Masukأغمضت حياة عينيها، محاولة تذكّر ما حدث صباح ذلك اليوم الذي كان صعبًا بالنسبة إليها.
في صباح ذلك اليوم، استيقظت حياة باكرًا كعادتها. جلست على سريرها لبعض الوقت، فلم تكن مضطرة إلى الذهاب إلى العمل، إذ كان ذلك يوم إجازتها المعتاد. كانت تعمل في مطعم صغير، حيث تتولى تنظيف الأواني والمطعم كل صباح ومساء، بعد مغادرة الزبائن.
كان لديها موعد مع الطبيبة، فمنذ ما يقارب السنة وهي تعاني من آلام في رأسها. في البداية، ظنت أن الأمر لا يتعدى صداعًا عاديًا، لكن مع مرور الوقت، بدأت حالتها تزداد سوءًا.
قبل أسبوع، أجرت بعض التحاليل، وكان عليها اليوم العودة إلى الطبيبة لمعرفة النتائج وما الذي يحدث لها.
بعد انتظار طويل في قاعة الانتظار، جاء دورها أخيرًا. وما إن سمعت اسمها حتى شعرت بوخزات قوية في صدرها، وأصبح التنفس صعبًا بالنسبة إليها. لطالما كانت حياة تجد صعوبة في مواجهة الآخرين، وكانت تفقد قدرتها على التصرف كلما وجدت نفسها في موقف كهذا.
دخلت حياة إلى مكتب الطبيبة، التي كانت تنظر إلى نتائج تحاليلها.
ألقت حياة التحية عليها، فأشارت لها الطبيبة نحو الكرسي لتجلس. جلست حياة بهدوء، لكنها كانت تمسك بطرف فستانها بقوة، محاولة التخفيف من التوتر الذي تشعر به.
رفعت الطبيبة عينيها نحوها. بدت ملامحها غريبة، وكأنها تحاول اختيار الكلمات المناسبة لإخبارها بالنتائج دون أن تخيفها.
قالت الطبيبة: «بصراحة، من الصعب عليّ أن أخبرك بنتائج التحاليل.»
في تلك اللحظة، شعرت حياة بالخوف. بدأت أسئلة كثيرة تدور في رأسها، لكنها لم تستطع طرح أيٍّ منها، إذ قاطعتها الطبيبة قائلة:
«لديكِ ورم خبيث في الدماغ، وهو في مرحلة متقدمة.»
اتسعت عينا حياة من شدة الخوف، وبدأت تشعر بالدوار. بدا لها وكأن العالم من حولها قد توقف، ولم تستوعب ما قالته الطبيبة.
رفعت حياة عينيها بصعوبة نحو الطبيبة، وقالت بنبرة خائفة ومرتجفة:
«هل سأموت؟»
أجابتها الطبيبة بصراحة:
«في حالتك، الأدوية لن تفيدك كثيرًا، والأمر يستدعي إجراء عملية جراحية، لكن...»
توقفت الطبيبة عن الكلام للحظات، وكأنها تحاول إيجاد الكلمات المناسبة لإكمال حديثها.
كان ذلك الصمت مرعبًا بالنسبة إلى حياة. ظلت تنظر إليها بفارغ الصبر، تنتظر أن تكمل كلامها، لعلها تجد في ما ستقوله أملًا يخلصها من هذا العذاب الذي كانت تعيشه.
أكملت الطبيبة حديثها قائلة:
«العملية قد تكون لها مضاعفات خطيرة، حتى إن نجحت، لأن الورم موجود في منطقة حساسة من الدماغ.»
في تلك اللحظة، شعرت حياة وكأن جميع الأبواب قد أُغلقت أمامها. لم تكن تعرف ماذا تقول أو ماذا تفعل. كانت تخشى أن تخاطر بإجراء العملية، وفي الوقت نفسه لم تستطع تقبل فكرة أن تستسلم وتنتظر نهايتها.
بعد لحظات من الصمت، سألت بصوت حزين:
«كم تبقى لي؟»
نظرت إليها الطبيبة وأجابتها بهدوء:
«على الأكثر، ستة أشهر.»
اتسعت عينا حياة قليلًا، وظلت تنظر إلى الطبيبة دون أن تنطق بكلمة. ستة أشهر! لم تستطع تصديق ما سمعته. كانت تحاول استيعاب الأمر، لكن الكلمات بدت وكأنها تتردد في رأسها دون أن تتمكن من فهمها.
إذن، لم يعد أمامها سوى ستة أشهر. ستة أشهر فقط قبل أن تفقد كل شيء، قبل أن تصبح مجرد ذكرى في حياة أشخاص ربما لن يلاحظوا غيابها طويلًا.
نهضت حياة من مكانها وخرجت من مكتب الطبيبة على عجل، دون أن تقول شيئًا آخر. لم تكن قادرة على البقاء هناك دقيقة إضافية، ولم تكن تريد أن تسمع المزيد. كانت بحاجة إلى الخروج، إلى الابتعاد عن ذلك المكان الذي تغيرت فيه حياتها خلال دقائق قليلة.
وصلت إلى الشارع وتوقفت في مكانها. كان الناس يمرون من حولها، والسيارات تتحرك في الطريق، وأصوات المارة تختلط ببعضها، لكن حياة لم تعد تسمع شيئًا بوضوح. وقفت مصدومة، تحدق أمامها بعينين شاردتين، وكأنها نسيت إلى أين كانت ذاهبة.
قبل دقائق فقط، كانت تفكر في آلام رأسها، وفي حياتها التي لم تكن راضية عنها، وفي المشاكل التي تنتظرها في المنزل. أما الآن، فقد أصبحت كل تلك الأشياء مختلفة. لم تعد تعرف إن كانت ستعيش لتجد حلًا لها أم لا.
شعرت بالخوف يتسلل إلى داخلها. لم تكن تخاف الموت بقدر ما كانت تخاف فكرة أن ترحل دون أن تعيش يومًا واحدًا كما أرادت. اتنان وتلاثون سنة من حياتها قضتها وهي تحاول التأقلم مع واقع لم تختره، تتحمل كلمات جارحة، وتخفي حزنها، وتؤجل أحلامها إلى وقت آخر. والآن، بعدما بدأت تدرك كم كانت تعيسة، قيل لها إن وقتها قد أوشك على الانتهاء.
نظرت إلى السماء، وشعرت بغصة في حلقها. أرادت البكاء، لكنها لم تستطع في البداية. كانت الصدمة أكبر من قدرتها على التعبير. ثم بدأت دموعها تنهمر ببطء، دون أن تحاول مسحها.
لم يكن هناك أحد بجانبها، ولم يكن هناك من تستطيع الاتصال به لتخبره بما حدث. حتى لو أرادت ذلك، لم تكن تعرف من الشخص الذي يمكنها اللجوء إليه.
ظلت واقفة في مكانها، وسط حشود الناس، تشعر بوحدة لم تعرفها من قبل. كان الجميع يمضي في طريقه، بينما شعرت هي بأن حياتها توقفت عند تلك اللحظة.
لأول مرة، لم تفكر في الغد، ولا في العمل، لقد كان سؤال واحد يسيطر على عقلها: ماذا يفعل الإنسان عندما يعرف أن وقته في هذه الحياة أصبح محدودًا؟
لم تكن تملك جوابًا. كل ما كانت تشعر به هو الخوف والحزن، وإحساس مؤلم بأنها لم تحصل على فرصة حقيقية لتعيش الحياة التي أرادتها يومًا.
صعدت حياة إلى غرفتها بصعوبة، وكأن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها. لم تستطع استيعاب ما حدث قبل لحظات، ولم تفهم كيف تحولت سعادتها الصغيرة إلى ذلك الألم الذي يعتصر قلبها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، ثم وقفت أمام المرآة للحظات.كان وجهها شاحبًا، وعيناها تبدوان أكثر انطفاءً من المعتاد. تأملت انعكاس صورتها بصمت، وشعرت برغبة عارمة في البكاء. أرادت أن تُخرج كل ما يتراكم داخلها، أن تبكي حتى لا يبقى في صدرها شيء يؤلمها، لكنها، كالعادة، لم تستطع.منذ أن علمت أن أيامها في هذه الحياة أصبحت معدودة، لم تذرف دمعة واحدة. لم تكن تعرف إن كانت قد اعتادت الحزن إلى درجة أنها لم تعد قادرة على البكاء، أم أنها لم تستوعب بعد حقيقة ما ينتظرها.كل ما كانت تعرفه أنها متعبة.متعبة من حياتها، ومن أفكارها، ومن ذلك الشعور الدائم بأنها لا تنتمي إلى أي مكان. والآن، حتى تلك اللحظات القليلة التي شعرت فيها بشيء من السعادة، لم يُسمح لها بالاحتفاظ بها.أغمضت حياة عينيها بقوة، محاولةً إيقاف سيل الأفكار الذي أخذ ينهش عقلها.لم تتناول شيئًا طوال اليوم، ولم تكن لديها رغبة في تناول الطعام. كل ما أرادته هو النوم، أن تغيب ع
بعد مدة لم تكن طويلة، أقبلت المرأة تحمل باقة الزهور التي أعدّتها بعناية، ثم اقتربت من حياة.كانت حياة تفرك يديها بتوتر، وقد عاد إليها ذلك الشعور المألوف الذي يرافقها كلما وجدت نفسها في موقف اجتماعي جديد. كانت تعاني من الرهاب الاجتماعي، ولذلك لم يكن التعامل مع الآخرين أمرًا سهلًا بالنسبة إليها. يكفي أن تجد نفسها في موقف غير مألوف حتى يتسارع نبض قلبها، وتبدأ أفكارها بالتشتت، وكأنها فقدت قدرتها على التصرف بصورة طبيعية.مدّت المرأة إليها الباقة بابتسامة جميلة.أخذتها حياة، وما إن وقعت عيناها على الزهور حتى اختفى ذلك التوتر الذي كان يعتصر قلبها قبل لحظات. راحت تتأمل الباقة الصغيرة، تتنقل بعينيها بين ألوانها المختلفة، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة عفوية لم تستطع إخفاءها.رفعت رأسها نحو المرأة وقالت بإعجاب صادق:«إنها جميلة جدًا!»ابتسمت المرأة وهي تراقب سعادتها، ثم قالت:«اعتبريها هدية صغيرة مني إليكِ.»نظرت إليها حياة بدهشة، ولم تستطع إخفاء تساؤلها.«لكن... كيف تهدينني إياها وأنتِ لا تعرفينني حتى؟»أطلقت المرأة ضحكة خفيفة، ثم أجابتها:«بل أعرفكِ أكثر مما تظنين. أنتِ تمرين من هنا باستمرار،
انتبهت حياة إلى الساعة التي في معصمها، فأدركت أنها تأخرت في العودة إلى المنزل. رفعت عينيها نحو يعقوب وقالت بلطف:«سأتركك الآن. أتمنى لك حظًا سعيدًا، وأن تجد عملًا في أقرب وقت ممكن.»ابتسم يعقوب وهو يجيبها:«شكرًا لكِ. إلى اللقاء.»اكتفت حياة بإيماءة خجولة من رأسها، ثم استدارت وانطلقت في طريق عودتها بخطوات سريعة، دون أن تلتفت خلفها.ظل يعقوب يتابعها بعينيه حتى ابتعدت عن أنظاره. كانت نحيلة الجسد، تمشي بخفة وسرعة، أشبه بفراشة صغيرة تحاول الإفلات من العالم المحيط بها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وهو يراقبها تبتعد.منذ وقت طويل، لم يشعر بشيء كهذا. كان ثمة شيء لطيف في ذلك اللقاء القصير، شيء جعل قلبه يشعر بدفء افتقده منذ زمن. لم تفعل حياة شيئًا استثنائيًا، ولم تقل كلمات مميزة، ومع ذلك، تركت في نفسه أثرًا لم يكن يتوقعه.غريب كيف يمكن لشخص أن يلامس قلبك بلطف، دون أن يدرك حتى أنه فعل ذلك.هكذا كان يفكر يعقوب وهو لا يزال يتذكر ملامحها الخجولة.أما حياة، فكانت تسير في طريقها وقد غمرها شعور بالخجل لم تعتده. لم تكن معتادة على التحدث مع الغرباء، بل إن التواصل مع الآخرين لم يكن أمرًا سهلًا بالنسبة
غادرت حياة المنزل، وارتدت ملابسها على عجل قبل أن تخرج متجهة إلى المطعم الذي تعمل فيه.حين وصلت، وجدت صاحب المطعم قد سبقها كعادته. ألقت عليه التحية بابتسامتها المعتادة، ثم وضعت أغراضها جانبًا وبدأت عملها. راحت تنظف الطاولات واحدة تلو الأخرى، ثم مسحت الأرضية قبل أن تتجه إلى المطبخ لتكمل ما تبقى من أعمال التنظيف.كان المطعم هادئًا في تلك الساعة، ولم يكن هناك ما يشغلها سوى صوت الماء المتدفق واحتكاك الأواني بعضها ببعض. وبعد أن انتهت من تنظيف ما عليها، جلست على كرسي صغير في زاوية المطبخ، وأسندت رأسها إلى الحائط.أطلقت تنهيدة طويلة.إلى أين سأذهب؟كان السؤال نفسه يلاحقها منذ الصباح. لم تكن تعرف أين ستعيش إذا غادرت منزل عمها، ولا كيف ستتمكن من تدبير أمورها براتبها البسيط. كانت فكرة الرحيل تبدو سهلة حين تحدثت إليه، لكنها الآن، وهي تجلس وحدها، بدأت تدرك حجم ما ينتظرها.ومع ذلك، لم تكن فكرة العودة إلى المنزل أقل إزعاجًا.قضت يومها بين الطاولات والأرضيات وأكوام الصحون المتسخة. وحين انتهت أخيرًا من عملها، غسلت يديها وجففتهما، ثم ودعت صاحب المطعم واستعدت للمغادرة.كان الرجل مسنًا، حاد الطباع، سريع
بقيت حياة في فراشها حتى الثامنة صباحًا، تحدق في السقف وتسترجع كلمات عمها التي لم تفارق ذهنها منذ استيقاظها. لم تكن تملك الرغبة في النهوض، لكن البقاء في الغرفة لن يغير شيئًا. نهضت أخيرًا، رتبت فراشها الصغير، ثم خرجت متجهة إلى الحمام.وفي طريقها، لمحت عمها علي جالسًا في الصالون يتناول فطوره. كانت ملامحه متجهمة، ونظراته الحادة توحي بأنه ينتظر ظهورها بفارغ الصبر.توقفت حياة للحظة، ثم التفتت نحوه وقالت بهدوء:— لقد سمعت حديثك هذا الصباح. لدي صديقة تسكن بعيدًا عن هنا، وسأنتقل للعيش معها في أقرب وقت ممكن.رفع عمها علي رأسه ببطء، وحدق فيها وكأنه لم يستوعب ما سمعه للتو.— صديقة؟ هل تمزحين معي؟ تتحدثين عن صديقة وكأنك ما زلت مراهقة! إذا كنت تنوين اللهو في هذا العمر وتشويه سمعتي أمام الناس، فمن الأفضل لك أن تتزوجي. هذا أستر لك وأحسن.لم تتغير ملامح حياة، لكنها أجابته بنبرة أكثر حزمًا:— أنا لا أريد الزواج، وعندما أتزوج، سيكون ذلك بإرادتي.كانت نظرات التحدي التي رمقته بها كافية لتجعله يدفع كرسيه إلى الخلف وينهض غاضبًا.— أتتحدينني؟ هل تعصين أوامري الآن؟ لقد عشت معنا منذ أن كنت في العاشرة من عمرك!
في مدينة أخرى، كان شاب يجلس على كرسي في الحديقة، يتأمل الناس وهم يتحركون في الطرقات المختلفة. لم يكن هناك الكثير من الزوار في ذلك الوقت، فقد كانت الساعة تشير إلى منتصف النهار.أمضى عشر سنوات من حياته في السجن، ولم يمضِ على خروجه سوى شهرين. كان كل شيء يبدو غريبًا بالنسبة إليه، وكأنه يحتاج إلى وقت حتى يعتاد الحياة من جديد. كان وحيدًا ومنعزلًا، لا يعرف أحدًا في هذه المدينة.كان في الخامسة والثلاثين من عمره، طويل القامة، وسيمًا، بملامح حادة تمنحه مظهرًا جادًا.نهض من مكانه واتجه نحو منزل صغير يستأجر فيه غرفة. كان المنزل يضم عدة غرف، جميعها مكراة لشباب قدموا إلى هذه المدينة بحثًا عن العمل. لم يكن أيٌّ منهم يعرف الكثير عن الآخر، فلكل واحد منهم قصته الخاصة، وأسبابه التي دفعته إلى المجيء إلى هنا.دخل يعقوب إلى غرفته الصغيرة، المنعزلة في إحدى زوايا المنزل. كان يبحث عن عمل منذ شهرين، لكنه لم يجد شيئًا مستقرًا. كل ما حصل عليه كان أعمالًا مؤقتة ومتفرقة، لا تضمن له دخلًا ثابتًا ولا تمنحه أي شعور بالأمان.في الخامسة والثلاثين من عمره، بدت الحياة فارغة في عينيه. لم يعد يجد ما يفعله، ولا ما يحفزه على







