تسجيل الدخولفعل فعلته، ومرّر عليها كبريته لتشتعل، فيسحب دخانها الكثيف متسلّلا إلى رئتيه فيطرب عقله.... يعيدها متواترة ... ينظّف ويلفّ، ويشعل ويسحب دخانها... ثم يكتفي... لقد صار أفضل...
يواصل سيره بعد فسحة صغيرة، ويرقب صامتا تلك المسالك...
إنه يطلب راحة... ليس التّعب بل شعور غريب بشيء تسلّل إلى أعماقه يقضمه....
يلوح في الجوار جدار قديم بزاويتين، تقدّم وآوى إلى ظلّه ينشد دواء...
يتّكئ... ثم يتمدّد... به ثقل وارتعاش... يعاوده ألم الرأس، وفي عينيه دمع ساخن يخرج منسابا... أصابه تعرّقا زاده في ارتعاشه، فأخذ يطقطق أسنانه دون توقف.... يغفو أو ربما يكون قد أغمي عليه، فدنت منه غيبوبة لا يعرف مداها...
إنه محموم من ليلة صقيع ممطرة... لا يد آدميّ تعالجه، ولا جار أو عابر سبيل يعثر على جثّته إن أخذته يد المنيّة غيلة....
يئنّ طويلا، ويخلد إلى كوابيسه اللّعينة وأضغاث أحلامه.... تمرّ أمامه أحداث متلاطمة تعيد شريطا من الحكايا إلى الوراء... يرى منها طيفا... وأحيانا يسمع كلمة، أو إشارة متكلّم ... يقف به حلمه الممزوج بالحمى عند ليل كسيح
... لا رغبة له في الأحلام.... فنفسه متثاقلة عزوف، وبعضه يأكل بعضه بلا شفقة، يرقب شتات نفسه تنشطر بين قيل وقال... مغمض العينين في سباته لكنه مثل الصّاحي.... ومثل من يشرد برهة، وإذ بعنان فكره يستل خيطا رفيعا علق بينه وشطحات لا عقل فيها، فتفيض قصة مجنونة تخلط الأوراق بعنف.... إنها ساعة العتاب...بدت له كأنه خارج صحن الدار يرقب المارّة يعدّهم عدّا، يرى الشيخ المتثاقل يمتطي عكازه المصقول اليابس يبس عظم وهن أعياه سنين العمر، وفي الزاوية المقابلة عراك فتية لا تكلّ سواعدهم، وخلف كوكبة المارة تلوح مطلّة... عجوز تمشي الهوينا يبتلعها الزقاق من شدة قربها للأرض وانكماش قامتها... تملّ العيون ضوضاء المكان فينصرف بثقل نحو باب الدار.... يهمّ بالدخول، وفي المشية ترنّح سجين أضنته الأصفاد، يحبس أنفاسه ليستمع صفيرا... أنينا... نفسا قويا يخرج من رئة أم تشدّها زاوية الغرفة شدا، أو زفير أب محموم يدفعه دفع مهزوم مغلوب...يقف يرقب بذهول، ففي زوايا البيتين بعض من فؤاد منشطر يشكي ضعفه لقوي قادر... أي ذنب صنعت وفي النفس صوت كفر يتردد... ألا كفّ صنيعه فيكفيهما شيب الرأس قبل أوانه، أو تجاعيد الوجه على عجل فات زمانه، ألا يكفيهما صوت الملاعق تدك الصحن تطحن جوفه.... ألا يكفيهما وهن العظم من شدة الكد...يكف شكواه فتفيض عيناه ببعض السيل الساخن المتمرد، وتتسلل الأيدي داخل جيوب خاوية يطلب ودا يعلم أنه غير ملاقيه، فيخر جالسا ينتظر في شيء لا يعلمه... دقائق عنيدة تعاند الساعة في ترنّحها فلا علم إن كان في انقضاء فواصلها خيرا، أم في ثبات عقاربها شرّا.... بين شرّها وخيرها ينبعث صوتا ضعيفا يشكو ربه ويطلب عبده، فهرول والخوف يسكنه، فإذ بالأب يناشد ولده ألاّ
تحزن،فإني إلى ربي لراحل، وإنك لن تحزن ففي الخلف أترك ألف مشغل، وألف همّ فتوكّل... يكفكف الدمع وينهض، وإذ بصدى بعيد يردّد اسما.... فهرول والذهول يأخذ كيانه المشدود إلى الأرض يحمل شبه إنسان... هي الأم تنشد ماء.... أهي تلك القطرة التي تتردّد في حكايا السابقين، أم هي حاجة الجسم العليل تذهب إعياء السنين، أم سيل ينبت الزهر فتزهر الروح من جديد...يعجز عن مدّ يديه إلى إبريق الماء، فهو يجهل أي قطرة تكون...؟
تميل الشمس للغروب وهو يرقبهما... هو يستميل ودّها.... ينكر اختفاء شعاعها... هو يبغضها، ففي الخلف يختبئ ليل طويل، سواده يطبق على الأنفاس يستل بعض ما بقي منها... يسلم ويأوي إلى ركن مطلّ على الجسدين العليلين يرقبهما في صمت، حتى الدعاء لم يجد في وجدانه حيّزا وكأنه لم يعد يؤمن أن الخالق قد يجعل له ولهما مخرجا.... تحدّق عيناه عاليا حيث السواد.... يتأمل ذاك السواد...وينام على نفس السواد...فهزّه النعاس بعيدا ورحلت به أحلامه إلى الخلف، الجسد به حرارة أججت هذيانه...
***
مضى من النهار شطره، فاستفاق يطلب ماء وأكلا... حاله أحسن رغم الألم... لقد تذكّر فاستحضر الحقيقية، فأنست روحه... وطابت نفسه، وراح وجعه، وزال همّه... به حمّى... قد تكون مبثوثة عن قصد بقدرة قادر فترهقه وتريحه بعد إعياء...
ينطلق نحو هدف يصيبه لعله يظفر بترياق يجدد كيانه... أطلّت ريح أرض
ألفها... إنها لا تبعد عن ديرهم... أرض ألف تربتها... لعب فيها صغيرا، ولبس خضرتها وهو يحلم حلم اليافع...يأنس لريحها وطعمها، فيحدّث نفسه وابتسامة تحطّ على شفاهه....
-"أنت بالأمس هنا"...
يجيب نفسه...
-"نعم... هنا وهناك... حفنة تراب بعد سيل، وغدير ماء أنسج فيه حكايتي، وأمرّ إلى أعلى الربوة ألقي بناظري بعيدا...."
يزيد...
-"كانت صحبة طيّبة..."
-"نعم... طيّبة قبل أن يدخلها ساكنا في الجسد يحلّ عند البلوغ فتبدأ الأفكار تجنح...."
يتوقّف عن حوار نفسه، ويزيد في نسق سرعته... إنه تذكّر بيتا كان يسكنه رجلا يتبرّك به أهالي الحي كبيرهم وصغيرهم... لقد كان استثناء، وحده كان ينكره، ولا يحتمل قدومه... كانت تسكنه شكوكا حوله وقصّته التي ألفها له كبار الدير...
يعاند الزمن... يرغب في الوصول إليه قبل المغيب... يريد أن يستكشف المكان وما أحاط به... لا يرغب في أطيافه، ولا في ضيافة تقلقه وهو العليل المسافر منذ زمن....
يقف ويحطّ الرّحال عند مقصده... غرفة واحدة مدخلها ضيّق، وسقفها قصير... مسيّج... تحيطه أشجار تين، في ساحته صوب الشمال سهل لا شجر يغطّيه ولا مبنى... وفي جهة الجنوب من بعيد بيوت الحي تبرز بوضوح في حركتها وسكونها... لم يتغيّر المشهد... لم يفكّر طويلا لقد عزم المبيت عند غريمه زمن الطّيش...فيهمّ بدخول الغرفة...
يدخلها ويرمقها بنظرة فيطيلها...
يتسمّر ويصمت... لا يتحرّك مثل صنم... إن بالغرفة قبرا
...توسّطها، لا يحمل شاهدا يعرّف بهوية صاحبه، ولا إشارة، ولا علامة تذكّره به.يتكلّم...
-"أيكون هو؟ ...
إن كان كذلك، أين عموده...؟ ...
وأين مزماره وطبله؟ ...
وأين جرابه؟ ...
أين حزمة كتبه، وأوراقه التي ترافق محطاته؟ ...
أتخفّت أم أتلفها الزّمن فصيّرها نسيا منسيا...
سأبيت ليلي هنا... جنب من كنت قديما له معاديا...
لن أضيء شمعا، ولن أوقد نارا، أو
أصدر صوتا، ولن أسلّم، سأقتسم فراشي وهذا النائم تحت الرّكام... روحه ليست في تخوم البيت، فإني عارف بعادة الرّجل، إنهدائم التّرحال... لا تعنيه المنازل والمضارب، ولا يغريه سوى قليل من طعام وسيجارة.... ولا يأبه لليل مطير، وريح وزمهرير، ولا لحرّ وصهيد، ولا تعنيه السّوام إن منه دنت أو لدغت.... هو على السّليقة لا يشبه البشر..."يسكت ويحدث نفسه... ثانية
-"أيكون شبيه إنسان؟ إني أبحث عن شيء يشبهني...
لقد كنت بالأمس أزدري قريني... ومن يتمّم بقية عقلي وبقية الإنسان بداخلي...."
يضحك ضحكته المعهودة ثم ينطق بقوله...
-"لقد أضعت نصفي كان يمشي... كان على مرمى بصري، رميته بحجري وقذفته بسخط رمشي...
سأبحث عن متاعه وعدّته وأحمل المشعل بدلا عنه، وأكمل الرسالة، فهو مسيّر ليضلّ من اهتدى لا أن يهدي من أضلّ، وإني لمضلّ لهم فرادى وجمعا..."
-"ولكن حاجته ليست بالمكان، ولا الجوار، ولا وريث له سواي... أسأله لعلّ الجواب يهديني..."
يضرب على حجر قبره براحتي يديه بقوة فتدوّي...
-"أستيقظ من رقدتك فإنّ لي معك كلاما يطول"
...........
ينتظر الإجابة معتقدا وجازما...
-"أين متاعك ولباسك، واين وصيتك من بعدك؟"
........
-"أخبرني عن مقالك، وعن جوهر رسالتك؟"
.......
-"علّمني تمتمتك وهمهمتك... وصوتك المشوّش تشقّه جلجلة وولولة وحمدلة وبسمله وطمطمه....
إنك ساحر، أو هارب من حكم، أو فاجر تخاف أن تمسخ صنم من فعل أجرمته، فأنبت ونمى وزاد غصنه حتى اشتد .... أو لك مأرب تقضيه تفتكّه من أفواه القيل والقال؟
""كثيرا ما شككت في نقاء سريرتك... إني أرى فيك تعبيرا صادقا عن شرّ فاتك... وإني أستحضر أيّاما خوالي كنت ترقب من لهم شأن فتكثر مجالستهم، وغالبا ما تخلد لنومك حين تنصب موائدهم..."
............
-"سأكتفي وأريح نفسي... لن أجادل..."
طافت به ظلال وغبار، وأحاطت به قطع من السواد قسّمت ظلمة الليل إلى أجزاء، وحطّ بعضها على الحجر الأبيض فتصادمت... لقد لمح شيئا... نور وظلام وبينهما حجر... وصوت يجلجل أن أرحل...
.....................
-"ما أنا براحل... إني هنا مكاني"، يردّ وهو بين مصدّق ومكذّب لبصر وسمع...
ضوء وسواد وصوت يدوي يردد ارحال...
-"ما أنا براحل إني قابع مكاني وإني له ملاقيه..."
بريق وعتمة وصرخة ثقيلة تأمر أن ارحل...
-"ما أنا براحل... وإني جالسا منتظرا حسابيه...
وإني على عهدي لنفسي قطعته في الأيام الخالية..."
يطيل النّظر ليتأكد صدق ما رأى
إنها مشعّة بها سطوعا يجاورها اسوداد....
واسترق السّمع، فإذ بهتاف يعقبه هزيز وزمجرة
...فجأة عجّ المكان بأصوات شتّى... وتراقصت عينيه بين ضياء وعتمة وإنها لليلة قد تكون القاضية...
يسمع ويرى وينتظر....
تتراقص تلك العناقيد بين بياض وسواد في حلقة وتنشد...
_'نحن نردّه خائبا وإليك صاغرا
...لقد كان جائرا...
به ظنون فاجرة
...وردود ساخرة
...إن عيناه ساهرة...
قواه تبدو فاترة
...نحن نسوقه ساجدا يبكي على المقابر
...يأوي إلى المساكن...
مثل شيطان ماكر
...يدنو بعضهم... لا يكلّمني منهم أحد... طرحوني أرضا، ومدّدوني، وقوّمي اعوجاجي... ثم تدنو مني بعض النسوة تحمل كل منهنّ لحافا... لا تسمع لهم كلمة تعي بها مقصدا.... وبعدها حملوني وساروا في جوف اللّيل وعيني شاخصة أرقب حركة مسيرهم ووجهتهم... طابور يسير خلف حاملي جسدي، لا أحد يردّد قولا، ولا يخطئ صغيرهم فتصغي إلى قول مسروق، ولا ترى إشارة... لا بكاء أو تحصّرا وألما.... ولا شفقة.... ولا تذمّرا... ولا ابتسامة بريئة أو ساخرة أو ماكرة... لا دمعة تسيل... يختفي الإنشاد والذّكر وتحجب التعويذات... ويقبر حوار شبيه الإنسان بالسراب والأطياف والخيالات والجماد والحيوان.... مشيتهم منظّمة، لكنها ثقيلة...يلحق بهم صاحبي المجنون فيأخذ مكانه، نقلت نظري إليه أترقب جنونه... انتظرت أن يطلب سيجارة أو رغيف خبز أو يردّد أن لبّيك قادم...إنه لا ينطق... إن حاله أفضل... يواصل الحشد حملي... أطلق بصري للوراء فإذ بالكلب الأبيض يلحق من الخلف ومعه معشر الدود وكبيرهم... وعصا لا تبدو يابسة كآخر عهدي بها تسير محاذاتهم، وخيالات تحاذي أشجارا قرب المسلك تتراقص كعادتها.... وقطع متزاوجة بين بياض وسواد تفيض على المكان فتضيء بعضه وتزيد
-"وهل توقفوا؟ "_'لا بل زادوا... أخبروني أن الدّماء داخلي سائلة مميّعة، وأن تجمّدها سيريح وجعي، فوضعوني داخل مخزن تبريد به ثلج كثيف... أخرجوني مثل قطعة جليد، وأخبروني أن الماء السّاخن يريح علّتي ويعدل حالي، ففعلوا حتى اصطلى جسدي... ثم خرجت من عندهم إلى داري ...'-"وهل صرت على منهج غير ما تعلّمته؟ "_'قلّبت نظريتي غربيّها وشرقيّها، فوجدت الإنسان كيانا كادحا، يكافح لغاية مبدؤها ثروة وعدالة... '-"وكيف يحققها...؟"_'بثورة على الحاكم والكفر بمنهجه... '-"هي نفس الفكرة الأولى هل زاروك ثانية؟ ... "يطيل النظر إلى الفتى ويقول... _'نمت في زنازينهم ليالي، وأطعموني ماء مغلي ممزوجا بشيء مسموم، ورغيفا يابسا أو قل حجرا من سجّيل... وغطوني بلحاف من أشواك وعيون... ورأيت كرمهم حين تصافحني يد سجّان محكوم بنار حقد على كل مخالف بالعدل مسكون... ويلقي بي حيث سراديب بها عقارب وسموم تأكل من نصيبها علّي ألاقي سميعا عليما... ''أتعلم أنهم أعدموا أبنائي؟ '-"أي قسوة تلفّهم؟ كم أعمارهم؟ "_'منهم ابن البارحة، ومنهم من يبلغ المائتين أو تزيد ...'-"ماذا تقصد؟ "_'هي كتبي أعدموها، وجهل حارقها أنها محفورة في هذا الر
عاقل من ينعتك مجنون... فيصيب حزنك وشجونك...ويجبرك أن تختار بين جنونك...أو قطع رزق من يطعمونك"...ثم ينظر إلى تلك المصابيح فيحدّثه شيطانه أن يجمعها حيث ركن ويغطّيها فتذهب تلك الأجسام صاغرة يلفّها غطاء لا تبرق ولا ترقص فيه ولا تنشد... فيفعل ويغادر ضاحكا نحو غايته...***انشطر روح الحي نصفين... عتيق وجديد... بيوت بدأت تطلّ بجدرانها القديمة... تنسج خيوط الماضي بدقّة... إنها قصص منسيّة تعاند الأزمنة...تتدفّق فيه صورة نسيها وانسابت خواطره تتدافع... تفرّ من سكونها إلى حركتها...إنها ليست بالبيوت... إنها حياة... إنها أرواح وذوات بها عيون ووجوه وشفاه... إنها تنطق وتسمع... تكتم سرّا وتفصح حين السؤال وتريح عند الكدر... بيوت تداوي العلل وتشفي وتحيي...يعبر أزقتها... أي خراب قد أصابها؟ من شقّ جوفها؟ ...هذا بيت الطّيبة، وذاك منزل المؤذّن، وهناك بيت العلاّمة... وفي آخر الزقاق الأم الكبيرة... وفي الوسط بيت القائد هكذا كانت ألقابهم ...يقف عند بيت القائد ... بيت متواضع لدارس علم ومعرفة ومثقّف لا تملّ محاورته... يطرق فكرة فيسرد معناها، ويشرح جوهرها، ويعطي بديلها، ويستدلّ بحججه فتقنع... ثم يواصل فيبس
نلفّه بقبس ... ونخيطه دسائس... نلبسه وجه عابس... فلا تجزع إن أسرف... بضربك أو نهرك ... أو طردك من مجلس... أو قهرك عند المحن... أو دفعك بقسوة ... والشك فيه قابع ... يصفك بفاجر ..." تهفت قليلا وبه شكّ يحدّثه أن الإنشاد لحلقة ذكر هناك عند الحي وأنّ صداها يسمع.... تتدافع الأصوات كتدافع لعبة الأبيض والأسود المعلّقة أعلى قبر شيخ الكرامات فتقول محدثة بعضها... _'أتراه؟' 'لا هو في الجوار... ' _'اتسمع صوته؟ ' 'لا إنه أخرس... أو سكت كي لا يفتضح أمره ' يحدث نفسه سرا... -"إنها قطع من نور وظلمة وإنها ضريرة " يتواصل الحوار... _'أبه رائحة؟ ' 'أجل به، وإني عائد إلى حيث الكفن، لأسأل خالقي يدلني فالعطور تتشابه.... ' _'اذهب، ونحن هاهنا باقون وإن له لممسكين ' في سرّه مجددا... -"لقد اقلعت عن العطور مذ شددت الرحال إلى تلك المنازل.... هذه واحدة أغنمها بعد مشقّة... " تواصل تلك المصابيح رقصاتها وتواصل قطع السواد مناجاة رديفتها.... ليأتي مبعوثه حيث الكفن... _'نعم إن به رائحة... ' 'وكيف تكون؟ ' _'ليست عطرا... ولا مسكا ولا عود ندّ.... إن به عرقا' 'كيف يبدو؟ ' _'لم يفسد' 'وم
فعل فعلته، ومرّر عليها كبريته لتشتعل، فيسحب دخانها الكثيف متسلّلا إلى رئتيه فيطرب عقله.... يعيدها متواترة ... ينظّف ويلفّ، ويشعل ويسحب دخانها... ثم يكتفي... لقد صار أفضل... يواصل سيره بعد فسحة صغيرة، ويرقب صامتا تلك المسالك... إنه يطلب راحة... ليس التّعب بل شعور غريب بشيء تسلّل إلى أعماقه يقضمه.... يلوح في الجوار جدار قديم بزاويتين، تقدّم وآوى إلى ظلّه ينشد دواء... يتّكئ... ثم يتمدّد... به ثقل وارتعاش... يعاوده ألم الرأس، وفي عينيه دمع ساخن يخرج منسابا... أصابه تعرّقا زاده في ارتعاشه، فأخذ يطقطق أسنانه دون توقف.... يغفو أو ربما يكون قد أغمي عليه، فدنت منه غيبوبة لا يعرف مداها... إنه محموم من ليلة صقيع ممطرة... لا يد آدميّ تعالجه، ولا جار أو عابر سبيل يعثر على جثّته إن أخذته يد المنيّة غيلة.... يئنّ طويلا، ويخلد إلى كوابيسه اللّعينة وأضغاث أحلامه.... تمرّ أمامه أحداث متلاطمة تعيد شريطا من الحكايا إلى الوراء... يرى منها طيفا... وأحيانا يسمع كلمة، أو إشارة متكلّم ... يقف به حلمه الممزوج بالحمى عند ليل كسيح ... لا رغبة له في الأحلام.... فنفسه متثاقلة عزوف، وبعضه يأكل بعضه بلا شفقة،
-"بسطوة النار، وحكم لهيبها، وبحق الحقيقة، وصوت الحقيقة، لأجعل منك قصّة إنسان بدل شبيه إنسان...."تغرق نظراته في التحديق بالعاشقين.... إن بعينيه بريق تتدفّق منه نارا حامية، وإن بلسانه كلام يثقله شربه، وإن به حركة معطّلة يتربّص بها صائد ملذّة....تسري في هشيم وحطب، فتزيد توهّجا، تحرّكها ريح شرقية تأذن بليلة ملائكية.... تتراقص ألسنتها فتحرّك الأطياف الجاثمة القابعة على مقربة منه...فينطق مقاله ...- "لقد بدأت في الاحتفال... مرحى برفقة تؤنس جمودي... إني لا أبالي بقول شيخ يدّعي أنه حكيم... لن أقلع عن حديث الإنس والجن، وخلائق الأكوان صلبها ورخوها، فإني مثلهم جسد ينشد طرب النفس، فأكون ظالما إن تركت... لن أترك أمرا كنت له طالبا ولو صرت بدل المجنون ألف مجنون...""لن يعاتبني قريني، فإنّ به رغبة تسرق بعض من روحه... وتزرع نطفتها في غير ذي أديم، فتنبت بغير ذي جبلّة..."يستقيم ويبسط يداه مثل منشد... يطلق كلمات تدعو صحبه أن ...-"اجتمعوا... فلي قول إن حفظتموه سلمتم، وإن أدركتموه وتدبّرتم معانيه ملكتم أرواحكم وآمنتم قسمتها بين لصّ وحاقد وحاسد وظالم وواعظ ومرشد وصادق... وإن أنتم ردّدتم قولها في ليلكم ت
يطيل النّظر والجلوس، فإذ به يلحظ خيط دخان. رفقة قادمة على عجل علّها تمسح غبار الطّريق، وتذيب جليدا كسى قلبا مكسورا، وتستلّ أشواك الدّرب المحفوف بالمخاطر والمطبّات. إنّه يدنو فيدنو، قد دنا. وقف وتسمّر، وحدّق فأطنب، ومال شدقيه قليلا ثم ضحك، ثمّ تكدّر، ثمّ قهقه، ثمّ نفخ في مزماره المصنوع من القصب، خرج
تصديررواية تخاريف هي تعبير عن ذات تحمل في جوفها فكرة مجنونة وخيال جامح، وهواجس مثقلة. فتدكّ داخلها كلّ انتماء للواقع، وتفتكّ من بين قسوة الأيام ذكرى فيها سطور معلومة، وسطور متخفية، وسطور مجهولة. ومن السطور ترتسم الصورة تراوح بين الوضوح والعتمة، فتخال نصفها مرئي ونصف الآخر مستتر، في حين أن الصورة ك
رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن
يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أق







