Masukيطيل النّظر والجلوس، فإذ به يلحظ خيط دخان. رفقة قادمة على عجل علّها تمسح غبار الطّريق، وتذيب جليدا كسى قلبا مكسورا، وتستلّ أشواك الدّرب المحفوف بالمخاطر والمطبّات. إنّه يدنو فيدنو، قد دنا. وقف وتسمّر، وحدّق فأطنب، ومال شدقيه قليلا ثم ضحك، ثمّ تكدّر، ثمّ قهقه، ثمّ نفخ في مزماره المصنوع من القصب، خرجت ترنيمة تؤلم من به صمم. أعاد اللّحن وتوقّف، وحدّق وحدّث:
" أعندك قبل رغيف الخبز سجائر؟ دع الخبز وناولني السّجائر".
يفتح الحقيبة ويمدّ يده ليخرج العلبة. يناوله فيمسك ويسحب قطعتين واحدة أسفل ناظره أعلى أذنه، وواحدة يلتهمها بين شفتيه، شـــ.... فـــــ...تـــــيه! يشعلها فتنبعث خيوطها الأولى مثل سحابة بيضاء تكتب طلاسم تعرّف بصاحبها، ثم يكفّ. يتناول قصبته وينشد لحنا أشدّ وقعا من الأوّل. يطيل العزف، ثمّ يصمت، ثمّ يتمدّد. يفترش حصى الطّريق، ويضع تحت رأسه وسادا. حجرا أملس. يغلق عينيه وكأنّ به تعب سنين عجاف أكلت منه ربيع العمر وخريفه ويسحب سيجارته مجدّدا، إنّها تحترق بتؤدة.
حينها يتمدّد المسافر حيث تلك المنازل دون تذكرة، فيصنع ما صنع جليسه. تمدّد وأغمض الجفون فظّلت عيناه شاخصتين. يهمّ لمحادثته ثمّ يعدل.
- "ما المانع" يحدّث فيقول،"لعلّ كلامه سيكون عذبا شبيه لحنه الناعم".
تكلّم فقال:
-"من تكون؟"
أجاب: "عابر سبيل."
- "إلى أين؟"
"حيث البديل. "
- "وما البديل؟"
"دنيا أصيبها."
-"وكيف تكون؟"
"حنون، لا تغدر بشقيّ مجنون. "
-"أين مسكنك؟ مهجعك ومستقرّك؟"
"أنظر. حيث يستقرّ بصرك تحت تلك المنازل المشيّدة، فوق ذاك الوادي، قرب تلك الشّجرة التي تعلو باقي الأشجار."
ينظر برهة ويقول:
-"ها قد نظرت".
"فماذا رأيت؟ "
-"تحت المنازل، فوق الوادي أين ظلّ تلك الشّجرة العجوز المعمّرة! مساكن، غرف معزولة لذوات تعيش فرادى، أأنت منهم؟"
"أنا زعيمهم، ملكهم حارسهم، وفي كلّ يوم أخطب فيهم. في الصّباح أحيّيهم، وفي العشيّ أمسيهم، وفي اللّيل أحكي لهم حكايات تسلّيهم، وإن أحسست برودة الطّقس فبشيء من القشّ المنثور أسفل الوادي أغطّيهم."
-"وهل يسمع سكّان مدينتك نجواك وحكاياتك؟".
"ويطربون حين سماعها. "
-"وكيف؟ "
"أحكي لهم عن بني البشر. عن مكرهم حين تصافيهم، وعن جرمهم حين تصاحبهم، وعن ظلمهم حين تعاديهم. أحكي لهم عن منازلهم. وعن ولدانهم وأرزاقهم. وعن أفراح خلّانهم بعد فراقهم، وعن ضحكاتهم بعد دفن رفاتهم. وأحكي لهم عن نهم أصابهم حين غنموا. وعن سخط لفّهم حين زّينت لهم الحياة الدّنيا فكثرت أرزاقهم. وعن شتات أصابهم ففرّق جمعهم وصدّع بنيانهم. أحكي لهم عن بسمة في الوجه يطلقها المحدّث فتغدو سمّا عزافا حين يصير في الخلف. .... . ...... . ....."
-"يكفي فإنّك زدت في كدري وضيقي."
يصمتان برهة.... ثمّ يواصل السّؤال:
-"أتأمن لهم؟"
يردّ قائلا:
"وهل تخشى من حمل الغزال حديث الولادة؟ وهل تأمن لأمّ أرضعت وليدها كأس العبادة؟ وهل تخشى من شيخ زهد الدّنيا وألف نطق الشّهادة؟ وهل ترهب من عبد إذا أفصح لا ينطق غير الحقّ دون نقصان أو زيادة؟"
ثمّ زاد سؤالا فقال:
-"أفيهم من ندم عن دنيا خلّفها وراء الظّهر دون استئذان؟"
قال نعم: "أمّ تركت وليدها حديث الولادة، تحدّث النّفس عن فعلتها، وعن قسوة قلبها، وتسأل كيف ترقد تحت الحجر ووليدها ينشد حليبا... "
"وعائل خرج من داره ينشد رغيف الخبز لأولاده ولم يعد. هو يعاتب نفسه كيف ظلّ حبيس مهجعه وخبز عياله بقي حيث نزعت روحه. "
"وزوج نادته الرّوح حيث الخلود تاركا صبيّة عشرينيّة تتقلّب يمينا حيث أشواك الأقدار ويسارا حيث ألسنة النّار. "
"وطفل لم يبلغ الحلم بعد. لا يزال يحضن لعبة بجوار قطعة الحلوى، ويرقب في شوق لحظة سعادة.
و..... و...... و...... "
"ناولني غيرها ودع رغيف الخبز فلم يأذن لي صاحبي بعد"
ناوله إيّاها فأعاد صنيعه الأوّل، وخجل من سؤاله عن صاحبه الذي سيأذن له برغيف الخبز.
دخّن، وعزف، وتمدّد، وأطلق غفوة خفيفة ثمّ فزع وتعرّق، أبرق، وأرعد وانتفض بسرعة. ثمّ أطلق صيحة.
"لبّيك إنّي قادم.
أقمها ولا تؤخّر مقدمها.
انزع لثامها، وأرفق بها وكبّر. ثمّ استغفر. ثمّ كبّر. ثمّ تفكّر وتبصّر.
انظر كيف قدّر. فلا تجزع، فإن أتت فلا تدبر ولا تولّ الدّبر.
لا تكن كصاحب صاحب الأذى حين يفرّ، ويختفي حتّى يبرأ أو يدنو إلى القبر.
لبّيك جئتك ألبّي النداء فاصبر. إنّي غفوت، فغفلت، وحدّثت اليوم بشر. فاغفر لي زلّتي وعنّي تستّر. إنّه عنيد لجوج كثير السّؤال، حقود ولا يشعر. اقترب من مسكني ونال بخبثه منّي ولم أشعر.
تصيّدني فأوقعني، قد يكون مخدّرا، ففيه مرارة ممزوجة بطعم السّكّر. وفيه طراوة تذهب العقل فيسكر، تعقبه غفوة تكاد تذهب الرّوح، تكاد إلى ذلك المسكن تعبر. فقدّر حيث قدّر، فإن شئت عفوت، وإن شئت عاقبت بسطوة المتجبّر، فإنّي خطّاء كما عهدتني كثير اللّغو قليل على ما أكتم وأتستّر.
لبّيك أعنّي، فإنّ في بعض البشر بقايا شيطان إلى الحيّين قد تعبر. قد ينال من حيّ به أرواح تظهر، وقد ينال من حيّ به أرواح تخفى عن عين مبصر، وقد يفتك بكلا الحييّن ويمرّ.
رأيته بنصف عين فأدركت أنّه بشر وبه بشر... صيّرته الأحداث حجرا أصمّ لا يكسر. فخلف الوجه وجوه فاترة بالمكر تقطر. "
يفرّ وهو يردّد:
"لبّيك، منّي هذا الإنسيّ لن يظفر.
منّي هذا الإنسيّ لن يظفر.
منّي هذا الإنسيّ لن يظفر.
لبّيك.......... ........ لن... يظفر."
اختفى، واختفت كلماته وبقايا ألحانه فظلّ السؤال يحدّثني:
-"هل هو بشر؟" أم صنيع القدر؟ أم فاقد عقل لا يعي ما يذكر؟ أم ابن تلك الأشباح التي تردّدها عجائز حيّنا حين نأوي للفراش نطلب حكايا قبل النّوم؟ أم مرسل يحدّث فاسمع لأتبصّر؟ .
تفرّ الصّحبة مجدّدا ويهرب ذاك الرّفيق اللّطيف صاحب الحكمة الممزوجة بالجنون. هو عبد مجنون. داعب دخانا متصاعدا للسّماء يكتب أسطرا متناظمة تلفّ أحرف الكلمات فتتعب القارئ معطّل البصر، فيسلّم لإعياء نور عين ترقب آخر خيوط تحيك الجفون.
وقف، يبدو أفضل. كأنّ روح محدّثه تداوي سقم ركبتيه ووجع قدميه ووهن العظم أعلى ساقيه. ينهض ويمشي مشيته القديمة. أتكون ريح المسكن تهبّ فتداوي؟ أم لهف النّفس عن ملاقاة راقدي الأحجار المتراصّة؟ أم توق الرّوح إلى مداعبة
الدّار العتيقة تقلّب دفاتر الماضي المنفلت في غفلة...
يتبع...
يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية. هي شاهدة عن كلمات الغزل، وعن كلمات اللّحن الخالد، لحن ورثته الألسن وردّدته قائلة: "أراقص طيفا.ألاحق بين ثنايا المجاز رفيقا لطيفا.فأنحت حرفا.بخفقة قلب وصوت خفيف"وعبارات تتردّد من راغبة متمنّعة فتنشد: "أبقي هناك حيث أنت. دعني أقتات من روحي. دعني أقتات من جسدي. تذبل الوردة على وجنتيك. وتغادر بسمتي مع رفاتي."يفرّ النّصيب فيغنم غير المحب بحسناء سقت شجرتها فأنبتت زهرة. ذبلت الزهرة على يد من قطفها قبل تفتّحها فجنّت وغدت أسيرة ربوة وقرب الربوة صبية، وبيد الصبية عصيّ وقطع قصدير. تضرب العصيّ على قطع القصدير فتحدث صوتا يصدّع المسامع يتخلّلها ترديد كلمات جارحة: "المجنونة آتية بالرياح العاتية.مجنونة تلحق مجنون ونحن إليها سائرون. " تفرّ من شقاوتهم نحو الشجرة لتأمن فتجد روحها جفت ففي أسفلها
يسدل اللّيل ستاره... لم يحدّث جليسه هذه المرّة، فكلاهما مسافر يبحث عن رفقة ضائعة.صارت النّار رمادا. يمزّق قلبها بقايا دخان وقطعتين من الجمر تميلان للانطفاء. كأنّهما عينان أعيتهما الصّحوة الفاقدة للغفوة. نعم تبدو كذلك، يقلّبها فتتوارى ثم تعود لتظهر. تغمض وتفتح. يعيدها فتفعل ما فعلته في صنيعها الأوّل. إنّها تختفي ثم تظهر فيقول محدّثا:-"رفقة خير؟ أم شؤم؟"تهبّ ريح تعرّي بعض الرّماد فتظهر كأنّها تحدّق وتطيل النّظر. قد تكون الإجابة أو حديث لا يفهم.-"أنت صنيعة البشر؟ ففي بصرك شيء لا يفهم، لا أعي إن كنت أحدّث صنيع بشر أم شيطان من مارج من نار يخرج، ومن بين اليابس والأخضر! "تهبّ ريح ثانية تغطّي قطعتي الجمر وتعبر. -"لم يعجبكما كلامي! قد تكونان صنيع بشر، وفيكما سحر يؤثّر، أو طيف ملائكة، كيف لا وبي شيء من الدّفء يبعث في الرّوح فيأسر."تتعرّى إحداهما دون ريح ولم تحرّك رمادها يد بشر!يساوره الشّك فيدير بصره يرقب كلّ ما يحيط به. لا تظهر أيّ علامة تثير الغرابة ولا توجد حركة. سكون يخيّم على المكان. يعود إلى حيث ناره ورماده، يحدّق بتلك القطعة فإذ بنصفها مضيء ونصفها آفل، وقطعة أخرى لا تزال تحت ال
يعبر المنحدر ليجد نفسه وسط الوادي تحيطه شجيرات يانعة ريحها عطرة. تحرّكها نسمات تبدو باردة. لا تؤذي، باردة لا تقسو. ينزع الحذاء ويضرب بخفّيه الرّمال الرّاسبة. يتلذّذ وقعها ودغدغتها، كأنّه يريد أن يجذب الأحداث للوراء قليلا حيث الرّفقة الصغيرة وحيث لحن الطّفولة. اقترب من جرف به استدارة، لا يزال يحتفظ بحجرين ألف الجلوس عليهما صحبة رفيق الصّبا. يأوي إليه حتّى يصل إلى منتهاه ويسلّم ثم يجلس على مقعده القديم. ينظر الحجر المجاور. يرمقه بشدّة، ثمّ ينطق قائلا: -"أتعلم يا صديقي، إنّي أشتاق إلى رفقة الأمس البعيد. إلى عبث الطفولة، وإلى صيحة الثّائر العنيد، أشتاق إلى صحبة شقية تنسيك وقع الحياة الرتيب، وإلى برودة السماء، وزخات مطر في يوم صقيع، وتلطيخ ثوب داخل بركة في واد قريب، أشتاق إلى أتراب بين شجيرات الزيتون يركضون، عن عش طير عن بقايا بيض يبحثون، وبفرحة صيد صغير يفرحون، أشتاق إلى عطلة ربيع، إلى منظر الحقل بين حبات الزّهر الأصفر اللّيمون، وصوت زقزقة في أعلى الصفصاف يكتب لحن الطفل الصغير، ودبيب السّحالي داخل صفّ الصبار تنشد شقاوة جيل. أحن إلى لعب زمان في الحرّ الشّديد إلى ماء صنبور الحيّ العتيق، يس
يطيل النّظر والجلوس، فإذ به يلحظ خيط دخان. رفقة قادمة على عجل علّها تمسح غبار الطّريق، وتذيب جليدا كسى قلبا مكسورا، وتستلّ أشواك الدّرب المحفوف بالمخاطر والمطبّات. إنّه يدنو فيدنو، قد دنا. وقف وتسمّر، وحدّق فأطنب، ومال شدقيه قليلا ثم ضحك، ثمّ تكدّر، ثمّ قهقه، ثمّ نفخ في مزماره المصنوع من القصب، خرجت ترنيمة تؤلم من به صمم. أعاد اللّحن وتوقّف، وحدّق وحدّث: " أعندك قبل رغيف الخبز سجائر؟ دع الخبز وناولني السّجائر".يفتح الحقيبة ويمدّ يده ليخرج العلبة. يناوله فيمسك ويسحب قطعتين واحدة أسفل ناظره أعلى أذنه، وواحدة يلتهمها بين شفتيه، شـــ.... فـــــ...تـــــيه! يشعلها فتنبعث خيوطها الأولى مثل سحابة بيضاء تكتب طلاسم تعرّف بصاحبها، ثم يكفّ. يتناول قصبته وينشد لحنا أشدّ وقعا من الأوّل. يطيل العزف، ثمّ يصمت، ثمّ يتمدّد. يفترش حصى الطّريق، ويضع تحت رأسه وسادا. حجرا أملس. يغلق عينيه وكأنّ به تعب سنين عجاف أكلت منه ربيع العمر وخريفه ويسحب سيجارته مجدّدا، إنّها تحترق بتؤدة. حينها يتمدّد المسافر حيث تلك المنازل دون تذكرة، فيصنع ما صنع جليسه. تمدّد وأغمض الجفون فظّلت عيناه شاخصتين. يهمّ لمحادثته ثمّ
تصديررواية تخاريف هي تعبير عن ذات تحمل في جوفها فكرة مجنونة وخيال جامح، وهواجس مثقلة. فتدكّ داخلها كلّ انتماء للواقع، وتفتكّ من بين قسوة الأيام ذكرى فيها سطور معلومة، وسطور متخفية، وسطور مجهولة. ومن السطور ترتسم الصورة تراوح بين الوضوح والعتمة، فتخال نصفها مرئي ونصف الآخر مستتر، في حين أن الصورة كلّها تختفي في دخيلاء ملكة الذات الهائمة بين حلم ويقظة، ترويها بوتيرة أحداثها فتلتهم بعضها البعض، لتعبث بالشخصيات وكذلك الأمكنة والأزمنة فتتعايش ورحلة المسافر الخرف الباحث عن شبيه إنسان في بقايا أطلال.الشخصية التي رحلت بنا إلى عالم التّخيّلات في هذه الرواية ما هي إلا صورة "الأنا" العنيدة المتمردة عن الواقع وثقله، وهي صورة الآخر المختلف الهارب من الأزمنة في ماضيها وحاضرها، وصورة الضمير الجمعي الشاهد على أحداث انشطار الذوات بين ذهن مشدود إلى منطق الأشياء، وخيال منصرف عن فكرة المنطق لغاية معانقة جمالية التحليق في عالم ما ورائي يخلّص النفس من شوائب الحقيقة وصلفها، ويلحقها بمغامرة لا تعلم بدايتها ولا تتخيل كيف تكون النهاية.شخصية الرواية رمز للرحّالة التي تبحث عن ذاتها، فقد تجعل من الشّوق مطيّة ل