LOGINلم تكن حياة حاسم الرفاعي تشبه حياة أبناء العائلات الثرية.
رغم أن اسمه وحده كان كافياً ليفتح له أبواباً كثيرة، إلا أنه لم يستخدم اسم عائلته ليصل إلى ما يريد. بل فعل العكس تماماً. قبل سنوات، ترك منزل عائلته. لم يكن القرار سهلاً، لكنه كان ضرورياً. كان والداه قاسيين، لا يهتمان إلا بالمظاهر والمال وسمعة العائلة. لم يكن حاسم يرى في ذلك المنزل مكاناً يمكن أن يسميه بيتاً، ولذلك عندما قرر الرحيل، لم يأخذ معه سوى ما استطاع أن يبدأ به حياة جديدة. بدأ من الصفر. وكان معه شخصان فقط. رائد منصور ويزن الكيلاني. صديقان عرفهما منذ أيام المدرسة، ورفيقاه في أصعب سنوات حياته. في البداية، لم يكن لديهم مكتب فاخر، ولا موظفون، ولا سيارات فارهة. كان لديهم جهازان للحاسوب، غرفة صغيرة استأجروها كمكتب، وأفكار كثيرة. لكن حاسم كان يمتلك شيئاً لم يكن لدى الآخرين. عقلاً لا يتوقف. كان يرى ما لا يراه غيره. يحسب المخاطر قبل حدوثها، ويقرأ السوق بطريقة جعلت الآخرين يتساءلون كيف استطاع أن يتوقع كل شيء بهذه الدقة. رائد كان أكثر اجتماعية، يعرف كيف يتعامل مع الناس ويبني العلاقات. ويزن كان هادئاً ودقيقاً، بارعاً في الأرقام والإدارة. أما حاسم... فكان العقل الذي جمع كل شيء. مرت السنوات. الشركة الصغيرة تحولت إلى شركة كبيرة. ثم إلى مجموعة شركات. والشاب الذي غادر منزل عائلته دون أن ينظر خلفه أصبح واحداً من أكثر رجال الأعمال نجاحاً وثروة. لكنه لم ينسَ الشخصين اللذين وقفا إلى جانبه عندما لم يكن لديه شيء. ولهذا، رغم أنه أصبح رئيسهما التنفيذي، لم تتغير علاقتهما. في الشركة، كان حاسم هو الرئيس. كلمته الأخيرة. قراراه لا يناقش إذا اتخذه بعد دراسة. وكان رائد ويزن أول من يعرف ذلك. أما خارج الشركة، فكانوا أصدقاء كما كانوا دائماً. في ذلك الصباح، جلس حاسم في مكتبه بالطابق الأخير من مبنى الشركة. كانت المدينة تبدو صغيرة من خلف الزجاج الممتد من الأرض إلى السقف. أمامه ملفات كثيرة، لكن تركيزه كان منصباً على شاشة الحاسوب. دخل رائد دون أن يطرق الباب. رفع حاسم عينيه إليه. "هل نسيت أنك تعمل عندي؟" ابتسم رائد وجلس أمامه. "نسيت للحظة أنك أصبحت شخصاً مهماً." بعد ثوانٍ، دخل يزن أيضاً. "بل أصبح لا يبتسم إلا إذا وقّع عقداً بملايين." رفع حاسم حاجبه. "إذا انتهيتما، لدي اجتماع بعد عشر دقائق." ضحك رائد. "لهذا السبب نحن ناجحون." نظر حاسم إلى الملف أمامه. "أنتم ناجحون لأنني لم أترككما تغرقان." "كنت أعرف أنك ستقولها." جلس يزن بجانب رائد. كانت تلك اللحظات القليلة من المزاح هي المساحة الوحيدة التي سمح حاسم لنفسه فيها بأن ينسى أنه المدير. كان يثق بهما. أكثر مما يثق بالكثير من الأشخاص حوله. وبعد انتهاء الاجتماع، غادرا مكتبه. في المساء، عاد حاسم إلى شقته الفاخرة. لم يكن يعيش في قصر أو فيلا كما توقع البعض. كان يفضل شقة واسعة وحديثة في أحد أكثر الأبراج فخامة في المدينة. كانت ليان تجلس في الصالون عندما دخل. رفعت عينيها إليه. "عدت." "نعم." وضع حاسم مفاتيحه، ثم خلع سترته. نظر إليها للحظة. "هل تناولتِ الغداء؟" "نعم." "وماذا عن ساقك؟" "بخير." أومأ. لم يسأل أكثر. اقتربت منه ليان. "هل ستتناول العشاء هنا؟" "نعم." ابتسمت. "سأطلب منهم تحضيره." "لا داعي لأن تنتظريني." "لن أنتظرك." قالت ذلك بخفة، ثم اتجهت نحو المطبخ. نظر حاسم إليها للحظة قبل أن يتجه إلى غرفته. كان يعلم أن ليان تهتم به. كان يعرف أنها تنتظره أحياناً. ويعرف أنها تحاول دائماً أن تجعل حياته أسهل. لكنه لم يفكر يوماً في السبب الحقيقي وراء ذلك. لم يكن يعرف أن قلبها تعلق به منذ سنوات طويلة. بالنسبة إليه، كانت ليان المرأة التي أنقذته يوماً. والمرأة التي دفعته إصابتها إلى تحمل مسؤوليتها. ولهذا، لم يسمح لنفسه بأن يقصر معها في شيء. كان يعطيها المال، الأمان، الراحة، والاحترام. لكنه لم يعرف كيف يعطيها قلبه. وفي تلك الليلة، بعد العشاء، تلقى حاسم اتصالاً من رائد. "غداً بعد العمل؟" سأل حاسم: "ماذا هناك؟" "مجرد جلسة. أنا ويزن." صمت حاسم للحظة. ثم قال: "حسناً." لم يكن يعرف أن تلك الجلسة العادية بين ثلاثة أصدقاء قديمة ستصبح لاحقاً بداية لشيء سيغير حياته بالكامل. شيء سيعيد شخصاً من الماضي. وشخصاً آخر سيكتشف أن الرجل الذي عاش إلى جانبها أربعة أعوام... كان يحمل في قلبه قصة لم تنتهِ بعد. لكن ليان لم تكن تعرف شيئاً. وفي تلك الليلة، نامت مطمئنة إلى أن حياتها ستبقى كما هي. هادئة. مستقرة. ومتوقعة. ولم تكن تعرف أن الاستقرار الذي اعتادت عليه... كان على وشك أن ينتهي.لم تنم ليان تلك الليلة.ليس بسبب الخوف وحده، بل لأن عقلها أصبح يعمل بطريقة لم تعرفها من قبل.وضعت تذكرة السفر داخل غلاف أزرق صغير، ثم أخفته بين صفحات كتاب قديم كانت قد اشترته قبل سنوات ولم يفتحه أحد في المنزل.ستة عشر يومًا.ستة عشر يومًا فقط، وستكون في الطائرة.أربعة أيام قبل الموعد الذي يعرفه الجميع.لم تكن تعرف إن كان قرارها صائبًا، لكنها للمرة الأولى شعرت أن البقاء في مكان واحد لم يعد خيارًا آمنًا.في الصباح، نهضت قبل سعاد.ارتدت ملابس بسيطة، وربطت شعرها، ثم جلست أمام النافذة وهي تشرب قهوتها دون سكر.على الطاولة أمامها كانت توجد ثلاثة أشياء:جواز سفرها.ملف الجامعة.وقائمة صغيرة كتبتها بخط يدها:الأوراق.الأدوية.ملابس التدريب.الحذاء.الهاتف الاحتياطي.المال.ولا شيء من الماضي.توقفت عند الجملة الأخيرة.ثم أضافت تحتها:إلا الحقيقة.---في الجهة الأخرى من المدينة، كان حاسم في مكتبه
في صباح اليوم التالي، لم تستيقظ ليان على صوت المنبه.استيقظت على طرق خفيف على باب غرفتها.— سيدتي؟كان صوت سعاد.فتحت ليان عينيها.— ادخلي.فتحت سعاد الباب، وكانت تحمل صندوقًا متوسط الحجم.— وصل هذا لكِ.جلست ليان.— لي؟— نعم. جاء رجل وأعطاه للحارس، وقال إنه طلب منكِ استلامه شخصيًا.نظرت ليان إلى الصندوق.لم يكن عليه اسم المرسل.فقط اسمها.ليان الأزهري.قالت:— هل رأيتِ الرجل؟— لا. الحارس هو من استلمه.اقتربت ليان من الصندوق.لكنها لم تفتحه.— ضعيه هنا.وضعت سعاد الصندوق على الطاولة وخرجت.انتظرت ليان حتى أُغلق الباب.ثم أخذت نفسًا عميقًا.فتحت الصندوق.لم يكن بداخله شيء مخيف.بل كانت مجموعة من الأشياء القديمة.صور.دفتر صغير.تذكرة قطار.وشريط فيديو قديم.وفي الأعلى ورقة واحدة:> "هذه الأشياء
ظل حاسم واقفًا في مكانه.الهاتف المكسور بين أصابعه.اسم واحد على الشاشة:جاني السعدي.لم يقل شيئًا.حتى رائد، الذي كان يقف إلى جانبه، لم يجرؤ على الكلام للحظات.قال حاسم أخيرًا:— افتح الهاتف.— الشاشة مكسورة.— حاول.أخذ رائد الهاتف، وحاول تشغيله مرة أخرى.اشتغل للحظات.ظهرت الرسالة.لم تكن طويلة.جاني:"هل فعلت ما طلبته منك؟"حدق حاسم في الجملة.ثم ظهرت رسالة ثانية لم تكتمل بسبب انطفاء الهاتف:"لا تجعلني أندم لأنني..."وانطفأت الشاشة.قال رائد:— هذا ليس طبيعيًا.لم يرد حاسم.كان يشعر بأن شيئًا داخله يرفض تصديق ما يراه.جاني؟المرأة التي كان يعتقد أنها أكثر شخص يمكنه الوثوق به؟المرأة التي اعتاد الدفاع عنها أمام الجميع؟هل كانت تعرف الرجل الذي كان يعمل في قسم الأمن؟ولماذا كانت تطلب منه شيئًا؟قال رائد:— هل تريدني
لم تنم ليان.ظلت الصورة أمامها على شاشة هاتفها، تعود إليها كلما حاولت أن تضع الهاتف جانبًا.لم يكن وجه الرجل واضحًا.لكن الشعار...كان واضحًا بما يكفي.شعار شركة حاسم.وضعت الهاتف على الطاولة، ثم قامت من مكانها وبدأت تمشي ببطء داخل الغرفة.لم تكن تريد أن تقفز إلى الاستنتاجات.حاسم كان يملك شركة كبيرة.ومن الطبيعي أن يعمل فيها مئات الأشخاص.وقد تكون الصورة مرتبطة بأحد موظفي الشركة دون أن يكون حاسم نفسه يعرف شيئًا.لكن السؤال الأصعب كان:لماذا كان أحد موظفي شركته يراقبها قبل الحادث؟فتحت الصورة مرة أخرى.كبرتها.نظرت إلى الرجل.ثم إلى الشعار.ثم إلى تاريخ الصورة الموجود في بياناتها.كان قبل الحادث بأيام.لم يكن يوم الحادث نفسه.وهذا جعل الأمر أكثر غرابة.---في الصباح، أخذت ليان قرارًا.لن تسأل حاسم.ليس الآن.ليس قبل أن تعرف شيئًا حقيقيًا.
توقفت ليان عن التنفس لثوانٍ.كانت عيناها معلقتين بوجه فارس.— ماذا تقصد بـ"عاد"؟لم يجب فورًا.كان ينظر إلى باب القاعة وكأنه يتوقع أن يُفتح في أي لحظة.قالت ليان بحدة هادئة:— فارس، أنا انتظرت أربع سنوات حتى أسمع منك الحقيقة. لن أخرج من هنا قبل أن تخبرني.اقترب منها وخفض صوته:— ليس هنا.— لماذا؟— لأنني لا أعرف من كان خلف الباب.التفتت ليان بسرعة.كان الممر فارغًا.لم يكن هناك أحد.قالت:— ربما تخيلت الأمر.هز فارس رأسه.— لا.— هل رأيت شخصًا؟— لم أر وجهه.ثم نظر إليها.— لكنني سمعت صوت الباب.سكت لحظة.— وكان هناك شخص آخر معنا.تجمدت ليان.— شخص آخر؟— نعم.— من؟نظر فارس إليها طويلًا.— شخص لم يكن من المفترض أن يكون هناك.في الوقت نفسه، كان حاسم داخل سيارته.كان قد تلقى رسالة من رائد قبل دقائق:
ظل حاسم يحدق في الصورة على شاشة حاسوبه.لم يتحرك.لم يرمش حتى.كانت الصورة قديمة، جودتها ضعيفة، ويبدو أنها التُقطت في عجلة وسط الفوضى التي أعقبت الحادث.في المقدمة كانت السيارة.وفي الجهة الأخرى كانت ليان.وجهها لم يكن واضحًا تمامًا، لكن حاسم عرفها فورًا.أما في الخلفية...فكان هناك رجل يقف بعيدًا.رجل لم يظهر في التقرير الرسمي.قال حاسم ببطء:— من هذا؟كان رائد واقفًا خلفه.— لا أعرف بعد.كبّر حاسم الصورة.ظهر الرجل أوضح قليلًا.معطف داكن.هاتف في يده.ووجه نصفه مخفي بسبب زاوية التصوير.قال حاسم:— وكيف حصلت على هذه الصورة؟— من أرشيف إحدى الصحف المحلية. لم تُنشر الصورة في الخبر النهائي، لكنها كانت ضمن الصور الأصلية التي التقطها المصور.— ولماذا لم تظهر في التحقيق؟— هذا ما أحاول معرفته.أعاد حاسم النظر إليها.ثم قال:— كبّر الجهة الأخرى.







