LOGINلم تعد الأيام كما كانت.
منذ حادثة المطاردة، تغيّر كل شيء داخل رهف… لم يكن الخوف مجرد شعور عابر، بل أصبح ظلًا يلازمها، يهمس في أذنها مع كل صوت مفاجئ، وكل حركة غير متوقعة. بقيت في غرفتها يومين كاملين. ستائرها مسدلة، والضوء بالكاد يتسلل إلى الداخل. كانت تستيقظ متأخرة، أو ربما لا تنام أصلًا. كلما أغمضت عينيها، عادت إليها تلك اللحظة… صوت الاصطدام، الطلق الناري، الدم على قميص العم عثمان. كانت تحتضن نفسها أحيانًا، كأنها تحاول أن تشعر بالأمان لكنها لم تجده. فمنذ وفاة والدتها، لم يعانقها أحد ولم تشعر بالأمان أو الدفئ، وكانت حياتها أشبه بالسجن. حتى الجامعة… ملاذها الوحيد، لم تعد قادرة على الذهاب إليها. وفي اليوم الثالث، رنّ هاتفها. نظرت إلى الشاشة بتردد. ندى. ترددت للحظات، ثم أجابت بصوت خافت: "ألو…" جاءها صوت ندى مليئًا بالقلق: "رهف! أين أنتِ؟ لم تأتِ منذ يومين، ولم تردّي على رسائلي! هل أنتِ بخير؟" صمتت رهف قليلًا، ثم قالت محاولة أن تبدو طبيعية: "أنا بخير… فقط كنت متعبة." "متعبة؟ رهف، هذا ليس طبيعيًا. ماذا حدث؟" ترددت… كعادتها. لكنها في النهاية، لم تستطع أن تخبرها بالحقيقة كاملة. "لا شيء مهم… فقط بعض الإرهاق." تنهدت ندى، لكنها لم تقتنع: "رهف، لا يمكنكِ الاختباء هكذا. إن بقيتِ في المنزل أكثر، ستزداد حالتكِ سوءًا. تعالي غدًا إلى الجامعة، لتغيري جو على الأقل." نظرت رهف إلى الفراغ أمامها. ربما كانت محقة، فالهروب لن يغيّر شيئًا. "حسنًا… سأحاول." …… في صباح اليوم التالي، وقفت رهف أمام المرآة. كانت عيناها مرهقتين، والهالات السوداء تحيط بهما بوضوح. لكنها حاولت أن تتجاهل ذلك، ارتدت ملابسها ببطء، وكأن كل حركة تتطلب جهدًا مضاعفًا. تنفست بعمق. "يجب أن أخرج…" نزلت الدرج وقلبها يخفق بتوتر خفيف لا تعرف سببه. لكن ما إن وصلت إلى الطابق السفلي… حتى توقفت. كان مدحت يقف هناك. ولم يكن وحده. وقف بجانبه رجل لم تره من قبل. طويل القامة، عريض الكتفين، ملامحه حادة، ونظرته ثابتة لا تتحرك بسهولة. كان يرتدي بدلة داكنة، تعكس هيبته، لكن شيئًا في حضوره جعل المكان يبدو أكثر… ضيقًا. شعرت رهف بعدم ارتياح فوري. رفع مدحت نظره إليها، وقال بنبرة عادية وكأن شيئًا لم يحدث: "تعالي يا رهف." تقدمت بخطوات مترددة. "هذا هو حارسكِ الشخصي الجديد… اسمه فهد." تجمدت رهف في مكانها. "حارس… شخصي؟" كررت ببطء. أكمل مدحت ببرود: "لا يمكنني المجازفة بعد ما حدث. سيكون معكِ في كل مكان." نظرت إليه رهف بذهول، ثم قالت بنبرة لم تخفِ اعتراضها: "لا أحتاج إلى حارس." "هذا ليس رأيًا يُناقش." قالها بحزم. شعرت بالغضب يتصاعد داخلها. هل يخاف عليها فجأة؟ أم يخاف على شيءٍ آخر؟ كانت تعرف الإجابة. مدحت زهران لا يفعل شيئًا بدافع الحب. كل ما يهمه… صورته. سمعته. وأن تبقى عائلته في نظر الجميع بعيدة عن أي خطر أو فضيحة. التفتت نحو الرجل الواقف بصمت. فهد. كانت عيناه مثبتتين عليها، لكن نظرته لم تكن فظة، بل كانت باردة مدروسة، كأنه يقرأها دون أن يتكلم. وهذا ما أزعجها أكثر. قالت بحدة خفيفة: "لا أريد هذا." ردّ مدحت دون أن ينظر إليها: "ستعتادين." ثم التفت إلى جاسر: "مهمتك واضحة. لا أريد أي خطأ." أومأ جاسر بهدوء: "مفهوم." صوته كان منخفضًا، لكنه حازم… جعل رهف تشعر وكأن القرار قد حُسم بالفعل. …… خرجت من الفيلا وهي تشعر بأن الهواء أثقل من المعتاد. توجهت نحو السيارة، لكنها توقفت عندما لاحظت أن جاسر يتبعها. التفتت إليه بحدة: "هل ستأتي معي أيضًا؟" أجاب ببساطة: "هذا عملي وأنا من سأوصلكِ وأحضركِ من الآن فصاعدًا." ضيّقت عينيها: "لكن ماذا عن العم عثمان؟" جاسر: "إنه مصاب وفي إجازة." صمتت رهف للحظة وطغى الذنب في عينيها. لكن ما إن التقت نظرتها بنظرة جاسر، استعادت نظرتها الباردة وقالت: "اسمع، أنا لست بحاجة إلى حراسة. ما حدث كان مجرد حادث ولن يتكرر." اقترب خطوة واحدة فقط، وقال بنبرة ثابتة: "هذا ما سنحرص عليه." ساد صمت قصير بينهما. كانت تنظر إليه بغضب واضح، بينما كان هو ثابتًا، لا يتأثر. وهذا أغاظها أكثر. أدارت وجهها بسرعة، وركبت السيارة دون أن تضيف كلمة. جلس جاسر في مقعد السائق مكان العم عثمان. وذلك وحده… كان كافيًا ليجعلها تشعر أن حياتها بدأت تتغير بالفعل. …… في طريقهما إلى الجامعة، لم تتبادل معه أي حديث. لكنها كانت تشعر بنظراته أحيانًا عبر المرآة الأمامية. لم تكن نظرات فضول… بل نظرات شخص يراقب كل تفصيلة. وهذا جعلها أكثر توترًا. أما هو… فكان يراقبها بهدوء. الفتاة التي كانت مجرد اسم في ملف وصورة عابرة… أصبحت الآن أمامه. قريبة. أقرب مما يجب. لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا منذ اللحظة الأولى—— هذه المهمة… لن تكون سهلة. ليس بسبب مدحت زهران. بل بسببها هي. توقفت السيارة أمام بوابة الجامعة. فتحت رهف الباب، ونزلت دون أن تنظر إليه. لكن قبل أن تبتعد، سمعت صوته لأول مرة يناديها مباشرة: "آنسة رهف." توقفت، ثم التفتت إليه ببطء. "نعم؟" قال بهدوء: " مهما حدث… ابقي قريبة." نظرت إليه للحظة، ثم قالت ببرود: "لا تقلق، أنا لا أثق بك أصلًا." ثم استدارت ومضت. أما هو… فاكتفى بمراقبتها. وبين برود كلماتها وبين صمته—— كانت بداية علاقة معقدة تُكتب… دون أن يدرك أيٌ منهما إلى أين ستقودهما.ظل جاسر ممسكًا بالهاتف لعدة ثوانٍ بعد انقطاع الاتصال، وكأن عقله يرفض تصديق الصمت الذي حل فجأة مكان صوت رهف المرتجف. كانت أنفاسه مضطربة بصورة مؤلمة، بينما عيناه مثبتتان على شاشة الهاتف السوداء وكأنها قد تعود للحياة في أية لحظة، لكن لا شيء حدث… فقط صمت ثقيل مخيف جعله يشعر وكأن قلبه يُسحق ببطء داخل صدره. مرر يديه داخل شعره بعصبية وهو يحاول التفكير، لكن عقله بدا مشلولًا تمامًا من شدة الرعب والغضب معًا. كانت صورة رهف وهي تبكي وتتوسل تتكرر داخل رأسه بلا توقف، وصوت مدحت البارد وهو يهددها يعيد إشعال النار داخل صدره كل ثانية. شعر للحظة برغبة عارمة في التوجه مباشرة إلى الفيلا واقتحامها مهما كان الثمن، لكنه أجبر نفسه على التوقف والتفكير، لأن أي تصرف متهور قد يعني نهايته قبل أن يصل إليها حتى… وإذا مات هو، فلن يبقى أحد قادر على إنقاذ رهف من مدحت أبدًا. أغمض عينيه للحظة محاولًا السيطرة على أنفاسه، ثم أخذ يفكر بسرعة رغم الفوضى التي تضرب رأسه. كان يعلم أن مدحت لن يقتل رهف، فهو يريد إخضاعها، يريد أن يشعر بأنها عادت تحت سيطرته بالكامل، حتى يستفيد منها في أحد صفقاته، وهذا ما طمأنه قليلًا. رفع
اندفع الرجال نحو رهف فور أن عثروا عليها داخل الدولاب، وكأنهم وجدوا فريسة ظلت تهرب منهم طويلًا، فقبض أحدهم على ذراعها بعنف بينما أمسك الآخر بكتفها وسحبها إلى الخارج رغم مقاومتها الهستيرية، لتتعثر قدماها وتسقط على ركبتيها فوق الأرض الخشبية قبل أن يجروها مجددًا بقسوة جعلتها تصرخ من الألم والرعب معًا. كانت تحاول التمسك بأي شيءٍ حولها؛ بحافة السرير، بمقبض الباب، حتى بالسجاد الصغير الممتد على الأرض، لكن قبضاتهم كانت أقوى من محاولاتها المرتجفة، بينما ارتفع صوت بكائها بصورة هستيرية وهي تصرخ طالبة منهم أن يتركوها، إلا أن كلماتها كانت تضيع وسط خطواتهم الثقيلة ونظراتهم الباردة التي خلت من أي رحمة. شعرت رهف في تلك اللحظة أن العالم ينهار حولها ببطءٍ قاسٍ، وأن كل شيءٍ ظنت أنها نجت منه قد عاد ليبتلعها من جديد. كان الخوف داخلها أكبر من مجرد خوفٍ عادي؛ كان ذلك الرعب القديم الذي سكن روحها طويلًا، الرعب الذي جعلها تشعر دائمًا بأنها مطاردة حتى وهي تبتسم، وأن الأمان الذي عاشته خلال الأسابيع الماضية لم يكن سوى هدنة قصيرة قبل أن يعود الكابوس الحقيقي. كانت أنفاسها تتقطع بعنف وهي تُسحب عبر الممر الضيق نح
تصلب جسد رهف بالكامل في اللحظة التي وقعت فيها عيناها على سيارات مدحت السوداء المتوقفة بين الأشجار، وشعرت وكأن العالم الذي استطاعت بصعوبة أن تبنيه خلال الأسابيع الماضية قد انهار فجأة فوق رأسها بلا رحمة. لم تعد تسمع شيئًا بوضوح؛ لا صوت الرياح، ولا حفيف الأشجار، ولا حتى دقات قلبها التي كانت تضرب صدرها بعنفٍ يكاد يمزقه، فقد تحول كل شيء داخلها إلى حالة من الذعر الخالص، ذلك الرعب البدائي الذي يشل التفكير ويجعل الإنسان يشعر أنه عاد فجأة إلى أضعف لحظات حياته. تراجعت ببطء عن النافذة، بينما كانت أنفاسها تتسارع بصورة مرعبة، وعقلها يدور في دوامة من الأسئلة المخيفة التي لم تجد لها إجابة. ماذا ستفعل الآن؟ هي وحدها… فهد ليس هنا… لا أحد يستطيع حمايتها إن دخلوا المنزل. هل سيأخذها مدحت مجددًا؟ هل انتهى كل شيء؟ هل كانت تلك الأيام القليلة من الطمأنينة مجرد وهمٍ قصير قبل أن تعود حياتها إلى الجحيم مرة أخرى؟ وشعرت فجأة ببرودةٍ قاسية تسري في أطرافها، حتى إن قدميها بالكاد استطاعتا حملها، بينما بدأت صور الماضي تنهال فوق رأسها بلا توقف؛ وجه مدحت الغاضب، قبضته العنيفة، نظراته التي كانت تملؤها السيطرة وال
مرّت ثلاثة أيامٍ أخرى بطيئة وثقيلة، وكأن الزمن نفسه صار يتحرك بحذر مترقب لما هو قادم. ففي تلك الليالي الثلاث كانت الغابة تغرق في هدوئها المعتاد، بينما كانت العاصفة الحقيقية تتشكل بعيدًا عنها دون أن يشعر أحد. أما مدحت، فلم يكن يعيش سوى على الأخبار التي تصله تباعًا من رجاله، ينتظر أي خيطٍ جديد يقوده أخيرًا إلى فهد ورهف، وقد تحولت مطاردته لهما إلى هوسٍ كامل استحوذ على عقله حتى لم يعد يرى شيئًا سواهما. وفي إحدى الليالي، وبينما كان جالسًا داخل مكتبه شبه المظلم، تحيط به أعقاب السجائر الفارغة وزجاجات الخمر المبعثرة، دُق الباب سريعًا قبل أن يدخل أحد رجاله وعلى وجهه ملامح انتصارٍ واضحة. رفع مدحت رأسه فورًا، وكأن جسده بأكمله استيقظ دفعة واحدة، ثم ثبت عينيه عليه منتظرًا أن يتحدث. قال الرجل بصوتٍ متحمس وهو يحاول إخفاء لهثه: "لقد توصلنا إلى مكانهم تقريبًا يا سيدي." ضاقت عينا مدحت بترقبٍ حاد، فاقترب الرجل أكثر وأكمل: "رجالنا مشطوا الغابة بالكامل خلال الأيام الماضية… لم نترك طريقًا ولا كوخًا ولا ممرًا إلا وفتشناه، ولم يتبقَّ سوى منزل صغير قرب البحيرة في الجهة الجنوبية… ومن المؤكد أنهم هناك."
مرّ شهر كامل منذ اختفاء رهف وجاسر داخل تلك الغابة البعيدة، شهر بدا بالنسبة لهما وكأنه عالم منفصل تمامًا عن الواقع، حتى إن الأيام بدأت تتشابه بهدوئها ودفئها البسيط، بينما في الخارج كانت العواصف تتشكل ببطء دون أن يدركا حجمها الحقيقي بعد. خلال ذلك الشهر، تحولت الحياة بينهما إلى روتين هادئ لم يعتده أيٌّ منهما من قبل. ومع مرور الأيام، لم تعد تشعر بذلك الخوف الدائم الذي كان يرافقها حتى أثناء نومها، بل بدأت تستعيد شيئًا من شخصيتها الحقيقية التي دفنتها سنوات الرعب داخل فيلا مدحت. أصبحت تضحك أكثر. تتكلم أكثر. وتتشاجر مع فهد على أمور سخيفة فقط لأنها أصبحت تشعر بالأمان الكافي لتفعل ذلك. أما جاسر فكان يلتزم بروتينه الأسبوعي بدقةٍ تكاد تكون عسكرية؛ ففي صباح كل أسبوع، وقبل أن تستيقظ الغابة تمامًا من سكونها البارد، كان يخرج بسيارته متجهًا نحو المدينة، يشق الطرق الترابية الطويلة بعينين متيقظتين لا تهدآن، وكأن الأشجار نفسها قد تخبئ خلفها عيونًا تراقبه في صمت. كانت رحلته إلى المدينة تبدو عادية لأي عابر طريق، لكنها بالنسبة له كانت مخاطرة محسوبة بعناية. إذ كان أول ما يفعله فور وصوله هو الذهاب إلى
مرّت الأيام التالية على رهف بطريقة لم تكن تتخيل يومًا أنها قد تعيشها، حتى إنها أحيانًا كانت تستيقظ صباحًا وتتوقف للحظات تحدق في سقف الغرفة بصمت، وكأن عقلها ما يزال غير قادر على استيعاب أن هذا الهدوء حقيقي، وأنها لم تعد في تلك الفيلا الباردة التي كانت تخنق أنفاسها مع كل ليلة تمر. لأول مرة في حياتها… لم تكن تستيقظ على الخوف. بل على رائحة القهوة التي يعدّها فهد في المطبخ، أو على صوت خطواته الهادئة وهو يتحرك داخل المنزل، أو على ضوء الشمس المتسلل من النافذة ليغمر الغرفة بدفءٍ ناعم يجعلها تشعر بشيء غريب ومؤلم في الوقت نفسه… الراحة. وكان ذلك الشعور وحده كافيًا ليجعل قلبها يرتبك كلما فكرت فيه. أما جاسر، فكان يراقبها بصمت أغلب الوقت، يلاحظ كيف بدأت ملامحها تتغير تدريجيًا، وكيف اختفى ذلك الذعر الدائم من عينيها شيئًا فشيئًا، حتى إن ضحكتها أصبحت أكثر ظهورًا، أكثر صدقًا، وكأن روحها التي ظلت حبيسة لسنوات بدأت أخيرًا تخرج إلى النور ببطء. وفي تلك الغابة البعيدة عن العالم، بدأ الاثنان يعيشان أيامًا بسيطة للغاية… لكنها بالنسبة لهما كانت أشبه بحياة كاملة. كانا يستيقظان معًا كل صباح تقريبًا، يتناول
استيقظت حور في ذلك الصباح وكأنها لم تنم أصلًا. لم يكن هناك كابوس محدد أيقظها… بل كان شعور ثقيل، مستمر، يضغط على صدرها منذ أن فتحت عينيها. ظلت مستلقية لعدة دقائق، تحدّق في السقف الأبيض، وكأنها تنتظر أن يتغير شيء… أن تختفي فكرة واحدة فقط من رأسها. لكنها لم تختفِ. الحفل. تنهدت ببطء وأغمضت عينيه
انتهت المحاضرة الأخيرة، وخرجت حور من القاعة وهي تشعر بإرهاقٍ غريب… لم يكن إرهاق الجسد، بل ثقل ذلك الشعور الدائم بأنها مراقبة. فظهور فهد في حياتها يشعرها بأن خطواتها لم تعد طبيعية. كل شيء أصبح محسوبًا، وكل حركة مرصودة. تنهدت وهي تسير نحو بوابة الجامعة، تحاول إقناع نفسها أن تتجاهل وجوده، أن تتصر
وقفت حور أمام البحر، كأنها تقف على حافة عالمين؛ عالمٍ تعرفه بكل قسوته، وآخر مجهول يغريها بصمته الواسع. كانت الأمواج تتكسر أمامها بلا توقف، تصرخ ثم تهدأ، كأنها تعيد تمثيل ما يدور في داخلها. لأول مرة منذ سنوات، لم تحاول أن تكون قوية. تركت كل شيء ينهار. وانفجرت بالبكاء. لم يكن بكاءً عاديًا، بل
توقفت لحظة أمام المرآة، تتأمل ملامحها التي فقدت بريقها، وعينيها اللتين أثقلهما التعب والحزن. مرّرت أصابعها المرتجفة على وجنتيها، ثم تمنت بداخلها ألا تلتقي بمالك مرة أخرى. أغمضت عينيها للحظة لتجمع شتات نفسها، ثم استدارت وغادرت. خرجت من دورة المياه بخطوات متثاقلة، كأنها تحمل فوق كتفيها عبئًا لا يُ







