مرحباً."تحدثت الموظفة معها لبضع دقائق، ثم قالت:"نعم، بالتأكيد. سأرسل لكم الوثيقة المطلوبة اليوم."أغلقت المكالمة.وأخذت نفساً عميقاً.كانت الأمور تسير كما خططت.لكنها لم تكن وحدها التي بدأت تلاحظ التغيير.







