Masukانتبهت حياة إلى الساعة التي في معصمها، فأدركت أنها تأخرت في العودة إلى المنزل. رفعت عينيها نحو يعقوب وقالت بلطف:
«سأتركك الآن. أتمنى لك حظًا سعيدًا، وأن تجد عملًا في أقرب وقت ممكن.»
ابتسم يعقوب وهو يجيبها:
«شكرًا لكِ. إلى اللقاء.»
اكتفت حياة بإيماءة خجولة من رأسها، ثم استدارت وانطلقت في طريق عودتها بخطوات سريعة، دون أن تلتفت خلفها.
ظل يعقوب يتابعها بعينيه حتى ابتعدت عن أنظاره. كانت نحيلة الجسد، تمشي بخفة وسرعة، أشبه بفراشة صغيرة تحاول الإفلات من العالم المحيط بها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وهو يراقبها تبتعد.
منذ وقت طويل، لم يشعر بشيء كهذا. كان ثمة شيء لطيف في ذلك اللقاء القصير، شيء جعل قلبه يشعر بدفء افتقده منذ زمن. لم تفعل حياة شيئًا استثنائيًا، ولم تقل كلمات مميزة، ومع ذلك، تركت في نفسه أثرًا لم يكن يتوقعه.
غريب كيف يمكن لشخص أن يلامس قلبك بلطف، دون أن يدرك حتى أنه فعل ذلك.
هكذا كان يفكر يعقوب وهو لا يزال يتذكر ملامحها الخجولة.
أما حياة، فكانت تسير في طريقها وقد غمرها شعور بالخجل لم تعتده. لم تكن معتادة على التحدث مع الغرباء، بل إن التواصل مع الآخرين لم يكن أمرًا سهلًا بالنسبة إليها، حتى مع أقربائها.
كانت تختلف تمامًا عن ابنة عمها ليلى، التي تمتلك شخصية هادئة واجتماعية، وتستطيع التحدث مع أي شخص بسهولة. كانت ليلى محبوبة من الجميع، ولديها الكثير من الأصدقاء، على عكس حياة التي اعتادت الانطواء والابتعاد عن الآخرين.
درست ليلى القانون الخاص، وحصلت على الإجازة فيه، ثم تابعت طريقها المهني حتى أصبحت محامية. كانت فتاة طموحة، تهتم بدراستها كثيرًا وتسعى دائمًا إلى تحقيق أهدافها.
وفي سن الرابعة والعشرين، وبعد فترة قصيرة من دخولها عالم المحاماة، تزوجت عن حب من رجل يعمل هو الآخر في المجال نفسه. لم يمض وقت طويل حتى أنجبت طفلًا مصابًا بالتوحد.
وبعد مرور عامين على ولادته، قررت ليلى الانفصال عن زوجها. لم يكن قرارها سهلًا، ولم يتقبله كثيرون من حولها، لكن كانت لديها أسبابها وظروفها الخاصة التي لم يكن الجميع على دراية بها.
بعد الطلاق، اشترت منزلًا خاصًا بها، وانتقلت للعيش فيه برفقة ابنها، محاولةً أن تبدأ حياة جديدة بعيدًا عن كل ما مضى.
في طريق عودتها، وجدت حياة نفسها تقف مجددًا أمام متجر الزهور نفسه.
تأملت واجهته الزجاجية للحظات، متسائلةً في سرها عن السبب الذي يجعلها تنجذب إلى هذا المكان كلما مرت بالقرب منه. هل كانت الزهور تمنحها شعورًا بالراحة؟ أم أنها كانت تبحث، دون أن تعترف بذلك لنفسها، عن شيء جميل يخفف عنها ثقل الأيام؟
ربما كان من حقها أن تمنح نفسها شيئًا صغيرًا يسعدها، ولو لمرة واحدة.
حسمت أمرها، ودفعت باب المتجر برفق.
ما إن دخلت حتى استقبلتها رائحة الزهور العطرة التي ملأت المكان. تنفست بعمق، وشعرت بشيء من الهدوء يتسلل إلى داخلها، قبل أن تجول بعينيها في أرجاء المتجر.
وهناك، وقعت عيناها على امرأة لم تستطع تجاهلها.
كانت امرأة فاتنة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. شعرها الأسود الطويل ينسدل بانسيابية، وملامح وجهها حادة وواضحة، تمنحها هيبة يصعب تجاهلها. بدت غارقة في عملها، جادةً في كل حركة تقوم بها، وكأن ملامحها وحدها تخبرك بأنها امرأة تعرف ما تريد، ولا تتردد في السعي إليه مهما كلفها الأمر.
كانت تبدو ناضجة، واثقة من نفسها، ترتدي فستانًا أسود طويلًا ينسجم مع قوامها الأنثوي المتناسق، فيما ارتسمت على شفتيها ابتسامة جميلة زادت ملامحها جاذبية.
توقفت حياة مكانها، تتأمل تلك المرأة دون أن تشعر.
للحظة، شعرت بشيء غريب يتسلل إلى أعماقها؛ شيء يشبه المقارنة القاسية التي لم تكن ترغب في خوضها.
نظرت إلى المرأة، ثم إلى نفسها، وشعرت بأن المسافة بينهما أكبر من مجرد اختلاف في الملامح أو طريقة ارتداء الملابس.
كانت تلك المرأة تبدو وكأنها تعرف تمامًا من تكون، وتدرك قيمة نفسها جيدًا، بينما لم تستطع حياة، طوال سنوات عمرها، أن تنظر إلى نفسها بالطريقة ذاتها.
هل كانت المشكلة في مظهرها حقًا، أم أنها أمضت وقتًا طويلًا إلى درجة أنها نسيت كيف ترى نفسها امرأة تستحق أن تشعر بالجمال والثقة؟
لم تعرف حياة الإجابة، لكنها أدركت، وهي واقفة في ذلك المتجر الصغير، أن هذه المرأة قد أثارت في داخلها شعورًا لم تختبره من قبل بهذه الحدة.
لطالما لازمت حياة عقدة النقص، حتى أصبحت جزءًا من نظرتها إلى نفسها وإلى العالم من حولها. كان ذلك الشعور يقيّدها باستمرار، ويمنعها من رؤية الأشياء الجميلة التي ربما كانت تمتلكها، لكنه لم يكن يسمح لها بالاعتراف بها.
وبينما كانت تقف أمام المرأة، أخذ الحزن يتسلل إلى ملامحها شيئًا فشيئًا. لم تكن تعرف لماذا شعرت بذلك، لكن أفكارها بدأت تدور حول سؤال واحد:
أين كنتِ طوال هذه السنوات؟
كانت تتأمل المرأة بصمت، وكأنها ترى أمامها صورة لحياة لم تعشها قط. حياة مليئة بالثقة والجرأة والقدرة على الاستمتاع بالأشياء الصغيرة، دون أن تضطر صاحبتها إلى التشكيك في قيمتها أو مقارنة نفسها بالآخرين.
قطع شرودها صوت المرأة وهي تقترب منها بابتسامة جميلة.
«أهلًا بكِ! هل ترغبين في شراء باقة من الزهور؟»
رفعت حياة عينيها نحوها. بدت لها تلك المرأة كزهرة نادرة تتفتح وسط حديقة مكتظة بالأزهار؛ زهرة تستمد جمالها من حضورها، لا من محاولتها لفت الأنظار.
أجابت حياة بصوت منخفض، وقد بدا عليها شيء من التردد:
«في الحقيقة، ليس لدي نوع مفضل من الزهور، لكنني أريد باقة جميلة.»
ابتسمت المرأة، وكأنها اعتادت التعامل مع أشخاص لا يعرفون تحديدًا ما يريدون.
«إذًا، ما رأيك أن أصنع لكِ باقة تضم أنواعًا مختلفة من الزهور الموجودة في المتجر؟ أعتقد أنكِ ستحبينها. هل تفضلينها كبيرة أم صغيرة؟»
«صغيرة، من فضلكِ.»
أومأت المرأة برأسها، ثم بدأت تختار الزهور واحدة تلو الأخرى. كانت تتحرك بخفة وهدوء، وتضع كل زهرة في مكانها بعناية، بينما ترتسم على وجهها ابتسامة رقيقة لم تفارقها طوال الوقت.
بدت سعيدة وهي تؤدي عملها، وكأنها لا تفعل شيئًا سوى ممارسة أمر تحبه حقًا.
راقبتها حياة بصمت، وشعرت بذلك الإحساس المزعج يكبر في أعماقها. لم يكن الأمر متعلقًا بجمال المرأة وحده، بل بشيء آخر لم تستطع تجاهله.
إنها تفعل ما تحب...
ترددت العبارة في ذهنها، ثم أعادتها مرة أخرى، وكأنها تحاول استيعاب معناها.
إنها تفعل ما تحب، بينما أنا... ماذا فعلت طوال حياتي؟
لم تستطع حياة العثور على إجابة.
منذ طفولتها، اعتادت أن تستصغر نفسها، وأن تنظر إلى الآخرين باعتبارهم أفضل منها وأكثر استحقاقًا للحياة التي يحلمون بها. كانت تتراجع قبل أن تحاول، وتصمت قبل أن تعبّر عن رأيها، وتنسحب كلما شعرت بأنها قد لا تكون على قدر التوقعات.
ومع مرور السنوات، لم تعد تلك التصرفات مجرد عادات عابرة، بل تحولت إلى قيود أحاطت بحياتها، حتى باتت تخشى أشياء لم تمنح نفسها يومًا فرصة لتجربتها.
كانت تؤمن، في أعماقها، أن الإنسان الذي يقلل من شأن نفسه لن يصل أبدًا إلى المكان الذي يحلم به، وأن أحلامه ستظل مجرد صور بعيدة، يراقبها من خلف زجاج سميك، دون أن يتمكن من لمسها.
لكنها لم تدرك أن المشكلة لم تكن دائمًا في الطريق، ولا في الظروف، ولا حتى في الآخرين؛ بل ربما كانت في الطريقة التي اعتادت أن ترى بها نفسها.
فالإنسان، حين يقضي سنوات طويلة وهو يعتقد أنه أقل من غيره، قد يبدأ بالتخلي عن أحلامه قبل أن يخوض أولى خطواته نحوها. ومع الوقت، يصبح خوفه من الفشل أقوى من رغبته في النجاح، ويغدو البقاء في المكان نفسه أكثر أمانًا من محاولة تغييره.
وهكذا، قد تمر السنوات دون أن يتغير شيء، لا لأن الحياة لم تمنحه الفرص، بل لأنه لم يعد يؤمن بأنه يستحق اغتنامها.
أما حياة، فظلت واقفة في مكانها، تراقب المرأة وهي تنهي باقتها الصغيرة، وتتساءل في صمت إن كانت قد أضاعت الكثير من عمرها وهي تحارب نفسها بدلًا من أن تحاول اكتشافها.
لم تكن تعرف أن أول خطوة نحو حياة مختلفة قد تبدأ من اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن النظر إلى نفسه بعيني شخص آخر، ويمنحها، للمرة الأولى، فرصة أن تكون كافية كما هي.
صعدت حياة إلى غرفتها بصعوبة، وكأن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها. لم تستطع استيعاب ما حدث قبل لحظات، ولم تفهم كيف تحولت سعادتها الصغيرة إلى ذلك الألم الذي يعتصر قلبها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، ثم وقفت أمام المرآة للحظات.كان وجهها شاحبًا، وعيناها تبدوان أكثر انطفاءً من المعتاد. تأملت انعكاس صورتها بصمت، وشعرت برغبة عارمة في البكاء. أرادت أن تُخرج كل ما يتراكم داخلها، أن تبكي حتى لا يبقى في صدرها شيء يؤلمها، لكنها، كالعادة، لم تستطع.منذ أن علمت أن أيامها في هذه الحياة أصبحت معدودة، لم تذرف دمعة واحدة. لم تكن تعرف إن كانت قد اعتادت الحزن إلى درجة أنها لم تعد قادرة على البكاء، أم أنها لم تستوعب بعد حقيقة ما ينتظرها.كل ما كانت تعرفه أنها متعبة.متعبة من حياتها، ومن أفكارها، ومن ذلك الشعور الدائم بأنها لا تنتمي إلى أي مكان. والآن، حتى تلك اللحظات القليلة التي شعرت فيها بشيء من السعادة، لم يُسمح لها بالاحتفاظ بها.أغمضت حياة عينيها بقوة، محاولةً إيقاف سيل الأفكار الذي أخذ ينهش عقلها.لم تتناول شيئًا طوال اليوم، ولم تكن لديها رغبة في تناول الطعام. كل ما أرادته هو النوم، أن تغيب ع
بعد مدة لم تكن طويلة، أقبلت المرأة تحمل باقة الزهور التي أعدّتها بعناية، ثم اقتربت من حياة.كانت حياة تفرك يديها بتوتر، وقد عاد إليها ذلك الشعور المألوف الذي يرافقها كلما وجدت نفسها في موقف اجتماعي جديد. كانت تعاني من الرهاب الاجتماعي، ولذلك لم يكن التعامل مع الآخرين أمرًا سهلًا بالنسبة إليها. يكفي أن تجد نفسها في موقف غير مألوف حتى يتسارع نبض قلبها، وتبدأ أفكارها بالتشتت، وكأنها فقدت قدرتها على التصرف بصورة طبيعية.مدّت المرأة إليها الباقة بابتسامة جميلة.أخذتها حياة، وما إن وقعت عيناها على الزهور حتى اختفى ذلك التوتر الذي كان يعتصر قلبها قبل لحظات. راحت تتأمل الباقة الصغيرة، تتنقل بعينيها بين ألوانها المختلفة، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة عفوية لم تستطع إخفاءها.رفعت رأسها نحو المرأة وقالت بإعجاب صادق:«إنها جميلة جدًا!»ابتسمت المرأة وهي تراقب سعادتها، ثم قالت:«اعتبريها هدية صغيرة مني إليكِ.»نظرت إليها حياة بدهشة، ولم تستطع إخفاء تساؤلها.«لكن... كيف تهدينني إياها وأنتِ لا تعرفينني حتى؟»أطلقت المرأة ضحكة خفيفة، ثم أجابتها:«بل أعرفكِ أكثر مما تظنين. أنتِ تمرين من هنا باستمرار،
انتبهت حياة إلى الساعة التي في معصمها، فأدركت أنها تأخرت في العودة إلى المنزل. رفعت عينيها نحو يعقوب وقالت بلطف:«سأتركك الآن. أتمنى لك حظًا سعيدًا، وأن تجد عملًا في أقرب وقت ممكن.»ابتسم يعقوب وهو يجيبها:«شكرًا لكِ. إلى اللقاء.»اكتفت حياة بإيماءة خجولة من رأسها، ثم استدارت وانطلقت في طريق عودتها بخطوات سريعة، دون أن تلتفت خلفها.ظل يعقوب يتابعها بعينيه حتى ابتعدت عن أنظاره. كانت نحيلة الجسد، تمشي بخفة وسرعة، أشبه بفراشة صغيرة تحاول الإفلات من العالم المحيط بها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وهو يراقبها تبتعد.منذ وقت طويل، لم يشعر بشيء كهذا. كان ثمة شيء لطيف في ذلك اللقاء القصير، شيء جعل قلبه يشعر بدفء افتقده منذ زمن. لم تفعل حياة شيئًا استثنائيًا، ولم تقل كلمات مميزة، ومع ذلك، تركت في نفسه أثرًا لم يكن يتوقعه.غريب كيف يمكن لشخص أن يلامس قلبك بلطف، دون أن يدرك حتى أنه فعل ذلك.هكذا كان يفكر يعقوب وهو لا يزال يتذكر ملامحها الخجولة.أما حياة، فكانت تسير في طريقها وقد غمرها شعور بالخجل لم تعتده. لم تكن معتادة على التحدث مع الغرباء، بل إن التواصل مع الآخرين لم يكن أمرًا سهلًا بالنسبة
غادرت حياة المنزل، وارتدت ملابسها على عجل قبل أن تخرج متجهة إلى المطعم الذي تعمل فيه.حين وصلت، وجدت صاحب المطعم قد سبقها كعادته. ألقت عليه التحية بابتسامتها المعتادة، ثم وضعت أغراضها جانبًا وبدأت عملها. راحت تنظف الطاولات واحدة تلو الأخرى، ثم مسحت الأرضية قبل أن تتجه إلى المطبخ لتكمل ما تبقى من أعمال التنظيف.كان المطعم هادئًا في تلك الساعة، ولم يكن هناك ما يشغلها سوى صوت الماء المتدفق واحتكاك الأواني بعضها ببعض. وبعد أن انتهت من تنظيف ما عليها، جلست على كرسي صغير في زاوية المطبخ، وأسندت رأسها إلى الحائط.أطلقت تنهيدة طويلة.إلى أين سأذهب؟كان السؤال نفسه يلاحقها منذ الصباح. لم تكن تعرف أين ستعيش إذا غادرت منزل عمها، ولا كيف ستتمكن من تدبير أمورها براتبها البسيط. كانت فكرة الرحيل تبدو سهلة حين تحدثت إليه، لكنها الآن، وهي تجلس وحدها، بدأت تدرك حجم ما ينتظرها.ومع ذلك، لم تكن فكرة العودة إلى المنزل أقل إزعاجًا.قضت يومها بين الطاولات والأرضيات وأكوام الصحون المتسخة. وحين انتهت أخيرًا من عملها، غسلت يديها وجففتهما، ثم ودعت صاحب المطعم واستعدت للمغادرة.كان الرجل مسنًا، حاد الطباع، سريع
بقيت حياة في فراشها حتى الثامنة صباحًا، تحدق في السقف وتسترجع كلمات عمها التي لم تفارق ذهنها منذ استيقاظها. لم تكن تملك الرغبة في النهوض، لكن البقاء في الغرفة لن يغير شيئًا. نهضت أخيرًا، رتبت فراشها الصغير، ثم خرجت متجهة إلى الحمام.وفي طريقها، لمحت عمها علي جالسًا في الصالون يتناول فطوره. كانت ملامحه متجهمة، ونظراته الحادة توحي بأنه ينتظر ظهورها بفارغ الصبر.توقفت حياة للحظة، ثم التفتت نحوه وقالت بهدوء:— لقد سمعت حديثك هذا الصباح. لدي صديقة تسكن بعيدًا عن هنا، وسأنتقل للعيش معها في أقرب وقت ممكن.رفع عمها علي رأسه ببطء، وحدق فيها وكأنه لم يستوعب ما سمعه للتو.— صديقة؟ هل تمزحين معي؟ تتحدثين عن صديقة وكأنك ما زلت مراهقة! إذا كنت تنوين اللهو في هذا العمر وتشويه سمعتي أمام الناس، فمن الأفضل لك أن تتزوجي. هذا أستر لك وأحسن.لم تتغير ملامح حياة، لكنها أجابته بنبرة أكثر حزمًا:— أنا لا أريد الزواج، وعندما أتزوج، سيكون ذلك بإرادتي.كانت نظرات التحدي التي رمقته بها كافية لتجعله يدفع كرسيه إلى الخلف وينهض غاضبًا.— أتتحدينني؟ هل تعصين أوامري الآن؟ لقد عشت معنا منذ أن كنت في العاشرة من عمرك!
في مدينة أخرى، كان شاب يجلس على كرسي في الحديقة، يتأمل الناس وهم يتحركون في الطرقات المختلفة. لم يكن هناك الكثير من الزوار في ذلك الوقت، فقد كانت الساعة تشير إلى منتصف النهار.أمضى عشر سنوات من حياته في السجن، ولم يمضِ على خروجه سوى شهرين. كان كل شيء يبدو غريبًا بالنسبة إليه، وكأنه يحتاج إلى وقت حتى يعتاد الحياة من جديد. كان وحيدًا ومنعزلًا، لا يعرف أحدًا في هذه المدينة.كان في الخامسة والثلاثين من عمره، طويل القامة، وسيمًا، بملامح حادة تمنحه مظهرًا جادًا.نهض من مكانه واتجه نحو منزل صغير يستأجر فيه غرفة. كان المنزل يضم عدة غرف، جميعها مكراة لشباب قدموا إلى هذه المدينة بحثًا عن العمل. لم يكن أيٌّ منهم يعرف الكثير عن الآخر، فلكل واحد منهم قصته الخاصة، وأسبابه التي دفعته إلى المجيء إلى هنا.دخل يعقوب إلى غرفته الصغيرة، المنعزلة في إحدى زوايا المنزل. كان يبحث عن عمل منذ شهرين، لكنه لم يجد شيئًا مستقرًا. كل ما حصل عليه كان أعمالًا مؤقتة ومتفرقة، لا تضمن له دخلًا ثابتًا ولا تمنحه أي شعور بالأمان.في الخامسة والثلاثين من عمره، بدت الحياة فارغة في عينيه. لم يعد يجد ما يفعله، ولا ما يحفزه على







