تحت سقف واحد

تحت سقف واحد

last updateLast Updated : 2026-10-12
By:  heleenanUpdated just now
Language: Arab
goodnovel18goodnovel
Not enough ratings
8Chapters
11views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

في الثلاثينيات من عمرها، تكتشف شابة أن أمامها ستة أشهر فقط لتعيش. بعد سنوات من الألم والوحدة، تقرر أخيرًا أن تتوقف عن التمسك بمكان لم تشعر فيه يومًا بالانتماء. تترك منزل طفولتها وعمها وزوجته، اللذين قررا بيعه دون أن يكترثا لمصيرها، وتختار الابتعاد عن الجميع، بحثًا عن القليل من السلام قبل أن تنطفئ حياتها إلى الأبد. تشتري منزلًا منعزلًا، بعيدًا عن ضجيج المدينة وفضول البشر، معتقدة أنها وجدت أخيرًا المكان المناسب لقضاء أيامها الأخيرة. لا تريد شفقة أحد، ولا تبحث عن معجزة تنقذها، بل ترغب فقط في أن تعيش ما تبقى لها من عمر بهدوء، دون أن تضطر إلى مواجهة المزيد من الخيبات. لكن خطتها البسيطة تنهار حين يظهر رجل غريب يطالبها بالتخلي عن المنزل الذي اشترته. بالنسبة إليه، لم يكن ذلك المنزل مجرد جدران وسقف، بل قطعة من ماضيه وذكرى طفولته التي سُلبت منه. فقد استولى عمه على المنزل بعدما انتزعه من أبيه، وها هو يعود بعد سنوات طويلة ليستعيد حقه ويسترد المكان الذي لم يستطع نسيانه يومًا. لم يكن أيٌّ منهما مستعدًا للتراجع؛ هي تريد الاحتفاظ بملاذها الأخير، وهو يرفض خسارة ما تبقى له من ماضيه. وبين إصرارها على البقاء ورغبته في استعادة المنزل، يجد الاثنان نفسيهما عالقين تحت سقف واحد، في مواجهة صراع لم يتوقع أيٌّ منهما عواقبه. ومع مرور الأيام، تبدأ المسافات بينهما بالتقلص، وتتشابك جراحهما بطرق لم يفهماها. فخلف قسوتها تختبئ امرأة أنهكها الألم، وخلف بروده يكمن رجل لم يتعافَ يومًا من خساراته. لكن ماذا يحدث حين يدخل الحب حياة امرأة تستعد للموت، ورجل أقسم ألا يسمح لأحد باقتحام قلبه؟

View More

Chapter 1

البارت الأول:تحت أمطار دسمبر

في أواخر شهر ديسمبر، كانت المدينة تعج بالناس. المحلات مضاءة بألوان مختلفة، والجميع يبدو سعيدًا بقدوم السنة الجديدة. كان هناك من قرر أن يبدأ من جديد، ومن لا يزال عالقًا في ماضيه، عاجزًا عن التخلي عن آلامه، وكأنه اعتاد العيش معها.

في أحد الشوارع، كانت شابة تسير بخطوات بطيئة، وكتفاها منحنيان قليلًا. بدت متعبة، وكأنها تحمل فوق كتفيها همومًا تفوق قدرتها على التحمل. كانت ترتدي فستانًا أسود ومعطفًا صوفيًا دافئًا وحذاءً رياضيًا. أما شعرها الأسود، فجمعته في كعكة عشوائية. كانت ملامحها شاحبة، والعالم من حولها يبدو رماديًا في عينيها، لا أبيض ولا أسود. لم تكن تسمع سوى أحاديث الأشخاص الذين يمرون بجانبها.

كانت تحاول أن تجد شيئًا يرشدها ويخرجها من المتاهة التي وجدت نفسها عالقة فيها. رفعت رأسها نحو السماء، فقد بدأت قطرات المطر تتساقط، وسرعان ما اشتد هطوله. بقيت الشابة في مكانها، دون أن تحاول الاحتماء منه. كانت تحب الشعور الذي ينتابها عندما يلامس المطر جسدها. وبينما كان الناس من حولها يسرعون بحثًا عن مكان يحتمون فيه، ظلت هي واقفة تحت المطر.

لكن عندما ابتلت ملابسها بالكامل، أدركت أنها أمضت وقتًا طويلًا في الخارج، فتحركت نحو منزلها.

في الشارع الذي يقع فيه منزلها، كان هناك محل صغير لبيع الزهور. كانت رائحتها تملأ المكان، فتوقفت الشابة للحظة ونظرت إليها بحزن. كانت ألوان الزهور جذابة، ومن الصعب ألا يفتتن المرء بجمالها. لكنها لم تبقَ طويلًا، وسرعان ما أكملت طريقها نحو المنزل.

كان منزلًا صغيرًا وبسيطًا، يتكون من طابقين. أخرجت المفاتيح من جيب معطفها الصوفي بصعوبة، فقد كانت يداها ترتجفان من البرد. وبعد محاولات، تمكنت من فتح الباب. كانت شفتاها قد تحولتا إلى اللون البنفسجي من شدة البرد.

دخلت إلى المنزل الدافئ وأغلقت الباب بسرعة، ثم صعدت إلى الطابق الثاني، حيث وجدت زوجة عمها سارة تطوي ملابس زوجها في الصالة.

رفعت سارة عينيها نحوها، ونظرت إليها بنظراتها الحادة المعتادة. كانت امرأة في الخمسينات من عمرها، لكن مظهرها كان يجعلها تبدو أصغر من ذلك.

قالت بنبرة حادة:

«أين كنتِ طوال هذا اليوم؟»

أجابتها حياة بصعوبة:

«كنت عند صديقتي.»

لم تفكر كثيرًا قبل أن تجيب. كل ما أرادته هو أن ينتهي هذا الحوار بسرعة، لأنها كانت تعرف أن سارة ستقول لها، كعادتها، كلمات جارحة ستظل تزعجها طوال اليوم.

ردت سارة بغضب:

«هل تمزحين معي؟ منذ متى وأنتِ تملكين أصدقاء؟»

أمسكت حياة بطرف فستانها بقوة، وقالت في نفسها: معها حق، كيف فكرت في اختراع مثل هذه الكذبة السخيفة؟

ضحكت بمرارة دون أن تشعر.

نظرت إليها سارة باستغراب وسألتها:

«هل تمزحين معي؟ لماذا تضحكين؟»

أجابت حياة:

«كنت في الحديقة اليوم. أردت أن أحظى ببعض الراحة بعد أسبوع طويل من العمل.»

توقفت سارة عن طي الملابس ونظرت إليها.

«كان بإمكانك أن تقولي ذلك منذ البداية. ما الداعي إلى الكذب؟»

نظرت إليها حياة مطولًا، وفكرت في نفسها: معها حق، لماذا كذبت؟ لكنها لم تكن تنوي الكذب أصلًا، بل أجابت بما خطر في بالها في تلك اللحظة. لم تكن تفكر فيما ستقوله، فقد كان عقلها مشغولًا بأمور أخرى.

قاطع صوت سارة أفكارها.

«أنتِ لا تحترمين أحدًا في هذا المنزل، هل تعلمين ذلك؟»

أجابتها حياة بهدوء:

«أنا آسفة.»

لم ترد سارة، وعادت إلى طي ملابس زوجها.

انتظرت حياة قليلًا، لكن عندما أدركت أن زوجة عمها لن تقول شيئًا آخر، نزعت حذاءها ووضعته في سلة صغيرة بجانب الباب. ثم أطلقت زفرة طويلة. كان هذا اليوم متعبًا بالنسبة إليها، وكل ما أرادته هو أن تنام.

اتجهت نحو باب غرفتها، لكن صوت سارة أوقفها.

«حياة.»

ردت دون أن تلتفت إليها:

«نعم.»

قالت سارة:

«قررت أنا وعمك أن نبيع المنزل وننتقل للعيش عند أختك.»

التفتت حياة إليها بهدوء.

«إذن سننتقل من هنا؟»

«نعم، سننتقل في أقرب وقت.»

صمتت حياة للحظة، ثم قالت:

«أنا أعمل في هذه المدينة منذ سنوات طويلة، وقد اعتدت العيش هنا.»

أجابتها سارة ببرود:

«الخيار لكِ. إذا أردتِ، يمكنك الذهاب معنا، أما إذا قررتِ البقاء، فعليكِ البحث عن مكان آخر للعيش.»

التفتت حياة نحوها ونظرت مباشرة إلى عينيها.

«هل تريدينني أن أذهب معكم؟»

قابلتها سارة بنظرات حادة، ثم أجابت:

«أنتِ تعرفين الجواب.»

بعد أن قالت ذلك، نهضت من مكانها بعدما انتهت من طي الملابس، واتجهت إلى غرفتها دون أن تضيف كلمة أخرى.

بقيت حياة واقفة، غارقة في أفكارها. ماذا ستفعل؟ إلى أين ستذهب؟ من سيكون معها؟ وهل تستطيع العيش بمفردها؟

كانت تعرف جواب السؤال الذي طرحته على سارة جيدًا. لطالما كرهتها زوجة عمها، ولم تكن حياة تعرف السبب. حاولت طوال السنوات التي قضتها معهم أن تفهم سر ذلك الكره، لكنها لم تجد جوابًا.

قطع صوت الرعد القوي أفكارها، فالتفتت نحو النافذة. كان المطر لا يزال يهطل بغزارة.

فتحت باب غرفتها ودخلت بخطوات متثاقلة. كانت غرفة صغيرة يتوسطها سرير بسيط. جلست عليه وأسندت ظهرها إلى الحائط، ثم ظلت تنظر أمامها وهي تفكر في كل ما حدث.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
8 Chapters
البارت الأول:تحت أمطار دسمبر
في أواخر شهر ديسمبر، كانت المدينة تعج بالناس. المحلات مضاءة بألوان مختلفة، والجميع يبدو سعيدًا بقدوم السنة الجديدة. كان هناك من قرر أن يبدأ من جديد، ومن لا يزال عالقًا في ماضيه، عاجزًا عن التخلي عن آلامه، وكأنه اعتاد العيش معها.في أحد الشوارع، كانت شابة تسير بخطوات بطيئة، وكتفاها منحنيان قليلًا. بدت متعبة، وكأنها تحمل فوق كتفيها همومًا تفوق قدرتها على التحمل. كانت ترتدي فستانًا أسود ومعطفًا صوفيًا دافئًا وحذاءً رياضيًا. أما شعرها الأسود، فجمعته في كعكة عشوائية. كانت ملامحها شاحبة، والعالم من حولها يبدو رماديًا في عينيها، لا أبيض ولا أسود. لم تكن تسمع سوى أحاديث الأشخاص الذين يمرون بجانبها.كانت تحاول أن تجد شيئًا يرشدها ويخرجها من المتاهة التي وجدت نفسها عالقة فيها. رفعت رأسها نحو السماء، فقد بدأت قطرات المطر تتساقط، وسرعان ما اشتد هطوله. بقيت الشابة في مكانها، دون أن تحاول الاحتماء منه. كانت تحب الشعور الذي ينتابها عندما يلامس المطر جسدها. وبينما كان الناس من حولها يسرعون بحثًا عن مكان يحتمون فيه، ظلت هي واقفة تحت المطر.لكن عندما ابتلت ملابسها بالكامل، أدركت أنها أمضت وقتًا طويلًا
last updateLast Updated : 2026-10-10
Read more
البارت الثاني: موعد مع الموت
أغمضت حياة عينيها، محاولة تذكّر ما حدث صباح ذلك اليوم الذي كان صعبًا بالنسبة إليها.في صباح ذلك اليوم، استيقظت حياة باكرًا كعادتها. جلست على سريرها لبعض الوقت، فلم تكن مضطرة إلى الذهاب إلى العمل، إذ كان ذلك يوم إجازتها المعتاد. كانت تعمل في مطعم صغير، حيث تتولى تنظيف الأواني والمطعم كل صباح ومساء، بعد مغادرة الزبائن.كان لديها موعد مع الطبيبة، فمنذ ما يقارب السنة وهي تعاني من آلام في رأسها. في البداية، ظنت أن الأمر لا يتعدى صداعًا عاديًا، لكن مع مرور الوقت، بدأت حالتها تزداد سوءًا.قبل أسبوع، أجرت بعض التحاليل، وكان عليها اليوم العودة إلى الطبيبة لمعرفة النتائج وما الذي يحدث لها.بعد انتظار طويل في قاعة الانتظار، جاء دورها أخيرًا. وما إن سمعت اسمها حتى شعرت بوخزات قوية في صدرها، وأصبح التنفس صعبًا بالنسبة إليها. لطالما كانت حياة تجد صعوبة في مواجهة الآخرين، وكانت تفقد قدرتها على التصرف كلما وجدت نفسها في موقف كهذا.دخلت حياة إلى مكتب الطبيبة، التي كانت تنظر إلى نتائج تحاليلها.ألقت حياة التحية عليها، فأشارت لها الطبيبة نحو الكرسي لتجلس. جلست حياة بهدوء، لكنها كانت تمسك بطرف فستانها بق
last updateLast Updated : 2026-10-10
Read more
البارت التالث : داخل أسوار السجن
في مدينة أخرى، كان شاب يجلس على كرسي في الحديقة، يتأمل الناس وهم يتحركون في الطرقات المختلفة. لم يكن هناك الكثير من الزوار في ذلك الوقت، فقد كانت الساعة تشير إلى منتصف النهار.أمضى عشر سنوات من حياته في السجن، ولم يمضِ على خروجه سوى شهرين. كان كل شيء يبدو غريبًا بالنسبة إليه، وكأنه يحتاج إلى وقت حتى يعتاد الحياة من جديد. كان وحيدًا ومنعزلًا، لا يعرف أحدًا في هذه المدينة.كان في الخامسة والثلاثين من عمره، طويل القامة، وسيمًا، بملامح حادة تمنحه مظهرًا جادًا.نهض من مكانه واتجه نحو منزل صغير يستأجر فيه غرفة. كان المنزل يضم عدة غرف، جميعها مكراة لشباب قدموا إلى هذه المدينة بحثًا عن العمل. لم يكن أيٌّ منهم يعرف الكثير عن الآخر، فلكل واحد منهم قصته الخاصة، وأسبابه التي دفعته إلى المجيء إلى هنا.دخل يعقوب إلى غرفته الصغيرة، المنعزلة في إحدى زوايا المنزل. كان يبحث عن عمل منذ شهرين، لكنه لم يجد شيئًا مستقرًا. كل ما حصل عليه كان أعمالًا مؤقتة ومتفرقة، لا تضمن له دخلًا ثابتًا ولا تمنحه أي شعور بالأمان.في الخامسة والثلاثين من عمره، بدت الحياة فارغة في عينيه. لم يعد يجد ما يفعله، ولا ما يحفزه على
last updateLast Updated : 2026-10-11
Read more
البارت الرابع : حين يصبح البيت غريبا
بقيت حياة في فراشها حتى الثامنة صباحًا، تحدق في السقف وتسترجع كلمات عمها التي لم تفارق ذهنها منذ استيقاظها. لم تكن تملك الرغبة في النهوض، لكن البقاء في الغرفة لن يغير شيئًا. نهضت أخيرًا، رتبت فراشها الصغير، ثم خرجت متجهة إلى الحمام.وفي طريقها، لمحت عمها علي جالسًا في الصالون يتناول فطوره. كانت ملامحه متجهمة، ونظراته الحادة توحي بأنه ينتظر ظهورها بفارغ الصبر.توقفت حياة للحظة، ثم التفتت نحوه وقالت بهدوء:— لقد سمعت حديثك هذا الصباح. لدي صديقة تسكن بعيدًا عن هنا، وسأنتقل للعيش معها في أقرب وقت ممكن.رفع عمها علي رأسه ببطء، وحدق فيها وكأنه لم يستوعب ما سمعه للتو.— صديقة؟ هل تمزحين معي؟ تتحدثين عن صديقة وكأنك ما زلت مراهقة! إذا كنت تنوين اللهو في هذا العمر وتشويه سمعتي أمام الناس، فمن الأفضل لك أن تتزوجي. هذا أستر لك وأحسن.لم تتغير ملامح حياة، لكنها أجابته بنبرة أكثر حزمًا:— أنا لا أريد الزواج، وعندما أتزوج، سيكون ذلك بإرادتي.كانت نظرات التحدي التي رمقته بها كافية لتجعله يدفع كرسيه إلى الخلف وينهض غاضبًا.— أتتحدينني؟ هل تعصين أوامري الآن؟ لقد عشت معنا منذ أن كنت في العاشرة من عمرك!
last updateLast Updated : 2026-10-11
Read more
البارت الخامس : لقاء غير متوقع
غادرت حياة المنزل، وارتدت ملابسها على عجل قبل أن تخرج متجهة إلى المطعم الذي تعمل فيه.حين وصلت، وجدت صاحب المطعم قد سبقها كعادته. ألقت عليه التحية بابتسامتها المعتادة، ثم وضعت أغراضها جانبًا وبدأت عملها. راحت تنظف الطاولات واحدة تلو الأخرى، ثم مسحت الأرضية قبل أن تتجه إلى المطبخ لتكمل ما تبقى من أعمال التنظيف.كان المطعم هادئًا في تلك الساعة، ولم يكن هناك ما يشغلها سوى صوت الماء المتدفق واحتكاك الأواني بعضها ببعض. وبعد أن انتهت من تنظيف ما عليها، جلست على كرسي صغير في زاوية المطبخ، وأسندت رأسها إلى الحائط.أطلقت تنهيدة طويلة.إلى أين سأذهب؟كان السؤال نفسه يلاحقها منذ الصباح. لم تكن تعرف أين ستعيش إذا غادرت منزل عمها، ولا كيف ستتمكن من تدبير أمورها براتبها البسيط. كانت فكرة الرحيل تبدو سهلة حين تحدثت إليه، لكنها الآن، وهي تجلس وحدها، بدأت تدرك حجم ما ينتظرها.ومع ذلك، لم تكن فكرة العودة إلى المنزل أقل إزعاجًا.قضت يومها بين الطاولات والأرضيات وأكوام الصحون المتسخة. وحين انتهت أخيرًا من عملها، غسلت يديها وجففتهما، ثم ودعت صاحب المطعم واستعدت للمغادرة.كان الرجل مسنًا، حاد الطباع، سريع
last updateLast Updated : 2026-10-11
Read more
البارت السادس : لم أكن يوما ما أنثى
انتبهت حياة إلى الساعة التي في معصمها، فأدركت أنها تأخرت في العودة إلى المنزل. رفعت عينيها نحو يعقوب وقالت بلطف:«سأتركك الآن. أتمنى لك حظًا سعيدًا، وأن تجد عملًا في أقرب وقت ممكن.»ابتسم يعقوب وهو يجيبها:«شكرًا لكِ. إلى اللقاء.»اكتفت حياة بإيماءة خجولة من رأسها، ثم استدارت وانطلقت في طريق عودتها بخطوات سريعة، دون أن تلتفت خلفها.ظل يعقوب يتابعها بعينيه حتى ابتعدت عن أنظاره. كانت نحيلة الجسد، تمشي بخفة وسرعة، أشبه بفراشة صغيرة تحاول الإفلات من العالم المحيط بها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وهو يراقبها تبتعد.منذ وقت طويل، لم يشعر بشيء كهذا. كان ثمة شيء لطيف في ذلك اللقاء القصير، شيء جعل قلبه يشعر بدفء افتقده منذ زمن. لم تفعل حياة شيئًا استثنائيًا، ولم تقل كلمات مميزة، ومع ذلك، تركت في نفسه أثرًا لم يكن يتوقعه.غريب كيف يمكن لشخص أن يلامس قلبك بلطف، دون أن يدرك حتى أنه فعل ذلك.هكذا كان يفكر يعقوب وهو لا يزال يتذكر ملامحها الخجولة.أما حياة، فكانت تسير في طريقها وقد غمرها شعور بالخجل لم تعتده. لم تكن معتادة على التحدث مع الغرباء، بل إن التواصل مع الآخرين لم يكن أمرًا سهلًا بالنسبة
last updateLast Updated : 2026-10-12
Read more
البارت السابع : حتى الأشياء الجميلة ترحل عني
بعد مدة لم تكن طويلة، أقبلت المرأة تحمل باقة الزهور التي أعدّتها بعناية، ثم اقتربت من حياة.كانت حياة تفرك يديها بتوتر، وقد عاد إليها ذلك الشعور المألوف الذي يرافقها كلما وجدت نفسها في موقف اجتماعي جديد. كانت تعاني من الرهاب الاجتماعي، ولذلك لم يكن التعامل مع الآخرين أمرًا سهلًا بالنسبة إليها. يكفي أن تجد نفسها في موقف غير مألوف حتى يتسارع نبض قلبها، وتبدأ أفكارها بالتشتت، وكأنها فقدت قدرتها على التصرف بصورة طبيعية.مدّت المرأة إليها الباقة بابتسامة جميلة.أخذتها حياة، وما إن وقعت عيناها على الزهور حتى اختفى ذلك التوتر الذي كان يعتصر قلبها قبل لحظات. راحت تتأمل الباقة الصغيرة، تتنقل بعينيها بين ألوانها المختلفة، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة عفوية لم تستطع إخفاءها.رفعت رأسها نحو المرأة وقالت بإعجاب صادق:«إنها جميلة جدًا!»ابتسمت المرأة وهي تراقب سعادتها، ثم قالت:«اعتبريها هدية صغيرة مني إليكِ.»نظرت إليها حياة بدهشة، ولم تستطع إخفاء تساؤلها.«لكن... كيف تهدينني إياها وأنتِ لا تعرفينني حتى؟»أطلقت المرأة ضحكة خفيفة، ثم أجابتها:«بل أعرفكِ أكثر مما تظنين. أنتِ تمرين من هنا باستمرار،
last updateLast Updated : 2026-10-12
Read more
البارت الثامن : أزهار من مكب النفايات
صعدت حياة إلى غرفتها بصعوبة، وكأن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها. لم تستطع استيعاب ما حدث قبل لحظات، ولم تفهم كيف تحولت سعادتها الصغيرة إلى ذلك الألم الذي يعتصر قلبها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، ثم وقفت أمام المرآة للحظات.كان وجهها شاحبًا، وعيناها تبدوان أكثر انطفاءً من المعتاد. تأملت انعكاس صورتها بصمت، وشعرت برغبة عارمة في البكاء. أرادت أن تُخرج كل ما يتراكم داخلها، أن تبكي حتى لا يبقى في صدرها شيء يؤلمها، لكنها، كالعادة، لم تستطع.منذ أن علمت أن أيامها في هذه الحياة أصبحت معدودة، لم تذرف دمعة واحدة. لم تكن تعرف إن كانت قد اعتادت الحزن إلى درجة أنها لم تعد قادرة على البكاء، أم أنها لم تستوعب بعد حقيقة ما ينتظرها.كل ما كانت تعرفه أنها متعبة.متعبة من حياتها، ومن أفكارها، ومن ذلك الشعور الدائم بأنها لا تنتمي إلى أي مكان. والآن، حتى تلك اللحظات القليلة التي شعرت فيها بشيء من السعادة، لم يُسمح لها بالاحتفاظ بها.أغمضت حياة عينيها بقوة، محاولةً إيقاف سيل الأفكار الذي أخذ ينهش عقلها.لم تتناول شيئًا طوال اليوم، ولم تكن لديها رغبة في تناول الطعام. كل ما أرادته هو النوم، أن تغيب ع
last updateLast Updated : 2026-10-12
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status