Share

الفصل الثالث

Author: Manel Kh
last update publish date: 2026-08-16 04:16:51

الفصل الثالث:

**واجهة الشك**

كان زجاج السيارة يرتجف إثر المطر الذي يزداد قسوة، تماماً كيدي فاليريا اللتين كانتا تقبضان على عجلة القيادة بجمود.

لم تكن ترى الشارع أمامها بوضوح؛ فالصورة القديمة للرسالة المجهولة كانت مطبوعة داخل عينيها. امرأة أخرى، طفلة صغيرة، وتاريخ يسبق ولادتها بعامين كاملين.. كذبة امتدت لثلاثة عقود، وعاشتها هي كحقيقة مطلقة.

أوقفت سيارتها أمام مدخل القصر الرخامي، وهبطت خطوة بخطوة. كانت بدلتها السوداء مبتلة عند الأطراف، لكنها لم تهتم. دخلت البهو الفسيح الذي طالما بدا لها بارداً، متجهةً مباشرة نحو مكتب والدها في الطابق الأرضي.

دفعت الباب الخشبي الضخم دون استئذان.

كان فيتوريو روسّي يسكب لنفسه كأسًا من المشروب خلف مكتبه الفاخر. رفع عينيه نحوها ببرود، وكأنه كان يتوقع حضورها.

"ألم يعلمكِ أحد أصول طرق الأبواب؟" قالها بصوت هادئ ومستفز.

أغلقت فاليريا الباب خلفها، وتقدمت بخطوات ثقيلة وثابتة، وقوامها الممتلئ يحمل كبرياءً مجروحاً لكنه غير منكسر.

"من تكون هذه المرأة التي في الصورة؟" سألته بنبرة حادة.

لم يرف له جفن. "أي صورة؟"

أخرجت هاتفها ووضعت الشاشة أمام وجهه مباشرة. ظهرت الصورة القديمة، والتاريخ المكتوب أسفلها بوضوح.

تغير مجرى الهواء في الغرفة لثوانٍ. انقبض فك فيتوريو، ورغم حنكتها في إخفاء مشاعره، رأت فاليريا لمعة ارتباك خاطفة في عينيه قبل أن يرتشف من كأسه ويهز رأسه.

"ألعاب أطفال يا فاليريا.. شخص ما يحاول العبث بعقلكِ ليشتتكِ عن قرارات الشركة."

"لا تتهرب!" صرخت فاليريا، واهتز صوتها بالغضب. "هذه الفتاة في الصورة هي إيزابيلا! أليس كذلك؟ والدتها كانت في حياتك قبل أن تتزوج أمي أصلاً! لقد بنيت زواجك من أمي على كذبة استغليت فيها اسمها وثروة عائلتها!"

وضع فيتوريو الكأس على الطاولة بقوة أحدثت صوتاً حاداً:

"أمكِ كانت تعرف كل شيء ينبغي لها معرفته! وإذا كنتِ تظنين أنكِ بهذه المهاترات ستغيرين حقيقة أن إيزابيلا أصبحت مالكة لأسهم في الشركة، فأنتِ واهمة."

اقتربت فاليريا أكثر، وانحنت فوق الطاولة لتكون عينها في عينيه مباشرة، وقالت بصوت خفيض ومرعب:

"وماذا عن الليلة التي ماتت فيها أمي؟"

تجمد فيتوريو في مكانه.

تابعت فاليريا وهي ترقب كل حركة في وجهه: "ماذا عن التسجيل الصوتي ليلة إيقاف أجهزة التنفس؟"

ساد صمت مميت في المكتب. خفتت أضواء الغرفة، وتلاقت أعينهما في معركة صامتة. ولأول مرة، رأت فاليريا والدهـا يبتلع ريقه بصعوبة، وزاغ بصره نحو النافذة المغلقة.

"من أخبركِ بهذا الهراء؟" سأل بنبرة خالية من الدفء، بل حملت تهديداً صريحاً.

ابتسمت فاليريا بسخرية جافة، متأكدة الآن أن كلام أدريان لم يكن مجرد ادعاء فارغ.

"لا يهم من أخبرني.. المهم أنني سأصل إلى ذلك التسجيل، وإذا اكتشفتُ أن لكَ يداً في موتها، فلن يكفيني حرمانك من الشركة فقط.. سأبيدك يا فيتوريو."

استدارت لتغادر دون أن تنتظر رده، لكن صوته لحقها عند الباب:

"فاليريا! أنتِ تلعبين في منطقة خطرة للغاية.. هناك أشياء إذا نُبشت، لن تحرقني وحدي، بل ستلتهمكِ أنتِ أيضاً."

لم تلتفت إليه. فتحت الباب وغادرت القصر كلياً.

ركبت سيارتها مجدداً، وعيناها مثبتتان على هاتفها. طلبت رقم سكرتيرتها الخاصة، وحين جاءها الرد، قالت فاليريا بصرامة لا تقبل النقاش:

"احجزي لي موعداً فورياً غداً مع أدريان فيرّيتي.. في مقر شركته الرئيسي."

توقفت السكرتيرة بتردد: "السيد فيرّيتي؟ لكنه خطيب أختكِ إيزابيلا، وجداول أعماله مغلقة لأسابيع يا آنسة فاليريا..."

قطعت فاليريا كلامها بصوت حاسم:

"قولي له إن ابنة إليانور سينكلير تنتظره.. وهو سيفسح المجال فوراً."

أغلقت الهاتف، ونظرت إلى انعكاس وجهها في المرآة.

كانت تعلم أنها تسير بملء إرادتها نحو عرين الأسد، وأن أدريان رجل خطير لا يقدم شيئاً مجاناً.. لكن للوصول إلى الحقيقة والانتقام لوالدتها، كانت مستعدة للسير في الجحيم نفسه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تزوجت خطيب أختي    الفصل السابع والأربعون

    الفصل السابع والأربعون: العاصفةُ الباردةُ خلف الأبواب المغلقة انفتحت الأبواب الخشبية المصنوعة من الجوز الداكن بصريرٍ ثقيل، ثم أُغلقت خلفنا لتُطبق على المكان هدوءاً حاداً ومعزولاً عن العالم الخارجي. كانت القاعة المغلقة في أعلى برج آل فيرّيتي تسودها هيبة أرستقراطية طاعنة؛ جدرانٌ مغطاة بالجلد الفاخر، وطاولة بيضاوية من الرخام الأسود يتوسطها فنجان بورسيلين واحد، ودخانٌ خفيف يتصاعد من أنفاس الصباح البارد الذي يطل عبر زجاج النوافذ الضخمة الممتدة من الأرض إلى السقف. هناك، في الجهة المقابلة للطاولة، كان يجلس العم رولاند. لم يكن يبدو كمتهم، ولا كرجل تُحاصر أصوله في البنوك، بل كان يجلس برصانة الملوك القدامى. يرتدي بدلة رمادية من الصوف النقي، واضعاً يداً واحدة على الطاولة والأخرى تحتضن مقبض عصاه العاجية الفاخرة. ملامحه الحادة وابتسامته الجانبية الباردة تعكس ذكاء ذئبٍ خاض مئات المعارك القضائية والاقتصادية ولم يخرج منها إلا منتصراً. تقدم أدريان بخطواته الثقيلة المحملة بالسيادة، يده القوية تطوق كفي الملساء بتملك وشموخ. سحب لي الكرسي الرئيسي بعناية، ثم جلس بجانبي، ملقياً بجسده الضخم والعريض نحو ا

  • تزوجت خطيب أختي    الفصل السادس والأربعون

    كان الصباح يسكب ضوءاً فضياً بارداً عبر نوافذ الجناح الملكي العالية، يلقي بظلالٍ متطاولة على الأثاث الكلاسيكي الفاخر. سكونٌ مهيب يسبق العاصفة الدبلوماسية، والجو مشحونٌ بكهرباء خفية تجعل الأنفاس محبوسة في الصدور، وكأن القصر بأكمله يترقب أولى جولات الشطرنج القاتلة. وقفتُ أمام المرآة الكريستالية الضخمة ذات الإطار الذهبي المعتق، أرتدي ثوباً رسمياً من المخمل الأسود الملكي، محبوكاً بياقة أرستقراطية عالية ومستقيمة، تبرز انحناءات قوامي الممتلئ وشموخ عنقي بوقار قاطع. كنتُ أثبّت بتمهل دبوساً يدوياً نادر الصنع من الماس والزمرد الأخضر—الرمز القديم لسلطة عائلة أمي وإمبراطورية "إليانور"—ولكن يدي الملساء ارتجفت لكسرٍ من الثانية؛ ليس خوفاً أو تردد، بل من فرط الجاهزية والترقب الحار لخوض هذه الحرب الباردة ضد رجل يحفظ قوانين اللعبة ومداخلها. في تلك اللحظة، ظهر انعكاس أدريان في عمق المرآة. كان يبدو كإلهٍ للسيطرة والهيبة المطلقة؛ بدلة سوداء مجهزة خصيصاً في ميلانو، قماشها الفاخر يمتص الضوء ليمنحه حضوراً مرعباً ومطرقاً. كانت نظراته السوداء الحادة تثقب الانعكاس، وخطواته الثقيلة والموزونة على السجاد العجمي

  • تزوجت خطيب أختي    الفصل الخامس والأربعون

    الفصل الثاني والأربعون: شطرنجُ العقول والأرقام كانت عقارب الساعة الرخامية الضخمة على حائط المكتب العتيق تعلن دخول منتصف الليل. الهدوء الذي يخيم على البرج الرئيسي لـ آل فيرّيتي كان هدوءاً خادعاً؛ فالأوراق الممتدة على الطاولة الخشبية المصنوعة من الجوز الداكن لم تكن مجرد مستندات مالية عادية، بل كانت خريطة معقدة لـ "حصار اقتصادي بارد" نعدّه بحذر شديد. جلس أدريان خلف مكتبه الفاخر، ملتفاً بهيبته السيادية الساطعة. كان قد حلّ الأزرار العلوية لقميصه الأبيض وشمر أكمامه بنعومة أظهرت عروق ساعديه القويتين والتفاصيل الحادة لملامحه. كنتُ أقف بجانبه، أحمل مكبراً زجاجياً صغيراً وأتتبع الحواشي المكتوبة بخط اليد على هوامش التقارير المالية القديمة للشركة. "رولاند لا يحارب بالعضلات ولا بالرصاص يا فاليريا..." قال أدريان بصوت خفيض ورصين، ونظراته الحادة تتفحص الرسم البياني لحركة أسهم الشركة في البورصة: "... إنه رجل قانون واقتصاد متمرس. يحارب بالثغرات التشريعية الملتوية، وبالبند 'رقم 14' المنسي في عقد تأسيس مجموعة آل فيرّيتي." اقتربتُ منه أكثر، وتسللت يدي الملساء والدافئة لتضع القلم الذهبي على نقطة معينة

  • تزوجت خطيب أختي    الفصل الرابع والأربعون

    الفصل الحادي والأربعون: حوارُ الذئاب على طاولة الشطرنج ساد القاعة سكونٌ ثقيل. كانت خيوط الشمس الغاربة تعكس بريقاً دمائياً على الطاولة الرخامية الفاخرة لبرج آل فيرّيتي. لم يهرب العم رولاند، ولم يطلب مغادرة القاعة فوراً... بل شبّك أصابعه فوق الطاولة برصانة، وانحنى بجسده ببطء نحو الأمام. ارتسمت على شفتيه الرفيعتين ابتسامة جانبية باردة كالموت، وعيناه الزئبقيتان تتألقان بالدهاء والهدوء المطلق. "جرعات مورفين متزايدة وثغرات أرشيفية؟" نطق رولاند بصوت خفيض يفيض بالثقة الهادئة: "فاليريا العزيزة... أدريان يا بني... الاتهامات العاطفية سهلة الصياغة، لكن ألا تعتقدان أن منطق اللعبة أكبر بكثير من مجرد التكهنات؟" تصلب جسد أدريان بجانبي كتمثال من الصلب. ضغطت يده القوية على انحناءة خصري بتملك وحماية حارقة، وتقدم خطوة واحدة ليلقي بظله الضخم على نصف الطاولة، ونظر في عيني عمه بنبرة سيادية قاطعة: "اللعبة لم تبدأ بعد يا عمي..." قال أدريان بنبرة حادة كالمشرط: "... والمنطق الذي تتحدث عنه ينهار عندما نبدأ بنبش الحسابات الموازية التي تحولها شهرياً باسم المصحة نفسها. رجل مثلك لا يدفع مبالغ ضخمة لمؤسسة

  • تزوجت خطيب أختي    الفصل الثالث والأربعون

    الفصل الثالث الأربعون: خيوطُ الشباك ورقصةُ الأفاعي كانت زُخات المطر تتساقط بغزارة على المقر الرئيسي لـ آل فيرّيتي، تطرق زجاج النوافذ الضخمة كإيقاع طبلٍ يشي بمعركة قادمة لا رحمة فيها. في الجناح الملكي، ساد سكونٌ مشحونٌ بالوتر الشديد. لم نعد نائمين في سبات الراحة؛ فالحقيقة التي انجلت عن مقتل أمي لم تكن مجرد جرحٍ قديم انفتح، بل كانت عاصفة تهدد بابتلاع كل ما بنيناه. لكن هذه المرة، لم أكن أقف وحدي في مواجهة هذا الظلام. جلستُ أمام مرآة الزينة الكبيرة، أرتدي فستاناً مخملياً باللون الأسود الملكي، يتساقط بوقار ونعومة ليبرز انحناءات قوامي الممتلئ وجمال بشرتي المتوردة. كنتُ أضع أقراطاً من اللؤلؤ الأسود—الرمز العائلي للحداد والسيطرة لدى آل هولدينغز. ظهر انعكاس أدريان في المرآة. كان قد ارتدي بدلتيه السوداء ذات الترتيب الإيطالي المتقن، ويبدو كإلهٍ للغضب والسيادة. تقدم بخطى ثقيلة ورزينة حتى وقف خلفي مباشرة. انحنى بقوامه الضخم، وتسللت يداه القويتان لترتاحا بثبات وتملك صريح على انحناءة خصر الممتلئ من الخلف، يجذبني إليه برفق قاطع حتى التصق ظهري بصدري الصلب الدافئ. انحنى أدريان قليلاً، ودفن وجهه ف

  • تزوجت خطيب أختي    الفصل الثاني والأربعون

    الفصل الثاني والأربعون: صدى الممرّات المظلمة وخيوطُ الصندوق الأبنوسي كان السكون السائد في الجناح الملكي أثقل من أن يُطاق. وقفتُ وسط الغرفة الفسيحة، أراقب انعكاس سحب باريس الماطرة وهي تتلاشى على زجاج النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف. كانت رائحة عطر أدريان الخشبي الدافئ ما تزال تعلق بالأثاث وبأغطية السرير الحريرية، تذكرني بأنه قبل ساعات فقط، كنتُ بين يديه امرأة لا تعرف الخوف، تنعم بالأمان والسلام في حضنه القوي. لكن الآن، أصبحتُ مجرد ظلٍّ يتجول في قصرٍ بنيت جدرانه على أسرار عائلة تزوجتُ أحد أبنائها للانتقام، لأجد نفسي أغوص في مستنقعٍ أكثر ظلاماً. جلستُ على طرف الكنبة المخملية، ورفعتُ كفي الملساء لأتأمل الخاتم الماسي الثقيل في أصبعي—خاتم آل فيرّيتي. أمي... كيف لي أن أنسى وجهها الحنون الرقيق، وعينيها اللتين انطفأ فيهما شغف الحياة تدريجياً داخل تلك المصحة النائية؟ طوال السنين الماضية، كانت كل شكوكي تتجه نحو أبي. كنتُ موقنة بوجود تقارير طبية مزورة وجشع مالي دفعه للتخلص منها ليستولي على أصول شركة "إليانور". لكن أن تتدخل يدٌ خارجية من آل فيرّيتي؟ أن تقتل أمي في مصحتها بيد رجلٍ ينتمي للعا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status