Masukيسدل اللّيل ستاره... لم يحدّث جليسه هذه المرّة، فكلاهما مسافر يبحث عن رفقة ضائعة.
صارت النّار رمادا. يمزّق قلبها بقايا دخان وقطعتين من الجمر تميلان للانطفاء. كأنّهما عينان أعيتهما الصّحوة الفاقدة للغفوة. نعم تبدو كذلك، يقلّبها فتتوارى ثم تعود لتظهر. تغمض وتفتح. يعيدها فتفعل ما فعلته في صنيعها الأوّل. إنّها تختفي ثم تظهر فيقول محدّثا:
-"رفقة خير؟ أم شؤم؟"
تهبّ ريح تعرّي بعض الرّماد فتظهر كأنّها تحدّق وتطيل النّظر. قد تكون الإجابة أو حديث لا يفهم.
-"أنت صنيعة البشر؟ ففي بصرك شيء لا يفهم، لا أعي إن كنت أحدّث صنيع بشر أم شيطان من مارج من نار يخرج، ومن بين اليابس والأخضر! "
تهبّ ريح ثانية تغطّي قطعتي الجمر وتعبر.
-"لم يعجبكما كلامي! قد تكونان صنيع بشر، وفيكما سحر يؤثّر، أو طيف ملائكة، كيف لا وبي شيء من الدّفء يبعث في الرّوح فيأسر."
تتعرّى إحداهما دون ريح ولم تحرّك رمادها يد بشر!
يساوره الشّك فيدير بصره يرقب كلّ ما يحيط به. لا تظهر أيّ علامة تثير الغرابة ولا توجد حركة. سكون يخيّم على المكان.
يعود إلى حيث ناره ورماده، يحدّق بتلك القطعة فإذ بنصفها مضيء ونصفها آفل، وقطعة أخرى لا تزال تحت الرّماد تتوارى....
يحدّث فيقول:
-"أرى فيك نورا، وأرى في الأخرى سوادا، أفي الأمر سرّ؟"
يقوى سطوعها وكأنّ بها حطبا يلتهم بعضه، أو وقودا يغذّي اشتعالها فتبعث شرارا.
-"ما سرّ توهّجك؟ توقّدك؟ أأنت الجانب الرّحيم في القصّة؟"
نسمة خفيفة ترمي بشيء من الرّماد يتسلّل إلى عينيه فيصيبهما. يغمض عينيه ويتذمّر.
تسيل دموعه ممزوجة ببقايا رماد بات أشبه بكحل العين تذرفه حسناء تزيّنت غصبا.
يقول:
-" أهي غيرة؟ أيخالني بك أتغزّل؟ "
يتناول عصاه ويمرّرها يقلّب كومة الرّماد يبحث عن تلك السّاحرة المستترة. يخرج باطنه فإذ بقطعة حطب سوداء بحجم الحجر لا روح فيها. يأخذها على راحتيه ويقرّبها حيث بصره الآخذ في الفرار.
-"إنها قطعة حطب. "
ثمّ ينظر إلى باقيها فيجدها أصغر حجما، تتآكل بسرعة تدفع ضريبة توهّجها وشقاوتها.
-"إنها تشبهني. لا تبدو غريبة، هي متحرّكة لا تركن للسّكون. تسكنها رغبة في أن تكون رقما ظاهرا فاعلا. بها قوّة جاذبة لا تترك من يستقرّ. مستفزّة حدّ الغضب. مثيرة حدّ الوقوع في الخطإ. تسطّر دربا يبدو مضلّلا. الكلّ يحذّر منها دون مبالاة، فما أروع الضّياع في دروب غير ذي درب بحثا عن مغامرة أخرى وعن فسحة بديلة"
ينتهي بريقها فتلحق بقطعة الحطب المدوّرة المحدّبة المقعّرة المليئة بالنتوءات. الفارق بينهما أنّها أكثر هزالا لأنّها كانت أكثر توقّدا وأشرس حين تطلق شرارها. احترقت لأجل حزمة الحطب في جمعها، وأكملت حين باتت وحيدة تسحب ذخيرتها من باطنها...
-"غادرتني مجدّدا أرواح ظننتها مرسلة، فما كانت سوى عبرة، صورة تشبهني حيث أنا. "
صارت النّار رمادا، ولا زال الكلب ممدّدا يخفي رأسه بين قوائمه. مغمض العينين مطمئنّ النّفس، به سكينة. وهناك حيث الحقيبة شقيّ مسافر يغطّي جسده المنهك، ورمش العين مثقل، أشبه بمخمور لا يطلب سوى ساعة يخلد فيها للنّوم.
خلت ذاكرته وهجعت، واستكان ذهنه يستريح من سجلّاته المعقّدة. لم تعد مقلتاه محدّقتين. غلبه النّعاس فسلّم واستسلم وأمن المكان والرّفقة...
تتلوّن الأجواء، فإذا بالسواد أضحى خفيفا تمتزج فيه جزيئات ضوئية وأطياف لونية يغلب عليها القاتم المائل للانحلال من شدّة نقائه، ويتحرّك المكان بسيمفونية تتعدد إيقاعاتها. إنه صوت الأذان يعلن عن بدء الرحلة. تتقطّع نبرة العم العجوز حين يعلو صوته المتعب. كثر صياح الديكة ونباح الكلاب، وصوت أغنام تهمّ للخروج قبل إشراقة الشمس.
يستفيق وفيه رغبة في المزيد، يتلوّى ويتثاءب. ثم يجمع ساقيه صوب وجهه فيتقلّص بعد تمدد. يجمع شتاته ويجاهد النّفس كي يستقيم. ينظر إلى متاعه يتفقّده، ويصوّب بصره أين ترك أنيس ليلته فيجده قد برح مكانه بحثا عن نصيب يدركه. يفتح زاده ويخرج رغيفا من الخبز وحبات زيتون اقتناه من متجر عند بداية مسيره، وفتح قنّينة الماء ليمرّر قطرات على وجهه. يكتفي بقليل منها. يأكل مكرها بعض الفتات ثم يجمع أمتعته ويواصل سيره.
يخلّف وراء ظهره ليلة باردة، ورفقة لا يعي بعد إن كانت طيبة أم ثقيلة على النفس. لا يدرك سوى ومضات تداخلت أحداثها.
مشى يطوي مسارات الوادي ويتبع التواءاتها الكثيرة. لم يحدّق لتلك الأجسام التي تسكنه. تبدو النّفس عزوفا، أو تخشى النّظر فهي لم تعد أجساما عادية. هي شخصيات تلبس هوية غيرها.
تعطّلت إشارات الزمن لديه، وظلّ يغيّر مساراته مثل مخمور ينطح جدران حيّه.
يرفع رأسه ليرى كم ظلّ من طريقه فيلمح في حاشية الوادي بقايا بيت أكل السّيل أركانها فعلقت على شفى مرتفع يجاوره منحدر يصوّر للمبصر أنها تتهاوى. يكفي أن تدفع بقية جدرانها، هو يعلمها جيّدا. رحل أهلها وهو لم يبلغ الحلم بعد، كان يرتادها صحبة أترابه كل قيلولة.
أسرع الخطى نحوها. أيّ لهفة تبدو عليه، وأيّ حنين سكنه فشغله، أيعتقد أن أترابه داخله؟ أو يبحث مجددا عن ذكرى ضائعة؟
يصل المكان فيدخل الدّار دون استئذان، دون أن يدقّ الباب. أي باب؟ أي جدار؟ هي شاهد عن ركام. جدرانه تحمل كتابة وبعض الرسوم، في زواياها بقايا رماد وبقايا نيران، نصف سقف خشبي يعاند ويصمد.
يتسمّر برهة، ثم يدخل ويميل حيث الزّاوية اليسرى أين ألف الجلوس، فتخيّل نفسه ذاك الطّفل الصّغير المتسلّل أثناء سكينة الحي. يصيح صيحته المعتادة ليعلم رفاقه أن وقت الشقاوة قد آن، فتفرّ من بيوتها مثل أسراب الطيور البرّية. تبدأ اللّعبة، علم كلّ دوره، نصوصا مرتجلة من وحي اللّحظة. يغرق في سرد وقائعها وكأنّها تتردّد مثل صدى صوت علق بين جبلين...
تشرد كلماته وتنساب فيحدّث قائلا:
- "أهلا بكم، سرّني مقدمكم"، ما حاجتكم؟ أبسطوا شكواكم."
"نحن قوم من مكان بعيد جئناك طالبي ودّ أصحابك ممّن هم تحت الأرض السابعة."
يتمتم، يئن ويتأوّه ويسحب قبسا من نار أشعلها لتوّه، يدسّ فيه قطعة طيب سرقها من متاع أمه فتخرج ألسنة دخان طيّبة ويقول:
- "أعجبهم قولكم وباركوا مقدمكم، فهل لا ذبحتم ذبيحتكم حتى نتبرّك"
يمسك أحدهم بقطعة من خشب ويمرر عليها إصبعه في حركة توهم بالشّروع في النحر، ويبسمل ثم يبتعد.
تعلو صيحة الشيخ، ذاك الصبيّ الشقيّ المسكون بروح الشيخ ويقول:
-"همممممم... همممم"، سمعت سمعت، وبك تباركت، وعليك عقدت العزم. تفتح كل عقد، وتزيل كل هم، وتكسر كل كرب. "
-"همممممم... همممممم" أمسكته فتألمت، ضربني فشتمت، فزدت في شده فأصبت منه، وضربته في مقتل، ضربته في مقتل."
ينتفض ويقف، ويرقص متخمرا ويروح ويجيء والرّأس يدور أعلى وأسفل.
يواصل قوله:
-"هممممم"...أضرب دفّك، أضرب. مرر يديك أسفل رأس الذبيحة وأغمس يديك وردد. "
يفعل أكبرهم ما طلبه الشّيخ الصبي ويردد وراءه.
- "نحن هناك، لسنا أشرارا، مسكننا قشا، وعطائنا مدرارا. فأطلب تعطى من خير الدار، أطلب تعطى من فيض الدار."
-"اضرب دفّك واتبعني. "
"اضرب دفّك واتبعني. "
-"اضرب أرضك لا ترأف. "
"اضرب ارضك لا ترأف. "
-"فإن أوجعته سيفرّ."
" فإن أوجعته سيفر. "
-" فاضرب اضربه ولا ترأف. "
" اضرب اضربه ولا ترأف."
-"لا ترأف."
يتوقف ويدنو إلى قدر يحركه ويشير بيده إلى الذبيحة. يضعها داخلها ويحرك، يتمتم بكلمات لا تفهم.
-"ناروش... قاروش.... سللول.... قطمير... قمطير... سمطير... "
يتوقّف ثمّ يواصل والعين تنظر أعلى السّقف.
- "هطوش... جليش... اروش... باروش.... صهيب... شهيب... دبيب..."
يتمتم ويسبّح ثم يقول:
-"هممممم هممممم" معلوم، معلوم، سمعناك معلوم، أطعنا معلوم، سر مكفون وكلام مدفون، في قلب ناروش، وفي كبد حوت. وفي عقل جليش، ولسان أخرس وأذن أصم، تحدث صنم، صوت الأبكم لا يتكلم. لا يخبر صهيبا، ولا دبيبا ولا شهيبا. لا يتكلّم. صمّ أذنيه، وصان لسانه، وكظم غيظه، وكفر إن أفصح، وكفر إن أفصح."
يستفيق من تخمّره، يصمت ويشير إلى الجمع كي يقعد، يعقد حاجبيه، ويفتح عينيه بشدّة ويحدّث:
-"خلف البيت زريبة"
أحدهم يومئ برأسه' نعم'...
-"خلف الزّريبة شجرة لا هي كبيرة ولا هي صغيرة،"
'نعم'
-"احرق اسفلها تستل عللها"...
يجيب أصغرهم 'أفعل'
-"في الزّريبة كبش أسود أقرن"
'نعم'
-"به شامة شهباء"
'نعم' يجيب أوسطهم
-"حين ينبش الأرض يوجعها، وحين يضرب الوتد يوقعه"
'يبدو كذلك'
-"اذبحه واسلخ جلده، ثم ضع جلده أعلى الشجرة"
'وباقي الذبيحة؟'
-"اجلبها حيث السّادة في الأسفل"
تعلو الأصوات تنادي من هنا وهناك فيفرّ الصبية كلّ إلى داره تاركين وراءهم لعبة لم تنته.
يتبع
يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية. هي شاهدة عن كلمات الغزل، وعن كلمات اللّحن الخالد، لحن ورثته الألسن وردّدته قائلة: "أراقص طيفا.ألاحق بين ثنايا المجاز رفيقا لطيفا.فأنحت حرفا.بخفقة قلب وصوت خفيف"وعبارات تتردّد من راغبة متمنّعة فتنشد: "أبقي هناك حيث أنت. دعني أقتات من روحي. دعني أقتات من جسدي. تذبل الوردة على وجنتيك. وتغادر بسمتي مع رفاتي."يفرّ النّصيب فيغنم غير المحب بحسناء سقت شجرتها فأنبتت زهرة. ذبلت الزهرة على يد من قطفها قبل تفتّحها فجنّت وغدت أسيرة ربوة وقرب الربوة صبية، وبيد الصبية عصيّ وقطع قصدير. تضرب العصيّ على قطع القصدير فتحدث صوتا يصدّع المسامع يتخلّلها ترديد كلمات جارحة: "المجنونة آتية بالرياح العاتية.مجنونة تلحق مجنون ونحن إليها سائرون. " تفرّ من شقاوتهم نحو الشجرة لتأمن فتجد روحها جفت ففي أسفلها
يسدل اللّيل ستاره... لم يحدّث جليسه هذه المرّة، فكلاهما مسافر يبحث عن رفقة ضائعة.صارت النّار رمادا. يمزّق قلبها بقايا دخان وقطعتين من الجمر تميلان للانطفاء. كأنّهما عينان أعيتهما الصّحوة الفاقدة للغفوة. نعم تبدو كذلك، يقلّبها فتتوارى ثم تعود لتظهر. تغمض وتفتح. يعيدها فتفعل ما فعلته في صنيعها الأوّل. إنّها تختفي ثم تظهر فيقول محدّثا:-"رفقة خير؟ أم شؤم؟"تهبّ ريح تعرّي بعض الرّماد فتظهر كأنّها تحدّق وتطيل النّظر. قد تكون الإجابة أو حديث لا يفهم.-"أنت صنيعة البشر؟ ففي بصرك شيء لا يفهم، لا أعي إن كنت أحدّث صنيع بشر أم شيطان من مارج من نار يخرج، ومن بين اليابس والأخضر! "تهبّ ريح ثانية تغطّي قطعتي الجمر وتعبر. -"لم يعجبكما كلامي! قد تكونان صنيع بشر، وفيكما سحر يؤثّر، أو طيف ملائكة، كيف لا وبي شيء من الدّفء يبعث في الرّوح فيأسر."تتعرّى إحداهما دون ريح ولم تحرّك رمادها يد بشر!يساوره الشّك فيدير بصره يرقب كلّ ما يحيط به. لا تظهر أيّ علامة تثير الغرابة ولا توجد حركة. سكون يخيّم على المكان. يعود إلى حيث ناره ورماده، يحدّق بتلك القطعة فإذ بنصفها مضيء ونصفها آفل، وقطعة أخرى لا تزال تحت ال
يعبر المنحدر ليجد نفسه وسط الوادي تحيطه شجيرات يانعة ريحها عطرة. تحرّكها نسمات تبدو باردة. لا تؤذي، باردة لا تقسو. ينزع الحذاء ويضرب بخفّيه الرّمال الرّاسبة. يتلذّذ وقعها ودغدغتها، كأنّه يريد أن يجذب الأحداث للوراء قليلا حيث الرّفقة الصغيرة وحيث لحن الطّفولة. اقترب من جرف به استدارة، لا يزال يحتفظ بحجرين ألف الجلوس عليهما صحبة رفيق الصّبا. يأوي إليه حتّى يصل إلى منتهاه ويسلّم ثم يجلس على مقعده القديم. ينظر الحجر المجاور. يرمقه بشدّة، ثمّ ينطق قائلا: -"أتعلم يا صديقي، إنّي أشتاق إلى رفقة الأمس البعيد. إلى عبث الطفولة، وإلى صيحة الثّائر العنيد، أشتاق إلى صحبة شقية تنسيك وقع الحياة الرتيب، وإلى برودة السماء، وزخات مطر في يوم صقيع، وتلطيخ ثوب داخل بركة في واد قريب، أشتاق إلى أتراب بين شجيرات الزيتون يركضون، عن عش طير عن بقايا بيض يبحثون، وبفرحة صيد صغير يفرحون، أشتاق إلى عطلة ربيع، إلى منظر الحقل بين حبات الزّهر الأصفر اللّيمون، وصوت زقزقة في أعلى الصفصاف يكتب لحن الطفل الصغير، ودبيب السّحالي داخل صفّ الصبار تنشد شقاوة جيل. أحن إلى لعب زمان في الحرّ الشّديد إلى ماء صنبور الحيّ العتيق، يس
يطيل النّظر والجلوس، فإذ به يلحظ خيط دخان. رفقة قادمة على عجل علّها تمسح غبار الطّريق، وتذيب جليدا كسى قلبا مكسورا، وتستلّ أشواك الدّرب المحفوف بالمخاطر والمطبّات. إنّه يدنو فيدنو، قد دنا. وقف وتسمّر، وحدّق فأطنب، ومال شدقيه قليلا ثم ضحك، ثمّ تكدّر، ثمّ قهقه، ثمّ نفخ في مزماره المصنوع من القصب، خرجت ترنيمة تؤلم من به صمم. أعاد اللّحن وتوقّف، وحدّق وحدّث: " أعندك قبل رغيف الخبز سجائر؟ دع الخبز وناولني السّجائر".يفتح الحقيبة ويمدّ يده ليخرج العلبة. يناوله فيمسك ويسحب قطعتين واحدة أسفل ناظره أعلى أذنه، وواحدة يلتهمها بين شفتيه، شـــ.... فـــــ...تـــــيه! يشعلها فتنبعث خيوطها الأولى مثل سحابة بيضاء تكتب طلاسم تعرّف بصاحبها، ثم يكفّ. يتناول قصبته وينشد لحنا أشدّ وقعا من الأوّل. يطيل العزف، ثمّ يصمت، ثمّ يتمدّد. يفترش حصى الطّريق، ويضع تحت رأسه وسادا. حجرا أملس. يغلق عينيه وكأنّ به تعب سنين عجاف أكلت منه ربيع العمر وخريفه ويسحب سيجارته مجدّدا، إنّها تحترق بتؤدة. حينها يتمدّد المسافر حيث تلك المنازل دون تذكرة، فيصنع ما صنع جليسه. تمدّد وأغمض الجفون فظّلت عيناه شاخصتين. يهمّ لمحادثته ثمّ
تصديررواية تخاريف هي تعبير عن ذات تحمل في جوفها فكرة مجنونة وخيال جامح، وهواجس مثقلة. فتدكّ داخلها كلّ انتماء للواقع، وتفتكّ من بين قسوة الأيام ذكرى فيها سطور معلومة، وسطور متخفية، وسطور مجهولة. ومن السطور ترتسم الصورة تراوح بين الوضوح والعتمة، فتخال نصفها مرئي ونصف الآخر مستتر، في حين أن الصورة كلّها تختفي في دخيلاء ملكة الذات الهائمة بين حلم ويقظة، ترويها بوتيرة أحداثها فتلتهم بعضها البعض، لتعبث بالشخصيات وكذلك الأمكنة والأزمنة فتتعايش ورحلة المسافر الخرف الباحث عن شبيه إنسان في بقايا أطلال.الشخصية التي رحلت بنا إلى عالم التّخيّلات في هذه الرواية ما هي إلا صورة "الأنا" العنيدة المتمردة عن الواقع وثقله، وهي صورة الآخر المختلف الهارب من الأزمنة في ماضيها وحاضرها، وصورة الضمير الجمعي الشاهد على أحداث انشطار الذوات بين ذهن مشدود إلى منطق الأشياء، وخيال منصرف عن فكرة المنطق لغاية معانقة جمالية التحليق في عالم ما ورائي يخلّص النفس من شوائب الحقيقة وصلفها، ويلحقها بمغامرة لا تعلم بدايتها ولا تتخيل كيف تكون النهاية.شخصية الرواية رمز للرحّالة التي تبحث عن ذاتها، فقد تجعل من الشّوق مطيّة ل