Home / الآخر / تخاريف / تخاريف الفصل 5

Share

تخاريف الفصل 5

last update publish date: 2026-05-22 19:59:06

يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية. هي شاهدة عن كلمات الغزل، وعن كلمات اللّحن الخالد، لحن ورثته الألسن وردّدته قائلة: 

"أراقص طيفا.

ألاحق بين ثنايا المجاز رفيقا لطيفا.

فأنحت حرفا.

بخفقة قلب وصوت خفيف"

وعبارات تتردّد من راغبة متمنّعة فتنشد:

 "أبقي هناك حيث أنت.

 دعني أقتات من روحي. 

دعني أقتات من جسدي.

 تذبل الوردة على وجنتيك.

 وتغادر بسمتي مع رفاتي."

يفرّ النّصيب فيغنم غير المحب بحسناء سقت شجرتها فأنبتت زهرة. ذبلت الزهرة على يد من قطفها قبل تفتّحها فجنّت وغدت أسيرة ربوة وقرب الربوة صبية، وبيد الصبية عصيّ وقطع قصدير. تضرب العصيّ على قطع القصدير فتحدث صوتا يصدّع المسامع يتخلّلها ترديد كلمات جارحة:

 "المجنونة آتية بالرياح العاتية.

مجنونة تلحق مجنون ونحن إليها سائرون. "

 تفرّ من شقاوتهم نحو الشجرة لتأمن فتجد روحها جفت ففي أسفلها رقد نصيبها رقدته الأخيرة.

أخرج روحه قبل أن يؤذن لها، استلّها عمدا قبل أوانها، نطق نصف شهادة، ونصفها الآخر نطق اسم معبودته.

أضحت شجرة.

ماهي بشجرة! هي مزارا للتبريكات. ومحجّا لنفوس اعتقدت إيمانا وتسليما أن الحياة أدارت وجهها بفعل إنسيّ. 

يسرد بعضهم أن ريح العطر تفوح ليلا، وريح الموت تخرج نهارا، وأنّ بها مصابيح لا تدرك منها سوى نورها ليلا وتختفي نهارا. وليلة معلومة تشتمّ ريح وليمة. كلها براهين أنها شجرة مباركة فلا يغرّنّك يبسها الظّاهر فداخلها مزهر ومثمر ورقه أخضر.

كانوا جمعا من الفتية. كثيرا ما يحجّون إليها. شموع ونار وطيب، وماء وطعام.

 هم يوهمون أهاليهم بأن للشّجرة في قلوبهم منازل. فيرخصون لهم بالزيارة. هي ليست زيارة، لقد جعلوها مسرحا لأحداث حاكوها على مهل

ينقسم الجمع إلى فرقتين.

تقول الفرقة الأولى:

- "نحن أبناء النار."

وتقول الثّانية:

 'ونحن أبناء التراب'.... 

تفرّقا.

أبناء التراب في حلقة مستديرة تحت الشجرة ينشدون

 'نحن أبناء التراب، آدم من تراب، أنت غصن ينبت من تحت التراب، أنت بنت التراب. شقيقة أنت، نحن نرجو مباركة فهل لنا بأمنية' 

يقطع أحدهم ذكرهم فيردد:

- "نحن أبناء النّار، فهموا بالفرار"

يردّ الجماعة:

' لا خير فيكم، فأنتم من الأشرار، لا مسكن لكم ونحن أبناء الدار. تفرقوا ما لكم خيار، مباركة هي شقيقة من تراب تحنّ ولا تخون، لأصلها تصون. فإن أمسكتم أمسكت وإن ظلمتم تثور تدك سطوتكم نصرة للمظلوم"

تنشب معركة لا غالب فيها، لتغادر الجماعة حيث بداية جديدة.

تنتهي به الذاكرة حيث الجذع الميّت. يدنو منه ليودّعه. يلمسه ويلتفّ حوله.

- " ليس بيدي شمع ولا طيب، ليس معي رفقة. لا أرى في الخلف دبيب نملة، ولا بالقرب صوت حياة. أعي جيدا أني مثلك قطعة من خشب جفت عروقه، وأن بي سوادا. يلفّني حبل الوصال قد تقطّع منذ زمن منبتي كان هنا، هو بعض من عروقي، غيّرته وزرعت نفسي حيث الخضرة والماء. نشفت عروقي وعطشت أرضي وتشققت فأنبتت جذعا لا يحمل روحا. الفارق بيننا أنك بقيت مكانك وأني بعت، وأنك مباركة، وأني شقي أحمل من الأسقام ما تعجز الشياطين عن حمله. "

يحمل الحقيبة مجددا، الساعة تميل إلى الظهيرة. كأنه ملّ المكان فهو لم يعد يرغب في البقاء. تسكنه رغبة في أن يعيش عمره الحاضر لا أن تغلبه شطحات الطّفولة فيغرق في منازلها. هو يريد أن يصل إلى تلك المنازل حيث بيته القديم، وحيث يرقد الأحبّة تحت تلك الأحجار.

يمشي، يرفض الصمت فيطلق صيحاته، أغنية تعود به إلى حماس الشباب. يردد بعضها، يبدو أنه نسي اللّحن وغفل عن بعض الكلمات فأسقطها فصارت كلماته نشازا ليسكت بعدها خجلا.

إنّه العائد من مكان غريب حيث موطن أشدّ غرابة. يقول:

- "هل مازال في الحي من يعرفني؟ هل سأظفر بصحبة قديمة تتجدّد؟ "

يواصل مشيته فتطلّ عليه أولى المساكن هي على مشارف الحي تليها رحلة لا تبدو يسيرة.

يقترب من كوخ صنع من قشّ وقصب كان يسمّيه قديما عشّ الغراب. كان يجلس داخله شيخ أسماه الغراب. في ذاك الزّمن لا تبدو ملامحه كذلك، طويل القامة ضخم، فيه حمرة زائدة وبه حول، مترف لا يعاني الخصاصة. هو من أثرياء الحي. له مزرعة قريبة مثل قطعة من الجنّة بها من الخيرات ما يكفي الحي والأحياء المجاورة.

 رآه ممدّدا يغطّ في نومه، هكذا بدت له الصورة وهو يستعيد شريط الماضي.

- "أظن أنه لا يزال على قيد الحياة" حدّث فقال.

 صمت وتوقف ثم تملّكه الفضول فسار إلى عش الغراب، كوخ القشّ نظر داخله فذهل حين رأى شيخا ممدّدا. إنّه هرم، طويل القامة به هزال. نحيف تلوح من وجهه حمرة نفس الحمرة، وبه حول، ذات الحول. همّ لسؤاله فقال بعد أن سلّم:

- "هل أنت العمّ فلان".

 أجاب بصوت غائر:

'أسمع بهذا الاسم!! ربما أكون، لا أعلم. '

 يقترب صوبه وينظر إليه مطوّلا ويسأل:

' من تكون؟ '

-"أجيبك بعد قصة أرويها، هل أجلس؟".

'نعم اجلس'، ردّ الشيخ. 

جلس بالقرب منه، كست الدموع عينيه ثم قال:

-"يحكى أن ولدا في عمر الزهور ذات الأشواك، كثير اللّهو لا يملّ مغازلة الشيطان يقلّد مكره. أمسك الحجر بيديه ورصد فريسته ثم صوّب نحوها. لحظتها مرّ الرّجل ذو المشية المتفاخرة قاطعا طريقه مقتحما مرماه فأصابه الحجر في أسفل جبينه أعلى عينه فسقط. همّ يلملم بعضه. استيقظ وشيء من الدّم ينحدر يزيّن لحيته ذات السواد الكثيف الممزوج وسط بياض قليل. يقف برهة ويلوّح بعصاه للصبي ونبرة من الغضب تخرج من حنجرته ذات الحشرجة الخشنة.

 'أيّ فعل منكر أتيته'. 

يردّ الصبي:

- "للفعل الدّنيء سبقتني، قطعت حجري فأخطأت مرماها فطارت الفريسة بعيدا. قد يكفيك هذا امض مسامحا ما دامك قبلت بدور الفريسة". 

 تمتم الشيخ بكلمات هي أشبه بطلاسم صوتية تخرج متتالية من شفاه متدلّية مترهّلة أشبه بتضاريس بقاع مرتفعة حفرها السيل فأحدث فيها نتوءات شتّى. صورة لا تتطابق مع عمره.

تابع الفتى لهوه وعبثه حتى فرغ من أمره وأقفل راجعا بمشية تفقد استقامتها، يتمايل جهة اليمين حتى يكاد الجرف أن يأويه لبرهة، ويعود شمالا حتى تعتقد أنه متعثر حتما، حافي القدمين تعلوها بقايا أتربة تغطي لونها، وفي الأصابع قليل من الزّرقة المائلة للحمرة، وبين الأظافر تخرج إفرازات إصابة لا يعي بفعلها ولا يكترث لشدّة وجعها، يرتدي ثوبا كأنّه زي مقاتل حديث العهد بساحة الحرب، ممزّق، مقطّع إلى أشلاء، متغيّر اللّون باهت السطوع، هو لون المادة الخام التي لا تقبل انصهارا أو تحولا إلى خلطة ألوان براقة خاطفة. لا يهتم فالحياة حسبه قطعة خبز محشوة بقطرة زيت، وشربة ماء من صنبور الحي، وحجر يركله حين يقطع مساره مشرّد لا ينشد غاية ولا يعي من الأحداث سوى لحظتها اللاّهية، ولا يستوعب فكرة المستقبل لأن الحاضر حسبه ساعة صيد أو عراك أو ركض خلف مطاردة لا منتصرا فيها. هو يعي حقيقة لا غير. ذهن لا تشغله ترّهات الكبار، وزمن يتملّكه لا مكان فيه سوى للطّرب، وبطن تقبل حشوا حين تئن معدتها وتعزف على أوتار جوعها. هو المتحرر أبدا والراحل دائما، والواقف برهة يرقب أنين كبير شغل النفس بتراجيديا الحياة الرتيبة.

-"هل تذكرت. " 

'لا أفهم كلامك، من تكون؟'

-"أنا صاحب الحجر، وأنت الفريسة، هل أدركت؟  "

'ماذا أدركت؟ كأنك تهذي' يرد الشيخ. 

يدخل طيف خفيف فيبادره بالسؤال. 

-"أهو العم فلان؟ "

يشير برأسه نعم هو ويغادر.

 يعود إلى الحديث معه.

- "ماذا فعلت بك الدنيا؟ كأنها عبثت ولهت وبعثرت جميع أوراقك؟ 

 لو تحكي لي."

يسترسل الشيخ في الكلام فيردد:

 'في ذاك البيت أناس طيّبون هم لي بمثابة الأبناء، يطعمونني ويلبسونني. لي داخل الدار غرفة غير أني أعشق هذا المكان. بالغرفة صورة لرجل يشبهني، نختلف في الأوزان، أحيانا يصحبوني حيث بستان كثيف الأشجار كثيرة ألوانها، بها مسكن حين أراه أنجذب نحوه في عجل. أحس بدمع العين تفيض دون توقف. أجلس وأصوم عن الكلام طويلا. أشعر بأن ساكنه يبتلعني، يلبسني دون أن أقدر على نزعه. تراودني سجلات أحداث تشبه الرواية ذات الفصول، شخصياتها لا تبدو ظاهرة كأنها أشباح متحرّكة داخل غيمة تحجب اكتمال صورتها، أو هي كوابيس مضنية لا أقوى على طردها. أدخلها فأختار واحدة من غرفها. لا ألتفت سوى إليها، تأسرني فأترجّل نحوها مسلّما. أشمّ ريح عشّاق، وأسمع دوي كلمات تخرج من حلق ناعم، وأصغي إلى صراخ فتية تشابكت أيديهم فأنهرهم، أشعر بدفء الجوّ. كل الأشياء مألوفة، إني أرى جبّارا يمشي متكبّرا، به هيبة وعليه ملامح سيّد. يمسك بعكّاز ليس لحاجة بل ليكتمل مشهد الهيبة. تطالعني وفود كأنها تشتكي، وغيرها تطلب حاجة، وبعضها تسعى لفضّ خصومة. 

أرى فيه سيدا يمتهن كل المهن، هو قاضي الحي، وهو الحاكم المصدّر لفرماناته، كأنه الدّاعية. والخطيب، وهو الطبيب المداوي، وهو المقرض الدّائن، وهو العائل زمن الشدائد. لست أدري كأني أعي من يكون. لكن على يقين أنه صاحب الحي وفتوّته. هم يعلمون من يكون كما يعلمون من أكون؟ 

يسكت قدرا من الزّمن ويقول: 

'من أنت؟ ما العبرة من حكايتك؟ من صاحب الحجر والفريسة؟ 

 ثمّ يمسك عن الكلام مجدّدا وبعد صمت دامت مدّته يتحدّث قائلا:

 'يمكنك النوم إن أردت....'

 يتمدد في صمت يغلق عينيه ويغفو بسرعة تاركا سؤاله دون جواب. يسافر افتراضا، وينظر إلى عش الغراب إن كان قد تغيّر عن سابق عهده به أم حافظ على صورته القديمة، أم تجدّد كما تجدّد ساكنه.

كل شيء تغير من الداخل مرتبا بعناية، وبداخله فضول غريب أبى أن يغادره. 

-"أرغب في مزيد من التفاصيل فهذا الكيان كان خارقا، أي خرف أصابه؟ وما صنعت له تلك الثروة؟ إنه يجلس وحيدا في كوخ لا يدرك هويته ولا يعي من زمنه سوى شذرات ضئيلة من الأحداث العابرة. "

 سبق الأحداث وبحث عن نفسه، تحدّث فقال سرّا: 

- "أنا المسافر في زمن لم تحن ساعته بعد. تسكنني رغبة في أن أشرد بخيالي لأشاهد كياني عند العجز والكبر. إنّي أرى درويشا يتماي، يرتدي بقايا ألبسة بالية، يضع خلف ظهره كيسا محشوّا بأشياء جمعها من قمامة الحي، وبيده قرن كبش مثقوب الجانبين كثيرا ما ينفخ فيه فيخرج صوت عواء أو صياح. 

غزير شعر اللّحية، أقرع شعر الرأس، يهب لنفسه كل يوم رحلة، سعي بين قمّة الجبل، ومنحدر الوادي. رحلة الشّك واليقين. يعود وبداخله عبد منهك العزم شديد المكوث، مشدود إلى ركن قصيّ أنبت حبات سنابل شهدت على قدومه ونشأته، هو سليل إنسان، أو قطعة من شبيه إنسان. حين يتمدّد يضجر منه فراشه المنسوج من سعف الحلفاء المشدودة للرباط شدّا قويّا. يسند رأسه إلى بقية وساد قدّ من صوف غنم محبوسة داخل زريبة شبيهة ببناء حلزوني تراكمت إثره أكداس السّدر ذات الأشواك العنيدة. يمدّ يداه ليبعد حجيرات تتطابق أحجامها تكسوها ترسّبات سوداء صنعتها ألسنة اللّهب المغلّفة بخيوط دخان تسرق بعض البياض، يزيحها بكعب رجليه ذات الحراشف وكأنها أخاديد أو هي صورة أرض تفجرت شقوقها بعد يوم مطير كسى تربتها بعد سنين عجاف. تمدّد وعيناه تجول في مكان يألفه يرتّب أشياء صارت عتيقة. ثمّ يغفو وشيء من عينيه يظهر، أو هو خلل يحول دون غلقها، وكذا الشفاه لا تلطم بعضها، لتتسارع النغمات تعجب لها كلّ النوتات. لا ميزان يضبطها ولا آدميّ يقوى على إيقافها. 

تمرّ الساعات الثّقال ينهض إثرها كيان خائر القوى متكاسلا يجرّ النفس جرّا أين يلوح ذاك الجبل، وتحت قدميه حبل، ذات الحبل! فيربط البغل سليل البغل الأول ويجرّه أين المنحدر. يمشي ويضرب الأرض تحته فتُخرج غبارها، ذات الغبار؟ حافي القدمين ليأكل النبات ذو الإبر جزءا من لحمه. ينظر للأعلى فإذ بالسماء تميل إلى الصفرة فتزيد كدر أديم الأرض المتجعّدة. تلوح منها بقايا عجوز أنهك الزمن صورتها. يقف برهة ويأبى البغل أن يتوقف. كيان وبغل! لم يظفر بشبيه الإنسان يحاوره ويجادل حماقته. هو ينظر البغل بدل الجبل حيث منطق البغال يعجز عن فهمه شبيه إنسان.

رحل عن حاضره بخياله الجامح، ورحل أسير إغماء كأنه تناول مخدّرا فلم تعد تسمع له حركة سوى صوت نفس خفيف، لا يتقلّب البتّة ناحية يمين أو شمال. ربما أحسّ بشيء من السّكينة أو قد يكون هو نفسه ذاك الغراب قد آوى إلى عشّه كما أسماه.

لا تبدو عليه ملامح قلقة، ولا تظهر تفاصيلها المستبدّة بالنفس. المغتصبة لكلّ فسحة مرح. يمرّ الزّمن وهو على حاله، يحسّ بيد تغطّيه فيصحو على صورة الشيخ وهو يبتسم، يفزع كأنه ذاك الصّبي الذي تعثّر قدره بالرّجل المهاب ذو الوقار فيقفز حيث الباب. هي ذي شمس المساء تهرب تمتطي البراق يحملها إلى الشطر الآخر من الكون، ليجد نفسه السائر مجدّدا إلى حيث الخلاء ينشد أحداث ليلة أخرى لا يعلم مع من يتقاسمها. يودّع شيخه ويقبّل جبينه ثم ينصرف دون أن يكلمه. يكتفي بابتسامة تبدو لطيفة. 

يتبع 

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تخاريف    تخاريف الفصل 22

    يدنو بعضهم... لا يكلّمني منهم أحد... طرحوني أرضا، ومدّدوني، وقوّمي اعوجاجي... ثم تدنو مني بعض النسوة تحمل كل منهنّ لحافا... لا تسمع لهم كلمة تعي بها مقصدا.... وبعدها حملوني وساروا في جوف اللّيل وعيني شاخصة أرقب حركة مسيرهم ووجهتهم... طابور يسير خلف حاملي جسدي، لا أحد يردّد قولا، ولا يخطئ صغيرهم فتصغي إلى قول مسروق، ولا ترى إشارة... لا بكاء أو تحصّرا وألما.... ولا شفقة.... ولا تذمّرا... ولا ابتسامة بريئة أو ساخرة أو ماكرة... لا دمعة تسيل... يختفي الإنشاد والذّكر وتحجب التعويذات... ويقبر حوار شبيه الإنسان بالسراب والأطياف والخيالات والجماد والحيوان.... مشيتهم منظّمة، لكنها ثقيلة...يلحق بهم صاحبي المجنون فيأخذ مكانه، نقلت نظري إليه أترقب جنونه... انتظرت أن يطلب سيجارة أو رغيف خبز أو يردّد أن لبّيك قادم...إنه لا ينطق... إن حاله أفضل... يواصل الحشد حملي... أطلق بصري للوراء فإذ بالكلب الأبيض يلحق من الخلف ومعه معشر الدود وكبيرهم... وعصا لا تبدو يابسة كآخر عهدي بها تسير محاذاتهم، وخيالات تحاذي أشجارا قرب المسلك تتراقص كعادتها.... وقطع متزاوجة بين بياض وسواد تفيض على المكان فتضيء بعضه وتزيد

  • تخاريف    تخاريف الفصل 21

    -"وهل توقفوا؟ "_'لا بل زادوا... أخبروني أن الدّماء داخلي سائلة مميّعة، وأن تجمّدها سيريح وجعي، فوضعوني داخل مخزن تبريد به ثلج كثيف... أخرجوني مثل قطعة جليد، وأخبروني أن الماء السّاخن يريح علّتي ويعدل حالي، ففعلوا حتى اصطلى جسدي... ثم خرجت من عندهم إلى داري ...'-"وهل صرت على منهج غير ما تعلّمته؟ "_'قلّبت نظريتي غربيّها وشرقيّها، فوجدت الإنسان كيانا كادحا، يكافح لغاية مبدؤها ثروة وعدالة... '-"وكيف يحققها...؟"_'بثورة على الحاكم والكفر بمنهجه... '-"هي نفس الفكرة الأولى هل زاروك ثانية؟ ... "يطيل النظر إلى الفتى ويقول... _'نمت في زنازينهم ليالي، وأطعموني ماء مغلي ممزوجا بشيء مسموم، ورغيفا يابسا أو قل حجرا من سجّيل... وغطوني بلحاف من أشواك وعيون... ورأيت كرمهم حين تصافحني يد سجّان محكوم بنار حقد على كل مخالف بالعدل مسكون... ويلقي بي حيث سراديب بها عقارب وسموم تأكل من نصيبها علّي ألاقي سميعا عليما... ''أتعلم أنهم أعدموا أبنائي؟ '-"أي قسوة تلفّهم؟ كم أعمارهم؟ "_'منهم ابن البارحة، ومنهم من يبلغ المائتين أو تزيد ...'-"ماذا تقصد؟ "_'هي كتبي أعدموها، وجهل حارقها أنها محفورة في هذا الر

  • تخاريف    تخاريف الفصل 20

    عاقل من ينعتك مجنون... فيصيب حزنك وشجونك...ويجبرك أن تختار بين جنونك...أو قطع رزق من يطعمونك"...ثم ينظر إلى تلك المصابيح فيحدّثه شيطانه أن يجمعها حيث ركن ويغطّيها فتذهب تلك الأجسام صاغرة يلفّها غطاء لا تبرق ولا ترقص فيه ولا تنشد... فيفعل ويغادر ضاحكا نحو غايته...***انشطر روح الحي نصفين... عتيق وجديد... بيوت بدأت تطلّ بجدرانها القديمة... تنسج خيوط الماضي بدقّة... إنها قصص منسيّة تعاند الأزمنة...تتدفّق فيه صورة نسيها وانسابت خواطره تتدافع... تفرّ من سكونها إلى حركتها...إنها ليست بالبيوت... إنها حياة... إنها أرواح وذوات بها عيون ووجوه وشفاه... إنها تنطق وتسمع... تكتم سرّا وتفصح حين السؤال وتريح عند الكدر... بيوت تداوي العلل وتشفي وتحيي...يعبر أزقتها... أي خراب قد أصابها؟ من شقّ جوفها؟ ...هذا بيت الطّيبة، وذاك منزل المؤذّن، وهناك بيت العلاّمة... وفي آخر الزقاق الأم الكبيرة... وفي الوسط بيت القائد هكذا كانت ألقابهم ...يقف عند بيت القائد ... بيت متواضع لدارس علم ومعرفة ومثقّف لا تملّ محاورته... يطرق فكرة فيسرد معناها، ويشرح جوهرها، ويعطي بديلها، ويستدلّ بحججه فتقنع... ثم يواصل فيبس

  • تخاريف    تخاريف الفصل 19

    نلفّه بقبس ... ونخيطه دسائس... نلبسه وجه عابس... فلا تجزع إن أسرف... بضربك أو نهرك ... أو طردك من مجلس... أو قهرك عند المحن... أو دفعك بقسوة ... والشك فيه قابع ... يصفك بفاجر ..." تهفت قليلا وبه شكّ يحدّثه أن الإنشاد لحلقة ذكر هناك عند الحي وأنّ صداها يسمع.... تتدافع الأصوات كتدافع لعبة الأبيض والأسود المعلّقة أعلى قبر شيخ الكرامات فتقول محدثة بعضها... _'أتراه؟' 'لا هو في الجوار... ' _'اتسمع صوته؟ ' 'لا إنه أخرس... أو سكت كي لا يفتضح أمره ' يحدث نفسه سرا... -"إنها قطع من نور وظلمة وإنها ضريرة " يتواصل الحوار... _'أبه رائحة؟ ' 'أجل به، وإني عائد إلى حيث الكفن، لأسأل خالقي يدلني فالعطور تتشابه.... ' _'اذهب، ونحن هاهنا باقون وإن له لممسكين ' في سرّه مجددا... -"لقد اقلعت عن العطور مذ شددت الرحال إلى تلك المنازل.... هذه واحدة أغنمها بعد مشقّة... " تواصل تلك المصابيح رقصاتها وتواصل قطع السواد مناجاة رديفتها.... ليأتي مبعوثه حيث الكفن... _'نعم إن به رائحة... ' 'وكيف تكون؟ ' _'ليست عطرا... ولا مسكا ولا عود ندّ.... إن به عرقا' 'كيف يبدو؟ ' _'لم يفسد' 'وم

  • تخاريف    تخاريف الفصل 18

    فعل فعلته، ومرّر عليها كبريته لتشتعل، فيسحب دخانها الكثيف متسلّلا إلى رئتيه فيطرب عقله.... يعيدها متواترة ... ينظّف ويلفّ، ويشعل ويسحب دخانها... ثم يكتفي... لقد صار أفضل... يواصل سيره بعد فسحة صغيرة، ويرقب صامتا تلك المسالك... إنه يطلب راحة... ليس التّعب بل شعور غريب بشيء تسلّل إلى أعماقه يقضمه.... يلوح في الجوار جدار قديم بزاويتين، تقدّم وآوى إلى ظلّه ينشد دواء... يتّكئ... ثم يتمدّد... به ثقل وارتعاش... يعاوده ألم الرأس، وفي عينيه دمع ساخن يخرج منسابا... أصابه تعرّقا زاده في ارتعاشه، فأخذ يطقطق أسنانه دون توقف.... يغفو أو ربما يكون قد أغمي عليه، فدنت منه غيبوبة لا يعرف مداها... إنه محموم من ليلة صقيع ممطرة... لا يد آدميّ تعالجه، ولا جار أو عابر سبيل يعثر على جثّته إن أخذته يد المنيّة غيلة.... يئنّ طويلا، ويخلد إلى كوابيسه اللّعينة وأضغاث أحلامه.... تمرّ أمامه أحداث متلاطمة تعيد شريطا من الحكايا إلى الوراء... يرى منها طيفا... وأحيانا يسمع كلمة، أو إشارة متكلّم ... يقف به حلمه الممزوج بالحمى عند ليل كسيح ... لا رغبة له في الأحلام.... فنفسه متثاقلة عزوف، وبعضه يأكل بعضه بلا شفقة،

  • تخاريف    تخاريف الفصل 17

    -"بسطوة النار، وحكم لهيبها، وبحق الحقيقة، وصوت الحقيقة، لأجعل منك قصّة إنسان بدل شبيه إنسان...."تغرق نظراته في التحديق بالعاشقين.... إن بعينيه بريق تتدفّق منه نارا حامية، وإن بلسانه كلام يثقله شربه، وإن به حركة معطّلة يتربّص بها صائد ملذّة....تسري في هشيم وحطب، فتزيد توهّجا، تحرّكها ريح شرقية تأذن بليلة ملائكية.... تتراقص ألسنتها فتحرّك الأطياف الجاثمة القابعة على مقربة منه...فينطق مقاله ...- "لقد بدأت في الاحتفال... مرحى برفقة تؤنس جمودي... إني لا أبالي بقول شيخ يدّعي أنه حكيم... لن أقلع عن حديث الإنس والجن، وخلائق الأكوان صلبها ورخوها، فإني مثلهم جسد ينشد طرب النفس، فأكون ظالما إن تركت... لن أترك أمرا كنت له طالبا ولو صرت بدل المجنون ألف مجنون...""لن يعاتبني قريني، فإنّ به رغبة تسرق بعض من روحه... وتزرع نطفتها في غير ذي أديم، فتنبت بغير ذي جبلّة..."يستقيم ويبسط يداه مثل منشد... يطلق كلمات تدعو صحبه أن ...-"اجتمعوا... فلي قول إن حفظتموه سلمتم، وإن أدركتموه وتدبّرتم معانيه ملكتم أرواحكم وآمنتم قسمتها بين لصّ وحاقد وحاسد وظالم وواعظ ومرشد وصادق... وإن أنتم ردّدتم قولها في ليلكم ت

  • تخاريف    تخاريف الفصل 9

    رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 8

    يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أق

  • تخاريف    تخاريف الفصل 7

    'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه ا

  • تخاريف    الفصل 6

    يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status