Se connecterقال حازم بعد لحظة: "سنعتبر هذه المرحلة منتهية في الوقت الحالي. لا أريد منكم أن تغلقوا الملفات في أذهانكم، لكن لا أريدكم أيضًا أن تظلوا أسرى لها. لديكم أسبوع كامل قبل أن ننتقل إلى المرحلة التالية."رفع زين رأسه وقال: "المرحلة التالية؟"نظر إليه حازم وقال بهدوء: "نعم. بعد أسبوع سأعطيكم ملفات أخرى، وسنرى ماذا ستفعلون بها."تابع حازم: "لا أريد منكم أن تحاولوا معرفة طبيعة الملفات مسبقًا، ولا أن تبحثوا عن معلومات عنها. عندما تصل إليكم، تعاملوا معها كما تتعاملون مع أي ملف يصل إلى مكتبكم للمرة الأولى."سأل نديم: "هل ستكون مرتبطة بهذه الملفات؟"لم يجب حازم مباشرة. اكتفى بابتسامة خفيفة وقال: "ستعرفون عندما تحصلون عليها."ثم أضاف: "كل ما أريده منكم في المرحلة القادمة أن تنظروا إلى الصورة كاملة، لا إلى الجزء الذي يوضع أمامكم فقط. أحيانًا تكون المعلومة الأهم هي الشيء الذي لم يُذكر في الملف أصلًا."لم يعرف الأربعة أن هذه الكلمات كانت أقرب ما يمكن أن يحصلوا عليه من وصف للاختبار الثاني. لم يكن حازم يريد اختبار قدرتهم على تحليل ملف محدد، بل كان يريد أن يعرف إن كانوا قادري
مرت الأيام الثلاثة في منتجع جادة اليشم بهدوء ظاهري، إلا أن الهدوء لم يكن يعني أن أحدًا كان عاطلًا عن التفكير. فبعيدًا عن أجواء الإجازة التي كان يفترض أن تجمع أفراد العائلة والفرق في لحظات من الراحة، ظل الملفات التي وضعها حازم أمام أحفاده الأربعة حاضرة في أذهانهم، حتى إن كل واحد منهم كان يعود إليها في أوقات مختلفة، يقرأ بعض الصفحات من جديد، ويعيد النظر في أرقام أو ملاحظات كان قد تجاوزها في المرة الأولى.لم يكن أحد منهم يعلم أن حازم كان يراقب النتيجة من بعيد، وأن المهمة التي ظنوها مجرد ملف عمل عائلي لم تكن سوى المرحلة الأولى من شيء أكبر بكثير. لم يكن يريد منهم أن يعرفوا أنهم تحت الاختبار، لأن معرفتهم بذلك كانت ستغير طريقة تصرفهم، وربما تدفعهم إلى تقديم الصورة التي يعتقدون أن جدهم يريد رؤيتها بدلًا من أن يظهر كل واحد منهم على حقيقته.وفي صباح اليوم الرابع بعد العودة من الإجازة وقبل موعد إجتماعهم مع الجد ، اجتمع الأحفاد الأربعة في غرفة الأجتماعات ، كانت الملفات قد وُضعت على الطاولة الكبيرة أمامهم، وقد امتلأت بعض صفحاتها بالملاحظات والإشارات والهوامش التي كتبها كل واحد
قال يوسف: "بل أكثر من ذلك، أعتقد أن بعضهم كان مستعدًا لإلغاء الإجازة بالكامل."اعترض أحدهم: "لم نكن سنلغيها."رد يوسف: "كنت تقول ذلك قبل ساعتين."ضحك الرجل وقال: "كنت قلقًا فقط."نظرت إيلين إلى الجميع وقالت: "حسنًا، بما أنني أصبحت أمامكم الآن، أريد منكم شيئًا واحدًا."ساد الصمت للحظة ثم قالت: "استمتعوا بما تبقى من الإجازة. لا أريد أن أسمع أن أحدًا ظل يفكر في ما حدث لي بدلًا من أن يستمتع بوقته."قال أحد الباحثين: "هذا صعب."ابتسمت وقالت: "إذن حاولوا."قال آدم: "هذا أمر مباشر من الرئيسة."رفع يوسف يده وقال: "وأنا شاهد على ذلك."قالت إيلين: "أنت تحديدًا لا أحتاج إلى شاهد عليك."ضحك يوسف وقال: "أنا بريء."رد آدم فورًا: "هذه الجملة وحدها تثبت العكس."تعالت الضحكات من جديد، وشعرت إيلين للمرة الأولى منذ الحادث أن الجو عاد إلى طبيعته. لم تكن بحاجة إلى كلمات كبيرة لتعرف مكانتها بينهم؛ يكفي أنها غابت يومًا واحدًا حتى أصبح المنتجع كله ينتظر عودتها.وبينما كان ذلك المشهد يدور أمامه، ظل نديم ينظر إليها دون أن يشعر أنه يفعل ذلك.كان أول
وصلت نرمين إلى منتجع جادة اليشم مع اقتراب المساء، وكانت أول ما فعلته بعد أن ترجلت من السيارة أن أرسلت رسالة إلى نديم تخبره بوصولها. لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى ظهر أمامها، فقد كان ينتظرها بالفعل عند المدخل، وحين رآها اتسعت ابتسامته قليلًا، وكأن وجودها في ذلك الوقت تحديدًا جاء في اللحظة التي كان يحتاج فيها إلى شخص يستطيع أن يفهمه دون أن يضطر إلى شرح كل شيء.قالت نرمين وهي تنظر إليه: "كنت أظن أنك ستتركني أبحث عنك كما تفعل دائمًا."أجاب نديم بهدوء: "هذه المرة كنت أعرف أنك ستأتين."ابتسمت وقالت: "إذن أنت تتعلم أخيرًا."اقترب منها واحتضنها احتضانًا أخويًا سريعًا، ثم أخذ حقيبتها قبل أن تعترض، وقال بهدوء: "مرحبًا بك، كنت أعرف أنك ستصلين اليوم، لكنني لم أتوقع أن تأتي إلى المنتجع بهذه السرعة."ضحكت نرمين وهي تسير بجانبه وقالت: "وأنا لم أتوقع أن أجدك تنتظرني بنفسك. يبدو أن وجودي مهم إلى هذه الدرجة."نظر إليها نديم بطرف عينه وقال: "لا ترفعي سقف توقعاتك."ضحكت أكثر وقالت: "ها قد عدت إلى نديم الذي أعرفه."كان بينهما ذلك النوع من العلاقة الذي لا يحتاج إلى
سكتت لحظة طويلة، ثم قالت: "لم يمت حبي في يوم واحد. ماتت منه أجزاء صغيرة كل يوم. جزء عندما اتهمني. جزء عندما رفض أن يسمعني. جزء عندما سمح لغيره بإهانتي. جزء عندما شعرت أن وجودي في حياته أصبح عبئًا عليه. جزء عندما أدركت أنه يستطيع أن يراني أتألم ولا يسأل حتى لماذا."رفعت عينيها إليهما وقالت: "حتى أنتم لاحظتم نظراتهم إليّ بعد توقيع أوراق الطلاق. كانوا ينظرون إليّ وكأنهم يحاولون معرفة إن كنت أمثل الثبات والقوة أمامهم، أو إن كنت فعلًا بلا مشاعر. لكنني لست هذا ولا ذاك" تنفست ببطء "وفي النهاية لم يبقَ شيء قادر على الاستمرار."وضعت يدها فوق صدرها وقالت: "أنا لم أتوقف عن حبه لأنني قوية. توقفت لأنني تعبت."ثم سقطت دمعة أخرى، وقالت: "تعبت من محاولة إثبات أنني أستحق الحب."ساد الصمت، كانت هذه المرة دموعًا حقيقية، لا تستطيع إيلين إخفاءها ولا تريد ذلك.قالت بصوت مكسور: "هل تعرفان ما الذي يؤلمني أكثر؟ أنني كنت مستعدة أن أعيش معه رغم كل شيء لو أنه صدقني. لم أكن أطلب منه حياة مثالية. لم أكن أطلب منه أن ينسى كل شيء. كنت أريد فقط فرصة واحدة لأقول له: أنا لم أفعلها."ارتجفت
ارتجف صوتها قليلًا، لكنها لم تتوقف، "تخيل أن تعيش مع شخص يعرفك منذ سنوات، يعرف طريقة تفكيرك، يعرف الأشياء التي تخيفك، يعرف الأشياء التي تسعدك، يعرف صمتك قبل أن يعرف كلماتك، ثم يأتي يوم واحد ويقرر أنك شخص آخر تمامًا. كأن السنوات كلها لم تكن موجودة. كأن كل موقف وقفنا فيه معًا لم يكن له قيمة. كأنني تحولت أمام عينيه من إنسانة يعرفها إلى غريبة اقتحمت حياته."أخفضت رأسها، وقالت: "هذا كان أكثر شيء يقتلني."رفع آدم عينيه إليها، لكنه لم يقاطعها.قالت إيلين: "ثم جاءت ميرال."لم تحمل نبرتها غضبًا، بل إرهاقًا قديمًا " منذ أن تعرف إلى ميرال قبل عامين،وأنا أراه يقترب منها أمامي، ويتحدث عنها، ويمنحها المكان الذي كنت أظن يومًا أنه سيكون لي. لم يتوقف الأمر عند مجرد وجود امرأة أخرى في حياته. كان يعرف أن ذلك يؤلمني، ومع ذلك سمح لنفسه بأن يستخدم الأمر بطريقة تؤذيني، كلمة هنا، موقف هناك، مقارنة لا داعي لها، تجاهل متعمد... وكل مرة كنت أقول لنفسي: تحملي، ربما سيتغير شيء، ربما سيأتي يوم يسمعك فيه، ربما سيفهم أنك لم تفعلي ما يعتقده، وفي أوقات كثيرة، كان يتعمد أن يجعلني أشعر بأنني غير مر
“إيلين؟” توقّف يوسف في مكانه، وعيناه متسعتان بوضوح كأنه غير مصدق لما يراه. “أأنتِ حقًا؟” أومأت بهدوء: “نعم.” تحرّك نحوها بسرعة، لكنه توقّف فجأة قبل أن يقترب أكثر. ملامحه تغيّرت؛ الدهشة لم تختفِ… لكنها تحوّلت إلى شيء أثقل: “متى عدتِ؟” “اليوم.” سكت لحظة… ثم ضحك ضحكة قصيرة لم تكن مريحة: “
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف
أما آدم، فظل يراقب إيلين فقط.لأنه الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة.يعرف أن فتاة في الخامسة عشرة من عمرها جلست يومًا داخل غرفة مغلقة… وصممت نظامًا جعل جهات كاملة تعيد بناء أنظمتها الأمنية من الصفر.ويعرف أيضًا أن الدولة نفسها أخفت اسمها عمدًا بعد ذلك.بموجب الاتفاقية السرية واخفاء
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط







