تسجيل الدخولنلفّه بقبس
...ونخيطه دسائس...
نلبسه وجه عابس...
فلا تجزع إن أسرف...
بضربك أو نهرك
...أو طردك من مجلس...
أو قهرك عند المحن...
أو دفعك بقسوة
...والشك فيه قابع
...يصفك بفاجر
..."تهفت قليلا وبه شكّ يحدّثه أن الإنشاد لحلقة ذكر هناك عند الحي وأنّ صداها يسمع....
تتدافع الأصوات كتدافع لعبة الأبيض والأسود المعلّقة أعلى قبر شيخ الكرامات فتقول محدثة بعضها...
_'أتراه؟'
'لا هو في الجوار... '
_'اتسمع صوته؟
''لا إنه أخرس... أو سكت كي لا يفتضح أمره
'يحدث نفسه سرا...
-"إنها قطع من نور وظلمة وإنها ضريرة
"يتواصل الحوار...
_'أبه رائحة؟
''أجل به، وإني عائد إلى حيث الكفن، لأسأل خالقي يدلني فالعطور تتشابه.... '
_'اذهب، ونحن هاهنا باقون وإن له لممسكين
'في سرّه مجددا...
-"لقد اقلعت عن العطور مذ شددت الرحال إلى تلك المنازل.... هذه واحدة أغنمها بعد مشقّة... "
تواصل تلك المصابيح رقصاتها وتواصل قطع السواد مناجاة رديفتها.... ليأتي مبعوثه حيث الكفن...
_'نعم إن به رائحة... '
'وكيف تكون؟
'_'ليست عطرا... ولا مسكا ولا عود ندّ.... إن به عرقا'
'كيف يبدو؟
'_'لم يفسد'
'وماذا بعد؟
'_'لم يبرد'
'ثم ماذا؟
'_'لم تصبه نتانة
''وماذا أيضا؟
'_'فقد طيبه، وراح يتعفّن
''أيكون مثل من أقلع عن الغسل ولم يتطهّر؟'
_'زد قليلا'
'إذن يكون مثل كلب تبلّل بعد حرّ، فامتزج جلده بشيء منكر'
_'زد قليلا
''أو مثل وبر قطّ حشر في قلب بقايا فريسة أوقعها صائدها فقضى حاجته وانصرف؟
'_'زد قليلا
''لا نملك غير هذا فهات ما حدّثك به خالقنا تحت الكفن
'_'إنه قال محدّثا... هي رائحة لا تدركها الأنوف... إنها رائحة تسمع'
'وهل للروائح صوت كي تسمع؟ ... عد إلى خلقك تحت الكفن وتجلّ الأمر لعلها أيضا تُرى...
'_'نعم، هي تسمع وترى، إنّ بها صفيرا ولها لون أغبر
...''ثم ماذا؟
'_'أمّا صفيرها فإنه
يخرج مقطّعا خفيفا، ثم يسترسل. وأما عن لونهافقد علق من غبار طريق.... ''وهل قال شيئا عن رائحة السّجية فنتبيّن؟
'_'يقول إنه موجوع وضعيف، ويوهم غيره بقوّته، وأنه يهرب حين تزلزل التخاريف أرضه، فتحفر داخلها لتمسك بذكرى، ويقول إنه شبيه إنسان لا يشبه البشر...'
'هل أوصاك به خيرا أم شرا؟
'_'يقول إنه لن يأمن عقيدتك، وإن قدّمت له برهانك.'
'أشقيّ هو؟
'_'شقي النفس، طريح هوسه... لدود لخيّره، ودود لشروره، لجوج كثير السؤال، بخيل عن الجواب. '
'أين مسكنه وما مقصده؟
'_'أما مسكنه فأقصد جهة الجنوب...نحن لا نبصر، أخبروه أصحاب البصر عن ديار في تلك الجهة.... هناك مسكنه ووجهته ومقصده. '
'وأين يكون؟
'_'قال خالقي تحت الكفن هو قريب منّا، يصغي لنا، ويرى رقصاتنا، ويبصر سوادنا وبياضنا، لكنه لا يعي أننا قطع قد يجمع سيّدنا شتاتنا. '
'نحن لا نبصر وأظنه فطن... فكيف نوقع به؟
'_'لقد حمّلني خالقي صاحب الكفن بقول...'
'سحر؟
'_'من سحر وغير السحر؟
''فيه نذر؟
'_'فيه، ووجب الوفاء بالنّذر
''ودعاء له أم عليه؟
'_'عليه، إنّه للمعاصي معلّم'
'أنحذره؟'
_'نحذر فراره، فخالقنا يريده حيث كفنه
'تجزع نفسه من هول ما سمعه، وتراوده فكرة الفرار...
احتدمت نار كلماتهم، وأزعجه حوارهم وأرّق دواخله... لقد ولجت مقالتهم مسكن الروح، فنالت من بعضها، وباقيها مؤجل حتى تقرع الطبول تعلن بداية العرض الأخير...
تعود الأصوات للحوار...
'متى نردد خلفك قول حبيبنا وخالقنا صاحب الكفن؟
'_'نبدأ الآن... طوفوا حول القبر ثم تفرّقوا قطعا... أزواجا... مضيئة وعاتمة، وأحرصوا على زوايا البيت... '
'نفعل... '
تفرّقوا فدنت منه بعضها قريبة منه تكاد تستلّ أنفاسه
يقول زعيمهم المرسل....
_'لن تخفى علينا خافية
...إن ضربتنا خاطفة...
تقتل أصحاب الخطيئة والقلوب الماكرة
...على الأنفس تكرّ كرّة ساخرة...
فإن سوّلت له النفس وأجّل الحساب متعمّدا
...نلحق به حيث الأماكن الخالية...
وندعو صحبنا يسلّطوا عذابهم جمعا...
وإن عليه لمسيطرين، فقم وتعوّذ فإنك هاهنا للمخلوقين ملاقيه...
تضرب الساق بالساق وتقفز الروح من مهجعها ويرفع يديه متشفّعا... وجهه متجهّم وعليه وزر فوق وزر يجذبه للأسفل... فيحدّث النفس....
-"لست عن نفسي راضيا... إني كثير الغباء حين قصدت دار من كنت عليه ساخطا... أين المفرّ وأنا مقصده يريدني حيث هو وسابقا كنت له طاردا... أي منزلة أراها تدنو وإني لست عليها بقادر... "
تتكرّر الكلمات تخرم سمعه...
-"أأصبر لغدي أم أسلّم أمري؟
إنها مخلوقات لا تحاور...
لا أملك تعويذة، ولا كلام سحر أقارع بها هذا الصدى القاتل...
أأنظم كلماتي أردّدها سرا فأطردها فيستقيم لي الملك فأغنم ليلي وأسلم...
إني بالأمس كنت أحفظ له قولا... هل أردده فأردّ أذاهم وأغنم معاشي. "
تعود كلماتهم وتكثر رقصاتهم... تخبط بعضها بعض فتقدح شرارة
...يقوى إيقاعهم فيخرّ صاغرا ضعيفا...
إنها الهزيمة! أم هي طبول النهاية تقرع في سواد هذه الليلة هنا أين القبر المشيّد؟
-"إن ضعفي يجبرني أن أنطق ما كنت له بالأمس منكرا... "
يصمت ويعود وفي صوته قهر... يقول...
-"مجنون من يعتقد جنوني...
لا يعي حزني وشجوني
...لقد خيّروني بين جنون...
أو قطع رزق من أطعموني
..."تتكرّر كلماته سرّا بين شفاه تكاد لا تفتح... يعيدها مرارا... فتنفجر كلماته مدوّية وسط رقصات تلك الأنفس المخلوقة على هيئة أجزاء اقتطعت من الكفن تحت الحجر الأبيض...
تزيد رقصاتهم ويرتفع تسبيحهم... إنهم يردّدون قول غريمهم... أنستهم الكلمات مقالهم...
تابع إنشاده حتّى لاحت حمرة تستأذن بدخول الغرفة من بين منافذها فانطفأت تلك الأجسام المضيئة لتلحق بأزواجها المتلحّفة بالسواد فيستكين الجو ويهجع بعد صخب...
إنها ساعة التجلّي آلهة النور تنفلق من بين كحل وفحم... يهزّ رأسه هزا خفيفا ويسيّر بصره نحو القبر... يعلوه قنديل
فضّي، وفي كل ركن قنديل يلفّ البيت وزواياه... يقابله في كل ركن وزاوية لحاف أبيض مرصّع بعدس مذهّب وبعضه فضّي....يضحك طويلا ويستلقي مكانه فينام نومة مسافر لم يخلد لفراش منذ سنة.
تمضي السّاعات وهو يغطّ في نومه، لم يرقد ليله،
فأبدله بنهاره يصيب فيه راحة وأمنا من عفاريت لا يعلم إن كانت صنيع خياله أم حقيقة؟ ...يستفيق ويلمس وجهه... لا يبدو عابسا أو متجهّما... لقد غادرته تلك الخزعبلات التي أرهقت مضجعه ونفر من حاله وهجر الضّحك بعد أن كان في زمنه يعانده...
ينهض نشيطا خفيف الحركة... لا رغبة له في طعام أو شراب، وكأنه فرغ لتوّه من أكل وشرب يصيبه فيشدّ عزمه ويقوّي جلده في بقية رحلته....
يحمل حقيبته ويتوجّه صوب قبر صاحب الكفن... وينشد...
يدنو بعضهم... لا يكلّمني منهم أحد... طرحوني أرضا، ومدّدوني، وقوّمي اعوجاجي... ثم تدنو مني بعض النسوة تحمل كل منهنّ لحافا... لا تسمع لهم كلمة تعي بها مقصدا.... وبعدها حملوني وساروا في جوف اللّيل وعيني شاخصة أرقب حركة مسيرهم ووجهتهم... طابور يسير خلف حاملي جسدي، لا أحد يردّد قولا، ولا يخطئ صغيرهم فتصغي إلى قول مسروق، ولا ترى إشارة... لا بكاء أو تحصّرا وألما.... ولا شفقة.... ولا تذمّرا... ولا ابتسامة بريئة أو ساخرة أو ماكرة... لا دمعة تسيل... يختفي الإنشاد والذّكر وتحجب التعويذات... ويقبر حوار شبيه الإنسان بالسراب والأطياف والخيالات والجماد والحيوان.... مشيتهم منظّمة، لكنها ثقيلة...يلحق بهم صاحبي المجنون فيأخذ مكانه، نقلت نظري إليه أترقب جنونه... انتظرت أن يطلب سيجارة أو رغيف خبز أو يردّد أن لبّيك قادم...إنه لا ينطق... إن حاله أفضل... يواصل الحشد حملي... أطلق بصري للوراء فإذ بالكلب الأبيض يلحق من الخلف ومعه معشر الدود وكبيرهم... وعصا لا تبدو يابسة كآخر عهدي بها تسير محاذاتهم، وخيالات تحاذي أشجارا قرب المسلك تتراقص كعادتها.... وقطع متزاوجة بين بياض وسواد تفيض على المكان فتضيء بعضه وتزيد
-"وهل توقفوا؟ "_'لا بل زادوا... أخبروني أن الدّماء داخلي سائلة مميّعة، وأن تجمّدها سيريح وجعي، فوضعوني داخل مخزن تبريد به ثلج كثيف... أخرجوني مثل قطعة جليد، وأخبروني أن الماء السّاخن يريح علّتي ويعدل حالي، ففعلوا حتى اصطلى جسدي... ثم خرجت من عندهم إلى داري ...'-"وهل صرت على منهج غير ما تعلّمته؟ "_'قلّبت نظريتي غربيّها وشرقيّها، فوجدت الإنسان كيانا كادحا، يكافح لغاية مبدؤها ثروة وعدالة... '-"وكيف يحققها...؟"_'بثورة على الحاكم والكفر بمنهجه... '-"هي نفس الفكرة الأولى هل زاروك ثانية؟ ... "يطيل النظر إلى الفتى ويقول... _'نمت في زنازينهم ليالي، وأطعموني ماء مغلي ممزوجا بشيء مسموم، ورغيفا يابسا أو قل حجرا من سجّيل... وغطوني بلحاف من أشواك وعيون... ورأيت كرمهم حين تصافحني يد سجّان محكوم بنار حقد على كل مخالف بالعدل مسكون... ويلقي بي حيث سراديب بها عقارب وسموم تأكل من نصيبها علّي ألاقي سميعا عليما... ''أتعلم أنهم أعدموا أبنائي؟ '-"أي قسوة تلفّهم؟ كم أعمارهم؟ "_'منهم ابن البارحة، ومنهم من يبلغ المائتين أو تزيد ...'-"ماذا تقصد؟ "_'هي كتبي أعدموها، وجهل حارقها أنها محفورة في هذا الر
عاقل من ينعتك مجنون... فيصيب حزنك وشجونك...ويجبرك أن تختار بين جنونك...أو قطع رزق من يطعمونك"...ثم ينظر إلى تلك المصابيح فيحدّثه شيطانه أن يجمعها حيث ركن ويغطّيها فتذهب تلك الأجسام صاغرة يلفّها غطاء لا تبرق ولا ترقص فيه ولا تنشد... فيفعل ويغادر ضاحكا نحو غايته...***انشطر روح الحي نصفين... عتيق وجديد... بيوت بدأت تطلّ بجدرانها القديمة... تنسج خيوط الماضي بدقّة... إنها قصص منسيّة تعاند الأزمنة...تتدفّق فيه صورة نسيها وانسابت خواطره تتدافع... تفرّ من سكونها إلى حركتها...إنها ليست بالبيوت... إنها حياة... إنها أرواح وذوات بها عيون ووجوه وشفاه... إنها تنطق وتسمع... تكتم سرّا وتفصح حين السؤال وتريح عند الكدر... بيوت تداوي العلل وتشفي وتحيي...يعبر أزقتها... أي خراب قد أصابها؟ من شقّ جوفها؟ ...هذا بيت الطّيبة، وذاك منزل المؤذّن، وهناك بيت العلاّمة... وفي آخر الزقاق الأم الكبيرة... وفي الوسط بيت القائد هكذا كانت ألقابهم ...يقف عند بيت القائد ... بيت متواضع لدارس علم ومعرفة ومثقّف لا تملّ محاورته... يطرق فكرة فيسرد معناها، ويشرح جوهرها، ويعطي بديلها، ويستدلّ بحججه فتقنع... ثم يواصل فيبس
نلفّه بقبس ... ونخيطه دسائس... نلبسه وجه عابس... فلا تجزع إن أسرف... بضربك أو نهرك ... أو طردك من مجلس... أو قهرك عند المحن... أو دفعك بقسوة ... والشك فيه قابع ... يصفك بفاجر ..." تهفت قليلا وبه شكّ يحدّثه أن الإنشاد لحلقة ذكر هناك عند الحي وأنّ صداها يسمع.... تتدافع الأصوات كتدافع لعبة الأبيض والأسود المعلّقة أعلى قبر شيخ الكرامات فتقول محدثة بعضها... _'أتراه؟' 'لا هو في الجوار... ' _'اتسمع صوته؟ ' 'لا إنه أخرس... أو سكت كي لا يفتضح أمره ' يحدث نفسه سرا... -"إنها قطع من نور وظلمة وإنها ضريرة " يتواصل الحوار... _'أبه رائحة؟ ' 'أجل به، وإني عائد إلى حيث الكفن، لأسأل خالقي يدلني فالعطور تتشابه.... ' _'اذهب، ونحن هاهنا باقون وإن له لممسكين ' في سرّه مجددا... -"لقد اقلعت عن العطور مذ شددت الرحال إلى تلك المنازل.... هذه واحدة أغنمها بعد مشقّة... " تواصل تلك المصابيح رقصاتها وتواصل قطع السواد مناجاة رديفتها.... ليأتي مبعوثه حيث الكفن... _'نعم إن به رائحة... ' 'وكيف تكون؟ ' _'ليست عطرا... ولا مسكا ولا عود ندّ.... إن به عرقا' 'كيف يبدو؟ ' _'لم يفسد' 'وم
فعل فعلته، ومرّر عليها كبريته لتشتعل، فيسحب دخانها الكثيف متسلّلا إلى رئتيه فيطرب عقله.... يعيدها متواترة ... ينظّف ويلفّ، ويشعل ويسحب دخانها... ثم يكتفي... لقد صار أفضل... يواصل سيره بعد فسحة صغيرة، ويرقب صامتا تلك المسالك... إنه يطلب راحة... ليس التّعب بل شعور غريب بشيء تسلّل إلى أعماقه يقضمه.... يلوح في الجوار جدار قديم بزاويتين، تقدّم وآوى إلى ظلّه ينشد دواء... يتّكئ... ثم يتمدّد... به ثقل وارتعاش... يعاوده ألم الرأس، وفي عينيه دمع ساخن يخرج منسابا... أصابه تعرّقا زاده في ارتعاشه، فأخذ يطقطق أسنانه دون توقف.... يغفو أو ربما يكون قد أغمي عليه، فدنت منه غيبوبة لا يعرف مداها... إنه محموم من ليلة صقيع ممطرة... لا يد آدميّ تعالجه، ولا جار أو عابر سبيل يعثر على جثّته إن أخذته يد المنيّة غيلة.... يئنّ طويلا، ويخلد إلى كوابيسه اللّعينة وأضغاث أحلامه.... تمرّ أمامه أحداث متلاطمة تعيد شريطا من الحكايا إلى الوراء... يرى منها طيفا... وأحيانا يسمع كلمة، أو إشارة متكلّم ... يقف به حلمه الممزوج بالحمى عند ليل كسيح ... لا رغبة له في الأحلام.... فنفسه متثاقلة عزوف، وبعضه يأكل بعضه بلا شفقة،
-"بسطوة النار، وحكم لهيبها، وبحق الحقيقة، وصوت الحقيقة، لأجعل منك قصّة إنسان بدل شبيه إنسان...."تغرق نظراته في التحديق بالعاشقين.... إن بعينيه بريق تتدفّق منه نارا حامية، وإن بلسانه كلام يثقله شربه، وإن به حركة معطّلة يتربّص بها صائد ملذّة....تسري في هشيم وحطب، فتزيد توهّجا، تحرّكها ريح شرقية تأذن بليلة ملائكية.... تتراقص ألسنتها فتحرّك الأطياف الجاثمة القابعة على مقربة منه...فينطق مقاله ...- "لقد بدأت في الاحتفال... مرحى برفقة تؤنس جمودي... إني لا أبالي بقول شيخ يدّعي أنه حكيم... لن أقلع عن حديث الإنس والجن، وخلائق الأكوان صلبها ورخوها، فإني مثلهم جسد ينشد طرب النفس، فأكون ظالما إن تركت... لن أترك أمرا كنت له طالبا ولو صرت بدل المجنون ألف مجنون...""لن يعاتبني قريني، فإنّ به رغبة تسرق بعض من روحه... وتزرع نطفتها في غير ذي أديم، فتنبت بغير ذي جبلّة..."يستقيم ويبسط يداه مثل منشد... يطلق كلمات تدعو صحبه أن ...-"اجتمعوا... فلي قول إن حفظتموه سلمتم، وإن أدركتموه وتدبّرتم معانيه ملكتم أرواحكم وآمنتم قسمتها بين لصّ وحاقد وحاسد وظالم وواعظ ومرشد وصادق... وإن أنتم ردّدتم قولها في ليلكم ت
يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ
يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية
يسدل اللّيل ستاره... لم يحدّث جليسه هذه المرّة، فكلاهما مسافر يبحث عن رفقة ضائعة.صارت النّار رمادا. يمزّق قلبها بقايا دخان وقطعتين من الجمر تميلان للانطفاء. كأنّهما عينان أعيتهما الصّحوة الفاقدة للغفوة. نعم تبدو كذلك، يقلّبها فتتوارى ثم تعود لتظهر. تغمض وتفتح. يعيدها فتفعل ما فعلته في صنيعها الأوّ
يعبر المنحدر ليجد نفسه وسط الوادي تحيطه شجيرات يانعة ريحها عطرة. تحرّكها نسمات تبدو باردة. لا تؤذي، باردة لا تقسو. ينزع الحذاء ويضرب بخفّيه الرّمال الرّاسبة. يتلذّذ وقعها ودغدغتها، كأنّه يريد أن يجذب الأحداث للوراء قليلا حيث الرّفقة الصغيرة وحيث لحن الطّفولة. اقترب من جرف به استدارة، لا يزال يحتفظ







