Masukتأملت نرمين كلماتها، ثم ابتسمت قائلة: "أنتِ تتحدثين عن الأمر بالطريقة نفسها التي تحدثت بها إيلورا ڤيل. لو لم أكن أعرف أن هذه المحاضرات تُقدَّم منذ سنوات، لظننت أنكما تلقيتما التدريب نفسه على الأقل". تبادل آدم وإيلين نظرة عابرة، لكن إيلين لم تبدِ ارتباكًا، بل اكتفت بابتسامة هادئة وقالت: "ربما لأن الأسلوب الجيد في التعليم يعتمد على مبادئ مشتركة، خصوصًا حين يكون الهدف هو مساعدة المتعلم على التفكير بنفسه، لا تلقينه الإجابات". اقتنعت نرمين بإجابتها، وعادت إلى الحديث عن المحاضرة، بينما ظل آدم يصغي إليهما، سعيدًا بأن إيلين استطاعت أن تدير الحديث دون أن تثير شكوكًا أو تضطر إلى اختلاق تفاصيل غير ضرورية. كانت نرمين ذكية وملاحظة، لكنها لم تكن تعرف أن المرأة الجالسة أمامها هي نفسها المعلمة التي أعجبت بها قبل قليل، ولم يخطر ببالها أن التشابه الذي لاحظته قد يكون أعمق بكثير من مجرد تقارب في أساليب التدريس.استمر الحديث بين الثلاثة، وانتقل من موضوعات المحاضرة إلى التطبيقات العملية التي يمكن أن يستفيد منها الطلاب في أبحاثهم ومشروعاتهم. كانت نرمين تطرح أسئلة دقيقة، وتستمع باهت
جلست نرمين أخيرًا، ثم رتبت حقيبتها بجوارها وقالت معتذرة: "أعتذر عن اقتحام جلستكما، لكنني جئت إلى الجامعة وحدي اليوم. كان من المفترض أن يرافقني أخي نديم، إلا أن أمرًا طارئًا حدث في مجموعة الداغر واضطر إلى الذهاب، وإلا لكان حضر معي بالتأكيد، فقد كان متحمسًا للغاية لحضور هذه المحاضرات". رفع آدم فنجان قهوته قليلًا قبل أن يسألها: "ألم تري ابني عمومتك، ماجد وليلي؟ كنت أظن أنهما سيحضران أيضًا". تنهدت نرمين بخفة، ثم أجابته: "رأيتهما، لكنهما لا يرافقانني في كل شيء. إنهما طفلان بالنسبة إليّ أحيانًا، كما أننا لسنا على وفاق تام في جميع الأمور، فهناك اختلاف واضح في طريقة تفكيرنا واهتماماتنا". رفع آدم حاجبه قليلًا وقال: "هذا واضح". التفتت إليه نرمين باستغراب، إذ لم تستوعب ما قصده من عبارته المقتضبة، فسألته: "عفوًا، ماذا قلت؟". أجابها آدم دون أن يغير نبرة صوته: "لا شيء يستحق التوقف عنده. لكن ألم يحضر أي شخص آخر من أفراد عائلتك؟ حسب معلوماتي، كان أفراد عائلتك يعتبرون المعلمين قدوة لهم، وكانت هذه المحاضرات من الأمور التي يحرصون على حضورها، لذلك استغربت حين قلتِ إنك جئت وحدك"
ردت إيلين وهي تبتسم: "إذا ظهر يوسف، فسأترك لك مهمة منعه. لقد أعلنت اليوم أنني لن أتدخل في أي نقاش أكاديمي بعد الغداء". أجاب آدم: "اتفاق ممتاز. سأستغل سلطتي الأكاديمية في حماية وجبتنا". نظرت إليه إيلين باستنكار مرح وقالت: "سلطتك الأكاديمية؟". وضع آدم يده على صدره متظاهرًا بالاعتزاز: "نعم، أنا آدم، المسؤول عن ضمان حصول المعلمين على قسط كافٍ من الراحة والطعام، ومراقبة أي محاولات للتهرب من الالتزامات الصحية". ضحكت إيلين وقالت: "أعتقد أنك تحتاج إلى لقب جديد". سألها: "مثل ماذا؟". أجابت: "المشرف العام على شؤون القهوة والغداء". رد آدم بجدية مصطنعة: "أقبل المنصب، بشرط أن تكوني أنتِ أول من يستفيد من خدماتي". لم تجبه، لكنها ابتسمت له ابتسامة جعلته يشعر بأن الطريق إلى الكافتيريا أصبح أقصر مما ينبغي.كانت الكافتيريا مزدحمة بالطلاب وأعضاء هيئة التدريس الذين انتهوا من محاضراتهم الصباحية، وانتشرت في المكان أصوات الأحاديث المتداخلة ورائحة الطعام والقهوة الطازجة. اختار آدم طاولة بعيدة نسبيًا عن المدخل الرئيسي، حيث يمكنهما تناول الغداء دون أن يضطرا إلى التوق
أما إيلين، فقد رأت ذلك الاهتمام بوضوح. لم تكن غافلة عن الطريقة التي يراقب بها تفاصيلها، أو عن حرصه على أن تحصل على قسط من الراحة، أو عن الدفء الذي يظهر في عينيه كلما ابتسمت له. كانت تعرف أنه يمنحها مساحة آمنة لا تضطر فيها إلى الدفاع عن نفسها طوال الوقت، وأنه لا يتعامل مع قوتها وكأنها سبب يمنعها من الحصول على الرعاية. ومع ذلك، لم تتعجل تفسير ما تراه، ولم تحاول أن تمنح اللحظة اسمًا لم تكن مستعدة له، بل اكتفت بابتسامة هادئة جعلت آدم يشعر بأن كل ما فعله لم يكن عبثًا. قالت أخيرًا: "حسنًا، أيها الأكاديمي آدم، لقد انتصرت في هذه الجولة. لنذهب إلى الغداء قبل أن تقرر إلقاء محاضرة جديدة عن أهمية النوم والتغذية السليمة". رفع حاجبيه متظاهرًا بالجدية وقال: "اقتراح ممتاز، لكنني أحتفظ بحقي في تقديم المحاضرة إذا اكتشفت أنك تخططين للعودة إلى العمل فور انتهاء الغداء". أجابته: "لن أفعل". فقال: "أريد وعدًا". رمقته بنظرة احتجاج، ثم ضحكت وهي تقول: "آدم!". أشار إلى ذراعه قائلًا: "إذن، تفضلي. لننطلق قبل أن تتذكري سؤالًا جديدًا وتعودي إلى المنصة".نظرت إيلين إلى ذراعه ل
حين رفعت إحدى الطالبات يدها لتطرح سؤالًا جديدًا، ابتسمت إيلين وأشارت إليها بالمتابعة. وبعد أن انتهت الطالبة، وقف طالب من الصفوف الخلفية واعترض على إحدى النتائج، فلم تقاطعه إيلين، بل طلبت منه أن يشرح فرضيته كاملة قبل أن تناقشه. استمعت إليه حتى انتهى، ثم أوضحت له أن المشكلة لم تكن بالضرورة في النتيجة التي توصل إليها، بل في الفرضية التي انطلق منها. وبعد أن أجابته، قالت: "لا تخشوا الاعتراض على ما تسمعونه، لكن تعلموا أولًا كيف تدافعون عن اعتراضكم. العلم لا يتقدم لأننا نتفق جميعًا، بل لأننا نملك الشجاعة لمراجعة ما نظنه صحيحًا، حتى حين يكون ذلك الاعتقاد قد استقر في أذهاننا لسنوات". تبادل الطلاب النظرات، وراح عدد منهم يدون عبارتها في دفاتره، بينما رفعت أيدٍ أخرى تطلب المزيد من التوضيح. كانت إيلين تستمتع بكل لحظة، ولم تكن تشعر بمرور الوقت، فقد كانت ترى في حماسة طلابها واهتمامهم سببًا كافيًا للاستمرار، ولم يخطر ببالها أن الساعة المخصصة للأسئلة قد شارفت على نهايتها منذ زمن.في نهاية القاعة، كان آدم يراقب الوقت على شاشة هاتفه، ثم يرفع عينيه إلى إيلين، وقد بدأ القلق
جلس مراد في صدر الطاولة، وقد وضع أمامه ملفًا مفتوحًا يحتوي على ملخص الخسائر والتسلسل الزمني لتسرب المعلومات. كانت ملامحه جامدة، إلا أن أصابعه التي استقرت قرب حافة الملف كانت تنقر عليها بإيقاع متقطع، في إشارة صغيرة إلى التوتر الذي يحاول إخفاءه. على يمينه جلس نديم، هادئًا على نحو لا يخلو من الصرامة، بينما اتخذ زين مقعده في الجهة المقابلة، يتابع التفاصيل بعينين ثابتتين. أما رامي، فكان يراقب الجميع محاولًا استنتاج ما إذا كان مراد قد توصل إلى شيء لم يعلنه بعد.قال نديم وهو يقلب إحدى الصفحات: "المشكلة ليست في خسارة المشروع وحدها. المشاريع الكبيرة قد تضيع لأسباب كثيرة، لكن وصول هذه المعلومات إلى المنافس بهذه الدقة يعني أن لدينا خللًا في مكان ما، إما في آلية الوصول إلى البيانات أو في طريقة مراجعة من يحق لهم الاطلاع عليها. إذا اكتفينا بتحديد المسؤولية بعد وقوع الضرر، فقد نجد أنفسنا أمام المشكلة نفسها في مشروع آخر."لم يعترض مراد، لكنه رفع عينيه إليه وقال: "أعرف ذلك، ولهذا لن نكتفي بمراجعة الصلاحيات المسجلة على النظام. أريد مراجعة مسارات الوصول إلى الملفات، والتوقيتات، والتع
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط
لم يكد صندوق المخمل يُغلق حتى تغيّر إيقاع الجلسة بالكامل، كأن اللحظة نفسها قررت أن تعلن عن معناها الحقيقي دون مواربة. لم يعد الأمر مجرد هدية فاخرة أو لفتة عابرة، بل بدا وكأنه إعلان صامت عن شيء أكبر، شيء فهمه الحاضرون جميعًا دون أن يُقال صراحة.كانت الأنظار تتنقل بين العقد المستقر حول عنق
“إيلين؟” توقّف يوسف في مكانه، وعيناه متسعتان بوضوح كأنه غير مصدق لما يراه. “أأنتِ حقًا؟” أومأت بهدوء: “نعم.” تحرّك نحوها بسرعة، لكنه توقّف فجأة قبل أن يقترب أكثر. ملامحه تغيّرت؛ الدهشة لم تختفِ… لكنها تحوّلت إلى شيء أثقل: “متى عدتِ؟” “اليوم.” سكت لحظة… ثم ضحك ضحكة قصيرة لم تكن مريحة: “
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف







