Home / الآخر / تخاريف / تخاريف الفصل 4

Share

تخاريف الفصل 4

last update publish date: 2026-05-22 19:56:20

يسدل اللّيل ستاره... لم يحدّث جليسه هذه المرّة، فكلاهما مسافر يبحث عن رفقة ضائعة.

صارت النّار رمادا. يمزّق قلبها بقايا دخان وقطعتين من الجمر تميلان للانطفاء. كأنّهما عينان أعيتهما الصّحوة الفاقدة للغفوة. نعم تبدو كذلك، يقلّبها فتتوارى ثم تعود لتظهر. تغمض وتفتح. يعيدها فتفعل ما فعلته في صنيعها الأوّل. إنّها تختفي ثم تظهر فيقول محدّثا:

-"رفقة خير؟ أم شؤم؟"

تهبّ ريح تعرّي بعض الرّماد فتظهر كأنّها تحدّق وتطيل النّظر. قد تكون الإجابة أو حديث لا يفهم.

-"أنت صنيعة البشر؟ ففي بصرك شيء لا يفهم، لا أعي إن كنت أحدّث صنيع بشر أم شيطان من مارج من نار يخرج، ومن بين اليابس والأخضر! "

تهبّ ريح ثانية تغطّي قطعتي الجمر وتعبر. 

-"لم يعجبكما كلامي! قد تكونان صنيع بشر، وفيكما سحر يؤثّر، أو طيف ملائكة، كيف لا وبي شيء من الدّفء يبعث في الرّوح فيأسر."

تتعرّى إحداهما دون ريح ولم تحرّك رمادها يد بشر!

يساوره الشّك فيدير بصره يرقب كلّ ما يحيط به. لا تظهر أيّ علامة تثير الغرابة ولا توجد حركة. سكون يخيّم على المكان. 

 يعود إلى حيث ناره ورماده، يحدّق بتلك القطعة فإذ بنصفها مضيء ونصفها آفل، وقطعة أخرى لا تزال تحت الرّماد تتوارى.... 

يحدّث فيقول:

-"أرى فيك نورا، وأرى في الأخرى سوادا، أفي الأمر سرّ؟" 

يقوى سطوعها وكأنّ بها حطبا يلتهم بعضه، أو وقودا يغذّي اشتعالها فتبعث شرارا. 

-"ما سرّ توهّجك؟ توقّدك؟ أأنت الجانب الرّحيم في القصّة؟"

نسمة خفيفة ترمي بشيء من الرّماد يتسلّل إلى عينيه فيصيبهما. يغمض عينيه ويتذمّر. 

تسيل دموعه ممزوجة ببقايا رماد بات أشبه بكحل العين تذرفه حسناء تزيّنت غصبا.

يقول:

-" أهي غيرة؟ أيخالني بك أتغزّل؟ "

يتناول عصاه ويمرّرها يقلّب كومة الرّماد يبحث عن تلك السّاحرة المستترة. يخرج باطنه فإذ بقطعة حطب سوداء بحجم الحجر لا روح فيها. يأخذها على راحتيه ويقرّبها حيث بصره الآخذ في الفرار. 

-"إنها قطعة حطب. " 

ثمّ ينظر إلى باقيها فيجدها أصغر حجما، تتآكل بسرعة تدفع ضريبة توهّجها وشقاوتها. 

-"إنها تشبهني. لا تبدو غريبة، هي متحرّكة لا تركن للسّكون. تسكنها رغبة في أن تكون رقما ظاهرا فاعلا. بها قوّة جاذبة لا تترك من يستقرّ. مستفزّة حدّ الغضب. مثيرة حدّ الوقوع في الخطإ. تسطّر دربا يبدو مضلّلا. الكلّ يحذّر منها دون مبالاة، فما أروع الضّياع في دروب غير ذي درب بحثا عن مغامرة أخرى وعن فسحة بديلة" 

ينتهي بريقها فتلحق بقطعة الحطب المدوّرة المحدّبة المقعّرة المليئة بالنتوءات. الفارق بينهما أنّها أكثر هزالا لأنّها كانت أكثر توقّدا وأشرس حين تطلق شرارها. احترقت لأجل حزمة الحطب في جمعها، وأكملت حين باتت وحيدة تسحب ذخيرتها من باطنها... 

-"غادرتني مجدّدا أرواح ظننتها مرسلة، فما كانت سوى عبرة، صورة تشبهني حيث أنا. "

صارت النّار رمادا، ولا زال الكلب ممدّدا يخفي رأسه بين قوائمه. مغمض العينين مطمئنّ النّفس، به سكينة. وهناك حيث الحقيبة شقيّ مسافر يغطّي جسده المنهك، ورمش العين مثقل، أشبه بمخمور لا يطلب سوى ساعة يخلد فيها للنّوم.

خلت ذاكرته وهجعت، واستكان ذهنه يستريح من سجلّاته المعقّدة. لم تعد مقلتاه محدّقتين. غلبه النّعاس فسلّم واستسلم وأمن المكان والرّفقة...

تتلوّن الأجواء، فإذا بالسواد أضحى خفيفا تمتزج فيه جزيئات ضوئية وأطياف لونية يغلب عليها القاتم المائل للانحلال من شدّة نقائه، ويتحرّك المكان بسيمفونية تتعدد إيقاعاتها. إنه صوت الأذان يعلن عن بدء الرحلة. تتقطّع نبرة العم العجوز حين يعلو صوته المتعب. كثر صياح الديكة ونباح الكلاب، وصوت أغنام تهمّ للخروج قبل إشراقة الشمس.

 يستفيق وفيه رغبة في المزيد، يتلوّى ويتثاءب. ثم يجمع ساقيه صوب وجهه فيتقلّص بعد تمدد. يجمع شتاته ويجاهد النّفس كي يستقيم. ينظر إلى متاعه يتفقّده، ويصوّب بصره أين ترك أنيس ليلته فيجده قد برح مكانه بحثا عن نصيب يدركه. يفتح زاده ويخرج رغيفا من الخبز وحبات زيتون اقتناه من متجر عند بداية مسيره، وفتح قنّينة الماء ليمرّر قطرات على وجهه. يكتفي بقليل منها. يأكل مكرها بعض الفتات ثم يجمع أمتعته ويواصل سيره.

يخلّف وراء ظهره ليلة باردة، ورفقة لا يعي بعد إن كانت طيبة أم ثقيلة على النفس. لا يدرك سوى ومضات تداخلت أحداثها.

مشى يطوي مسارات الوادي ويتبع التواءاتها الكثيرة. لم يحدّق لتلك الأجسام التي تسكنه. تبدو النّفس عزوفا، أو تخشى النّظر فهي لم تعد أجساما عادية. هي شخصيات تلبس هوية غيرها. 

تعطّلت إشارات الزمن لديه، وظلّ يغيّر مساراته مثل مخمور ينطح جدران حيّه.

يرفع رأسه ليرى كم ظلّ من طريقه فيلمح في حاشية الوادي بقايا بيت أكل السّيل أركانها فعلقت على شفى مرتفع يجاوره منحدر يصوّر للمبصر أنها تتهاوى. يكفي أن تدفع بقية جدرانها، هو يعلمها جيّدا. رحل أهلها وهو لم يبلغ الحلم بعد، كان يرتادها صحبة أترابه كل قيلولة. 

أسرع الخطى نحوها. أيّ لهفة تبدو عليه، وأيّ حنين سكنه فشغله، أيعتقد أن أترابه داخله؟ أو يبحث مجددا عن ذكرى ضائعة؟

يصل المكان فيدخل الدّار دون استئذان، دون أن يدقّ الباب. أي باب؟ أي جدار؟ هي شاهد عن ركام. جدرانه تحمل كتابة وبعض الرسوم، في زواياها بقايا رماد وبقايا نيران، نصف سقف خشبي يعاند ويصمد.

يتسمّر برهة، ثم يدخل ويميل حيث الزّاوية اليسرى أين ألف الجلوس، فتخيّل نفسه ذاك الطّفل الصّغير المتسلّل أثناء سكينة الحي. يصيح صيحته المعتادة ليعلم رفاقه أن وقت الشقاوة قد آن، فتفرّ من بيوتها مثل أسراب الطيور البرّية. تبدأ اللّعبة، علم كلّ دوره، نصوصا مرتجلة من وحي اللّحظة. يغرق في سرد وقائعها وكأنّها تتردّد مثل صدى صوت علق بين جبلين...

تشرد كلماته وتنساب فيحدّث قائلا:

- "أهلا بكم، سرّني مقدمكم"، ما حاجتكم؟ أبسطوا شكواكم."

"نحن قوم من مكان بعيد جئناك طالبي ودّ أصحابك ممّن هم تحت الأرض السابعة."

يتمتم، يئن ويتأوّه ويسحب قبسا من نار أشعلها لتوّه، يدسّ فيه قطعة طيب سرقها من متاع أمه فتخرج ألسنة دخان طيّبة ويقول:

- "أعجبهم قولكم وباركوا مقدمكم، فهل لا ذبحتم ذبيحتكم حتى نتبرّك"

يمسك أحدهم بقطعة من خشب ويمرر عليها إصبعه في حركة توهم بالشّروع في النحر، ويبسمل ثم يبتعد.

تعلو صيحة الشيخ، ذاك الصبيّ الشقيّ المسكون بروح الشيخ ويقول:

-"همممممم... همممم"، سمعت سمعت، وبك تباركت، وعليك عقدت العزم. تفتح كل عقد، وتزيل كل هم، وتكسر كل كرب. "

-"همممممم... همممممم" أمسكته فتألمت، ضربني فشتمت، فزدت في شده فأصبت منه، وضربته في مقتل، ضربته في مقتل."

ينتفض ويقف، ويرقص متخمرا ويروح ويجيء والرّأس يدور أعلى وأسفل. 

يواصل قوله:

-"هممممم"...أضرب دفّك، أضرب. مرر يديك أسفل رأس الذبيحة وأغمس يديك وردد. "

يفعل أكبرهم ما طلبه الشّيخ الصبي ويردد وراءه.

- "نحن هناك، لسنا أشرارا، مسكننا قشا، وعطائنا مدرارا. فأطلب تعطى من خير الدار، أطلب تعطى من فيض الدار."

-"اضرب دفّك واتبعني. "

"اضرب دفّك واتبعني. "

-"اضرب أرضك لا ترأف. "

"اضرب ارضك لا ترأف. "

-"فإن أوجعته سيفرّ."

" فإن أوجعته سيفر. "

-" فاضرب اضربه ولا ترأف. "

" اضرب اضربه ولا ترأف."

-"لا ترأف."

يتوقف ويدنو إلى قدر يحركه ويشير بيده إلى الذبيحة. يضعها داخلها ويحرك، يتمتم بكلمات لا تفهم.

-"ناروش... قاروش.... سللول.... قطمير... قمطير... سمطير... "

يتوقّف ثمّ يواصل والعين تنظر أعلى السّقف.

- "هطوش... جليش... اروش... باروش.... صهيب... شهيب... دبيب..." 

يتمتم ويسبّح ثم يقول:

-"هممممم هممممم" معلوم، معلوم، سمعناك معلوم، أطعنا معلوم، سر مكفون وكلام مدفون، في قلب ناروش، وفي كبد حوت. وفي عقل جليش، ولسان أخرس وأذن أصم، تحدث صنم، صوت الأبكم لا يتكلم. لا يخبر صهيبا، ولا دبيبا ولا شهيبا. لا يتكلّم. صمّ أذنيه، وصان لسانه، وكظم غيظه، وكفر إن أفصح، وكفر إن أفصح."

يستفيق من تخمّره، يصمت ويشير إلى الجمع كي يقعد، يعقد حاجبيه، ويفتح عينيه بشدّة ويحدّث:

-"خلف البيت زريبة"

أحدهم يومئ برأسه' نعم'...

-"خلف الزّريبة شجرة لا هي كبيرة ولا هي صغيرة،"

'نعم'

-"احرق اسفلها تستل عللها"...

يجيب أصغرهم 'أفعل'

-"في الزّريبة كبش أسود أقرن"

'نعم'

-"به شامة شهباء"

'نعم' يجيب أوسطهم

-"حين ينبش الأرض يوجعها، وحين يضرب الوتد يوقعه"

'يبدو كذلك'

-"اذبحه واسلخ جلده، ثم ضع جلده أعلى الشجرة"

'وباقي الذبيحة؟' 

-"اجلبها حيث السّادة في الأسفل" 

تعلو الأصوات تنادي من هنا وهناك فيفرّ الصبية كلّ إلى داره تاركين وراءهم لعبة لم تنته.

يتبع 

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تخاريف    تخاريف الفصل 22

    يدنو بعضهم... لا يكلّمني منهم أحد... طرحوني أرضا، ومدّدوني، وقوّمي اعوجاجي... ثم تدنو مني بعض النسوة تحمل كل منهنّ لحافا... لا تسمع لهم كلمة تعي بها مقصدا.... وبعدها حملوني وساروا في جوف اللّيل وعيني شاخصة أرقب حركة مسيرهم ووجهتهم... طابور يسير خلف حاملي جسدي، لا أحد يردّد قولا، ولا يخطئ صغيرهم فتصغي إلى قول مسروق، ولا ترى إشارة... لا بكاء أو تحصّرا وألما.... ولا شفقة.... ولا تذمّرا... ولا ابتسامة بريئة أو ساخرة أو ماكرة... لا دمعة تسيل... يختفي الإنشاد والذّكر وتحجب التعويذات... ويقبر حوار شبيه الإنسان بالسراب والأطياف والخيالات والجماد والحيوان.... مشيتهم منظّمة، لكنها ثقيلة...يلحق بهم صاحبي المجنون فيأخذ مكانه، نقلت نظري إليه أترقب جنونه... انتظرت أن يطلب سيجارة أو رغيف خبز أو يردّد أن لبّيك قادم...إنه لا ينطق... إن حاله أفضل... يواصل الحشد حملي... أطلق بصري للوراء فإذ بالكلب الأبيض يلحق من الخلف ومعه معشر الدود وكبيرهم... وعصا لا تبدو يابسة كآخر عهدي بها تسير محاذاتهم، وخيالات تحاذي أشجارا قرب المسلك تتراقص كعادتها.... وقطع متزاوجة بين بياض وسواد تفيض على المكان فتضيء بعضه وتزيد

  • تخاريف    تخاريف الفصل 21

    -"وهل توقفوا؟ "_'لا بل زادوا... أخبروني أن الدّماء داخلي سائلة مميّعة، وأن تجمّدها سيريح وجعي، فوضعوني داخل مخزن تبريد به ثلج كثيف... أخرجوني مثل قطعة جليد، وأخبروني أن الماء السّاخن يريح علّتي ويعدل حالي، ففعلوا حتى اصطلى جسدي... ثم خرجت من عندهم إلى داري ...'-"وهل صرت على منهج غير ما تعلّمته؟ "_'قلّبت نظريتي غربيّها وشرقيّها، فوجدت الإنسان كيانا كادحا، يكافح لغاية مبدؤها ثروة وعدالة... '-"وكيف يحققها...؟"_'بثورة على الحاكم والكفر بمنهجه... '-"هي نفس الفكرة الأولى هل زاروك ثانية؟ ... "يطيل النظر إلى الفتى ويقول... _'نمت في زنازينهم ليالي، وأطعموني ماء مغلي ممزوجا بشيء مسموم، ورغيفا يابسا أو قل حجرا من سجّيل... وغطوني بلحاف من أشواك وعيون... ورأيت كرمهم حين تصافحني يد سجّان محكوم بنار حقد على كل مخالف بالعدل مسكون... ويلقي بي حيث سراديب بها عقارب وسموم تأكل من نصيبها علّي ألاقي سميعا عليما... ''أتعلم أنهم أعدموا أبنائي؟ '-"أي قسوة تلفّهم؟ كم أعمارهم؟ "_'منهم ابن البارحة، ومنهم من يبلغ المائتين أو تزيد ...'-"ماذا تقصد؟ "_'هي كتبي أعدموها، وجهل حارقها أنها محفورة في هذا الر

  • تخاريف    تخاريف الفصل 20

    عاقل من ينعتك مجنون... فيصيب حزنك وشجونك...ويجبرك أن تختار بين جنونك...أو قطع رزق من يطعمونك"...ثم ينظر إلى تلك المصابيح فيحدّثه شيطانه أن يجمعها حيث ركن ويغطّيها فتذهب تلك الأجسام صاغرة يلفّها غطاء لا تبرق ولا ترقص فيه ولا تنشد... فيفعل ويغادر ضاحكا نحو غايته...***انشطر روح الحي نصفين... عتيق وجديد... بيوت بدأت تطلّ بجدرانها القديمة... تنسج خيوط الماضي بدقّة... إنها قصص منسيّة تعاند الأزمنة...تتدفّق فيه صورة نسيها وانسابت خواطره تتدافع... تفرّ من سكونها إلى حركتها...إنها ليست بالبيوت... إنها حياة... إنها أرواح وذوات بها عيون ووجوه وشفاه... إنها تنطق وتسمع... تكتم سرّا وتفصح حين السؤال وتريح عند الكدر... بيوت تداوي العلل وتشفي وتحيي...يعبر أزقتها... أي خراب قد أصابها؟ من شقّ جوفها؟ ...هذا بيت الطّيبة، وذاك منزل المؤذّن، وهناك بيت العلاّمة... وفي آخر الزقاق الأم الكبيرة... وفي الوسط بيت القائد هكذا كانت ألقابهم ...يقف عند بيت القائد ... بيت متواضع لدارس علم ومعرفة ومثقّف لا تملّ محاورته... يطرق فكرة فيسرد معناها، ويشرح جوهرها، ويعطي بديلها، ويستدلّ بحججه فتقنع... ثم يواصل فيبس

  • تخاريف    تخاريف الفصل 19

    نلفّه بقبس ... ونخيطه دسائس... نلبسه وجه عابس... فلا تجزع إن أسرف... بضربك أو نهرك ... أو طردك من مجلس... أو قهرك عند المحن... أو دفعك بقسوة ... والشك فيه قابع ... يصفك بفاجر ..." تهفت قليلا وبه شكّ يحدّثه أن الإنشاد لحلقة ذكر هناك عند الحي وأنّ صداها يسمع.... تتدافع الأصوات كتدافع لعبة الأبيض والأسود المعلّقة أعلى قبر شيخ الكرامات فتقول محدثة بعضها... _'أتراه؟' 'لا هو في الجوار... ' _'اتسمع صوته؟ ' 'لا إنه أخرس... أو سكت كي لا يفتضح أمره ' يحدث نفسه سرا... -"إنها قطع من نور وظلمة وإنها ضريرة " يتواصل الحوار... _'أبه رائحة؟ ' 'أجل به، وإني عائد إلى حيث الكفن، لأسأل خالقي يدلني فالعطور تتشابه.... ' _'اذهب، ونحن هاهنا باقون وإن له لممسكين ' في سرّه مجددا... -"لقد اقلعت عن العطور مذ شددت الرحال إلى تلك المنازل.... هذه واحدة أغنمها بعد مشقّة... " تواصل تلك المصابيح رقصاتها وتواصل قطع السواد مناجاة رديفتها.... ليأتي مبعوثه حيث الكفن... _'نعم إن به رائحة... ' 'وكيف تكون؟ ' _'ليست عطرا... ولا مسكا ولا عود ندّ.... إن به عرقا' 'كيف يبدو؟ ' _'لم يفسد' 'وم

  • تخاريف    تخاريف الفصل 18

    فعل فعلته، ومرّر عليها كبريته لتشتعل، فيسحب دخانها الكثيف متسلّلا إلى رئتيه فيطرب عقله.... يعيدها متواترة ... ينظّف ويلفّ، ويشعل ويسحب دخانها... ثم يكتفي... لقد صار أفضل... يواصل سيره بعد فسحة صغيرة، ويرقب صامتا تلك المسالك... إنه يطلب راحة... ليس التّعب بل شعور غريب بشيء تسلّل إلى أعماقه يقضمه.... يلوح في الجوار جدار قديم بزاويتين، تقدّم وآوى إلى ظلّه ينشد دواء... يتّكئ... ثم يتمدّد... به ثقل وارتعاش... يعاوده ألم الرأس، وفي عينيه دمع ساخن يخرج منسابا... أصابه تعرّقا زاده في ارتعاشه، فأخذ يطقطق أسنانه دون توقف.... يغفو أو ربما يكون قد أغمي عليه، فدنت منه غيبوبة لا يعرف مداها... إنه محموم من ليلة صقيع ممطرة... لا يد آدميّ تعالجه، ولا جار أو عابر سبيل يعثر على جثّته إن أخذته يد المنيّة غيلة.... يئنّ طويلا، ويخلد إلى كوابيسه اللّعينة وأضغاث أحلامه.... تمرّ أمامه أحداث متلاطمة تعيد شريطا من الحكايا إلى الوراء... يرى منها طيفا... وأحيانا يسمع كلمة، أو إشارة متكلّم ... يقف به حلمه الممزوج بالحمى عند ليل كسيح ... لا رغبة له في الأحلام.... فنفسه متثاقلة عزوف، وبعضه يأكل بعضه بلا شفقة،

  • تخاريف    تخاريف الفصل 17

    -"بسطوة النار، وحكم لهيبها، وبحق الحقيقة، وصوت الحقيقة، لأجعل منك قصّة إنسان بدل شبيه إنسان...."تغرق نظراته في التحديق بالعاشقين.... إن بعينيه بريق تتدفّق منه نارا حامية، وإن بلسانه كلام يثقله شربه، وإن به حركة معطّلة يتربّص بها صائد ملذّة....تسري في هشيم وحطب، فتزيد توهّجا، تحرّكها ريح شرقية تأذن بليلة ملائكية.... تتراقص ألسنتها فتحرّك الأطياف الجاثمة القابعة على مقربة منه...فينطق مقاله ...- "لقد بدأت في الاحتفال... مرحى برفقة تؤنس جمودي... إني لا أبالي بقول شيخ يدّعي أنه حكيم... لن أقلع عن حديث الإنس والجن، وخلائق الأكوان صلبها ورخوها، فإني مثلهم جسد ينشد طرب النفس، فأكون ظالما إن تركت... لن أترك أمرا كنت له طالبا ولو صرت بدل المجنون ألف مجنون...""لن يعاتبني قريني، فإنّ به رغبة تسرق بعض من روحه... وتزرع نطفتها في غير ذي أديم، فتنبت بغير ذي جبلّة..."يستقيم ويبسط يداه مثل منشد... يطلق كلمات تدعو صحبه أن ...-"اجتمعوا... فلي قول إن حفظتموه سلمتم، وإن أدركتموه وتدبّرتم معانيه ملكتم أرواحكم وآمنتم قسمتها بين لصّ وحاقد وحاسد وظالم وواعظ ومرشد وصادق... وإن أنتم ردّدتم قولها في ليلكم ت

  • تخاريف    تخاريف الفصل 9

    رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 8

    يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أق

  • تخاريف    تخاريف الفصل 7

    'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه ا

  • تخاريف    الفصل 6

    يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status