เข้าสู่ระบบأما إيلين، فقد رأت ذلك الاهتمام بوضوح. لم تكن غافلة عن الطريقة التي يراقب بها تفاصيلها، أو عن حرصه على أن تحصل على قسط من الراحة، أو عن الدفء الذي يظهر في عينيه كلما ابتسمت له. كانت تعرف أنه يمنحها مساحة آمنة لا تضطر فيها إلى الدفاع عن نفسها طوال الوقت، وأنه لا يتعامل مع قوتها وكأنها سبب يمنعها من الحصول على الرعاية. ومع ذلك، لم تتعجل تفسير ما تراه، ولم تحاول أن تمنح اللحظة اسمًا لم تكن مستعدة له، بل اكتفت بابتسامة هادئة جعلت آدم يشعر بأن كل ما فعله لم يكن عبثًا. قالت أخيرًا: "حسنًا، أيها الأكاديمي آدم، لقد انتصرت في هذه الجولة. لنذهب إلى الغداء قبل أن تقرر إلقاء محاضرة جديدة عن أهمية النوم والتغذية السليمة". رفع حاجبيه متظاهرًا بالجدية وقال: "اقتراح ممتاز، لكنني أحتفظ بحقي في تقديم المحاضرة إذا اكتشفت أنك تخططين للعودة إلى العمل فور انتهاء الغداء". أجابته: "لن أفعل". فقال: "أريد وعدًا". رمقته بنظرة احتجاج، ثم ضحكت وهي تقول: "آدم!". أشار إلى ذراعه قائلًا: "إذن، تفضلي. لننطلق قبل أن تتذكري سؤالًا جديدًا وتعودي إلى المنصة".نظرت إيلين إلى ذراعه ل
حين رفعت إحدى الطالبات يدها لتطرح سؤالًا جديدًا، ابتسمت إيلين وأشارت إليها بالمتابعة. وبعد أن انتهت الطالبة، وقف طالب من الصفوف الخلفية واعترض على إحدى النتائج، فلم تقاطعه إيلين، بل طلبت منه أن يشرح فرضيته كاملة قبل أن تناقشه. استمعت إليه حتى انتهى، ثم أوضحت له أن المشكلة لم تكن بالضرورة في النتيجة التي توصل إليها، بل في الفرضية التي انطلق منها. وبعد أن أجابته، قالت: "لا تخشوا الاعتراض على ما تسمعونه، لكن تعلموا أولًا كيف تدافعون عن اعتراضكم. العلم لا يتقدم لأننا نتفق جميعًا، بل لأننا نملك الشجاعة لمراجعة ما نظنه صحيحًا، حتى حين يكون ذلك الاعتقاد قد استقر في أذهاننا لسنوات". تبادل الطلاب النظرات، وراح عدد منهم يدون عبارتها في دفاتره، بينما رفعت أيدٍ أخرى تطلب المزيد من التوضيح. كانت إيلين تستمتع بكل لحظة، ولم تكن تشعر بمرور الوقت، فقد كانت ترى في حماسة طلابها واهتمامهم سببًا كافيًا للاستمرار، ولم يخطر ببالها أن الساعة المخصصة للأسئلة قد شارفت على نهايتها منذ زمن.في نهاية القاعة، كان آدم يراقب الوقت على شاشة هاتفه، ثم يرفع عينيه إلى إيلين، وقد بدأ القلق
جلس مراد في صدر الطاولة، وقد وضع أمامه ملفًا مفتوحًا يحتوي على ملخص الخسائر والتسلسل الزمني لتسرب المعلومات. كانت ملامحه جامدة، إلا أن أصابعه التي استقرت قرب حافة الملف كانت تنقر عليها بإيقاع متقطع، في إشارة صغيرة إلى التوتر الذي يحاول إخفاءه. على يمينه جلس نديم، هادئًا على نحو لا يخلو من الصرامة، بينما اتخذ زين مقعده في الجهة المقابلة، يتابع التفاصيل بعينين ثابتتين. أما رامي، فكان يراقب الجميع محاولًا استنتاج ما إذا كان مراد قد توصل إلى شيء لم يعلنه بعد.قال نديم وهو يقلب إحدى الصفحات: "المشكلة ليست في خسارة المشروع وحدها. المشاريع الكبيرة قد تضيع لأسباب كثيرة، لكن وصول هذه المعلومات إلى المنافس بهذه الدقة يعني أن لدينا خللًا في مكان ما، إما في آلية الوصول إلى البيانات أو في طريقة مراجعة من يحق لهم الاطلاع عليها. إذا اكتفينا بتحديد المسؤولية بعد وقوع الضرر، فقد نجد أنفسنا أمام المشكلة نفسها في مشروع آخر."لم يعترض مراد، لكنه رفع عينيه إليه وقال: "أعرف ذلك، ولهذا لن نكتفي بمراجعة الصلاحيات المسجلة على النظام. أريد مراجعة مسارات الوصول إلى الملفات، والتوقيتات، والتع
عند سماع اسم رامي، تذكّر سليم اللقاءات الأخيرة وما رافقها من توترات، لكنه لم يعلّق. اكتفى بالقول: "حسنًا، أنا في الجامعة الآن، وسأتوجه إليكم مباشرة."أنهى المكالمة، ثم ظل ينظر إلى شاشة هاتفه لثوانٍ قبل أن يضعه في جيبه. كان قبل قليل يحاول فهم الأسرار المحيطة بإيلين، والآن أصبح عليه أن يتعامل مع أزمة داخل مجموعة الداغر قد تكون لها امتدادات لا يعرفها بعد. لم يستطع أن يحدد إن كان الأمران منفصلين تمامًا، لكنه لم يسمح لنفسه بالقفز إلى استنتاجات بلا دليل. كان يعلم أن مراد لن يستدعيه إلى اجتماع مغلق بهذه السرعة لو كانت المسألة مجرد خسارة تجارية عادية، وأن تسريب أسرار مجموعة بهذا الحجم قد يعني وجود شخص يعرف تفاصيل لا ينبغي أن تصل إلى المنافسين.ألقى نظرة أخيرة على جناح المعلمين، ثم استدار مبتعدًا. بقي سؤال إيلين يلاحقه، ومعه صورة الباب الذي دخلت خلفه دون أن يتردد أحد في السماح لها بالعبور. لم يعد يستطيع أن ينظر إليها بالطريقة القديمة، لكنه لم يكن يعرف بعد ما الذي ينبغي أن يفعله بما اكتشفه، ولا إن كان ما رآه اليوم مجرد طرف من حقيقة أكبر، أم بداية طريق سيقوده إلى أسرار لم يكن مستعدًا ل
بدت الفكرة في البداية سخيفة إلى حد جعله يرفضها فورًا، لكنه لم يستطع التخلص منها. إيلورا ڤيل، إحدى الشخصيات الأكاديمية الغامضة التي ارتبط اسمها بمحاضرات الأمن السيبرانى و الخوارزميات التنبؤية والمحاكاة العلمية في جامعة أوريليا الوطنية، لم تكن مجرد أستاذة بارعة يعرفها الطلاب من خلال محاضراتها؛ لقد كانت من الأسماء التي بدأ تداولها في الأوساط البحثية منذ سنوات طويلة، وكانت محاضراتها تُعد من الفرص الاستثنائية التي يسعى إليها أصحاب القدرات العلمية المتميزة. والأهم بالنسبة إلى سليم أن اسمها كان حاضرًا في الجامعة منذ الوقت الذي كان فيه هو نفسه طالبًا، قبل سنوات طويلة.ضغط شفتيه، وحاول أن يستعيد التسلسل الزمني الذي يعرفه. "لكن هذا غير منطقي. إيلورا ڤيل تُلقي محاضراتها هنا منذ أن كنا طلابًا. كانت إيلين في الرابعة عشرة تقريبًا وقتها، فكيف يمكن أن تكون هي نفسها؟ كيف استطاعت أن تبني هذه المكانة العلمية في ذلك العمر، وكيف لم يعرف أحد حقيقتها طوال هذه السنوات؟"لم يجد إجابة. كان يعرف أن إيلين ذكية، وأنها تمتلك قدرة غير عادية على تحليل المواقف والتحدث بثقة في بعض الموضوعات،
تذكر ملفها الأكاديمي، وكيف بدت بعض المراحل فيه غير مكتملة، وكيف لم تتوافر معلومات كافية تفسر التقدم السريع في بعض جوانب تعليمها.في ذلك الوقت، اعتبر الأمر نتيجة ظروف خاصة أو إجراءات إدارية غير معتادة، ولم يشأ أن يبني استنتاجات على نقص المعلومات وحده. أما الآن، فقد بدا له أن تلك الفجوات قد تكون أهم من السجلات نفسها. لم تعد المسألة تتعلق بفتاة حصلت على بكالوريوس ثم ماجستير أو حتى دكتوراه مزدوجة؛ فهذه المؤهلات، مهما بلغت قيمتها، لا تفسر وحدها كيف يمكن لشخص أن يشارك في بناء مشروعات تتطلب تكاملًا بين تخصصات علمية متعددة، أو كيف يمكن أن يكون له حضور في مؤسسة بحثية وجامعة نخبوية دون أن تظهر صلته الحقيقية بهما في السجلات المتاحة.رفع سليم عينيه نحو الباب المغلق مرة أخرى، وشعر أن احتمالًا أكثر خطورة بدأ يتشكل في ذهنه. "ماذا لو كانت إيلين قد حصلت على تعليمها الحقيقي في مسارات لم تظهر في أي سجل رسمي؟ ماذا لو كانت هناك أبحاث نُشرت بأسماء أخرى، أو محاضرات أُلقيت بهويات مختلفة، أو مشروعات نُسبت إلى فرق كاملة بينما كان العقل الذي جمعها يعمل في الظل؟"توقف عن التفكير للحظة، ثم هز ر
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف
أما آدم، فظل يراقب إيلين فقط.لأنه الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة.يعرف أن فتاة في الخامسة عشرة من عمرها جلست يومًا داخل غرفة مغلقة… وصممت نظامًا جعل جهات كاملة تعيد بناء أنظمتها الأمنية من الصفر.ويعرف أيضًا أن الدولة نفسها أخفت اسمها عمدًا بعد ذلك.بموجب الاتفاقية السرية واخفاء
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط
“إيلين؟” توقّف يوسف في مكانه، وعيناه متسعتان بوضوح كأنه غير مصدق لما يراه. “أأنتِ حقًا؟” أومأت بهدوء: “نعم.” تحرّك نحوها بسرعة، لكنه توقّف فجأة قبل أن يقترب أكثر. ملامحه تغيّرت؛ الدهشة لم تختفِ… لكنها تحوّلت إلى شيء أثقل: “متى عدتِ؟” “اليوم.” سكت لحظة… ثم ضحك ضحكة قصيرة لم تكن مريحة: “







