Beranda / الآخر / تخاريف / تخاريف الفصل 5

Share

تخاريف الفصل 5

last update Tanggal publikasi: 2026-05-22 19:59:06

يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية. هي شاهدة عن كلمات الغزل، وعن كلمات اللّحن الخالد، لحن ورثته الألسن وردّدته قائلة: 

"أراقص طيفا.

ألاحق بين ثنايا المجاز رفيقا لطيفا.

فأنحت حرفا.

بخفقة قلب وصوت خفيف"

وعبارات تتردّد من راغبة متمنّعة فتنشد:

 "أبقي هناك حيث أنت.

 دعني أقتات من روحي. 

دعني أقتات من جسدي.

 تذبل الوردة على وجنتيك.

 وتغادر بسمتي مع رفاتي."

يفرّ النّصيب فيغنم غير المحب بحسناء سقت شجرتها فأنبتت زهرة. ذبلت الزهرة على يد من قطفها قبل تفتّحها فجنّت وغدت أسيرة ربوة وقرب الربوة صبية، وبيد الصبية عصيّ وقطع قصدير. تضرب العصيّ على قطع القصدير فتحدث صوتا يصدّع المسامع يتخلّلها ترديد كلمات جارحة:

 "المجنونة آتية بالرياح العاتية.

مجنونة تلحق مجنون ونحن إليها سائرون. "

 تفرّ من شقاوتهم نحو الشجرة لتأمن فتجد روحها جفت ففي أسفلها رقد نصيبها رقدته الأخيرة.

أخرج روحه قبل أن يؤذن لها، استلّها عمدا قبل أوانها، نطق نصف شهادة، ونصفها الآخر نطق اسم معبودته.

أضحت شجرة.

ماهي بشجرة! هي مزارا للتبريكات. ومحجّا لنفوس اعتقدت إيمانا وتسليما أن الحياة أدارت وجهها بفعل إنسيّ. 

يسرد بعضهم أن ريح العطر تفوح ليلا، وريح الموت تخرج نهارا، وأنّ بها مصابيح لا تدرك منها سوى نورها ليلا وتختفي نهارا. وليلة معلومة تشتمّ ريح وليمة. كلها براهين أنها شجرة مباركة فلا يغرّنّك يبسها الظّاهر فداخلها مزهر ومثمر ورقه أخضر.

كانوا جمعا من الفتية. كثيرا ما يحجّون إليها. شموع ونار وطيب، وماء وطعام.

 هم يوهمون أهاليهم بأن للشّجرة في قلوبهم منازل. فيرخصون لهم بالزيارة. هي ليست زيارة، لقد جعلوها مسرحا لأحداث حاكوها على مهل

ينقسم الجمع إلى فرقتين.

تقول الفرقة الأولى:

- "نحن أبناء النار."

وتقول الثّانية:

 'ونحن أبناء التراب'.... 

تفرّقا.

أبناء التراب في حلقة مستديرة تحت الشجرة ينشدون

 'نحن أبناء التراب، آدم من تراب، أنت غصن ينبت من تحت التراب، أنت بنت التراب. شقيقة أنت، نحن نرجو مباركة فهل لنا بأمنية' 

يقطع أحدهم ذكرهم فيردد:

- "نحن أبناء النّار، فهموا بالفرار"

يردّ الجماعة:

' لا خير فيكم، فأنتم من الأشرار، لا مسكن لكم ونحن أبناء الدار. تفرقوا ما لكم خيار، مباركة هي شقيقة من تراب تحنّ ولا تخون، لأصلها تصون. فإن أمسكتم أمسكت وإن ظلمتم تثور تدك سطوتكم نصرة للمظلوم"

تنشب معركة لا غالب فيها، لتغادر الجماعة حيث بداية جديدة.

تنتهي به الذاكرة حيث الجذع الميّت. يدنو منه ليودّعه. يلمسه ويلتفّ حوله.

- " ليس بيدي شمع ولا طيب، ليس معي رفقة. لا أرى في الخلف دبيب نملة، ولا بالقرب صوت حياة. أعي جيدا أني مثلك قطعة من خشب جفت عروقه، وأن بي سوادا. يلفّني حبل الوصال قد تقطّع منذ زمن منبتي كان هنا، هو بعض من عروقي، غيّرته وزرعت نفسي حيث الخضرة والماء. نشفت عروقي وعطشت أرضي وتشققت فأنبتت جذعا لا يحمل روحا. الفارق بيننا أنك بقيت مكانك وأني بعت، وأنك مباركة، وأني شقي أحمل من الأسقام ما تعجز الشياطين عن حمله. "

يحمل الحقيبة مجددا، الساعة تميل إلى الظهيرة. كأنه ملّ المكان فهو لم يعد يرغب في البقاء. تسكنه رغبة في أن يعيش عمره الحاضر لا أن تغلبه شطحات الطّفولة فيغرق في منازلها. هو يريد أن يصل إلى تلك المنازل حيث بيته القديم، وحيث يرقد الأحبّة تحت تلك الأحجار.

يمشي، يرفض الصمت فيطلق صيحاته، أغنية تعود به إلى حماس الشباب. يردد بعضها، يبدو أنه نسي اللّحن وغفل عن بعض الكلمات فأسقطها فصارت كلماته نشازا ليسكت بعدها خجلا.

إنّه العائد من مكان غريب حيث موطن أشدّ غرابة. يقول:

- "هل مازال في الحي من يعرفني؟ هل سأظفر بصحبة قديمة تتجدّد؟ "

يواصل مشيته فتطلّ عليه أولى المساكن هي على مشارف الحي تليها رحلة لا تبدو يسيرة.

يقترب من كوخ صنع من قشّ وقصب كان يسمّيه قديما عشّ الغراب. كان يجلس داخله شيخ أسماه الغراب. في ذاك الزّمن لا تبدو ملامحه كذلك، طويل القامة ضخم، فيه حمرة زائدة وبه حول، مترف لا يعاني الخصاصة. هو من أثرياء الحي. له مزرعة قريبة مثل قطعة من الجنّة بها من الخيرات ما يكفي الحي والأحياء المجاورة.

 رآه ممدّدا يغطّ في نومه، هكذا بدت له الصورة وهو يستعيد شريط الماضي.

- "أظن أنه لا يزال على قيد الحياة" حدّث فقال.

 صمت وتوقف ثم تملّكه الفضول فسار إلى عش الغراب، كوخ القشّ نظر داخله فذهل حين رأى شيخا ممدّدا. إنّه هرم، طويل القامة به هزال. نحيف تلوح من وجهه حمرة نفس الحمرة، وبه حول، ذات الحول. همّ لسؤاله فقال بعد أن سلّم:

- "هل أنت العمّ فلان".

 أجاب بصوت غائر:

'أسمع بهذا الاسم!! ربما أكون، لا أعلم. '

 يقترب صوبه وينظر إليه مطوّلا ويسأل:

' من تكون؟ '

-"أجيبك بعد قصة أرويها، هل أجلس؟".

'نعم اجلس'، ردّ الشيخ. 

جلس بالقرب منه، كست الدموع عينيه ثم قال:

-"يحكى أن ولدا في عمر الزهور ذات الأشواك، كثير اللّهو لا يملّ مغازلة الشيطان يقلّد مكره. أمسك الحجر بيديه ورصد فريسته ثم صوّب نحوها. لحظتها مرّ الرّجل ذو المشية المتفاخرة قاطعا طريقه مقتحما مرماه فأصابه الحجر في أسفل جبينه أعلى عينه فسقط. همّ يلملم بعضه. استيقظ وشيء من الدّم ينحدر يزيّن لحيته ذات السواد الكثيف الممزوج وسط بياض قليل. يقف برهة ويلوّح بعصاه للصبي ونبرة من الغضب تخرج من حنجرته ذات الحشرجة الخشنة.

 'أيّ فعل منكر أتيته'. 

يردّ الصبي:

- "للفعل الدّنيء سبقتني، قطعت حجري فأخطأت مرماها فطارت الفريسة بعيدا. قد يكفيك هذا امض مسامحا ما دامك قبلت بدور الفريسة". 

 تمتم الشيخ بكلمات هي أشبه بطلاسم صوتية تخرج متتالية من شفاه متدلّية مترهّلة أشبه بتضاريس بقاع مرتفعة حفرها السيل فأحدث فيها نتوءات شتّى. صورة لا تتطابق مع عمره.

تابع الفتى لهوه وعبثه حتى فرغ من أمره وأقفل راجعا بمشية تفقد استقامتها، يتمايل جهة اليمين حتى يكاد الجرف أن يأويه لبرهة، ويعود شمالا حتى تعتقد أنه متعثر حتما، حافي القدمين تعلوها بقايا أتربة تغطي لونها، وفي الأصابع قليل من الزّرقة المائلة للحمرة، وبين الأظافر تخرج إفرازات إصابة لا يعي بفعلها ولا يكترث لشدّة وجعها، يرتدي ثوبا كأنّه زي مقاتل حديث العهد بساحة الحرب، ممزّق، مقطّع إلى أشلاء، متغيّر اللّون باهت السطوع، هو لون المادة الخام التي لا تقبل انصهارا أو تحولا إلى خلطة ألوان براقة خاطفة. لا يهتم فالحياة حسبه قطعة خبز محشوة بقطرة زيت، وشربة ماء من صنبور الحي، وحجر يركله حين يقطع مساره مشرّد لا ينشد غاية ولا يعي من الأحداث سوى لحظتها اللاّهية، ولا يستوعب فكرة المستقبل لأن الحاضر حسبه ساعة صيد أو عراك أو ركض خلف مطاردة لا منتصرا فيها. هو يعي حقيقة لا غير. ذهن لا تشغله ترّهات الكبار، وزمن يتملّكه لا مكان فيه سوى للطّرب، وبطن تقبل حشوا حين تئن معدتها وتعزف على أوتار جوعها. هو المتحرر أبدا والراحل دائما، والواقف برهة يرقب أنين كبير شغل النفس بتراجيديا الحياة الرتيبة.

-"هل تذكرت. " 

'لا أفهم كلامك، من تكون؟'

-"أنا صاحب الحجر، وأنت الفريسة، هل أدركت؟  "

'ماذا أدركت؟ كأنك تهذي' يرد الشيخ. 

يدخل طيف خفيف فيبادره بالسؤال. 

-"أهو العم فلان؟ "

يشير برأسه نعم هو ويغادر.

 يعود إلى الحديث معه.

- "ماذا فعلت بك الدنيا؟ كأنها عبثت ولهت وبعثرت جميع أوراقك؟ 

 لو تحكي لي."

يسترسل الشيخ في الكلام فيردد:

 'في ذاك البيت أناس طيّبون هم لي بمثابة الأبناء، يطعمونني ويلبسونني. لي داخل الدار غرفة غير أني أعشق هذا المكان. بالغرفة صورة لرجل يشبهني، نختلف في الأوزان، أحيانا يصحبوني حيث بستان كثيف الأشجار كثيرة ألوانها، بها مسكن حين أراه أنجذب نحوه في عجل. أحس بدمع العين تفيض دون توقف. أجلس وأصوم عن الكلام طويلا. أشعر بأن ساكنه يبتلعني، يلبسني دون أن أقدر على نزعه. تراودني سجلات أحداث تشبه الرواية ذات الفصول، شخصياتها لا تبدو ظاهرة كأنها أشباح متحرّكة داخل غيمة تحجب اكتمال صورتها، أو هي كوابيس مضنية لا أقوى على طردها. أدخلها فأختار واحدة من غرفها. لا ألتفت سوى إليها، تأسرني فأترجّل نحوها مسلّما. أشمّ ريح عشّاق، وأسمع دوي كلمات تخرج من حلق ناعم، وأصغي إلى صراخ فتية تشابكت أيديهم فأنهرهم، أشعر بدفء الجوّ. كل الأشياء مألوفة، إني أرى جبّارا يمشي متكبّرا، به هيبة وعليه ملامح سيّد. يمسك بعكّاز ليس لحاجة بل ليكتمل مشهد الهيبة. تطالعني وفود كأنها تشتكي، وغيرها تطلب حاجة، وبعضها تسعى لفضّ خصومة. 

أرى فيه سيدا يمتهن كل المهن، هو قاضي الحي، وهو الحاكم المصدّر لفرماناته، كأنه الدّاعية. والخطيب، وهو الطبيب المداوي، وهو المقرض الدّائن، وهو العائل زمن الشدائد. لست أدري كأني أعي من يكون. لكن على يقين أنه صاحب الحي وفتوّته. هم يعلمون من يكون كما يعلمون من أكون؟ 

يسكت قدرا من الزّمن ويقول: 

'من أنت؟ ما العبرة من حكايتك؟ من صاحب الحجر والفريسة؟ 

 ثمّ يمسك عن الكلام مجدّدا وبعد صمت دامت مدّته يتحدّث قائلا:

 'يمكنك النوم إن أردت....'

 يتمدد في صمت يغلق عينيه ويغفو بسرعة تاركا سؤاله دون جواب. يسافر افتراضا، وينظر إلى عش الغراب إن كان قد تغيّر عن سابق عهده به أم حافظ على صورته القديمة، أم تجدّد كما تجدّد ساكنه.

كل شيء تغير من الداخل مرتبا بعناية، وبداخله فضول غريب أبى أن يغادره. 

-"أرغب في مزيد من التفاصيل فهذا الكيان كان خارقا، أي خرف أصابه؟ وما صنعت له تلك الثروة؟ إنه يجلس وحيدا في كوخ لا يدرك هويته ولا يعي من زمنه سوى شذرات ضئيلة من الأحداث العابرة. "

 سبق الأحداث وبحث عن نفسه، تحدّث فقال سرّا: 

- "أنا المسافر في زمن لم تحن ساعته بعد. تسكنني رغبة في أن أشرد بخيالي لأشاهد كياني عند العجز والكبر. إنّي أرى درويشا يتماي، يرتدي بقايا ألبسة بالية، يضع خلف ظهره كيسا محشوّا بأشياء جمعها من قمامة الحي، وبيده قرن كبش مثقوب الجانبين كثيرا ما ينفخ فيه فيخرج صوت عواء أو صياح. 

غزير شعر اللّحية، أقرع شعر الرأس، يهب لنفسه كل يوم رحلة، سعي بين قمّة الجبل، ومنحدر الوادي. رحلة الشّك واليقين. يعود وبداخله عبد منهك العزم شديد المكوث، مشدود إلى ركن قصيّ أنبت حبات سنابل شهدت على قدومه ونشأته، هو سليل إنسان، أو قطعة من شبيه إنسان. حين يتمدّد يضجر منه فراشه المنسوج من سعف الحلفاء المشدودة للرباط شدّا قويّا. يسند رأسه إلى بقية وساد قدّ من صوف غنم محبوسة داخل زريبة شبيهة ببناء حلزوني تراكمت إثره أكداس السّدر ذات الأشواك العنيدة. يمدّ يداه ليبعد حجيرات تتطابق أحجامها تكسوها ترسّبات سوداء صنعتها ألسنة اللّهب المغلّفة بخيوط دخان تسرق بعض البياض، يزيحها بكعب رجليه ذات الحراشف وكأنها أخاديد أو هي صورة أرض تفجرت شقوقها بعد يوم مطير كسى تربتها بعد سنين عجاف. تمدّد وعيناه تجول في مكان يألفه يرتّب أشياء صارت عتيقة. ثمّ يغفو وشيء من عينيه يظهر، أو هو خلل يحول دون غلقها، وكذا الشفاه لا تلطم بعضها، لتتسارع النغمات تعجب لها كلّ النوتات. لا ميزان يضبطها ولا آدميّ يقوى على إيقافها. 

تمرّ الساعات الثّقال ينهض إثرها كيان خائر القوى متكاسلا يجرّ النفس جرّا أين يلوح ذاك الجبل، وتحت قدميه حبل، ذات الحبل! فيربط البغل سليل البغل الأول ويجرّه أين المنحدر. يمشي ويضرب الأرض تحته فتُخرج غبارها، ذات الغبار؟ حافي القدمين ليأكل النبات ذو الإبر جزءا من لحمه. ينظر للأعلى فإذ بالسماء تميل إلى الصفرة فتزيد كدر أديم الأرض المتجعّدة. تلوح منها بقايا عجوز أنهك الزمن صورتها. يقف برهة ويأبى البغل أن يتوقف. كيان وبغل! لم يظفر بشبيه الإنسان يحاوره ويجادل حماقته. هو ينظر البغل بدل الجبل حيث منطق البغال يعجز عن فهمه شبيه إنسان.

رحل عن حاضره بخياله الجامح، ورحل أسير إغماء كأنه تناول مخدّرا فلم تعد تسمع له حركة سوى صوت نفس خفيف، لا يتقلّب البتّة ناحية يمين أو شمال. ربما أحسّ بشيء من السّكينة أو قد يكون هو نفسه ذاك الغراب قد آوى إلى عشّه كما أسماه.

لا تبدو عليه ملامح قلقة، ولا تظهر تفاصيلها المستبدّة بالنفس. المغتصبة لكلّ فسحة مرح. يمرّ الزّمن وهو على حاله، يحسّ بيد تغطّيه فيصحو على صورة الشيخ وهو يبتسم، يفزع كأنه ذاك الصّبي الذي تعثّر قدره بالرّجل المهاب ذو الوقار فيقفز حيث الباب. هي ذي شمس المساء تهرب تمتطي البراق يحملها إلى الشطر الآخر من الكون، ليجد نفسه السائر مجدّدا إلى حيث الخلاء ينشد أحداث ليلة أخرى لا يعلم مع من يتقاسمها. يودّع شيخه ويقبّل جبينه ثم ينصرف دون أن يكلمه. يكتفي بابتسامة تبدو لطيفة. 

يتبع 

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • تخاريف    تخاريف الفصل 5

    يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية. هي شاهدة عن كلمات الغزل، وعن كلمات اللّحن الخالد، لحن ورثته الألسن وردّدته قائلة: "أراقص طيفا.ألاحق بين ثنايا المجاز رفيقا لطيفا.فأنحت حرفا.بخفقة قلب وصوت خفيف"وعبارات تتردّد من راغبة متمنّعة فتنشد: "أبقي هناك حيث أنت. دعني أقتات من روحي. دعني أقتات من جسدي. تذبل الوردة على وجنتيك. وتغادر بسمتي مع رفاتي."يفرّ النّصيب فيغنم غير المحب بحسناء سقت شجرتها فأنبتت زهرة. ذبلت الزهرة على يد من قطفها قبل تفتّحها فجنّت وغدت أسيرة ربوة وقرب الربوة صبية، وبيد الصبية عصيّ وقطع قصدير. تضرب العصيّ على قطع القصدير فتحدث صوتا يصدّع المسامع يتخلّلها ترديد كلمات جارحة: "المجنونة آتية بالرياح العاتية.مجنونة تلحق مجنون ونحن إليها سائرون. " تفرّ من شقاوتهم نحو الشجرة لتأمن فتجد روحها جفت ففي أسفلها

  • تخاريف    تخاريف الفصل 4

    يسدل اللّيل ستاره... لم يحدّث جليسه هذه المرّة، فكلاهما مسافر يبحث عن رفقة ضائعة.صارت النّار رمادا. يمزّق قلبها بقايا دخان وقطعتين من الجمر تميلان للانطفاء. كأنّهما عينان أعيتهما الصّحوة الفاقدة للغفوة. نعم تبدو كذلك، يقلّبها فتتوارى ثم تعود لتظهر. تغمض وتفتح. يعيدها فتفعل ما فعلته في صنيعها الأوّل. إنّها تختفي ثم تظهر فيقول محدّثا:-"رفقة خير؟ أم شؤم؟"تهبّ ريح تعرّي بعض الرّماد فتظهر كأنّها تحدّق وتطيل النّظر. قد تكون الإجابة أو حديث لا يفهم.-"أنت صنيعة البشر؟ ففي بصرك شيء لا يفهم، لا أعي إن كنت أحدّث صنيع بشر أم شيطان من مارج من نار يخرج، ومن بين اليابس والأخضر! "تهبّ ريح ثانية تغطّي قطعتي الجمر وتعبر. -"لم يعجبكما كلامي! قد تكونان صنيع بشر، وفيكما سحر يؤثّر، أو طيف ملائكة، كيف لا وبي شيء من الدّفء يبعث في الرّوح فيأسر."تتعرّى إحداهما دون ريح ولم تحرّك رمادها يد بشر!يساوره الشّك فيدير بصره يرقب كلّ ما يحيط به. لا تظهر أيّ علامة تثير الغرابة ولا توجد حركة. سكون يخيّم على المكان. يعود إلى حيث ناره ورماده، يحدّق بتلك القطعة فإذ بنصفها مضيء ونصفها آفل، وقطعة أخرى لا تزال تحت ال

  • تخاريف    تخاريف الفصل 3

    يعبر المنحدر ليجد نفسه وسط الوادي تحيطه شجيرات يانعة ريحها عطرة. تحرّكها نسمات تبدو باردة. لا تؤذي، باردة لا تقسو. ينزع الحذاء ويضرب بخفّيه الرّمال الرّاسبة. يتلذّذ وقعها ودغدغتها، كأنّه يريد أن يجذب الأحداث للوراء قليلا حيث الرّفقة الصغيرة وحيث لحن الطّفولة. اقترب من جرف به استدارة، لا يزال يحتفظ بحجرين ألف الجلوس عليهما صحبة رفيق الصّبا. يأوي إليه حتّى يصل إلى منتهاه ويسلّم ثم يجلس على مقعده القديم. ينظر الحجر المجاور. يرمقه بشدّة، ثمّ ينطق قائلا: -"أتعلم يا صديقي، إنّي أشتاق إلى رفقة الأمس البعيد. إلى عبث الطفولة، وإلى صيحة الثّائر العنيد، أشتاق إلى صحبة شقية تنسيك وقع الحياة الرتيب، وإلى برودة السماء، وزخات مطر في يوم صقيع، وتلطيخ ثوب داخل بركة في واد قريب، أشتاق إلى أتراب بين شجيرات الزيتون يركضون، عن عش طير عن بقايا بيض يبحثون، وبفرحة صيد صغير يفرحون، أشتاق إلى عطلة ربيع، إلى منظر الحقل بين حبات الزّهر الأصفر اللّيمون، وصوت زقزقة في أعلى الصفصاف يكتب لحن الطفل الصغير، ودبيب السّحالي داخل صفّ الصبار تنشد شقاوة جيل. أحن إلى لعب زمان في الحرّ الشّديد إلى ماء صنبور الحيّ العتيق، يس

  • تخاريف    تخاريف الفصل 2

    يطيل النّظر والجلوس، فإذ به يلحظ خيط دخان. رفقة قادمة على عجل علّها تمسح غبار الطّريق، وتذيب جليدا كسى قلبا مكسورا، وتستلّ أشواك الدّرب المحفوف بالمخاطر والمطبّات. إنّه يدنو فيدنو، قد دنا. وقف وتسمّر، وحدّق فأطنب، ومال شدقيه قليلا ثم ضحك، ثمّ تكدّر، ثمّ قهقه، ثمّ نفخ في مزماره المصنوع من القصب، خرجت ترنيمة تؤلم من به صمم. أعاد اللّحن وتوقّف، وحدّق وحدّث: " أعندك قبل رغيف الخبز سجائر؟ دع الخبز وناولني السّجائر".يفتح الحقيبة ويمدّ يده ليخرج العلبة. يناوله فيمسك ويسحب قطعتين واحدة أسفل ناظره أعلى أذنه، وواحدة يلتهمها بين شفتيه، شـــ.... فـــــ...تـــــيه! يشعلها فتنبعث خيوطها الأولى مثل سحابة بيضاء تكتب طلاسم تعرّف بصاحبها، ثم يكفّ. يتناول قصبته وينشد لحنا أشدّ وقعا من الأوّل. يطيل العزف، ثمّ يصمت، ثمّ يتمدّد. يفترش حصى الطّريق، ويضع تحت رأسه وسادا. حجرا أملس. يغلق عينيه وكأنّ به تعب سنين عجاف أكلت منه ربيع العمر وخريفه ويسحب سيجارته مجدّدا، إنّها تحترق بتؤدة. حينها يتمدّد المسافر حيث تلك المنازل دون تذكرة، فيصنع ما صنع جليسه. تمدّد وأغمض الجفون فظّلت عيناه شاخصتين. يهمّ لمحادثته ثمّ

  • تخاريف    تخاريف الفصل 1

    تصديررواية تخاريف هي تعبير عن ذات تحمل في جوفها فكرة مجنونة وخيال جامح، وهواجس مثقلة. فتدكّ داخلها كلّ انتماء للواقع، وتفتكّ من بين قسوة الأيام ذكرى فيها سطور معلومة، وسطور متخفية، وسطور مجهولة. ومن السطور ترتسم الصورة تراوح بين الوضوح والعتمة، فتخال نصفها مرئي ونصف الآخر مستتر، في حين أن الصورة كلّها تختفي في دخيلاء ملكة الذات الهائمة بين حلم ويقظة، ترويها بوتيرة أحداثها فتلتهم بعضها البعض، لتعبث بالشخصيات وكذلك الأمكنة والأزمنة فتتعايش ورحلة المسافر الخرف الباحث عن شبيه إنسان في بقايا أطلال.الشخصية التي رحلت بنا إلى عالم التّخيّلات في هذه الرواية ما هي إلا صورة "الأنا" العنيدة المتمردة عن الواقع وثقله، وهي صورة الآخر المختلف الهارب من الأزمنة في ماضيها وحاضرها، وصورة الضمير الجمعي الشاهد على أحداث انشطار الذوات بين ذهن مشدود إلى منطق الأشياء، وخيال منصرف عن فكرة المنطق لغاية معانقة جمالية التحليق في عالم ما ورائي يخلّص النفس من شوائب الحقيقة وصلفها، ويلحقها بمغامرة لا تعلم بدايتها ولا تتخيل كيف تكون النهاية.شخصية الرواية رمز للرحّالة التي تبحث عن ذاتها، فقد تجعل من الشّوق مطيّة ل

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status