LOGINانتهت المحاضرة الأخيرة، وخرجت رهف من القاعة وهي تشعر بإرهاقٍ غريب… لم يكن إرهاق الجسد، بل ثقل ذلك الشعور الدائم بأنها مراقبة.
فظهور فهد في حياتها يشعرها بأن خطواتها لم تعد طبيعية. كل شيء أصبح محسوبًا، وكل حركة مرصودة. تنهدت وهي تسير نحو بوابة الجامعة، تحاول إقناع نفسها أن تتجاهل وجوده، أن تتصرف وكأنه غير موجود… لكنها لم تنجح. وما إن خرجت—— توقفت فجأة. كانت السيارة تقف هناك. أمام البوابة مباشرة. وكأنه… ينتظرها فقط. عقدت حاجبيها بانزعاج واضح، واشتدّ التوتر في ملامحها. فتح جاسر باب السيارة الأمامي، ونزل بهدوء، وكأن وجوده أمر بديهي لا يحتاج تفسيرًا. "انتهيتِ؟" قالها بنبرة عادية. نظرت إليه بحدة، ولم تخفِ ضيقها: "هل كنت تنتظر هنا طوال الوقت؟" "نعم." إجابة مختصرة… باردة. وهذا ما أشعل غضبها أكثر. "ألا تظن أن هذا مبالغ فيه؟ أنا لست طفلة." ردّ بهدوء، دون أن يتأثر: "هذه تعليمات." ضحكت بسخرية خفيفة: "تعليمات؟ أم مراقبة؟" لم يجب. فصمته كان كافيًا. نظرت حولها، تشعر بأن الأنظار قد بدأت تلتفت إليهما. وجود رجل مثله… بملامحه الصارمة وهيئته الرسمية، كان كفيلًا بإثارة الانتباه. وهذا آخر ما تريده. "ادخلي السيارة." قالها بهدوء، لكنه لم يكن طلبًا بقدر ما كان أمرًا. تصلبت ملامحها. "لا تعطيني أوامر." اقترب خطوة، نظر إليها بثبات: "لن أكررها." للحظة… شعرت وكأنها أمام جدار. ليس فقط رجلاً. بل شيئًا صلبًا… لا يمكن تجاوزه. زفرت بضيق، ثم تجاوزته وصعدت إلى السيارة دون كلمة. ....... مرّ الأسبوع التالي ببطء شديد. لم يحدث شيء جديد، على الأقل في الظاهر. لكن داخل رهف، كانت العاصفة مستمرة. لم تعتد وجود شخص يرافقها في كل خطوة، يراقب صمتها قبل كلماتها. حتى في الجامعة، كانت تشعر بوجوده في محيطها، حتى لو لم تره. أما جاسر… فكان يؤدي دوره بدقة. يراقب. يلاحظ. يحفظ التفاصيل. لكن شيئًا ما بدأ يزعجه. هذه الفتاة… ليست كما توقع. ليست مدللة تمامًا، ولا بريئة بالكامل. بل مزيج غريب من الصمت والرفض. وهذا جعله أكثر حذرًا. ...... حلّ مساء يوم الخميس. وكان الهدوء في الفيلا يسبق شيئًا لا يُبشّر بالخير. كانت رهف في غرفتها، تحاول أن تذاكر، لكن تركيزها كان مشتتًا كعادته. الأحداث الأخيرة لم تترك لها فرصة للعودة إلى حياتها الطبيعية. وفجأة—— طرقات خفيفة على الباب. "آنسة رهف، السيد مدحت يطلبكِ في المكتب." أغلقت الكتاب ببطء. قلبها انقبض دون سبب واضح. "حسنًا، قادمة." ...... وقفت أمام باب المكتب للحظات، وكأنها تجمع شجاعتها. ثم طرقت. "ادخلي." فتحت الباب وتوقفت. لم يكن مدحت وحده. كان فهد هناك أيضًا. يقف بجانبه، بهدوءه المعتاد، وكأنه جزء من المكان. شعرت بانزعاج فوري. لم تحب وجوده في هذا المكان تحديدًا. "طلبتني؟" قالتها وهي تنظر إلى مدحت فقط، متجاهلة وجود الآخر تمامًا. أشار لها بالجلوس. جلست، لكن توترها كان واضحًا. قال مدحت بنبرة عملية: "هناك حفل عيد ميلاد مهم مساء الغد." لم تهتم في البداية. لكنها سألته ببرود: "وما شأني أنا؟" أجاب مباشرة: "ستحضرين معي." رفعت نظرها إليه فجأة. "ماذا؟" تابع وكأن الأمر محسوم: "إنه حفل مالك، ابن شريكي الجديد أمجد البرهان." وفي تلك اللحظة—— تغير كل شيء في وجهها. تصلبت ملامحها، واختفى ذلك البرود… ليحل محله توتر واضح، يكاد يُرى. "لا." قالتها فورًا بلا تردد. نظر إليها مدحت بحدة: "ماذا قلتِ؟" "قلت لا. لن أذهب." ساد صمت ثقيل. حتى جاسر، الذي كان يراقب بصمت، لاحظ التغير المفاجئ في نبرتها. هذا لم يكن مجرد رفض عادي. كان… رفضًا قاطعًا. "هذا ليس خيارًا." قالها مدحت بصرامة. "بالنسبة لي هو كذلك." ردّت بثبات، رغم الارتجاف الخفي داخلها. اقترب مدحت قليلًا، ونظر إليها بنظرة تحذيرية: "ستذهبين. هذا الحفل مهم." "لا يهمني." قالتها بحدة. اشتعل الغضب في عينيه: "الأمر لا يتعلق بكِ فقط. هناك شراكات… مصالح…" قاطعته: "إذن اذهب وحدك." كانت تلك الجملة كفيلة بإشعال التوتر في الغرفة. أما جاسر… فكان يراقب بصمت، لكن أفكاره لم تكن صامتة. ما الذي يحدث؟ لماذا كل هذا الرفض؟ في نظره… كان المشهد واضحًا: ابنة مدللة… ترفض أوامر والدها بلا سبب. تتعامل ببرود… وربما وقاحة. لكنه لم يعرف. لم يعرف ماذا تعني هذه الحفلات بالنسبة لها. لم يعرف لماذا شحب وجهها. ولم يعرف… أنها لم تكن ترفض الحفل. بل ترفض ما قد يحدث فيه. "كفى." قالها مدحت ببرود قاتل. "ستذهبين… سواء شئتِ أم أبيتِ" شعرت رهف بأن الجدران تضيق حولها. تنفست بصعوبة، ثم قالت بصوت منخفض، يحمل قهرًا واضحًا: "أنا لا أريد الذهاب إلى هناك…" لكن هذه المرة، لم تكن حادة. بل… خائفة. ولم يلاحظ أحد ذلك. إلا جاسر. للحظة، لمح شيئًا في عينيها. لم يكن عنادًا. كان… خوفًا. لكنه اختفى سريعًا، فعاد لتفسيره الأول. "انتهى النقاش." قالها مدحت. ثم أضاف دون أن ينظر إليها: "استعدي." نهضت رهف ببطء. نظرت إليه… نظرة طويلة، مليئة بشيء لم يُفهم. ثم استدارت وغادرت بخطوات سريعة كأنها تهرب. ...... بعد خروجها، ساد صمت للحظات. ثم قال مدحت ببرود: "راقبها جيدًا غدًا." أومأ جاسر: "مفهوم." لكنه لم يتحرك. كان ما يزال يفكر في رد فعلها وفي نظرتها، في ذلك الخوف… الذي لم يكن منطقيًا. "هل هناك شيء؟" سأل مدحت. أجاب جاسر باختصار: "لا." وغادر. ...... في غرفتها—— أغلقت رهف الباب خلفها واستندت إليه. قلبها ينبض بسرعة. وفي ذهنها، لم يكن هناك سوى فكرة واحدة: أنها لا تريد الذهاب لهذا الحفل. أغمضت عينيها بقهرٍ، فهي لا تملك خيارًا آخر. ولا يمكنها عصيان مدحت.كان واضحًا أنها لم تعد ترغب في البقاء داخل الشقة ولو دقيقة إضافية.أما حسن فظل واقفًا في مكانه للحظات وهو يتنقل بنظره بين زوجته وابنه وباب الغرفة المغلق في نهاية الممر، وكأنه الوحيد الذي استطاع رؤية الصورة كاملة بكل ما فيها من غضب وألم وحيرة.لكنه رغم ذلك لم يكن يملك حلًا سحريًا لهذه الفوضى.تنهد ببطء ثم اقترب من جاسر، بينما كانت زوجته قد وصلت بالفعل إلى الباب دون أن تلتفت خلفها مرة أخرى.ووضع يده على كتف ابنه في لمسة بسيطة حملت من التفهم والمساندة أكثر مما حملته كل الكلمات التي قيلت خلال الساعة الماضية، قبل أن يقول بهدوء: "علينا أن نتحدث."رفع جاسر نظره إليه فأكمل بنفس الهدوء: "ليس الآن... عندما تهدأ الأمور، اتصل بي."ثم صمت لحظة قبل أن يضيف بابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت على وجهه: "ونلتقي في مكاننا."عرف جاسر فورًا ما يقصده، ذلك المقهى الصغير الذي اعتادا الجلوس فيه منذ سنوات طويلة كلما احتاجا إلى الحديث بعيدًا عن ضجيج العالم ومشاكله.فاكتفى بالإيماء برأسه بصمت، بينما ربت حسن على كتفه مرة أخيرة قبل أن يستدير متجهًا نحو الباب ويغادر خلف زوجته.وبعد لحظات انغلق الباب الإلكتروني بصوته الخاف
ظل جاسر واقفًا في مكانه لعدة ثوانٍ طويلة بعد أن دوّى صوت انغلاق باب غرفة رهف بعنف داخل الشقة، وكأن ذلك الارتطام الحاد لم يكن مجرد باب أُغلق بقوة.بل كان صدمة حقيقية اخترقت هدوء المكان واستقرت مباشرة في أعماقه، تاركة وراءها شعورًا ثقيلًا بالعجز والارتباك لم يعرف كيف يتعامل معه أو يتخلص منه.بينما بقيت عيناه معلقتين بالممر الذي اختفت فيه قبل لحظات، وكأن جزءًا منه ما زال ينتظر أن تعود أو أن يتراجع الزمن قليلًا ليمنحه فرصة لتغيير ما حدث.كانت صورة وجهها لا تزال عالقة في ذهنه بصورة مؤلمة، وتحديدًا تلك النظرة الأخيرة التي وجهتها إليه قبل أن تغلق الباب خلفها، إذ لم تكن نظرة غضب أو عناد كما حاول أن يقنع نفسه، بل كانت نظرة إنسان مجروح شعر فجأة بأن الشخص الذي كان يظنه الأقرب إلى فهمه قد خذله في أكثر اللحظات التي احتاج إليه فيها.وكلما حاول جاسر إقناع نفسه بأنه لم يخطئ عندما طلب منها الاعتذار، كانت ملامحها المرتبكة ودموعها المكبوتة تعود لتطارده من جديد وتجعله يشك في كل ما قاله.مرر يده فوق وجهه بإرهاق شديد وأغلق عينيه للحظة قصيرة محاولًا استعادة بعض هدوئه أو ترتيب أفكاره المبعثرة، إلا أن الوقت ل
و ما إن انتهت رهف من جملتها، حتى ساد صمت ثقيل.لكن الصدمة على وجه والدة جاسر لم تدم طويلًا.وسرعان ما تحولت إلى غضب.غضب امرأة لم تعتد أن يواجهها أحد خصوصًا فتاة تصغرها بعشرات السنين.التفتت نحو ابنها وقالت بانفعال: "هل تسمع ما تقوله؟"أشارت إلى رهف بعصبية."هل ترى كيف تتحدث معي؟ هل هذه هي الفتاة التي تدافع عنها؟"أغمض جاسر عينيه للحظة وشعر بأن الأمور تنفلت من بين يديه."أمي... أرجوكِ..."لكنها قاطعته فورًا."لا. لا تطلب مني الهدوء. أنا التي يجب أن أغضب. أنا التي جئت إلى منزل ابني لأجد فتاة غريبة تعيش معه، ثم تقف أمامي الآن وتوجه لي هذه الاتهامات."ردت رهف فورًا: "وأنا لم أفتح فمي إلا بعد أن أهنتِ والديّ.""بل لأنكِ وقحة."قالتها المرأة بحدة."وأسلوبكِ هذا أكبر دليل على صحة كلامي."ضحكت رهف ضحكة قصيرة مليئة بالألم."وقحة؟ لأنني أدافع عن أمي؟""لا، لأنكِ تتحدثين معي بهذه الطريقة.""وأنتِ بأي طريقة تحدثتِ معي منذ لحظة دخولك؟"ارتفع التوتر أكثر وأصبح الهواء داخل الغرفة خانقًا.كأن الجدران نفسها بدأت تضيق عليهم.اقترب جاسر أخيرًا وأمسك ذراع رهف برفق."رهف... أرجوكِ."التفتت إليه وكانت عين
تحركت رهف ببطء شديد في البداية، وكأنها لا تسير فوق أرض غرفة الجلوس، بل تخوض طريقًا طويلًا مثقلًا بكل ما حملته في قلبها من ألم وخيبات وصبر استنزف حتى آخر ذرة منه.كانت خطواتها مترددة للحظة، ثم بدأت تزداد ثباتًا كلما اقتربت، بينما ظلت عيناها الغارقتان بالدموع معلقتين بوالدة فهد وحدها، حتى بدا وكأن كل ما حولها اختفى من الوجود.لم تعد ترى الزجاج المحطم المنتشر على الأرض، ولم تعد تشعر بحرارة الألم التي كانت تلسع يدها المحروقة، ولم تعد حتى تدرك وجود فهد أو والده في المكان.كل ما كانت تسمعه داخل رأسها كان جملة واحدة فقط.جملة تتكرر بلا توقف، كأنها صدى قاسٍ يطرق جدران روحها بعنف."لا بد أن والديها لم يحسنا تربيتها."مرة ثم مرة أخرى.وفي كل مرة كانت تشعر وكأن سكينًا جديدة تنغرس في قلبها.انتبه جاسر للخطر فور أن وقعت عيناه على ملامحها.شيء ما كان مختلفًا... مختلفًا بصورة أخافته.هذه لم تكن رهف التي عرفها طوال الأشهر الماضية.لم تكن الفتاة التي تبتلع حزنها بصمت وتختار الانسحاب بدل المواجهة.لم تكن تلك الفتاة الخجولة التي تخشى إزعاج الآخرين حتى عندما تكون هي المتضررة.لا... الفتاة التي كانت تسير
وقف جاسر في مواجهة والدته مباشرة، وقد ازدادت ملامحه قتامة بصورة نادرة لم يعتدها والداه كثيرًا. ثم نظر إليها طويلًا قبل أن يقول بصوت منخفض، لكنه يحمل في أعماقه غضبًا واضحًا: "ما هذا الذي فعلتِه يا أمي؟" بدت المرأة منزعجة من نبرة صوته أكثر من انزعاجها من السؤال نفسه، فعقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بسرعة دفاعية: "لم أفعل شيئًا، كل ما حدث كان بغير قصد." ثم تابعت قبل أن يمنحها فرصة للرد: "ولا تحاول تغيير الموضوع... أخبرني فورًا من هذه الفتاة وماذا تفعل في منزلك؟" ساد صمت ثقيل لعدة لحظات. صمت جعل حسن يراقب ابنه باهتمام بالغ، بينما شعر جاسر للحظة أن الهواء من حوله أصبح أثقل من أن يتنفسه بسهولة. كان يعلم أن هذه المواجهة ستحدث يومًا ما. كان يدرك منذ البداية أن إخفاء الحقيقة لن يستمر إلى الأبد. لكنه لم يتخيل أبدًا أن تأتي بهذه الطريقة، ولا في هذا التوقيت تحديدًا، ولا بينما كانت رهف موجودة على بعد أمتار قليلة فقط منه. رفع نظره نحو باب المطبخ للحظة وكأنه يتأكد من أن رهف ما زالت في الداخل، ثم عاد ينظر إلى والديه وقال بصوت منخفض قدر الإمكان: "أمي... أبي... رهف جزء من مهمة أعمل عليها." تبا
اندفع جاسر إلى داخل الشقة بخطوات سريعة متلاحقة، وقد كان صدره لا يزال يعلو ويهبط بعنف من أثر اضطرابه طوال طريق عودته، بينما راحت عيناه تجولان في أرجاء المكان بقلق متزايد، تنتقلان بين الوجوه والتفاصيل المبعثرة في محاولة محمومة لفهم ما الذي حدث هنا قبل وصوله بلحظات. وما إن استوعب المشهد أمامه حتى شعر بانقباض حاد في صدره؛ فالزجاج المحطم كان متناثرًا فوق الأرض في بقع لامعة تعكس ضوء الغرفة. أما رهف فكانت تقف في الطرف الآخر من المكان تحتضن يدها المصابة إلى صدرها وكأنها تحاول حمايتها من الألم، بينما كانت الدموع العالقة في عينيها تفضح فشلها في إخفاء ما تشعر به من وجع وإهانة. توقف في منتصف الغرفة فجأة، وقد انعقد حاجباه بشدة وارتسم التوتر بوضوح على ملامحه، ثم سأل بصوت خرج حادًا ومشحونًا بالقلق والغضب في آن واحد: "ما الذي حدث هنا؟" لكن والدته، التي أدركت بسرعة أن الموقف بدأ يخرج من سيطرتها وأن وصول جاسر قد يغير مجرى الأمور بالكامل، لم تمنح أحدًا فرصة للإجابة، بل نهضت من مكانها على الفور وكأنها صاحبة الحق الوحيد في طرح الأسئلة. ثم رفعت رأسها بشيء من التحدي وقالت بلهجة صارمة لا تخلو من الاستنك
ورغم أن الأيام الأخيرة كانت تسير على نحو أفضل مما تجرأ جاسر يومًا على تخيله، ورغم أن رؤية رهف وهي تستعيد شغفها القديم وتعود للحياة تدريجيًا كانت تمنحه شعورًا عميقًا بالراحة والرضا، إلا أن هناك حقيقة واحدة ظلت جاثمة فوق صدره كحجر ثقيل لا يسمح له بالتنفس بحرية. حقيقة كانت تلاحقه في كل لحظة هدوء، وتف
مرّت الأيام التالية مختلفة تمامًا عن كل ما سبقها، وكأن ذلك المساء الذي فتح فيه فهد باب مكتبه أمام رهف لم يكن مجرد لحظة عابرة، بل نقطة فاصلة انقسمت عندها حياتها إلى مرحلتين؛ مرحلة كانت تسير فيها بلا هدف واضح، تتشبث بالأيام فقط لأنها مضطرة إلى الاستمرار، ومرحلة أخرى بدأت فيها تستعيد نفسها قطعةً قطعة،
سارت رهف بجواره بصمت وهي لا تزال تحاول فهم ما يحدث. وعندما وجدت نفسها تخرج معه من الشقة اتسعت عيناها قليلًا. "هل سنخرج؟" سألته باستغراب، لكنها لاحظت أن وجهته لم تكن نحو المصعد كما توقعت. بدلًا من ذلك، اتجه إلى نهاية الممر الطويل الذي لم تكن قد أولته اهتمامًا من قبل، وهناك كان يوجد سلم ضيق مخفي
اقترب منها عدة خطوات متتالية، ثم قال بصوت مرتفع أفزعها حتى ارتجف جسدها دون إرادة منها: "من أعطاكِ الحق لتفعلي هذا؟!" اتسعت عيناها بصدمة واضحة، وكأنها لم تستوعب السؤال نفسه. أما هو فلم يمنحها الوقت لتستوعب أو ترد، بل تابع بنبرة أكثر حدة: "وبأي حق تصعدين إلى هنا أصلًا؟!" ارتجفت شفتاها وهي تحاول أن







