Share

الفصل الرابع

Author: Manel Kh
last update publish date: 2026-08-16 04:22:48

الفصل الرابع:

** في عرين الأسد**

في الطابق الأخير من أحد أكثر أبراج لندن ارتفاعًا وفخامة، كان الهدوء ساطعًا وشديد الثقل.

ترجلت فاليريا روسّي من المصعد بخطوات واثقة رنانة. كانت ترتدي فستانًا كحليًا أنيقًا من الساتان الفاخر، يلتف حول انحناءات قوامها الأنثوي الممتلئ بكبرياء وجاذبية ساحرة، تعلوه سترة رسمية سوداء تُبرز حضورها كأنها امرأة قادمة للاستحواذ على البرج بأكمله، لا لمجرد زيارة عابرة.

استقبلتها السكرتيرة بنظرة مواربة وارتباك واضح، قبل أن تفتح الباب الزجاجي الضخم:

"آنسة روسّي.. السيد فيرّيتي بانتظاركِ."

دخلت فاليريا، ليُغلق الباب خلفها بصوت خافت أسطواني، معلنًازلزل أمان المكان.

كان أدريان فيرّيتي يقف أمام النافذة البانورامية الممتدة من الأرض إلى السقف، يطل على مدينة لندن الغارقة في الضباب والمطر. بنيته الضخمة وأكتافه العريضة بقميصه الأسود الفاخر المعرى عند الأكمام—حيث تظهر أطراف تاتو داكن يلتف حول ساعده بأسلوب غامض—جعلت القاعة الفسيحة تبدو أصغر مما هي عليه. كان الحضور الصارم الذي يحيطه يفرض سلطة فطرية لا تحتاج إلى مجاملة.

التفت ببطء عند دخولها. كانت نظراته الرمادية الباردة كليلة شتاء متفحصة، تجولت بثبات وحذر على قوامها اللامع وحضورها القوي، قبل أن تثبت في عينيها.

"فاليريا روسّي.." قالها بنبرته العميقة الهادئة. "لم أتوقع أن تكوني بهذه السرعة."

أغلقت فاليريا حقيبتها الجلدية الصغيرة بين يديها، وتقدمت بخطوات متزنة حتى وقفت على بعد خطوتين فقط من مكتبه الرخامي الأسود:

"عندما يخبرني رجل بوجود سر يتصل بموت أمي، فلن أجعله ينتظر طويلاً.. لا سيما إن كان هذا الرجل هو خطيب أختي الجديدة."

ارتسمت على شفتي أدريان ابتسامة خفيفة باهتة، لم تصل إلى عينيه الصارمتين:

"تعجبني جديتكِ. أغلب أبناء العائلات المخملية ينهارون عند أول كذبة تُكشف في حياتهم.. لكنكِ جئتِ للقتال."

سحبت فاليريا نفساً عميقاً، وضبطت نبرتها لتكون حادة كالسكين:

"دعنا نتجاوز المقدمات يا سيد فيرّيتي. أنت خطيب إيزابيلا، ومن المفترض أنك في صف والدها فيتوريو.. لماذا ألقيتَ بتلك القنبلة في وجهي تحت المطر؟ ماذا تريد مني حقاً؟"

استند أدريان بجسده الضخم على طرف المكتب، وطوى ذراعيه القويتين، مستعرضًا حضورًا يختزل النفوذ والخطر في آن واحد.

"أريد ما تريدينه تماماً يا فاليريا.." قال ببطء شديد. "أريد إسقاط فيتوريو روسّي."

ضيقت فاليريا عينيها بشك وصدمة مكتومة: "فيتوريو شريكك المستقبلي ووالد خطيبتك! لماذا تبحث عن إسقاطه؟"

اقترب منها أدريان خطوة واحدة، ليصبح القرب بينهما مشحونًا بتوتر حارق. انخفض صوته ليكون تحذيرياً ومغرياً في الوقت نفسه:

"لأن فيتوريو ليس سوى واجهة لحوت أكبر في السوق، ولأنه استغل اسم عائلتكِ ومكانة والدتكِ الراحلة لسرقة العقود العقارية التي تخص إمبراطوريتي.. والأهم من كل ذلك، لأنه يظن أنه يستطيع التلاعب بي وبقراراتي عن طريق إقحام إيزابيلا في حياتي."

"وإيزابيلا؟" سألته فاليريا برفع رأسها وتحدٍّ صريح. "أليست المرأة التي اخترتَ الزواج منها؟"

عبرت نظرة جافة وباردة عيني أدريان: "زواجي من إيزابيلا كان مجرد صفقة عمل وتوازنات بين عائلتين.. صفقة ألغيتها في عقلي منذ اللحظة التي اكتشفتُ فيها مدى قذارة اللعبة التي يلعبها والدكِ في الخفاء."

ساد الصمت لثوانٍ، لم يكن يُسمع فيها سوى صدى المطر الخفيف على الزجاج الفاخر.

اللتف أدريان نحو مكتبه، وفتح أحد الأدراج الرخامية، ليخرج منه وحدة ذاكرة (Flash Drive) صغيرة مصنوعة من الفولاذ الأسود، ووضعها ببطء على الطاولة بينهما.

تسمرت عينا فاليريا على قطعة الفولاذ، وارتفع نبضها في حنجرتها.

"ما هذا؟" سألت بصوت خفيض ترتجف فيه النبرة رغماً عنها.

قال أدريان بثبات قاطع: "هذا جزيء مسرّب من التسجيل الصوتي لليلة وفاة إليانور سينكلير.. الجزء الذي يثبت أن جهاز التنفس في غرفة المستشفى لم يتوقف بسبب خلل طبي كما أُعلن للصحافة."

مدت فاليريا يدها المترجفة لتأخذ الذاكرة الفولاذية، لكن أدريان وضع يده الضخمة والدافئة فوق الذاكرة فوراً، حابساً أنفاسها بقربه المفاجئ ونظراته الحادة التي اخترقتها.

تلاقت أعينهما في مواجهة صامتة ومشتعلة بين الوريثة التي تحترق للانتقام والرجل الذي يمسك بمقاليد اللعبة.

قال أدريان بصوت عميق وبارد: "لا شيء مجاني في عالمي يا فاليريا.. ولن أمنحكِ سلاح الانتقام دون أن أضمن أنكِ تقفين في صفّي بالكامل."

سحبت فاليريا يدها بكبرياء جريح، وعدّلت وقفتها لتبرز انحناءات جسدها وقوة حضورها أمام نفوذه:

"ما هو ثمنك يا أدريان؟ الثروة؟ الأسهم؟ أم النفوذ؟"

تطلع أدريان إلى عينيها الثابتتين، والى شجاعتها التي لم تهتز رغم الصدمات، ثم قال بصوت هادئ هز أركان القاعة بأكملها:

"فسخ خطوبتي من إيزابيلا رسمياً.. وإعلان زواجنا نحن، خلال أسبوع واحد."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تزوجت خطيب أختي    الفصل السابع والأربعون

    الفصل السابع والأربعون: العاصفةُ الباردةُ خلف الأبواب المغلقة انفتحت الأبواب الخشبية المصنوعة من الجوز الداكن بصريرٍ ثقيل، ثم أُغلقت خلفنا لتُطبق على المكان هدوءاً حاداً ومعزولاً عن العالم الخارجي. كانت القاعة المغلقة في أعلى برج آل فيرّيتي تسودها هيبة أرستقراطية طاعنة؛ جدرانٌ مغطاة بالجلد الفاخر، وطاولة بيضاوية من الرخام الأسود يتوسطها فنجان بورسيلين واحد، ودخانٌ خفيف يتصاعد من أنفاس الصباح البارد الذي يطل عبر زجاج النوافذ الضخمة الممتدة من الأرض إلى السقف. هناك، في الجهة المقابلة للطاولة، كان يجلس العم رولاند. لم يكن يبدو كمتهم، ولا كرجل تُحاصر أصوله في البنوك، بل كان يجلس برصانة الملوك القدامى. يرتدي بدلة رمادية من الصوف النقي، واضعاً يداً واحدة على الطاولة والأخرى تحتضن مقبض عصاه العاجية الفاخرة. ملامحه الحادة وابتسامته الجانبية الباردة تعكس ذكاء ذئبٍ خاض مئات المعارك القضائية والاقتصادية ولم يخرج منها إلا منتصراً. تقدم أدريان بخطواته الثقيلة المحملة بالسيادة، يده القوية تطوق كفي الملساء بتملك وشموخ. سحب لي الكرسي الرئيسي بعناية، ثم جلس بجانبي، ملقياً بجسده الضخم والعريض نحو ا

  • تزوجت خطيب أختي    الفصل السادس والأربعون

    كان الصباح يسكب ضوءاً فضياً بارداً عبر نوافذ الجناح الملكي العالية، يلقي بظلالٍ متطاولة على الأثاث الكلاسيكي الفاخر. سكونٌ مهيب يسبق العاصفة الدبلوماسية، والجو مشحونٌ بكهرباء خفية تجعل الأنفاس محبوسة في الصدور، وكأن القصر بأكمله يترقب أولى جولات الشطرنج القاتلة. وقفتُ أمام المرآة الكريستالية الضخمة ذات الإطار الذهبي المعتق، أرتدي ثوباً رسمياً من المخمل الأسود الملكي، محبوكاً بياقة أرستقراطية عالية ومستقيمة، تبرز انحناءات قوامي الممتلئ وشموخ عنقي بوقار قاطع. كنتُ أثبّت بتمهل دبوساً يدوياً نادر الصنع من الماس والزمرد الأخضر—الرمز القديم لسلطة عائلة أمي وإمبراطورية "إليانور"—ولكن يدي الملساء ارتجفت لكسرٍ من الثانية؛ ليس خوفاً أو تردد، بل من فرط الجاهزية والترقب الحار لخوض هذه الحرب الباردة ضد رجل يحفظ قوانين اللعبة ومداخلها. في تلك اللحظة، ظهر انعكاس أدريان في عمق المرآة. كان يبدو كإلهٍ للسيطرة والهيبة المطلقة؛ بدلة سوداء مجهزة خصيصاً في ميلانو، قماشها الفاخر يمتص الضوء ليمنحه حضوراً مرعباً ومطرقاً. كانت نظراته السوداء الحادة تثقب الانعكاس، وخطواته الثقيلة والموزونة على السجاد العجمي

  • تزوجت خطيب أختي    الفصل الخامس والأربعون

    الفصل الثاني والأربعون: شطرنجُ العقول والأرقام كانت عقارب الساعة الرخامية الضخمة على حائط المكتب العتيق تعلن دخول منتصف الليل. الهدوء الذي يخيم على البرج الرئيسي لـ آل فيرّيتي كان هدوءاً خادعاً؛ فالأوراق الممتدة على الطاولة الخشبية المصنوعة من الجوز الداكن لم تكن مجرد مستندات مالية عادية، بل كانت خريطة معقدة لـ "حصار اقتصادي بارد" نعدّه بحذر شديد. جلس أدريان خلف مكتبه الفاخر، ملتفاً بهيبته السيادية الساطعة. كان قد حلّ الأزرار العلوية لقميصه الأبيض وشمر أكمامه بنعومة أظهرت عروق ساعديه القويتين والتفاصيل الحادة لملامحه. كنتُ أقف بجانبه، أحمل مكبراً زجاجياً صغيراً وأتتبع الحواشي المكتوبة بخط اليد على هوامش التقارير المالية القديمة للشركة. "رولاند لا يحارب بالعضلات ولا بالرصاص يا فاليريا..." قال أدريان بصوت خفيض ورصين، ونظراته الحادة تتفحص الرسم البياني لحركة أسهم الشركة في البورصة: "... إنه رجل قانون واقتصاد متمرس. يحارب بالثغرات التشريعية الملتوية، وبالبند 'رقم 14' المنسي في عقد تأسيس مجموعة آل فيرّيتي." اقتربتُ منه أكثر، وتسللت يدي الملساء والدافئة لتضع القلم الذهبي على نقطة معينة

  • تزوجت خطيب أختي    الفصل الرابع والأربعون

    الفصل الحادي والأربعون: حوارُ الذئاب على طاولة الشطرنج ساد القاعة سكونٌ ثقيل. كانت خيوط الشمس الغاربة تعكس بريقاً دمائياً على الطاولة الرخامية الفاخرة لبرج آل فيرّيتي. لم يهرب العم رولاند، ولم يطلب مغادرة القاعة فوراً... بل شبّك أصابعه فوق الطاولة برصانة، وانحنى بجسده ببطء نحو الأمام. ارتسمت على شفتيه الرفيعتين ابتسامة جانبية باردة كالموت، وعيناه الزئبقيتان تتألقان بالدهاء والهدوء المطلق. "جرعات مورفين متزايدة وثغرات أرشيفية؟" نطق رولاند بصوت خفيض يفيض بالثقة الهادئة: "فاليريا العزيزة... أدريان يا بني... الاتهامات العاطفية سهلة الصياغة، لكن ألا تعتقدان أن منطق اللعبة أكبر بكثير من مجرد التكهنات؟" تصلب جسد أدريان بجانبي كتمثال من الصلب. ضغطت يده القوية على انحناءة خصري بتملك وحماية حارقة، وتقدم خطوة واحدة ليلقي بظله الضخم على نصف الطاولة، ونظر في عيني عمه بنبرة سيادية قاطعة: "اللعبة لم تبدأ بعد يا عمي..." قال أدريان بنبرة حادة كالمشرط: "... والمنطق الذي تتحدث عنه ينهار عندما نبدأ بنبش الحسابات الموازية التي تحولها شهرياً باسم المصحة نفسها. رجل مثلك لا يدفع مبالغ ضخمة لمؤسسة

  • تزوجت خطيب أختي    الفصل الثالث والأربعون

    الفصل الثالث الأربعون: خيوطُ الشباك ورقصةُ الأفاعي كانت زُخات المطر تتساقط بغزارة على المقر الرئيسي لـ آل فيرّيتي، تطرق زجاج النوافذ الضخمة كإيقاع طبلٍ يشي بمعركة قادمة لا رحمة فيها. في الجناح الملكي، ساد سكونٌ مشحونٌ بالوتر الشديد. لم نعد نائمين في سبات الراحة؛ فالحقيقة التي انجلت عن مقتل أمي لم تكن مجرد جرحٍ قديم انفتح، بل كانت عاصفة تهدد بابتلاع كل ما بنيناه. لكن هذه المرة، لم أكن أقف وحدي في مواجهة هذا الظلام. جلستُ أمام مرآة الزينة الكبيرة، أرتدي فستاناً مخملياً باللون الأسود الملكي، يتساقط بوقار ونعومة ليبرز انحناءات قوامي الممتلئ وجمال بشرتي المتوردة. كنتُ أضع أقراطاً من اللؤلؤ الأسود—الرمز العائلي للحداد والسيطرة لدى آل هولدينغز. ظهر انعكاس أدريان في المرآة. كان قد ارتدي بدلتيه السوداء ذات الترتيب الإيطالي المتقن، ويبدو كإلهٍ للغضب والسيادة. تقدم بخطى ثقيلة ورزينة حتى وقف خلفي مباشرة. انحنى بقوامه الضخم، وتسللت يداه القويتان لترتاحا بثبات وتملك صريح على انحناءة خصر الممتلئ من الخلف، يجذبني إليه برفق قاطع حتى التصق ظهري بصدري الصلب الدافئ. انحنى أدريان قليلاً، ودفن وجهه ف

  • تزوجت خطيب أختي    الفصل الثاني والأربعون

    الفصل الثاني والأربعون: صدى الممرّات المظلمة وخيوطُ الصندوق الأبنوسي كان السكون السائد في الجناح الملكي أثقل من أن يُطاق. وقفتُ وسط الغرفة الفسيحة، أراقب انعكاس سحب باريس الماطرة وهي تتلاشى على زجاج النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف. كانت رائحة عطر أدريان الخشبي الدافئ ما تزال تعلق بالأثاث وبأغطية السرير الحريرية، تذكرني بأنه قبل ساعات فقط، كنتُ بين يديه امرأة لا تعرف الخوف، تنعم بالأمان والسلام في حضنه القوي. لكن الآن، أصبحتُ مجرد ظلٍّ يتجول في قصرٍ بنيت جدرانه على أسرار عائلة تزوجتُ أحد أبنائها للانتقام، لأجد نفسي أغوص في مستنقعٍ أكثر ظلاماً. جلستُ على طرف الكنبة المخملية، ورفعتُ كفي الملساء لأتأمل الخاتم الماسي الثقيل في أصبعي—خاتم آل فيرّيتي. أمي... كيف لي أن أنسى وجهها الحنون الرقيق، وعينيها اللتين انطفأ فيهما شغف الحياة تدريجياً داخل تلك المصحة النائية؟ طوال السنين الماضية، كانت كل شكوكي تتجه نحو أبي. كنتُ موقنة بوجود تقارير طبية مزورة وجشع مالي دفعه للتخلص منها ليستولي على أصول شركة "إليانور". لكن أن تتدخل يدٌ خارجية من آل فيرّيتي؟ أن تقتل أمي في مصحتها بيد رجلٍ ينتمي للعا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status