Beranda / الرومانسية / تحت سقف واحد / البارت الخامس : لقاء غير متوقع

Share

البارت الخامس : لقاء غير متوقع

Penulis: heleenan
last update Tanggal publikasi: 2026-10-11 02:15:34

غادرت حياة المنزل، وارتدت ملابسها على عجل قبل أن تخرج متجهة إلى المطعم الذي تعمل فيه.

حين وصلت، وجدت صاحب المطعم قد سبقها كعادته. ألقت عليه التحية بابتسامتها المعتادة، ثم وضعت أغراضها جانبًا وبدأت عملها. راحت تنظف الطاولات واحدة تلو الأخرى، ثم مسحت الأرضية قبل أن تتجه إلى المطبخ لتكمل ما تبقى من أعمال التنظيف.

كان المطعم هادئًا في تلك الساعة، ولم يكن هناك ما يشغلها سوى صوت الماء المتدفق واحتكاك الأواني بعضها ببعض. وبعد أن انتهت من تنظيف ما عليها، جلست على كرسي صغير في زاوية المطبخ، وأسندت رأسها إلى الحائط.

أطلقت تنهيدة طويلة.

إلى أين سأذهب؟

كان السؤال نفسه يلاحقها منذ الصباح. لم تكن تعرف أين ستعيش إذا غادرت منزل عمها، ولا كيف ستتمكن من تدبير أمورها براتبها البسيط. كانت فكرة الرحيل تبدو سهلة حين تحدثت إليه، لكنها الآن، وهي تجلس وحدها، بدأت تدرك حجم ما ينتظرها.

ومع ذلك، لم تكن فكرة العودة إلى المنزل أقل إزعاجًا.

قضت يومها بين الطاولات والأرضيات وأكوام الصحون المتسخة. وحين انتهت أخيرًا من عملها، غسلت يديها وجففتهما، ثم ودعت صاحب المطعم واستعدت للمغادرة.

كان الرجل مسنًا، حاد الطباع، سريع الغضب، وغريب الأطوار في بعض الأحيان. لم يكن كثير الكلام معها، ولم يحاول يومًا أن يتقرب منها أو يسألها عن حياتها، لكن ذلك لم يكن يزعجها. كانت تفضل الاحتفاظ بمسافة بينهما، وكان يكفيها أنه يدفع لها راتبها في موعده ولا يتدخل في شؤونها الشخصية.

ربما لم يكن رجلًا سهل التعامل، لكنه، على الأقل، لم يكن يطالبها بأن تعيش وفقًا لما يراه مناسبًا لها.

خرجت حياة من المطعم، وسارت في طريقها إلى المنزل بخطوات بطيئة. كان التعب قد بدأ يتسلل إلى جسدها، لكن الإرهاق لم يكن السبب الوحيد الذي جعلها تتمنى لو أن الطريق لا ينتهي.

بصراحة، لا أريد العودة إلى المنزل.

شدت حقيبتها إلى جانبها، وأكملت سيرها وهي تحدق في الطريق أمامها.

لا أريد أن أرى عمي، ولا زوجته. لا أريد أن ألتقي بنظراته الغاضبة، ولا أن أسمع محاضراته عن الزواج وما يجب عليّ فعله بحياتي.

كانت نظراته وحدها كافية لتجعلها تشعر بالسوء، وكأنها ارتكبت خطأ لمجرد أنها تجرأت على التفكير بطريقة مختلفة عنه.

لقد سئمت من هذا كله... سئمت من العيش في مكان أشعر فيه دائمًا بأن وجودي غير مرغوب فيه.

خفضت رأسها، واستغرقت في أفكارها. لم تكن تعرف حتى ما الذي ستفعله في اليوم التالي، فكيف لها أن تخطط لما تبقى من حياتها؟

كانت غارقة في تلك الأفكار حين اصطدم جسدها فجأة بشيء صلب.

تراجعت خطوة إلى الخلف، وقد أفلتت حقيبتها من يدها للحظة، ثم رفعت رأسها بسرعة.

كان رجل طويل يقف أمامها.

رفعت عينيها نحوه، لتجد نفسها مضطرة إلى إمالة رأسها قليلًا حتى تتمكن من رؤية وجهه. بدا عريض الكتفين، وكانت ملامحه تحجب عنها ما إذا كان غاضبًا أم منزعجًا من اصطدامها به.، وما إن التقت نظراتهما حتى نسيت، للحظة، كل ما كان يشغل بالها قبل ثوانٍ.

كان وسيمًا على نحو لافت، لكن وسامته لم تكن وحدها ما جعلها تستمر في النظر إليه. كان طويل القامة، عريض الكتفين، بملامح رجولية حادة، وشعر داكن مبعثر. ومع ذلك، لم يكن في مظهره ما يوحي بالقسوة بقدر ما كان يوحي بشيء من التعب الصامت، وكأنه يحمل في داخله ما لا يقوى على قوله.

كان من ذلك النوع من الرجال الذين يمنحك وجودهم شعورًا غريبًا بالأمان، حتى قبل أن تتبادل معهم كلمة واحدة.

وهذا بالضبط ما جعل حياة تنسى للحظات أنها كانت تسير في الشارع مثقلة بأفكارها، وأنها لم تكن ترغب في العودة إلى المنزل، وأن ستة أشهر فقط تفصلها عن النهاية التي تنتظرها.

لم تكن تعرفه، ولم تكن تعرف حتى اسمه، ومع ذلك، وجدت نفسها تتأمل ملامحه أكثر مما ينبغي.

أما يعقوب، فكان ينظر إلى عينيها السوداوين الواسعتين.

لم تكن جميلة فحسب، بل كان في نظرتها شيء جعله يتوقف عندها. بدت هادئة، على الرغم من أن عينيها حملتا حزنًا خافتًا لم يستطع تفسيره. كان وجهها يوحي بأنها اعتادت إخفاء ما تشعر به، وأنها تعلمت الابتسام حتى حين لا تجد سببًا واحدًا يدعوها إلى ذلك.

لسبب لم يفهمه، شعر برغبة غريبة في أن يراها تبتسم ابتسامة حقيقية.

يا لها من فتاة...

كانت تلك أول فكرة خطرت في باله، فسرعان ما أبعدها عن ذهنه.

ما الذي أفكر فيه؟ أنا بالكاد أستطيع تدبير أموري، فكيف لي أن أهتم بأمر فتاة لا أعرفها؟

لم يكن يملك شيئًا يقدمه لأحد. بالكاد كان يعرف كيف سيقضي يومه التالي، فكيف له أن يحلم بأن يكون سببًا في سعادة إنسانة أخرى؟

ومع ذلك، لم يستطع أن يصرف نظره عنها بالسرعة التي أرادها.

أما حياة، فقد وجدت نفسها تفكر في شيء أكثر غرابة.

لو لم يتبقَّ لي سوى ستة أشهر... ولو أن حياتي كانت مختلفة قليلًا...

تخيلت، للحظة عابرة، كيف سيكون الأمر لو أنها التقت بهذا الرجل في ظروف أخرى. لو أنها لم تكن مريضة، ولو أن المستقبل لم يكن بابًا مغلقًا في وجهها، ولو أنها استطاعت أن تتعرف إليه دون أن تضطر إلى عد الأيام المتبقية من عمرها.

ربما... كنت سأرغب في الزواج من رجل مثله.

اتسعت عيناها قليلًا، وكأنها ضبطت نفسها متلبسة بفكرة لا يحق لها التفكير فيها.

أغمضت عينيها بقوة، وهزت رأسها هزة خفيفة.

ما هذا الهراء يا حياة؟ هل فقدت عقلك؟ أنت لا تعرفين حتى اسمه!

فتحت عينيها من جديد، محاولة استعادة هدوئها، ثم رفعت وجهها إليه وقالت بصوت رقيق:

— أنا آسفة... لم أكن أنتبه إلى الطريق.

تأملها يعقوب لثانية قبل أن يجيب:

— بل أنا من يجب أن يعتذر. كنت شارد الذهن ولم أنتبه إلى أين أسير.

ابتسمت حياة ابتسامة صغيرة.

— إذن، يبدو أننا كنا نفكر في مكان آخر ونحن نسير في الشارع.

كادت الكلمات تفلت من فمه قبل أن يفكر فيها، لكنه وجد نفسه يجيبها:

— يبدو ذلك... مع أنني لا أظن أن الاصطدام بالغرباء هو أفضل طريقة للعودة إلى الواقع.

ضحكت حياة بخفة.

لم تكن ضحكة عالية، بل مجرد صوت رقيق أفلت منها دون قصد. لكنها كانت كافية لتجعل يعقوب يتأمل وجهها مرة أخرى، هذه المرة بشيء من الدهشة.

لم يكن يعرف لماذا شعر بأن الشارع أصبح أقل كآبة فجأة.

أما حياة، فقد فوجئت بنفسها هي الأخرى. لم تعتد التحدث بهذه العفوية مع الغرباء، فضلًا عن المزاح معهم. كانت خجولة بطبعها، وغالبًا ما تجد صعوبة في بدء حديث مع شخص لا تعرفه.

لكنها، لسبب ما، لم ترغب في أن ينتهي هذا اللقاء بهذه السرعة.

نظرت إليه مجددًا، ثم سألته:

— لم أرك في هذه المدينة من قبل. هل أنت جديد هنا؟

ما إن أنهت سؤالها حتى أدركت أنها ربما بدت فضولية أكثر مما ينبغي، فأسرعت إلى التوضيح:

— أعني... المدينة صغيرة، ومن السهل ملاحظة الغرباء حين يأتون إليها. لم أقصد التدخل في شؤونك.

لمعت في عيني يعقوب نظرة خفيفة من الاستغراب. لم يكن معتادًا أن يشرح له أحد سبب سؤاله، وكأن رأيه مهم إلى هذا الحد.

— لا بأس، لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة. نعم، أنا جديد هنا. جئت بحثًا عن عمل.

تغيرت ملامح حياة قليلًا، وقالت بصراحة:

— أتمنى أن تجد شيئًا، لكنني لن أكذب عليك... العثور على عمل هنا ليس سهلًا.

توقفت لحظة، ثم أضافت:

— لقد بحثت طويلًا قبل أن أجد عملي الحالي. أعمل في مطعم صغير، وكل ما أفعله هو تنظيف الطاولات والأرضية وغسل الصحون. ليس عملًا مريحًا، لكنه أفضل من ألا أجد شيئًا على الإطلاق.

ما إن أنهت كلامها حتى شعرت بالحرج.

ماذا أفعل؟ لماذا أخبره بكل هذا؟ أنا لا أعرفه حتى!

نظرت إلى الأرض، وأخذت تعبث بطرف حقيبتها بأصابعها.

كيف انتقلت من مجرد الاعتذار عن الاصطدام به إلى الحديث عن عملي؟ ما الذي أصابني اليوم؟

لم تكن حياة  من النوع الذي يفتح قلبه للآخرين بسهولة، بل إنها كثيرًا ما كانت تندم على الكلمات التي تقولها بعد انتهاء الحديث. ومع ذلك، وجدت نفسها أمام هذا الغريب تتحدث وكأنها تعرفه منذ مدة.

وربما كان السبب أنها لم تشعر بأنه ينظر إليها بشفقة، أو يحاول تقييمها من خلال عملها البسيط. كان يصغي إليها فحسب، دون أن يقاطعها أو يجعلها تشعر بأن عليها تبرير حياتها.

وكان هذا شعورًا نادرًا بالنسبة إليها.

رفعت عينيها نحوه مرة أخرى، فوجدته ما يزال ينظر إليها باهتمام.

في تلك اللحظة، نسيت، ولو لثوانٍ قليلة، أنها ستموت بعد ستة أشهر.

لم تفكر في المرض، ولا في عمها، ولا في المنزل الذي لم تعد تشعر بأنه منزلها. لم تفكر حتى في المستقبل الذي كانت تخشاه.

كانت منشغلة بشيء أبسط بكثير.

برجل غريب يقف أمامها، يصغي إليها وكأن حديثها يستحق أن يُسمع.

وقبل أن تجد شيئًا آخر تقوله، بادر يعقوب بالكلام:

— في الحقيقة، أنا أيضًا أبحث عن عمل منذ شهرين، ولم أجد شيئًا حتى الآن. جربت بعض الأعمال المؤقتة، لكنها لم تكن مستقرة. بدأت أفكر في مغادرة المدينة والبحث في مكان آخر، لكنني لا أعرف إلى أين أذهب.

قال ذلك، ثم سكت فجأة.

ماذا أفعل أنا؟

انعقد حاجباه قليلًا.

منذ متى وأنا أحكي تفاصيل حياتي لكل من أقابله؟ لقد التقيت بهذه الفتاة قبل دقيقة، وها أنا أخبرها بأنني لا أملك عملًا ولا أعرف إلى أين أذهب!

كان هذا التصرف بعيدًا تمامًا عن طبيعته. فقد أمضى سنوات يتعلم كيف يحتفظ بكلماته لنفسه، وكيف لا يمنح الآخرين فرصة لطرح الأسئلة التي لا يريد الإجابة عنها.

لكن الغريب أنه لم يشعر بالانزعاج من حديثه معها.

بل شعر بشيء من الراحة، وكأنه أزاح عن صدره ثقلًا صغيرًا دون أن يدري.

تأملته حياة للحظات، ثم قالت:

— شهران؟ لا بد أن الأمر كان متعبًا.

أطلق يعقوب ضحكة قصيرة خلت من المرح.

— متعبًا؟ هذه كلمة لطيفة لوصف الأمر.

خفض عينيه للحظة، ثم تابع:

— أحيانًا أشعر أنني أبحث عن شيء لم يعد موجودًا أصلًا.

لم تفهم حياة ما الذي يقصده تمامًا، لكنها شعرت بأن وراء كلماته حكاية أطول مما قال. كان في صوته شيء مألوف، ذلك النوع من التعب الذي لا يأتي من العمل وحده، بل من محاولات كثيرة لم تفضِ إلى أي نتيجة.

ولم تسأله عن السبب.

لأول مرة منذ مدة طويلة، أدركت أن الصمت بين شخصين لا يكون محرجًا بالضرورة. أحيانًا، يكون الصمت الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها المرء أن يخبر الآخر بأنه يفهمه، حتى إن لم يعرف قصته.

وبعد لحظات، ابتسمت حياة وقالت:

— لا أعرف إن كان هذا سيساعدك، لكن لا تتخلَّ عن البحث بسرعة. هذه المدينة صغيرة، وفرص العمل فيها قليلة فعلًا، لكن ربما يحالفك الحظ في مكان لم تفكر في السؤال فيه بعد.

نظر إليها يعقوب.

كان من الغريب أن يسمع كلمات كهذه من فتاة تبدو هي الأخرى وكأنها تخوض معركتها الخاصة. لم تكن تتحدث إليه من موقع شخص يعرف الحياة جيدًا، بل من موقع شخص يعرف معنى أن يواصل المحاولة رغم كل شيء.

قال بهدوء:

— وهل حالفك الحظ أنتِ؟

اختفت ابتسامتها قليلًا.

كان سؤالًا بسيطًا، لكنه لامس شيئًا عميقًا في داخلها.

تأملته للحظة، ثم أجابت:

— لا أعرف... ربما.

لم تكن إجابة واضحة، ولم يحاول يعقوب أن يطلب منها تفسيرًا. اكتفى بالنظر إليها، كأنه شعر بأن وراء تلك الكلمة حكاية لا ترغب في روايتها.

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

— على الأقل، أنتِ أفضل مني في العثور على الكلمات المناسبة.

ضحكت حياة مرة أخرى، وهذه المرة لم تحاول إخفاء ضحكتها.

— لا تصدق ذلك. لو كنت تعرف كم مرة أراجع حديثي في رأسي بعد أن ينتهي، لما قلت هذا.

— إذن، عليّ أن أحذر مما أقوله أمامك؟

— بل عليك أن تحذر مما أقوله أنا. قد أكتشف بعد ساعة أنني أخبرتك بأشياء لم أكن أنوي إخبارك بها أصلًا.

ابتسم يعقوب، وانفرجت ملامحه قليلًا.

للحظة قصيرة، بدا أصغر سنًا، وأقل تعبًا مما كان عليه قبل دقائق.

أما حياة، فقد وجدت نفسها تتأمل تلك الابتسامة، ثم صرفت نظرها بسرعة حين أدركت ما تفعله.

يا إلهي... ماذا يحدث لي؟

لم تكن تعرف اسمه بعد، ولم تكن تعرف شيئًا عن ماضيه، ولم يكن لديها أي سبب يجعلها تشعر بأن هذا اللقاء يعني لها شيئًا.

ومع ذلك، كان ثمة شيء غريب في الأمر.

شيء جعلها تتمنى لو أن الوقت يتوقف للحظة أخرى قبل أن يضطر كل منهما إلى متابعة حياته.

لكنها كانت تعرف أن الأمنيات لا تغير شيئًا.

فهي لم تعد تملك رفاهية الأحلام الطويلة.

ومع ذلك، حين رفعت عينيها نحوه مرة أخيرة، وجدت نفسها تتمنى، للمرة الأولى منذ أن عرفت بحقيقة مرضها، لو أن أمامها وقتًا أطول قليلًا.

وقتًا يكفي لتعرف هذا الرجل الغريب، الذي لا تعرف عنه شيئًا، لكنها شعرت، لسبب لم تفهمه، بأنها لا تريد أن يكون آخر ما يجمعهما مجرد اصطدام عابر في أحد شوارع المدينة.

 

 

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • تحت سقف واحد   البارت الثامن : أزهار من مكب النفايات

    صعدت حياة إلى غرفتها بصعوبة، وكأن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها. لم تستطع استيعاب ما حدث قبل لحظات، ولم تفهم كيف تحولت سعادتها الصغيرة إلى ذلك الألم الذي يعتصر قلبها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، ثم وقفت أمام المرآة للحظات.كان وجهها شاحبًا، وعيناها تبدوان أكثر انطفاءً من المعتاد. تأملت انعكاس صورتها بصمت، وشعرت برغبة عارمة في البكاء. أرادت أن تُخرج كل ما يتراكم داخلها، أن تبكي حتى لا يبقى في صدرها شيء يؤلمها، لكنها، كالعادة، لم تستطع.منذ أن علمت أن أيامها في هذه الحياة أصبحت معدودة، لم تذرف دمعة واحدة. لم تكن تعرف إن كانت قد اعتادت الحزن إلى درجة أنها لم تعد قادرة على البكاء، أم أنها لم تستوعب بعد حقيقة ما ينتظرها.كل ما كانت تعرفه أنها متعبة.متعبة من حياتها، ومن أفكارها، ومن ذلك الشعور الدائم بأنها لا تنتمي إلى أي مكان. والآن، حتى تلك اللحظات القليلة التي شعرت فيها بشيء من السعادة، لم يُسمح لها بالاحتفاظ بها.أغمضت حياة عينيها بقوة، محاولةً إيقاف سيل الأفكار الذي أخذ ينهش عقلها.لم تتناول شيئًا طوال اليوم، ولم تكن لديها رغبة في تناول الطعام. كل ما أرادته هو النوم، أن تغيب ع

  • تحت سقف واحد   البارت السابع : حتى الأشياء الجميلة ترحل عني

    بعد مدة لم تكن طويلة، أقبلت المرأة تحمل باقة الزهور التي أعدّتها بعناية، ثم اقتربت من حياة.كانت حياة تفرك يديها بتوتر، وقد عاد إليها ذلك الشعور المألوف الذي يرافقها كلما وجدت نفسها في موقف اجتماعي جديد. كانت تعاني من الرهاب الاجتماعي، ولذلك لم يكن التعامل مع الآخرين أمرًا سهلًا بالنسبة إليها. يكفي أن تجد نفسها في موقف غير مألوف حتى يتسارع نبض قلبها، وتبدأ أفكارها بالتشتت، وكأنها فقدت قدرتها على التصرف بصورة طبيعية.مدّت المرأة إليها الباقة بابتسامة جميلة.أخذتها حياة، وما إن وقعت عيناها على الزهور حتى اختفى ذلك التوتر الذي كان يعتصر قلبها قبل لحظات. راحت تتأمل الباقة الصغيرة، تتنقل بعينيها بين ألوانها المختلفة، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة عفوية لم تستطع إخفاءها.رفعت رأسها نحو المرأة وقالت بإعجاب صادق:«إنها جميلة جدًا!»ابتسمت المرأة وهي تراقب سعادتها، ثم قالت:«اعتبريها هدية صغيرة مني إليكِ.»نظرت إليها حياة بدهشة، ولم تستطع إخفاء تساؤلها.«لكن... كيف تهدينني إياها وأنتِ لا تعرفينني حتى؟»أطلقت المرأة ضحكة خفيفة، ثم أجابتها:«بل أعرفكِ أكثر مما تظنين. أنتِ تمرين من هنا باستمرار،

  • تحت سقف واحد   البارت السادس : لم أكن يوما ما أنثى

    انتبهت حياة إلى الساعة التي في معصمها، فأدركت أنها تأخرت في العودة إلى المنزل. رفعت عينيها نحو يعقوب وقالت بلطف:«سأتركك الآن. أتمنى لك حظًا سعيدًا، وأن تجد عملًا في أقرب وقت ممكن.»ابتسم يعقوب وهو يجيبها:«شكرًا لكِ. إلى اللقاء.»اكتفت حياة بإيماءة خجولة من رأسها، ثم استدارت وانطلقت في طريق عودتها بخطوات سريعة، دون أن تلتفت خلفها.ظل يعقوب يتابعها بعينيه حتى ابتعدت عن أنظاره. كانت نحيلة الجسد، تمشي بخفة وسرعة، أشبه بفراشة صغيرة تحاول الإفلات من العالم المحيط بها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وهو يراقبها تبتعد.منذ وقت طويل، لم يشعر بشيء كهذا. كان ثمة شيء لطيف في ذلك اللقاء القصير، شيء جعل قلبه يشعر بدفء افتقده منذ زمن. لم تفعل حياة شيئًا استثنائيًا، ولم تقل كلمات مميزة، ومع ذلك، تركت في نفسه أثرًا لم يكن يتوقعه.غريب كيف يمكن لشخص أن يلامس قلبك بلطف، دون أن يدرك حتى أنه فعل ذلك.هكذا كان يفكر يعقوب وهو لا يزال يتذكر ملامحها الخجولة.أما حياة، فكانت تسير في طريقها وقد غمرها شعور بالخجل لم تعتده. لم تكن معتادة على التحدث مع الغرباء، بل إن التواصل مع الآخرين لم يكن أمرًا سهلًا بالنسبة

  • تحت سقف واحد   البارت الخامس : لقاء غير متوقع

    غادرت حياة المنزل، وارتدت ملابسها على عجل قبل أن تخرج متجهة إلى المطعم الذي تعمل فيه.حين وصلت، وجدت صاحب المطعم قد سبقها كعادته. ألقت عليه التحية بابتسامتها المعتادة، ثم وضعت أغراضها جانبًا وبدأت عملها. راحت تنظف الطاولات واحدة تلو الأخرى، ثم مسحت الأرضية قبل أن تتجه إلى المطبخ لتكمل ما تبقى من أعمال التنظيف.كان المطعم هادئًا في تلك الساعة، ولم يكن هناك ما يشغلها سوى صوت الماء المتدفق واحتكاك الأواني بعضها ببعض. وبعد أن انتهت من تنظيف ما عليها، جلست على كرسي صغير في زاوية المطبخ، وأسندت رأسها إلى الحائط.أطلقت تنهيدة طويلة.إلى أين سأذهب؟كان السؤال نفسه يلاحقها منذ الصباح. لم تكن تعرف أين ستعيش إذا غادرت منزل عمها، ولا كيف ستتمكن من تدبير أمورها براتبها البسيط. كانت فكرة الرحيل تبدو سهلة حين تحدثت إليه، لكنها الآن، وهي تجلس وحدها، بدأت تدرك حجم ما ينتظرها.ومع ذلك، لم تكن فكرة العودة إلى المنزل أقل إزعاجًا.قضت يومها بين الطاولات والأرضيات وأكوام الصحون المتسخة. وحين انتهت أخيرًا من عملها، غسلت يديها وجففتهما، ثم ودعت صاحب المطعم واستعدت للمغادرة.كان الرجل مسنًا، حاد الطباع، سريع

  • تحت سقف واحد   البارت الرابع : حين يصبح البيت غريبا

    بقيت حياة في فراشها حتى الثامنة صباحًا، تحدق في السقف وتسترجع كلمات عمها التي لم تفارق ذهنها منذ استيقاظها. لم تكن تملك الرغبة في النهوض، لكن البقاء في الغرفة لن يغير شيئًا. نهضت أخيرًا، رتبت فراشها الصغير، ثم خرجت متجهة إلى الحمام.وفي طريقها، لمحت عمها علي جالسًا في الصالون يتناول فطوره. كانت ملامحه متجهمة، ونظراته الحادة توحي بأنه ينتظر ظهورها بفارغ الصبر.توقفت حياة للحظة، ثم التفتت نحوه وقالت بهدوء:— لقد سمعت حديثك هذا الصباح. لدي صديقة تسكن بعيدًا عن هنا، وسأنتقل للعيش معها في أقرب وقت ممكن.رفع عمها علي رأسه ببطء، وحدق فيها وكأنه لم يستوعب ما سمعه للتو.— صديقة؟ هل تمزحين معي؟ تتحدثين عن صديقة وكأنك ما زلت مراهقة! إذا كنت تنوين اللهو في هذا العمر وتشويه سمعتي أمام الناس، فمن الأفضل لك أن تتزوجي. هذا أستر لك وأحسن.لم تتغير ملامح حياة، لكنها أجابته بنبرة أكثر حزمًا:— أنا لا أريد الزواج، وعندما أتزوج، سيكون ذلك بإرادتي.كانت نظرات التحدي التي رمقته بها كافية لتجعله يدفع كرسيه إلى الخلف وينهض غاضبًا.— أتتحدينني؟ هل تعصين أوامري الآن؟ لقد عشت معنا منذ أن كنت في العاشرة من عمرك!

  • تحت سقف واحد   البارت التالث : داخل أسوار السجن

    في مدينة أخرى، كان شاب يجلس على كرسي في الحديقة، يتأمل الناس وهم يتحركون في الطرقات المختلفة. لم يكن هناك الكثير من الزوار في ذلك الوقت، فقد كانت الساعة تشير إلى منتصف النهار.أمضى عشر سنوات من حياته في السجن، ولم يمضِ على خروجه سوى شهرين. كان كل شيء يبدو غريبًا بالنسبة إليه، وكأنه يحتاج إلى وقت حتى يعتاد الحياة من جديد. كان وحيدًا ومنعزلًا، لا يعرف أحدًا في هذه المدينة.كان في الخامسة والثلاثين من عمره، طويل القامة، وسيمًا، بملامح حادة تمنحه مظهرًا جادًا.نهض من مكانه واتجه نحو منزل صغير يستأجر فيه غرفة. كان المنزل يضم عدة غرف، جميعها مكراة لشباب قدموا إلى هذه المدينة بحثًا عن العمل. لم يكن أيٌّ منهم يعرف الكثير عن الآخر، فلكل واحد منهم قصته الخاصة، وأسبابه التي دفعته إلى المجيء إلى هنا.دخل يعقوب إلى غرفته الصغيرة، المنعزلة في إحدى زوايا المنزل. كان يبحث عن عمل منذ شهرين، لكنه لم يجد شيئًا مستقرًا. كل ما حصل عليه كان أعمالًا مؤقتة ومتفرقة، لا تضمن له دخلًا ثابتًا ولا تمنحه أي شعور بالأمان.في الخامسة والثلاثين من عمره، بدت الحياة فارغة في عينيه. لم يعد يجد ما يفعله، ولا ما يحفزه على

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status