Teilen

الرجل الذي بنى نفسه

last update Veröffentlichungsdatum: 25.08.2026 19:28:01

لم تكن حياة حاسم الرفاعي تشبه حياة أبناء العائلات الثرية.

رغم أن اسمه وحده كان كافياً ليفتح له أبواباً كثيرة، إلا أنه لم يستخدم اسم عائلته ليصل إلى ما يريد.

بل فعل العكس تماماً.

قبل سنوات، ترك منزل عائلته.

لم يكن القرار سهلاً، لكنه كان ضرورياً.

كان والداه قاسيين، لا يهتمان إلا بالمظاهر والمال وسمعة العائلة. لم يكن حاسم يرى في ذلك المنزل مكاناً يمكن أن يسميه بيتاً، ولذلك عندما قرر الرحيل، لم يأخذ معه سوى ما استطاع أن يبدأ به حياة جديدة.

بدأ من الصفر.

وكان معه شخصان فقط.

رائد منصور ويزن الكيلاني.

صديقان عرفهما منذ أيام المدرسة، ورفيقاه في أصعب سنوات حياته.

في البداية، لم يكن لديهم مكتب فاخر، ولا موظفون، ولا سيارات فارهة.

كان لديهم جهازان للحاسوب، غرفة صغيرة استأجروها كمكتب، وأفكار كثيرة.

لكن حاسم كان يمتلك شيئاً لم يكن لدى الآخرين.

عقلاً لا يتوقف.

كان يرى ما لا يراه غيره.

يحسب المخاطر قبل حدوثها، ويقرأ السوق بطريقة جعلت الآخرين يتساءلون كيف استطاع أن يتوقع كل شيء بهذه الدقة.

رائد كان أكثر اجتماعية، يعرف كيف يتعامل مع الناس ويبني العلاقات.

ويزن كان هادئاً ودقيقاً، بارعاً في الأرقام والإدارة.

أما حاسم...

فكان العقل الذي جمع كل شيء.

مرت السنوات.

الشركة الصغيرة تحولت إلى شركة كبيرة.

ثم إلى مجموعة شركات.

والشاب الذي غادر منزل عائلته دون أن ينظر خلفه أصبح واحداً من أكثر رجال الأعمال نجاحاً وثروة.

لكنه لم ينسَ الشخصين اللذين وقفا إلى جانبه عندما لم يكن لديه شيء.

ولهذا، رغم أنه أصبح رئيسهما التنفيذي، لم تتغير علاقتهما.

في الشركة، كان حاسم هو الرئيس.

كلمته الأخيرة.

قراراه لا يناقش إذا اتخذه بعد دراسة.

وكان رائد ويزن أول من يعرف ذلك.

أما خارج الشركة، فكانوا أصدقاء كما كانوا دائماً.

في ذلك الصباح، جلس حاسم في مكتبه بالطابق الأخير من مبنى الشركة.

كانت المدينة تبدو صغيرة من خلف الزجاج الممتد من الأرض إلى السقف.

أمامه ملفات كثيرة، لكن تركيزه كان منصباً على شاشة الحاسوب.

دخل رائد دون أن يطرق الباب.

رفع حاسم عينيه إليه.

"هل نسيت أنك تعمل عندي؟"

ابتسم رائد وجلس أمامه.

"نسيت للحظة أنك أصبحت شخصاً مهماً."

بعد ثوانٍ، دخل يزن أيضاً.

"بل أصبح لا يبتسم إلا إذا وقّع عقداً بملايين."

رفع حاسم حاجبه.

"إذا انتهيتما، لدي اجتماع بعد عشر دقائق."

ضحك رائد.

"لهذا السبب نحن ناجحون."

نظر حاسم إلى الملف أمامه.

"أنتم ناجحون لأنني لم أترككما تغرقان."

"كنت أعرف أنك ستقولها."

جلس يزن بجانب رائد.

كانت تلك اللحظات القليلة من المزاح هي المساحة الوحيدة التي سمح حاسم لنفسه فيها بأن ينسى أنه المدير.

كان يثق بهما.

أكثر مما يثق بالكثير من الأشخاص حوله.

وبعد انتهاء الاجتماع، غادرا مكتبه.

في المساء، عاد حاسم إلى شقته الفاخرة.

لم يكن يعيش في قصر أو فيلا كما توقع البعض.

كان يفضل شقة واسعة وحديثة في أحد أكثر الأبراج فخامة في المدينة.

كانت ليان تجلس في الصالون عندما دخل.

رفعت عينيها إليه.

"عدت."

"نعم."

وضع حاسم مفاتيحه، ثم خلع سترته.

نظر إليها للحظة.

"هل تناولتِ الغداء؟"

"نعم."

"وماذا عن ساقك؟"

"بخير."

أومأ.

لم يسأل أكثر.

اقتربت منه ليان.

"هل ستتناول العشاء هنا؟"

"نعم."

ابتسمت.

"سأطلب منهم تحضيره."

"لا داعي لأن تنتظريني."

"لن أنتظرك."

قالت ذلك بخفة، ثم اتجهت نحو المطبخ.

نظر حاسم إليها للحظة قبل أن يتجه إلى غرفته.

كان يعلم أن ليان تهتم به.

كان يعرف أنها تنتظره أحياناً.

ويعرف أنها تحاول دائماً أن تجعل حياته أسهل.

لكنه لم يفكر يوماً في السبب الحقيقي وراء ذلك.

لم يكن يعرف أن قلبها تعلق به منذ سنوات طويلة.

بالنسبة إليه، كانت ليان المرأة التي أنقذته يوماً.

والمرأة التي دفعته إصابتها إلى تحمل مسؤوليتها.

ولهذا، لم يسمح لنفسه بأن يقصر معها في شيء.

كان يعطيها المال، الأمان، الراحة، والاحترام.

لكنه لم يعرف كيف يعطيها قلبه.

وفي تلك الليلة، بعد العشاء، تلقى حاسم اتصالاً من رائد.

"غداً بعد العمل؟"

سأل حاسم:

"ماذا هناك؟"

"مجرد جلسة. أنا ويزن."

صمت حاسم للحظة.

ثم قال:

"حسناً."

لم يكن يعرف أن تلك الجلسة العادية بين ثلاثة أصدقاء قديمة ستصبح لاحقاً بداية لشيء سيغير حياته بالكامل.

شيء سيعيد شخصاً من الماضي.

وشخصاً آخر سيكتشف أن الرجل الذي عاش إلى جانبها أربعة أعوام...

كان يحمل في قلبه قصة لم تنتهِ بعد.

لكن ليان لم تكن تعرف شيئاً.

وفي تلك الليلة، نامت مطمئنة إلى أن حياتها ستبقى كما هي.

هادئة.

مستقرة.

ومتوقعة.

ولم تكن تعرف أن الاستقرار الذي اعتادت عليه...

كان على وشك أن ينتهي.

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • بين الواجب و الحب الضائع   خطوة أخرى

    مرّت أسابيع قليلة منذ بدأت ليان إعادة التأهيل.لم تكن التغييرات كبيرة بما يكفي ليلاحظها شخص لا يعرفها، لكنها بالنسبة إليها كانت أشبه بمعجزة.أصبحت تقف لفترة أطول.خطواتها أصبحت أكثر ثباتاً.والأهم أنها لم تعد تخاف من ساقها كما كانت في السابق.كل صباح كانت تدخل مركز التأهيل وهي تعرف أن الطريق طويل، لكنها لم تعد تكره الطريق.كانت تحبه.لأنه يعيد إليها شيئاً فقدته.في ذلك اليوم، كانت ليان تنهي تمرينها الأخير عندما قال لها المدرب:"توقفي."نظرت إليه."لماذا؟""لأنك بدأت تتعبين.""أستطيع الاستمرار.""أعرف."ثم ابتسم."لكن القدرة على التوقف في الوقت المناسب جزء من العلاج أيضاً."تنهدت وجلست."حسناً."ناولها الماء."بعد أسبوعين، إذا استمر التحسن بهذا الشكل، سنزيد التمارين."رفعت رأسها بسرعة."إلى ماذا؟""إلى تمارين أقرب للحركة التي تحتاجينها في الرقص."تجمدت للحظة.

  • بين الواجب و الحب الضائع   أول خطوة نحو العودة

    في اليوم التالي، وصلت ليان إلى العيادة في الموعد المحدد.لم تخبر حاسم.وكعادتها، لم يكن في الأمر شيء سري بالنسبة لها؛ كانت فقط تريد أن تتولى هذه المرحلة بنفسها.كان آدم قد أخبرها أن الطبيب يريد أن يبدأ معها بطريقة مختلفة قبل الانتقال إلى إعادة التأهيل.دخلت غرفة الفحص، فوجدت الطبيب يجهز أدواته.قال لها:"اليوم لن نبدأ بتمارين شاقة."نظرت إليه باستغراب."ماذا سنفعل؟""سأبدأ معك بالعلاج بالوخز بالإبر."نظرت إلى ساقها."الإبر؟"ابتسم."نعم. الهدف هو تحفيز مناطق معينة ومساعدة العضلات والأعصاب على الاستجابة بشكل أفضل، وبعدها سننتقل تدريجياً إلى إعادة التأهيل."أومأت."أنا مستعدة."استلقت ليان بهدوء.كان الطبيب يشرح لها كل خطوة قبل أن يقوم بها، حتى لا تشعر بالخوف.وضعت يدها على طرف السرير.ثم بدأت الجلسة.في البداية شعرت بوخز خفيف.ثم إحساس غريب بالشد في بعض المناطق.أغمضت عينيها.

  • بين الواجب و الحب الضائع   خبرٌ لم تكن تنتظره

    مرت ثلاثة أيام منذ زيارة ليان للطبيب.ثلاثة أيام لم تتحدث فيها عن الأمر مع أحد.كانت تذهب إلى مركز الرقص صباحاً، ثم تعود إلى المنزل، وتكمل إجراءات سفرها بصمت.أما حاسم، فقد أصبح أكثر ملاحظة لكل تفاصيلها.لم يكن يسألها مباشرة.لكنه كان يراقب.لاحظ أنها أصبحت تستيقظ مبكراً.لاحظ أنها تخرج أكثر.لاحظ أنها لم تعد تنتظر عودته إلى المنزل.والأهم...لاحظ أنها لم تعد ترتب حياته كما كانت تفعل في الماضي.في السابق، كان يجد ملابسه جاهزة قبل أن يطلبها.ربطات العنق التي تناسب بدلاته.الأزرار التي اختارتها بنفسها.حتى بعض التصاميم التي كانت تتواصل مع يوسف بشأنها كانت تحمل لمساتها الخاصة.أما الآن؟كان يرتدي ما يجده.ولم تعد تسأله إن كان يحتاج شيئاً.في صباح اليوم الرابع، كان حاسم في مكتبه عندما وصلته رسالة من الطبيب."النتائج الأولية جاهزة. نحتاج إلى جلسة أخرى لمناقشة خطة العلاج."ظل ينظر إلى الرسالة.كان

  • بين الواجب و الحب الضائع   اللقاء الذي لم يكن في الحسبان

    كانت ليان قد قررت منذ أيام أن تبدأ خطوة جديدة.بعد أن حصلت على موافقة التأشيرة، لم تعد تريد أن تغادر وهي تحمل في داخلها سؤالاً واحداً عن ساقها.إذا كانت ستعود إلى الرقص، فعليها أن تعرف أولاً إلى أي مدى تستطيع جسدياً أن تفعل ذلك.ولهذا، عندما أخبرتها نادين عن طبيب جديد يستخدم تقنية مختلفة في إعادة التأهيل، اهتمت فوراً.قالت لها نادين:"إنه ليس طبيباً عادياً. آدم يعرفه، وقد أخبرني عنه."رفعت ليان عينيها."آدم؟""نعم."ثم أضافت:"يقول إن طريقته مختلفة عن الأطباء الذين ذهبتِ إليهم سابقاً."فكرت ليان للحظة.ثم وافقت.في اليوم التالي، اجتمعت ليان بنادين.كان آدم الكيلاني ينتظرهما في مقهى قريب.عندما رآها، ابتسم."مر وقت طويل."قالت ليان:"نعم."كان آدم ينظر إليها باهتمام واضح، لكنه كان حريصاً على ألا يكشف شيئاً.كان قد عرفها منذ سنوات.وعلى الرغم من أن ليان لم تكن تعرف ما كان يشعر به تجاهها، إلا أن

  • بين الواجب و الحب الضائع   حين عاد الحلم

    في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان قبل شروق الشمس.لم يكن هناك سبب واضح يجعلها تستيقظ باكراً.لكن منذ أن عادت إلى مركز الرقص، أصبح النوم مختلفاً.كانت تشعر أن شيئاً قديماً استيقظ بداخلها.شيء ظنت أنه مات منذ أربع سنوات.جلست على حافة السرير، ثم نظرت إلى الصندوق الموجود بجانبها.فتحت الغطاء.كان حذاء الرقص الذي اشتراه لها حاسم بالأمس.مررت أصابعها فوقه.ثم ابتسمت."شكراً..."قالتها لنفسها.لكنها لم تكن متأكدة إن كانت تشكره لأنه أعاد إليها شيئاً تحبه...أم لأنها أدركت بسببه أن هذا الحلم لم يمت فعلاً.بعد ساعة، كانت في مركز الرقص.وقفت أمام المرآة الكبيرة.كان المدرب أمامها."سنبدأ ببطء."أومأت."أنا مستعدة.""لا تحاولي إثبات شيء."نظرت إليه."لا أريد إثبات شيء."ثم أخذت نفساً عميقاً."أريد فقط أن أرقص."بدأت الموسيقى.خطوة.ثم أخرى.

  • بين الواجب و الحب الضائع   حين بدأت ليان تختفي ببطء

    كان صباحاً عادياً...على الأقل بالنسبة إلى حاسم.استيقظ، ارتدى بدلته، تناول قهوته، ثم خرج إلى الشركة.لكن بالنسبة إلى ليان، كان كل يوم يمر يحمل معه خطوة جديدة نحو النهاية.لم تعد تفكر في سؤال واحد:هل سأرحل؟بل أصبح السؤال:متى؟بعد خروج حاسم، دخلت ليان غرفتها وأغلقت الباب.وضعت حقيبتها على السرير، ثم أخرجت ملفاً صغيراً.كانت الأوراق مرتبة بعناية.جواز السفر.شهادة اللغة.خطاب القبول.الوثائق الجامعية.ثم ورقة التأشيرة.وضعت إصبعها على التاريخ.اقترب الموعد.ابتسمت دون أن تشعر.ثم رن هاتفها.كانت الجامعة.أجابت بسرعة."مرحباً."تحدثت الموظفة معها لبضع دقائق، ثم قالت:"نعم، بالتأكيد. سأرسل لكم الوثيقة المطلوبة اليوم."أغلقت المكالمة.وأخذت نفساً عميقاً.كانت الأمور تسير كما خططت.لكنها لم تكن وحدها التي بدأت تلاحظ التغيير.

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status