LOGINرواية تضحية مريم
بقلم الكتيبة نوهاابوكي الفصل الثامن مريم خلصت صلاتها، وسحبت السجادة بهدوء، وقعدت قدام المراية. خلعت غطاء راسها، ونساب شعرها على كتفها، وبدأت تمشط فيه بأناملها بهدوء. الشمس كانت بتلمس وشها برقة، وضوها بينعكس على بشرتها النقية، وعلى صورتها في المراية. يوسف واقف برا الأوضة بعد ما خلّص يبدّل هدومه، وبص عليه… فجأة وقّف في مكانه. ماكنش متوقع إنها تكون بالجمال ده. كان عندها جمال هادي، روحاني، طاهر… جمال من غير صخب، بس فيه سحر يخطف القلب. فضل يوسف لحظة يتأملها في صمت… ومريم ما حسّتوش، كانت غارقة في عالمها، بين شعرها المتدلّي وعيونها الهادية.مريم قامت من على الكرسي عشان تاخد حاجة، ولما لفتت وشها لورا شافت يوسف لأول مرة… بصّوا لبعض، وكان شاب وسيم، عيونه فيها حيوية الشباب وعمق غامض. وقفت مريم مشدوهة، مش قادرة تحرك ساكن، وفضلت تراقب ملامحه فترة طويلة، كأنها بتحاول تفهم اللي ورا النظرات دي. أما يوسف، حس بنفس التأثير، بس حاول يختفي ورا برودة وشه. نزلت عينها على الأرض، وهو كمان تجاهلها وغمّض عينيه شوية. بعدها مشي بهدوء على الكنبة، قعد، وأخذ اللاسكوف (مكواة الشعر) في إيده، وبدأ يستخدمه على شعره… كأنه بيحاول يتحكّم في أفكاره ومشاعره المتضاربة.وصل أحمد للقصر، دخل أوضته وأخد دوش، وبعد ما خلص، نزل على الصالون. العيلة كلها كانت متجمعة على سفرة الأكل، بس يوسف ومريم لسه في أوضتهم.زينب كانت واقفة في المطبخ، عينيها لسه حمرا من كتر العياط، وقلبها متقيل كإنه شايل همّ الدنيا. كانت بتحضر الأكل لابنها محمد اللي بقاله كام يوم مرمي عالسرير، جسمه ضعفان ومش راضي يتحسّن. بعد ما خلصت، شالت الصينية بإيدين مرتجفة وطلعت على أوضته. فتحت الباب بالراحة وقالت بصوت كله حنية: "حبيبي... يلا كُل لقمة يمكن ترتاح شوية." محمد بصّ لها، صوته واطي ومليان تعب: "مش عايز آكل... ماما، عايز... عايز أتكلم مع مريم. لو في تليفون خليني أكلمها." زينب وقفت متجمدة، كلامه نزل عليها زي السهم. قلبها دق بسرعة وهي بتقول جوا نفسها: يا ترى سمع حاجة؟ عرف اللي حصل امبارح بين اناوأحمد قربت منه وقالت وهي بتحاول تخبي ارتباكها: "محمد... إنت ليه عايز مريم؟ دي دلوقتي عروسة، ما ينفعش تزعجها." محمد رد بعفوية وعيونه دمعت: "ماما... أنا مش عايز حاجة، أنا بس عايز أسمع صوتها، وحشاني زينب تنهدت، وهي بتحاول تمنع دمعتها تنزل، مدّت إيدها وخدت التليفون من عالترابيزة اللي قدامه. فضلت ماسكة فيه لحظة، وبعدها دارت الرقم بهدوء...في القصر، كانت مريم قاعدة في الأوضة، ساكتة وعقلها مشغول. يوسف كان قاعد على الكنبة، هو كمان ساكت، فجأة، حد خبط على الباب خبطة خفيفة. يوسف قال بصوت هادي: "اتفضل." دخلت الخدامة بانحناءة بسيطة وقالت: "يوسف باشا، الأكل جاهز." يوسف رد وهو بيقوم من مكانه: "تمام، أنا جاي." ولفّ ناحيتها، بصّ لمريم بعينه وقال بنبرة هادية وناعمة: "يلا... تعالي معايا." مريم ردّت من غير ما تبص له، وهي ماسكة التليفون في إيدها، هزت رأسها من غير ما تنطق بكلمة. يوسف فضّل يبص لها لحظة، وبعدها خرج من الأوضة وساب الباب مفتوح وراه. أما مريم، فضلت واقفة مكانها، بتحاول تجمع قوتها، كإنها بتحارب جوا نفسها. مريم خرجت من الأوضة، ومشيت لحد الصالون، لقت العيلة كلها قاعدة حوالين ترابيزة الفطار. فجأة، موبايلها رنّ في إيدها. وقفت مكانها تبص عالشاشة، كان مكتوب: "ماما – زينب". ابتسمت من غير ما تحس، وردّت بسرعة: "ألو... ماما!" جالها صوت زينب من الناحية التانية، صوتها حنون بس فيه لمحة توتر: "إزيك يا بنتي؟ طمنيني، عاملة إيه؟" مريم ردّت بهدوء: "أنا كويسة، الحمد لله..." زينب بصّت لمحمد اللي قاعد جنبها وقالت وهي بتحاول تخفي قلقها: "أخوك عايز يكلمك." مريم ابتسمت أكتر وقالت بحنية: "تمام... محمد كان سامع كل كلمة في المكالمة، عينيه بتلمع بالشوق. زينب لمحت النظرة في وشّه، وفهمت على طول هو عايز إيه. مدت له التليفون وهي بتتنهد وقالت: "خُد يا حبيبي... كلمها." محمد أخد التليفون من إيدها، وبصّ لمامته وقال بهمس: "ماما... روحي حضّري الدوا." فهمت زينب قصده إنه عايز يتكلم مع مريم لوحده. قلبها اتقبض ومكانش مرتاح، بس رغم كده، سابت الأوضة وخرجت بخطوات بطيئة، ولسه جواها قلق مش سايبها. محمد كلم أخته على التليفون بصوت متوتر: "مريم... الراجل اللي اسمه أحمد عمل حاجة وحشة امبارح مع ماما زينب." مريم اتصدمت وعيونها كبرت من المفاجأة: "يعني إيه؟ إيه اللي حصل؟" محمد بدأ يحكي بكل التفاصيل، كل حاجة حصلت بين أحمد وزينب، ازاي تصرف، إيه اللي عمله، وكل الأفعال اللي خلت قلبها يتألم. التليفون وقع من إيد مريم وهي واقفة، وابتدت تحس بغضب وقلق كبير. فضلت واقفة بعيد عن باب الصالون، تبص من بعيد على أبوها أحمد اللي قاعد هناك، ورتسم الغضب على وشه، وكلام محمد يدورفي راسه عن لي عملواحمدفي أمه زينب.يوسف كان قاعد في الصالون مع العيلة كلّها، الجو هادي. فجأة ودخلت مريم وصوتها عالي بيرجّ البيت: "أحمـــد! أحمـــد! أحمـــد!" الكل اتصدم، قاموا من مكانهم وبصّوا عليها باستغراب. يوسف كان أول واحد عينه متسمّرة عليها، مريم وقفت قدّام أحمد، وهي غضب، وصوتها بيرتعش: "إنت إزاي تقدر تعمل في أمي كده؟! مش إحنا اتفقنا إني أول ما اتجوز تبعد عنها وتسيبها في حالها؟! بس إنت لا التزمت باللي بينّا، ولا حتى احترمتها… بالعكس، بتهينها! والله يا أحمد الغلط ده مش هيعدّي على خير… وهتدفع تمن كل كلمة وكل وجع سببتّه لها!" أحمد كان بيبص لمريم بنظرة غريبة، مستغرب من والشجاعة الصمت خيّم على الصالون، وكل العيلة عينيهم متعلّقة فيهم. قال أحمد لمريم: "أنا جوز زينب… هي مراتي قبل ما تكون أمّك، وأنا أعمل فيها اللي أنا عايزه." مريم وقالت بعناد: "تمام… استنّى وشوف مين فينا اللي هينهار في الآخر." أحمد خطا كان ناوي يمد إيده عليها. فجأة إيده اتشبكت بقوة… رفع عينه، لقى يوسف ماسكها، واقف بينه وبين مريم. يوسف بنظرة صارمة وصوت ثابت قال: "إقف مكانك يا عمي أحمد… ما تفكّرش تعمل كده. مريم دي مراتي، وأنا ما بسمحش لأي حد يهينها."نهاية بعد ما الضابط خرج وأحمد وراه من ورا الباب، ساد صمت تقيل في الصالون. صمت مش راحة… ده كان صدمة بعد زلزال. كل واحد واقف مكانه مش قادر يستوعب حجم الكارثة اللي اتكشفت في الدقايق القليلة دي.زينب، بقلب أم مكسور، لحقت بنتها على الأوضة. لقتها مرمية على السرير، متكوّرة على روحها وبتترعش من كتر العياط. زينب قعدت جنبها، ولفّت دراعها حواليها من غير ما تنطق بكلمة. مفيش كلام كان ممكن يلمّ الجرح اللي عمله اعتراف أحمد.في الصالون، وقف يوسف لوحده في نص الخراب. بصّ على أبوه معتز اللي كان قاعد منحني، راسه مدفونة بين إيديه. كل الخطط والمشاريع والأحلام اللي بنوها سوا اتبخرت في لحظة. العيلة اللي كانوا فاكرينها متماسكة طلعت قشرة رفيعة مستخبية وراها غابة من الكدب والاستغلال.بعد أسبوع:مريم صحيت في شقة صغيرة مأجّراها بعيد عن القصر. الأيام اللي فاتت كانت كئيبة، مليانة جلسات مع المحققين والمحامين. قررت تبدأ حياة جديدة، بعيد عن أي حاجة تفكرها بأبوها.سمعت خبط على الباب. قامت فتحته، لقت يوسف واقف برا، شايل باقة ورد بري، اللي كانت دايمًا وردتها المفضلة.قال لها بصوت هادي:— "عارف إنك محتاجة مساحة… بس أنا م
الضابط وقف في نص الصالون، عينه سابتش أحمد، وقال بصوت تقيل:– "منين ييجي الخير… وانت غرقان في الشر؟"خطا ناحيته بخطوات ثابتة، وبصله مواجهة:– "أحمد… إنت متهم في قضية تزوير."أحمد اتسعّت عينه، صرخ:– "إنت عارف إنت بتقول إيه؟! أنا ممكن أرفع عليك قضية إهانة!"الضابط ابتسم ابتسامة باردة:– "مش محتاج كلام… عندي دليل."رفع ملف من تحت إيده، وفتحه قدام الجميع.أحمد مد إيده وأخد الملف، بدأ يقرا، عينيه اتجمدت، إيده اترعشت، والورق وقع من إيده على الأرض.سكت لحظة، وبص في الأرض كأنه شاف نهايته بعينه.جواه صوت بيصرخ: "إزاي الشرطة وصلت للملف ده؟! مين اللي سلّمهم الدليل؟!"الكل كان بينظر له بصدمة، وزينب مسكت إيد يوسف وهي بتبص على أحمد بعيون كلها دموع ونار في نفس الوقت.فجأة، الباب اتفتح ومريم دخلت بخطوات واثقة، وقالت بصوت عالي:– "أنا اللي سلّمت الملف للشرطة."الكل اتجمد من الصدمة، والعيال كلها بصت عليها.يوسف ركض ناحية مريم، ماسك إيدها وقال:– "مريم! كنتي فين؟ إيه اللي حصل؟"مريم، وعيونها مركزة على أحمد، قالت بصوت حزين:– "هقوللك كل حاجة… انت يا يوسف تعرف ليه أنا قبلت أتجوزك."يوسف بص لها بدهشة وقال:
بعد شوية، كانوا في المستشفى. الدكتور كان بيعالج جرح يوسف، وكل العيلة كانت قاعدة برة القاعة مستنيين.خرج الدكتور، أول ما شافوه سألوه بسرعة عن يوسف.ابتسم وقال:– "الحمد لله… الرصاصة ما دخلتش جوّه، الجرح سطحي."مريم مسحت دموعها بارتياح. الدكتور كمل كلامه:– "تقدروا تدخلوا تطمّنوا عليه."دخلوا كل العيلة عند يوسف، ومريم كانت هتدخل معاهم… لكن فجأة موبايلها رن.فتحت الرسالة، ولقت مكتوب فيها:> "المرة الجاية… الرصاصة هتكون في قلبه… لو ما سيبتُهوش."إيد مريم ارتعشت، وقع الموبايل منها على الأرض.جريت برّة المستشفى وهي مش عارفة رايحة فين. المطر كان بينزل، بس هي ما حسّتش بيه من شدة الصدمة.فجأة عربية كانت جاية بسرعة، كانت هتخبطها، لكن في آخر لحظة حد شدها وأنقذها.مريم بكت وقالت بصوت مكسور:– "ليه ما سيبتنيش أموت وأرتاح؟"الراجل اللي أنقذها بصّ فيها وقال بهدوء:– "يا بنتي… الموت مش حل. ربنا كبير. روحي اتوضي وصلي، واشكي همّك لربنا."سابها ومشي. مريم مسحت دموعها ورجعت المستشفى. دخلت على أوضة يوسف، شافته نايم، قربت منه، قبّلته على جبينه وقالت بصوت واطي:– "أنا آسفة…"وبعدين دخلت حمام الأوضة، اتوضّت
بعد ما مريم خرجت،دخل جلال السياروقعد على الكرسي وقال – إنت متأكد إن مريم هتسيب يوسف؟ردّ عليه أحمد ببرود:– أيوه… مريم هتعمل اللي أنا قولتلها عليه، ولو ما عملتش… هتشوف هزّ جلال راسه وقال:– بس يوسف ابن أخوك! يعني كده بتضيّعه.أحمد رد بقسوة:– مش فارق معايا… أنا ممكن أعمل أي حاجة.ابتسم جلال بخبث وقال:– ودي الحاجة اللي عاجباني فيك…---بالليل، كانت مريم قاعدة لوحدها، سرحانة في كلام أبوها أحمد وتهديداته.عارفة إن أبوها عمره ما يقول كلام من غير ما ينفّذه… افتكرت إزاي ضحّت قبل كده واتجوزت يوسف عشان خاطره، ودلوقتي هو عايزها تسيبه.رفعت عينيها للسماء وقالت بهمس:– يا رب… ساعدني.دخل يوسف الأوضة… ما حسّتش بيه غير وهو بيحضنها من ورا. غمّض عينه وقال بحنان:– حبيبتي… ليه قاعدة لوحدك؟مسحت مريم دموعها بسرعة عشان ما ياخدش باله، بس يوسف لاحظ. مسك وشها وبص في عينيها وقال بقلق:– إنتِ كنتي بتعيطي…؟ مين زعلك، قوليلي.ارتبكت مريم وقالت بخوف:– هتزعق لو قلتلك.قال بحزم:– طب قولي.بصّت له وقالت بخفوت:– إنت.اتصدم يوسف:– أنا؟ عملت إيه؟قالت بعتاب:– بقت ما بقيتش مهتم بيا زي الأول.تنهد يوسف ومسِك
بعد ساعة، كان كل العيال واقفين يودّعوا يوسف ومريم.قربت علياء – أم يوسف من مريم، حضنتها وهي فرحانة علشان يوسف ومريم هيبدأوا حياة جديدة.علياء بصّت لمريم وقالت:– "عايزاكم لمّا ترجعوا تجيبولي خبر حلو."يوسف ضحك وقال:– "خير يا ماما، إيه الخبر اللي عايزاه؟"قالت وهي مبتسمة:– "حفيد."مريم وشها احمرّ من الخجل، ويوسف بصّ لها وقال:– "إن شاء الله يا ماما."بعد ما سلّموا على الكل، راحوا المطار وقدّموا الورق، وقعدوا مستنيين معاد الطيارة.يوسف مال على مريم وقال لها:– "ها، قولتي لخالتي زينب؟"مريم هزّت راسها وقالت:– "آه، قولتلها."بعد شوية، في الطيار. مريم كانت خايفة من الطيران، يوسف حس بيها، مسك إيدها يطمنها.بصّت له بابتسامة ، وهو ابتسم لها ابتسامة دافية، – "ما تخافيش… أنا معاكي."قعدوا جنب بعض في الطيارة، مريم لسه متوترة شوية، ماسكة إيده بقوة.يوسف قرب منها وقال وهو بيبص في عينيها:– "إيه يا حبيبتي، خايفة كده ليه؟ ما تقلقيش… أنا جنبك، ومش هسيبك لحظة."مريم اتنفست ببطء وقالت بخجل:– "أول مرة أركب طيارة… حاسة قلبي هيوقع."يوسف ضحك بهدوء وقرب أكتر:– "قلبك مش هيوقع… قلبك معايا. وإنتِ لو ب
بعد الضهر، رجع يوسف من الشغل. دخل الصالون لقى العيلة كلها قاعدة، والجو مليان ضحك وكلام.مريم ولميس كانوا بيضحكوا على تصرّفات كنان، ومعتز كان واقف بيزعق له.يوسف سلّم وهو مبتسم:– إزيكوا… عاملين إيه؟معتز وقال:– تعالى شوف أخوك! عامل فينا فيلم، يوسف قعد وقال بهدوء:– خير يا كنان، عملت إيه المرة دي؟لميس ماقدرتش تمسك نفسها وقالت:– تخيّل! بيقول إنه بيحب واحدة في عمر ماما… وعايز يتجوزها كمان!عليا زوّدت هزار وقالت:– وبيقعد يتخنق شايف يا يوسف؟يوسف بص لكنان بجدية وقال:– هو في إيه يا كنان؟ خلصوا البنات كلها وما لقيتش غير واحدة في سن أمك تحبها؟كنان رفع راسه بتحدي وقال:– أيوة… وأنا جيت أقولكوا. بس بقى تفهموا… حتى لو ما وافقتوش، أنا هتجوزها ومش هخضع لحد!قال كلمته وخرج من الصالون بخطوات عصبية.معتز هز راسه وقال ليوسف:– شوفت أخوك؟ عنيد ومش بيسمع كلمة.يوسف حاول يطمنهم وقال:– ما تقلقش يا بابا… أنا هكلمه وهخليه يغيّر رأيه.عليا تنهدت وقالت:– يا رب يهديه.في اللحظة دي، دخل أحمد وهو مبتسم وقال:– مسا الخير.رد معتز:– مسا النور.قعد أحمد وأضاف:– مرام كلّمتني وقالت إنها جاية هنا.عليا است







