Home / الآخر / تخاريف / تخاريف الفصل 2

Share

تخاريف الفصل 2

last update publish date: 2026-05-22 07:34:44

يطيل النّظر والجلوس، فإذ به يلحظ خيط دخان. رفقة قادمة على عجل علّها تمسح غبار الطّريق، وتذيب جليدا كسى قلبا مكسورا، وتستلّ أشواك الدّرب المحفوف بالمخاطر والمطبّات. إنّه يدنو فيدنو، قد دنا. وقف وتسمّر، وحدّق فأطنب، ومال شدقيه قليلا ثم ضحك، ثمّ تكدّر، ثمّ قهقه، ثمّ نفخ في مزماره المصنوع من القصب، خرجت ترنيمة تؤلم من به صمم. أعاد اللّحن وتوقّف، وحدّق وحدّث:

 " أعندك قبل رغيف الخبز سجائر؟ دع الخبز وناولني السّجائر".

يفتح الحقيبة ويمدّ يده ليخرج العلبة. يناوله فيمسك ويسحب قطعتين واحدة أسفل ناظره أعلى أذنه، وواحدة يلتهمها بين شفتيه، شـــ.... فـــــ...تـــــيه! يشعلها فتنبعث خيوطها الأولى مثل سحابة بيضاء تكتب طلاسم تعرّف بصاحبها، ثم يكفّ. يتناول قصبته وينشد لحنا أشدّ وقعا من الأوّل. يطيل العزف، ثمّ يصمت، ثمّ يتمدّد. يفترش حصى الطّريق، ويضع تحت رأسه وسادا. حجرا أملس. يغلق عينيه وكأنّ به تعب سنين عجاف أكلت منه ربيع العمر وخريفه ويسحب سيجارته مجدّدا، إنّها تحترق بتؤدة. 

حينها يتمدّد المسافر حيث تلك المنازل دون تذكرة، فيصنع ما صنع جليسه. تمدّد وأغمض الجفون فظّلت عيناه شاخصتين. يهمّ لمحادثته ثمّ يعدل.

- "ما المانع" يحدّث فيقول،"لعلّ كلامه سيكون عذبا شبيه لحنه الناعم".

 تكلّم فقال:

-"من تكون؟"  

أجاب: "عابر سبيل." 

- "إلى أين؟"

"حيث البديل. "

- "وما البديل؟" 

"دنيا أصيبها."

-"وكيف تكون؟" 

"حنون، لا تغدر بشقيّ مجنون. "

-"أين مسكنك؟ مهجعك ومستقرّك؟"

"أنظر. حيث يستقرّ بصرك تحت تلك المنازل المشيّدة، فوق ذاك الوادي، قرب تلك الشّجرة التي تعلو باقي الأشجار."

ينظر برهة ويقول:

-"ها قد نظرت".

"فماذا رأيت؟ "

-"تحت المنازل، فوق الوادي أين ظلّ تلك الشّجرة العجوز المعمّرة! مساكن، غرف معزولة لذوات تعيش فرادى، أأنت منهم؟"

"أنا زعيمهم، ملكهم حارسهم، وفي كلّ يوم أخطب فيهم. في الصّباح أحيّيهم، وفي العشيّ أمسيهم، وفي اللّيل أحكي لهم حكايات تسلّيهم، وإن أحسست برودة الطّقس فبشيء من القشّ المنثور أسفل الوادي أغطّيهم."

-"وهل يسمع سكّان مدينتك نجواك وحكاياتك؟".

"ويطربون حين سماعها. "

-"وكيف؟ "

"أحكي لهم عن بني البشر. عن مكرهم حين تصافيهم، وعن جرمهم حين تصاحبهم، وعن ظلمهم حين تعاديهم. أحكي لهم عن منازلهم. وعن ولدانهم وأرزاقهم. وعن أفراح خلّانهم بعد فراقهم، وعن ضحكاتهم بعد دفن رفاتهم. وأحكي لهم عن نهم أصابهم حين غنموا. وعن سخط لفّهم حين زّينت لهم الحياة الدّنيا فكثرت أرزاقهم. وعن شتات أصابهم ففرّق جمعهم وصدّع بنيانهم. أحكي لهم عن بسمة في الوجه يطلقها المحدّث فتغدو سمّا عزافا حين يصير في الخلف. .... . ...... . ....."

-"يكفي فإنّك زدت في كدري وضيقي."

يصمتان برهة.... ثمّ يواصل السّؤال:

-"أتأمن لهم؟"

يردّ قائلا:

"وهل تخشى من حمل الغزال حديث الولادة؟ وهل تأمن لأمّ أرضعت وليدها كأس العبادة؟ وهل تخشى من شيخ زهد الدّنيا وألف نطق الشّهادة؟ وهل ترهب من عبد إذا أفصح لا ينطق غير الحقّ دون نقصان أو زيادة؟"

ثمّ زاد سؤالا فقال:

-"أفيهم من ندم عن دنيا خلّفها وراء الظّهر دون استئذان؟" 

قال نعم: "أمّ تركت وليدها حديث الولادة، تحدّث النّفس عن فعلتها، وعن قسوة قلبها، وتسأل كيف ترقد تحت الحجر ووليدها ينشد حليبا... "

"وعائل خرج من داره ينشد رغيف الخبز لأولاده ولم يعد. هو يعاتب نفسه كيف ظلّ حبيس مهجعه وخبز عياله بقي حيث نزعت روحه. "

"وزوج نادته الرّوح حيث الخلود تاركا صبيّة عشرينيّة تتقلّب يمينا حيث أشواك الأقدار ويسارا حيث ألسنة النّار. "

"وطفل لم يبلغ الحلم بعد. لا يزال يحضن لعبة بجوار قطعة الحلوى، ويرقب في شوق لحظة سعادة. 

و..... و...... و...... "

"ناولني غيرها ودع رغيف الخبز فلم يأذن لي صاحبي بعد"

ناوله إيّاها فأعاد صنيعه الأوّل، وخجل من سؤاله عن صاحبه الذي سيأذن له برغيف الخبز. 

دخّن، وعزف، وتمدّد، وأطلق غفوة خفيفة ثمّ فزع وتعرّق، أبرق، وأرعد وانتفض بسرعة. ثمّ أطلق صيحة. 

"لبّيك إنّي قادم.

 أقمها ولا تؤخّر مقدمها. 

انزع لثامها، وأرفق بها وكبّر. ثمّ استغفر. ثمّ كبّر. ثمّ تفكّر وتبصّر.

انظر كيف قدّر. فلا تجزع، فإن أتت فلا تدبر ولا تولّ الدّبر. 

لا تكن كصاحب صاحب الأذى حين يفرّ، ويختفي حتّى يبرأ أو يدنو إلى القبر.

لبّيك جئتك ألبّي النداء فاصبر. إنّي غفوت، فغفلت، وحدّثت اليوم بشر. فاغفر لي زلّتي وعنّي تستّر. إنّه عنيد لجوج كثير السّؤال، حقود ولا يشعر. اقترب من مسكني ونال بخبثه منّي ولم أشعر.

تصيّدني فأوقعني، قد يكون مخدّرا، ففيه مرارة ممزوجة بطعم السّكّر. وفيه طراوة تذهب العقل فيسكر، تعقبه غفوة تكاد تذهب الرّوح، تكاد إلى ذلك المسكن تعبر. فقدّر حيث قدّر، فإن شئت عفوت، وإن شئت عاقبت بسطوة المتجبّر، فإنّي خطّاء كما عهدتني كثير اللّغو قليل على ما أكتم وأتستّر.

لبّيك أعنّي، فإنّ في بعض البشر بقايا شيطان إلى الحيّين قد تعبر. قد ينال من حيّ به أرواح تظهر، وقد ينال من حيّ به أرواح تخفى عن عين مبصر، وقد يفتك بكلا الحييّن ويمرّ.

رأيته بنصف عين فأدركت أنّه بشر وبه بشر... صيّرته الأحداث حجرا أصمّ لا يكسر. فخلف الوجه وجوه فاترة بالمكر تقطر. "

يفرّ وهو يردّد:

"لبّيك، منّي هذا الإنسيّ لن يظفر.

منّي هذا الإنسيّ لن يظفر.

منّي هذا الإنسيّ لن يظفر.

لبّيك.......... ........ لن... يظفر."

اختفى، واختفت كلماته وبقايا ألحانه فظلّ السؤال يحدّثني: 

-"هل هو بشر؟" أم صنيع القدر؟ أم فاقد عقل لا يعي ما يذكر؟ أم ابن تلك الأشباح التي تردّدها عجائز حيّنا حين نأوي للفراش نطلب حكايا قبل النّوم؟ أم مرسل يحدّث فاسمع لأتبصّر؟ .

تفرّ الصّحبة مجدّدا ويهرب ذاك الرّفيق اللّطيف صاحب الحكمة الممزوجة بالجنون. هو عبد مجنون. داعب دخانا متصاعدا للسّماء يكتب أسطرا متناظمة تلفّ أحرف الكلمات فتتعب القارئ معطّل البصر، فيسلّم لإعياء نور عين ترقب آخر خيوط تحيك الجفون.

وقف، يبدو أفضل. كأنّ روح محدّثه تداوي سقم ركبتيه ووجع قدميه ووهن العظم أعلى ساقيه. ينهض ويمشي مشيته القديمة. أتكون ريح المسكن تهبّ فتداوي؟ أم لهف النّفس عن ملاقاة راقدي الأحجار المتراصّة؟ أم توق الرّوح إلى مداعبة

الدّار العتيقة تقلّب دفاتر الماضي المنفلت في غفلة... 

يتبع...

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تخاريف    تخاريف الفصل 22

    يدنو بعضهم... لا يكلّمني منهم أحد... طرحوني أرضا، ومدّدوني، وقوّمي اعوجاجي... ثم تدنو مني بعض النسوة تحمل كل منهنّ لحافا... لا تسمع لهم كلمة تعي بها مقصدا.... وبعدها حملوني وساروا في جوف اللّيل وعيني شاخصة أرقب حركة مسيرهم ووجهتهم... طابور يسير خلف حاملي جسدي، لا أحد يردّد قولا، ولا يخطئ صغيرهم فتصغي إلى قول مسروق، ولا ترى إشارة... لا بكاء أو تحصّرا وألما.... ولا شفقة.... ولا تذمّرا... ولا ابتسامة بريئة أو ساخرة أو ماكرة... لا دمعة تسيل... يختفي الإنشاد والذّكر وتحجب التعويذات... ويقبر حوار شبيه الإنسان بالسراب والأطياف والخيالات والجماد والحيوان.... مشيتهم منظّمة، لكنها ثقيلة...يلحق بهم صاحبي المجنون فيأخذ مكانه، نقلت نظري إليه أترقب جنونه... انتظرت أن يطلب سيجارة أو رغيف خبز أو يردّد أن لبّيك قادم...إنه لا ينطق... إن حاله أفضل... يواصل الحشد حملي... أطلق بصري للوراء فإذ بالكلب الأبيض يلحق من الخلف ومعه معشر الدود وكبيرهم... وعصا لا تبدو يابسة كآخر عهدي بها تسير محاذاتهم، وخيالات تحاذي أشجارا قرب المسلك تتراقص كعادتها.... وقطع متزاوجة بين بياض وسواد تفيض على المكان فتضيء بعضه وتزيد

  • تخاريف    تخاريف الفصل 21

    -"وهل توقفوا؟ "_'لا بل زادوا... أخبروني أن الدّماء داخلي سائلة مميّعة، وأن تجمّدها سيريح وجعي، فوضعوني داخل مخزن تبريد به ثلج كثيف... أخرجوني مثل قطعة جليد، وأخبروني أن الماء السّاخن يريح علّتي ويعدل حالي، ففعلوا حتى اصطلى جسدي... ثم خرجت من عندهم إلى داري ...'-"وهل صرت على منهج غير ما تعلّمته؟ "_'قلّبت نظريتي غربيّها وشرقيّها، فوجدت الإنسان كيانا كادحا، يكافح لغاية مبدؤها ثروة وعدالة... '-"وكيف يحققها...؟"_'بثورة على الحاكم والكفر بمنهجه... '-"هي نفس الفكرة الأولى هل زاروك ثانية؟ ... "يطيل النظر إلى الفتى ويقول... _'نمت في زنازينهم ليالي، وأطعموني ماء مغلي ممزوجا بشيء مسموم، ورغيفا يابسا أو قل حجرا من سجّيل... وغطوني بلحاف من أشواك وعيون... ورأيت كرمهم حين تصافحني يد سجّان محكوم بنار حقد على كل مخالف بالعدل مسكون... ويلقي بي حيث سراديب بها عقارب وسموم تأكل من نصيبها علّي ألاقي سميعا عليما... ''أتعلم أنهم أعدموا أبنائي؟ '-"أي قسوة تلفّهم؟ كم أعمارهم؟ "_'منهم ابن البارحة، ومنهم من يبلغ المائتين أو تزيد ...'-"ماذا تقصد؟ "_'هي كتبي أعدموها، وجهل حارقها أنها محفورة في هذا الر

  • تخاريف    تخاريف الفصل 20

    عاقل من ينعتك مجنون... فيصيب حزنك وشجونك...ويجبرك أن تختار بين جنونك...أو قطع رزق من يطعمونك"...ثم ينظر إلى تلك المصابيح فيحدّثه شيطانه أن يجمعها حيث ركن ويغطّيها فتذهب تلك الأجسام صاغرة يلفّها غطاء لا تبرق ولا ترقص فيه ولا تنشد... فيفعل ويغادر ضاحكا نحو غايته...***انشطر روح الحي نصفين... عتيق وجديد... بيوت بدأت تطلّ بجدرانها القديمة... تنسج خيوط الماضي بدقّة... إنها قصص منسيّة تعاند الأزمنة...تتدفّق فيه صورة نسيها وانسابت خواطره تتدافع... تفرّ من سكونها إلى حركتها...إنها ليست بالبيوت... إنها حياة... إنها أرواح وذوات بها عيون ووجوه وشفاه... إنها تنطق وتسمع... تكتم سرّا وتفصح حين السؤال وتريح عند الكدر... بيوت تداوي العلل وتشفي وتحيي...يعبر أزقتها... أي خراب قد أصابها؟ من شقّ جوفها؟ ...هذا بيت الطّيبة، وذاك منزل المؤذّن، وهناك بيت العلاّمة... وفي آخر الزقاق الأم الكبيرة... وفي الوسط بيت القائد هكذا كانت ألقابهم ...يقف عند بيت القائد ... بيت متواضع لدارس علم ومعرفة ومثقّف لا تملّ محاورته... يطرق فكرة فيسرد معناها، ويشرح جوهرها، ويعطي بديلها، ويستدلّ بحججه فتقنع... ثم يواصل فيبس

  • تخاريف    تخاريف الفصل 19

    نلفّه بقبس ... ونخيطه دسائس... نلبسه وجه عابس... فلا تجزع إن أسرف... بضربك أو نهرك ... أو طردك من مجلس... أو قهرك عند المحن... أو دفعك بقسوة ... والشك فيه قابع ... يصفك بفاجر ..." تهفت قليلا وبه شكّ يحدّثه أن الإنشاد لحلقة ذكر هناك عند الحي وأنّ صداها يسمع.... تتدافع الأصوات كتدافع لعبة الأبيض والأسود المعلّقة أعلى قبر شيخ الكرامات فتقول محدثة بعضها... _'أتراه؟' 'لا هو في الجوار... ' _'اتسمع صوته؟ ' 'لا إنه أخرس... أو سكت كي لا يفتضح أمره ' يحدث نفسه سرا... -"إنها قطع من نور وظلمة وإنها ضريرة " يتواصل الحوار... _'أبه رائحة؟ ' 'أجل به، وإني عائد إلى حيث الكفن، لأسأل خالقي يدلني فالعطور تتشابه.... ' _'اذهب، ونحن هاهنا باقون وإن له لممسكين ' في سرّه مجددا... -"لقد اقلعت عن العطور مذ شددت الرحال إلى تلك المنازل.... هذه واحدة أغنمها بعد مشقّة... " تواصل تلك المصابيح رقصاتها وتواصل قطع السواد مناجاة رديفتها.... ليأتي مبعوثه حيث الكفن... _'نعم إن به رائحة... ' 'وكيف تكون؟ ' _'ليست عطرا... ولا مسكا ولا عود ندّ.... إن به عرقا' 'كيف يبدو؟ ' _'لم يفسد' 'وم

  • تخاريف    تخاريف الفصل 18

    فعل فعلته، ومرّر عليها كبريته لتشتعل، فيسحب دخانها الكثيف متسلّلا إلى رئتيه فيطرب عقله.... يعيدها متواترة ... ينظّف ويلفّ، ويشعل ويسحب دخانها... ثم يكتفي... لقد صار أفضل... يواصل سيره بعد فسحة صغيرة، ويرقب صامتا تلك المسالك... إنه يطلب راحة... ليس التّعب بل شعور غريب بشيء تسلّل إلى أعماقه يقضمه.... يلوح في الجوار جدار قديم بزاويتين، تقدّم وآوى إلى ظلّه ينشد دواء... يتّكئ... ثم يتمدّد... به ثقل وارتعاش... يعاوده ألم الرأس، وفي عينيه دمع ساخن يخرج منسابا... أصابه تعرّقا زاده في ارتعاشه، فأخذ يطقطق أسنانه دون توقف.... يغفو أو ربما يكون قد أغمي عليه، فدنت منه غيبوبة لا يعرف مداها... إنه محموم من ليلة صقيع ممطرة... لا يد آدميّ تعالجه، ولا جار أو عابر سبيل يعثر على جثّته إن أخذته يد المنيّة غيلة.... يئنّ طويلا، ويخلد إلى كوابيسه اللّعينة وأضغاث أحلامه.... تمرّ أمامه أحداث متلاطمة تعيد شريطا من الحكايا إلى الوراء... يرى منها طيفا... وأحيانا يسمع كلمة، أو إشارة متكلّم ... يقف به حلمه الممزوج بالحمى عند ليل كسيح ... لا رغبة له في الأحلام.... فنفسه متثاقلة عزوف، وبعضه يأكل بعضه بلا شفقة،

  • تخاريف    تخاريف الفصل 17

    -"بسطوة النار، وحكم لهيبها، وبحق الحقيقة، وصوت الحقيقة، لأجعل منك قصّة إنسان بدل شبيه إنسان...."تغرق نظراته في التحديق بالعاشقين.... إن بعينيه بريق تتدفّق منه نارا حامية، وإن بلسانه كلام يثقله شربه، وإن به حركة معطّلة يتربّص بها صائد ملذّة....تسري في هشيم وحطب، فتزيد توهّجا، تحرّكها ريح شرقية تأذن بليلة ملائكية.... تتراقص ألسنتها فتحرّك الأطياف الجاثمة القابعة على مقربة منه...فينطق مقاله ...- "لقد بدأت في الاحتفال... مرحى برفقة تؤنس جمودي... إني لا أبالي بقول شيخ يدّعي أنه حكيم... لن أقلع عن حديث الإنس والجن، وخلائق الأكوان صلبها ورخوها، فإني مثلهم جسد ينشد طرب النفس، فأكون ظالما إن تركت... لن أترك أمرا كنت له طالبا ولو صرت بدل المجنون ألف مجنون...""لن يعاتبني قريني، فإنّ به رغبة تسرق بعض من روحه... وتزرع نطفتها في غير ذي أديم، فتنبت بغير ذي جبلّة..."يستقيم ويبسط يداه مثل منشد... يطلق كلمات تدعو صحبه أن ...-"اجتمعوا... فلي قول إن حفظتموه سلمتم، وإن أدركتموه وتدبّرتم معانيه ملكتم أرواحكم وآمنتم قسمتها بين لصّ وحاقد وحاسد وظالم وواعظ ومرشد وصادق... وإن أنتم ردّدتم قولها في ليلكم ت

  • تخاريف    تخاريف الفصل 9

    رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 8

    يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أق

  • تخاريف    تخاريف الفصل 7

    'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه ا

  • تخاريف    الفصل 6

    يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status