INICIAR SESIÓNفي الوقت الذي بدأ فيه الصمت ينساب ببطء وغموض في الممر البارد، كان الصخب يعلن عن سطوته في الجهة الأخرى من المدينة.
كانت القاعة تغمرها الأضواء الساطعة، مشحونة بأصوات الضحكات والموسيقى الراقية. وفي مركز ذلك المشهد، وقف مراد بالقرب من الواجهة الزجاجية المطلة على أفق المدينة المظلم، بهدائه المعتاد وهيبته التي تفرض نفسها دون عناء.
قطع كنان الجو بنصف ابتسامة: "هذا التجمع لا يشبه اجتماعاتنا المعتادة... يبدو أن هناك شيئًا تُخفيه يا مراد."
التفتت ميرال بنظرة متسائلة، فلم يجبها مراد بالكلمات. اكتفى برفع يده ليصفق بفرقعة واحدة بسيطة بأصابعه.
وفجأة... انفجرت السماء خلف الزجاج بألوان الألعاب النارية، متتابعة ومضيئة وانعكست على الوجوه، قبل أن تستقر في عيني ميرال اللتين اتسعتا بذهول لم تستطع إخفاءه.
مد مراد يده نحو صندوق مخملي أسود قدمه له أحد الموظفين، ثم دفعه إليها ببرود: "افتحيه."
ترددت لحظة ثم رفعت الغطاء. شعاع أزرق ناري خطف أبصار الحاضرين؛ عقد من الألماس الأزرق النادر تتوسطه حجر مصقولة كدمعة أسطورية، تحيط بها طبقات متناسقة من الألماس الأبيض.
لم يكن العقد مجهولاً، فهو القطعة الفنية التي اشترتها شخصية مجهولة قبل أيام في مزاد عالمي بمبلغ خيالي وأثارت ضجة واسعة.
رفعت ميرال بصرها بغير تصديق: "أأنت من اشتراه؟"
أومأ مراد بإيماءة خفيفة، ثم قال بصوت خافت وصل للجميع: "لن ترتديه سواكِ."
كانت جملة قصيرة، لكنها كانت كافية لرسم حدود حاسمة وإسكات التساؤلات. اقتربت ميرال منه بخطوة تأكيدية، وحين أُغلق الصندوق المخملي، تغيّر إيقاع الجلسة بالكامل. لم يعد الأمر مجرد هدية، بل إعلانًا صامتًا عن موازين جديدة.
حرّك كنان كأسه وقال بنبرة تقييمية باردة: "الاستثمار الجيد يثبت قيمته دون جهد... حين يُوضع في المكان الصحيح."
علق رامي بخفة وهو ينظر لميرال: "بعض الناس يليق بهم المشهد دون عناء، بينما يظل الآخرون... مجرد تفاصيل جانبية لا يلتفت إليها أحد."
أما سليم شريف، فصمت قليلاً قبل أن يختم بنبرة قاطعة: "الاختيارات التي تأتي متأخرة... هي الأكثر صدقًا. المقارنة من الأساس غير عادلة، لأن الأشياء الحقيقية لا تُقارن بما هو أقل منها."
دارت التعليقات والتلميحات حول "الزوجة" الغائبة دون ذكر اسمها؛ مقارنات ضمنية عن الثقل والحضور.
وقف مراد صامتًا، يراقب الألعاب النارية في السماء، لم يعترض ولم يدافع... كان صمته إقرارًا غير مباشر يذبح العاطفة القديمة بلا رحمة.
التقطت ميرال هاتفها، واختارت زاويتها بعناية: بريق الألماس، خلفية الألعاب النارية، ومراد المائل بجوارها. ضغطة واحدة، ونشرت الصورة مع عبارة انتقائية:
“لم أكن أعلم أن بعض النجوم تُشرق… فقط حين ننظر إليها.”
بعيدًا عن هذا الضوء الصاخب، وفي الظل الأهدأ والأثقل...
كان يوسف يقلب هاتفه بملل، حتى توقفت إبهامه فجأة. حدق في الشاشة لثوانٍ، ثم مد الهاتف نحو إيلين دون مقدمات: "انظري."
لم تسأله، بل القت نظرة واحدة فقط على الصورة... العقد، البريق، القرب، والكلمات. قرأت الجملة ببطء دون أن ترف لها جفن أو يتغير خط في ملامحها، لكن العيون لم تعكس سوى صمت أعمق من الظلام.
ابتسم يوسف بسخرية مريرة: "يبدو أن مراد أصلح سخيًا هذه الأيام... لكن المثير للشفقة حقًا أن بعض الناس لا يدركون قيمة ما كان في أيديهم إلا بعد فوات الأوان."
لم ترد إيلين. شردت عيناها نحو الفراغ. لم تكن الصورة صدمة، بل كانت اللبنة الأخيرة التي رتّبت الحقيقة المبعثرة داخلها: هذا الاهتمام وذلك البريق... لم يكن لها يومًا.
تذكرت السنوات الخمس، واللحظات التي بذلت فيها أكثر مما ينبغي، والانتظار الذي توهمت فيه أن صبرها وفهمها له سيغير شيئًا. التفتت إلى ذكرياتها فتأكدت أن الذي تغير لم يكن مراد... بل كانت هي؛ مستنزفة العطاء حتى تحول الفقدان إلى عادة.
واصل يوسف كلامه بنبرة خفيضة وعميقة، وهو ينظر في عينيها مباشرة: "السخرية الحقيقية ليست في العقد ولا الألعاب النارية يا إيلين... السخرية أنه يعتقد أنه وصل إلى كل هذا النفوذ بمفرده... وهو لا يعلم أن العقل الذي صاغ كل ما تعلمه وبناه... كان يدار من المرأة التي كانت تقف أمامه طوال الوقت."
لم تنكر كلماته، لأنها كانت الحقيقة المجردة التي يجهلها مراد وأصدقاؤه وكل من ظنوا أنهم يستظلون بعظمته.
ابتسمت ابتسامة خفيفة… بلا سعادة، ثم قالت بهدوء شديد، كأنها تُغلق بابًا قديمًا:"كنتُ أظن أن الجهد قد يغيّر النتيجة... لكن يبدو أن هناك أشياء، مهما بذلتُ من أجلها، فلن تكون من نصيبي."
رفعت عينيها أخيرًا، لم يكن فيها انكسار، بل… إدراك: "أنا لم أخسره...بل خسرتُ نفسي... وأنا أحاول الفوز به."
لم تنتبه ميرال إلى أن والدها، مختار السهيلي، كان قد دخل إلى المنزل قبل دقائق، وأنه توقف في الممر حين سمع اسم المشروع. كان ينوي المرور بغرفة المعيشة قبل التوجه إلى مكتبه، لكنه ما إن التقط عبارة "إيثر 9 " حتى تباطأت خطواته، ثم وقف خلف المدخل دون أن يقاطع الحديث. لم يكن اسم المشروع مألوفًا له، لكن طريقة نطق ابنته له، وما صاحبها من انفعال، جعلته يدرك أن ما حدث في الحفل يستحق أن يستمع إليه قبل أن يقرر رأيه.قال مختار وهو يدخل الغرفة: "أعيدي ما قلتِه."التفتت ميرال إليه، وفوجئت بوجوده، ثم قالت: "أبي، لم أسمعك تدخل."لم يهتم بتعليقها، بل اتجه إلى مقعد قريب وجلس، ثم ثبت عينيه عليها. "قلتِ إنهم أعلنوا مشروعًا اسمه إيثر 9 ، وإنه متعلق بالطيران العسكري. أريد أن أعرف ما الذي أعلنوه تحديدًا، وما أهمية المشروع."تغيرت ملامح ميرال قليلًا. كانت تعرف أن والدها لا يهتم بالتفاصيل العلمية لمجرد الفضول، وأن أي مشروع بهذا الحجم قد يلفت انتباهه لأسباب تتجاوز ما يثير اهتمامها هي. جلست باعتدال وبدأت تشرح له ما تذكره من العرض، مع حرصها على ألا تبدو وكأنها تقلل من أهمية المشروع نفسه، حتى
أطلقت ميرال ضحكة قصيرة خالية من المرح، ثم جلست قبالة أمها، وقد استعادت عيناها شيئًا من حدتهما. قالت: "هذا بالضبط ما أحاول فهمه! من دون البروفيسور كاظم، من كان سيعرف إيلين أصلًا؟ أنا لا أعترض على نجاح شخص يستحق النجاح، لكنني أرفض أن يتحول شخص بلا خبرة إلى واجهة لإنجاز صنعه الآخرون. إيلين لا تجيد سوى التسلق بالعلاقات. لولا علاقتها بالبروفيسور كاظم، لما ظهرت أصلًا، ولما عرف أحد اسمها كانت ستظل فتاة نكرة عادية لا يلتفت إليها أحد، لكنها وجدت من يفتح لها الأبواب، ومن يضعها في الواجهة، ومن يمنحها الفرصة لتقف أمام كبار الدولة وتتحدث عن مشروع بهذا الحجم. أريد أن أعرف ما الذي فعلته لتنال كل هذا التقدير، وما الذي جعلهم يثقون بها إلى هذا الحد."تأملت سعاد وجه ابنتها للحظات، ثم قالت: "لكنها تحدثت أمام الجميع، ولم يبدُ أنها عاجزة عن فهم ما تقوله."أطلقت ميرال ضحكة ساخرة، ثم عادت إلى الأريكة وجلست وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها. "وهذه هي النقطة التي أستطيع تفسيرها. إيلين تجيد الحفظ والتلقين، وهذا أمر أعرفه جيدًا. آدم ويوسف يحيطان بها طوال الوقت، وكاظم يستطيع أن يشرح لها أي شيء يحتاج إلى
عادت ميرال إلى الفيلا قبل انتهاء حفل افتتاح جراند ڤيل، وكانت ملامحها الشاحبة تكشف عن غضب حاولت طوال الطريق إخفاءه خلف صمت ثقيل. ألقت حقيبتها على الأريكة بعصبية، ثم نزعت معطفها ووضعته فوق ذراع المقعد، قبل أن تتجه إلى النافذة المطلة على الحديقة، وكأنها تبحث في المشهد الهادئ عما يطفئ النيران المشتعلة داخلها. لم تستطع إخراج صورة إيلين من رأسها؛ تلك المرأة التي دخلت الحفل بهدوء، ثم وقفت أمام الحضور لتعلن عن مشروع إيثر 9، فإذا بالأنظار تتجه إليها، وتلتف حولها الشخصيات التي اعتادت ميرال أن ترى الجميع يسعون إلى نيل رضاها.كانت سعاد تجلس في غرفة الاستقبال حين سمعت صوت ابنتها، فرفعت رأسها وراقبتها للحظات قبل أن تضع فنجانها على الطاولة وتنهض متجهة إليها. لم تكن بحاجة إلى سؤال طويل لتدرك أن شيئًا ما قد أفسد على ميرال يومها، فابنتها التي اعتادت العودة من المناسبات الاجتماعية وهي تتحدث عن إعجاب الحاضرين بذكائها وأناقتها، لم تكن هذه المرة راغبة حتى في خلع حذائها بهدوء.اقتربت سعاد منها، وتأملت وجهها بقلق، ثم سألتها: "ما بك يا ميرال؟ لماذا تبدين بهذه الحالة؟ هل حدث شيء في الح
قال رائف: "ومرحلة تدريب الطيارين؟"ابتسمت إيلين وقالت: "هذه ستكون مختلفة."ثم نظرت إلى أدهم "الطيار الذي اعتاد طائرة تقليدية سيحتاج إلى فهم طريقة استجابة إيثر 9 لن أدربه على القتال، فهذا ليس اختصاصي. لكنني سأشرح له كيف يتعامل مع المنظومة الجديدة، ومتى يعتمد على بياناتها، ومتى يحتاج إلى مراجعة المعلومات، وكيف يفهم التنبيهات التي تقدمها."قال أدهم: "وهذا يعني أن الطيار لن يتعامل معها كطائرة تقليدية."أجابته إيلين: "وهذا أهم شيء."ثم نظرت إلى شاشة المحاكاة وقالت: "إذا تعامل معها باعتبارها طائرة تقليدية، فلن يستفيد من نصف ما طورناه."ابتسم أدهم وقال: "واضح أن التدريب سيكون طويلًا."قال يوسف من الخلف: "وأعتقد أنك ستحتاج إلى الصبر أكثر من الطائرة."ضحك آدم، بينما نظر أدهم إليهما وقال: "سأذكركما بهذا عندما تبدأان التدريب معي."لكن إيلين لم تبتسم هذه المرة إلا ابتسامة صغيرة، ثم قالت: "هناك سبب آخر يجعل وجودي مهمًا."اقترب سراج من مقدمة الطائرة، ثم قال: "وأين يبدأ الاختبار؟"أجابته إيلين: "نبدأ هنا بالاختبارات الأرضية. بعدها ننتقل إلى اختبارات الأن
انتقلت بعض المعلومات إلى مسارات بديلة، بينما ظهرت علامة بجوار الوحدة التي خرجت من الخدمة.انتظر أدهم الأمر التالي، لكنه لم يأتِ.بدلًا من ذلك بدأت المنظومة تعيد توزيع البيانات، وتغيرت مسارات الاتصال، وانتقلت المعلومات إلى عقد أخرى.قال أدهم: "لقد أعادت تشكيل الشبكة.""راقب فقط."قال أدهم: "و النظام أعاد بناء مسار الاتصال."أشارت إيلين إلي نظام التشغيل "راقب."قال أدهم: "هذه الجملة بدأت تزعجني."بعد ثوانٍ، ظهر تنبيه آخر قال أدهم: "هناك مصدر بيانات فقدناه أيضًا."قالت إيلين "ماذا ترى؟"راجع الشاشة "الصورة ما زالت موجودة، لكن مستوى الثقة انخفض في الجزء المرتبط بالمصدر المفقود."أجابته إيلين: "وماذا ستفعل؟"مد يده نحو لوحة التحكم.قالت بسرعة: "لا."توقف...... "لماذا؟""لأنك تفترض أن مهمتك إصلاح ما حدث."نظر إليها..... قالت: "مهمتك الآن أن تعرف ماذا بقي لديك، أنا أريد منك أن تتعلم كيف تعمل عندما يكون العطل موجودًا."سكت أدهم، بدأ يراجع المعلومات المتاحة، قال: "البيانات من بقية المستشعرات ما زالت موجودة، وأعرف ما الذي لم
"في النظام التقليدي، سيظهر أن الاتصال مع هذه المحطة فقد. أما هنا، فالمنظومة تعرف أن المحطة فقدت، وتعيد توزيع البيانات عبر العقد الأخرى، وتحدد لمركز القيادة ما الذي أصبح غير متاح وما الذي ما زال متاحًا، ثم تحافظ على أكبر قدر ممكن من الصورة الميدانية."سأل سامر: "وماذا لو فقدنا أكثر من نقطة؟"قالت إيلين: "يعتمد الأمر على عدد النقاط التي فُقدت ومواقعها، لكن الفكرة الأساسية أن المنظومة لا تفكر بمنطق وجود الاتصال أو انعدامه. إنها تبحث عن أفضل صورة ممكنة من البيانات التي بقيت."سأل سراج: "والمستشعرات؟""تدخل في الصورة نفسها. البيانات القادمة من الرادار والطائرة والمحطات الأرضية ومصادر الرصد المختلفة لا تُعرض باعتبارها بيانات منفصلة، بل تُدمج، وتُقارن، ويُظهر النظام التعارض بينها عندما يحدث، ويحدد مستوى الثقة في كل معلومة."قال رائف: "أي أن فقدان مصدر واحد لا يعني فقدان الوعي بالمجال كله.""بالضبط."صمت سامر لحظة، ثم قال: "والوعي الجوي لا يبقى داخل الطائرة."نظرت إليه إيلين."يمتد إلى القوة الجوية كلها."أومأت "وهذه هي النقطة التي لم أشرحها اليوم."
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف
أما آدم، فظل يراقب إيلين فقط.لأنه الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة.يعرف أن فتاة في الخامسة عشرة من عمرها جلست يومًا داخل غرفة مغلقة… وصممت نظامًا جعل جهات كاملة تعيد بناء أنظمتها الأمنية من الصفر.ويعرف أيضًا أن الدولة نفسها أخفت اسمها عمدًا بعد ذلك.بموجب الاتفاقية السرية واخفاء
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط
لم يكد صندوق المخمل يُغلق حتى تغيّر إيقاع الجلسة بالكامل، كأن اللحظة نفسها قررت أن تعلن عن معناها الحقيقي دون مواربة. لم يعد الأمر مجرد هدية فاخرة أو لفتة عابرة، بل بدا وكأنه إعلان صامت عن شيء أكبر، شيء فهمه الحاضرون جميعًا دون أن يُقال صراحة.كانت الأنظار تتنقل بين العقد المستقر حول عنق







