Masukالجزء الثالث: فضيحة على أعتاب المكتبة
وقف بدر الدين في منتصف الرصيف، قلبه يخفق بشدة ليس من الحب هذه المرة، بل من الرعب الصرف. خلفه نافذة المكتبة حيث تقبع "مريم" التي بدأت تقتنع بصدق توبته، وأمامه "جيجي" في سيارتها الحمراء الصاخبة، وهي تصرخ بصوت كفيل بإيقاظ الموتى. كان الموقف يشبه مشهداً من أفلام الكوميديا السوداء، حيث يحاول البطل إخفاء جريمة قتل، بينما الجثة تصر على التحدث للجمهور. قالت جيجي بغضب وهي تضرب مقود السيارة: "بدر! أجبني! من هذه التي كنت تكلمها داخل المكتبة؟ هل استبدلتني بـ (دودة كتب)؟ أنت الذي كنت تقول إن الثقافة تسبب الصداع، والآن أراك تحمل كتاباً؟ هل هذا كتاب أم علبة شوكولاتة متنكرة؟". حاول بدر أن يتحدث بصوت منخفض، مشيراً بيده لجيجي كي تصمت، وقال بهمس مضطرب: "جيجي، أرجوكِ، اخفضي صوتكِ. الناس ينظرون إلينا. ليس هناك (فتاة أخرى)، هناك فقط رجل يحاول إصلاح ما أفسده الدهر. أنا قررت التوبة، يا جيجي.. التوبة!". ضحكت جيجي ضحكة هستيرية ترددت أصداؤها في الشارع الضيق. "توبة؟ أنت تتوب؟ هذا مثل أن يقول التمساح إنه قرر أن يصبح نباتياً ويعيش على أكل الخس! اسمع يا بدر، أنت مدين لي بتفسير لاختفائك المفاجئ، ولن أتحرك من هنا حتى تخبرني الحقيقة". في هذه الأثناء، لمح بدر مريم وهي تقترب من النافذة، تضع علامة داخل كتابها وتراقب المشهد ببرود قاتل. كان يعلم أن كل ثانية تمر وجيجي تصرخ، هي مسمار جديد في نعش علاقته المحتملة بمريم. قرر بدر القيام بحركة انتحارية؛ اقترب من سيارة جيجي وقال بلهجة حازمة لم يعهدها: "جيجي، أنا لم أعد الشخص الذي عرفتِهِ. ذلك الرجل مات وشبع موتاً. إذا كنتِ تريدين استرداد أغراضكِ التي تركتِها في منزلي، سأرسلها لكِ مع (مندوب توصيل)، لكن لا تحاولي الاتصال بي مجدداً". انطلقت جيجي بسيارتها وهي تتوعده بـ "فضيحة" على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما وقف بدر يمسح العرق عن جبينه. التفت ببطء نحو المكتبة، ليجد مريم واقفة عند الباب، تضم ذراعيها إلى صدرها بابتسامة ساخرة. قالت مريم بهدوء: "أدب النفس، ها؟ يبدو أن (النفس) لديكِ لديها قائمة طويلة من المعجبات الغاضبات يا سيد بدر. هل هذه أيضاً جزء من (فقه المعاملات) الذي جئت تسأل عنه؟". اقترب بدر منها بأسى، وقال بصوت مكسور: "والله يا مريم، هذا هو الماضي الذي أحاول الهرب منه. هل رأيتِ؟ هي تطاردني وأنا أفر منها. لا تحاسبيني على شخص كنتُ عليه قبل أن أقرر التغيير. هل يُعقل أن يُحاكم التائب بجنايات الجاهلية؟". نظرت إليه مريم طويلاً، ثم قالت بنبرة غامضة: "المشكلة ليست في التوبة، المشكلة في (الذيول) التي تركتها خلفك. أنت مثل رجل أحرق غابة ثم جاء يطلب منا أن نشم رائحة الورود في يده. رائحة الدخان لا تزال تفوح منك يا بدر. اذهب الآن، وحاول أن تنهي هذه المسرحيات، ثم ربما.. أقول ربما.. يمكننا الحديث". عاد بدر إلى منزله وهو يشعر بهزيمة نكراء. جلس في صالونه المظلم، ونظر إلى هاتفه "النظيف" الذي لم يعد يحتوي على أرقام، لكنه أدرك أن المشكلة ليست في الهاتف، بل في "السمعة" التي تسبقه في كل مكان. قرر أن يأخذ خطوة أكثر جدية؛ اتصل بصديقه الوحيد "عصام"، وهو رجل متزن ومتزوج ويعيش حياة رتيبة جداً، كان بدر يسخر منها دائماً. قال بدر لعصام عبر الهاتف: "عصام، أحتاج مساعدتك. أريد أن أتحول إلى رجل ممل. أريد أن أعرف كيف تعيش حياتك دون أن تلاحقك النساء بالسيارات الحمراء؟ كيف تشتري الخبز دون أن تصادف (إكس) قديمة؟". ضحك عصام وقال: "الأمر بسيط يا بدر، عليك أن تختفي عن الأنظار لفترة. عليك أن تذهب إلى مكان لا يعرفك فيه أحد، أو أن تغير شكلك تماماً. والآن، بما أنك تائب، لماذا لا تبدأ بتنظيف منزلك من كل الذكريات؟ الهدايا، العطور، الصور.. كل شيء!". تحمس بدر للفكرة. بدأ يجمع كل ما يذكره بماضيه في صناديق كبيرة. وجد "ساعة" أهدتها له نورا، و"وشاحاً" من ليلى، ومجموعة من "الرسائل الورقية" المعطرة التي لم يقرأ نصفها. وبينما كان يفرغ خزانة ملابسه، سقطت صورة قديمة له مع فتاة تدعى "فتون". كانت فتون هي الوحيدة التي كسر قلبها حقاً، والوحيدة التي لم تطارده أبداً بعد فراقهما. شعر بوخزة ضمير حقيقية. وبينما هو غارق في ذكرياته، رن جرس الباب بعنف. ظن أنها جيجي قد عادت، ففتح الباب وهو يستعد للمشاجرة، لكنه وجد أمامه "حماته المستقبلية المحتملة".. والدة مريم، التي تسكن في الشقة المقابلة! كانت السيدة "خديجة" تنظر إليه بريبة وتقول: "يا بني، ابنتي مريم عادت اليوم وهي تتحدث عن (شخص غريب) يضايقها في المكتبة.. ثم رأيتك من العين السحرية وأنت تدخل وتحمل صناديق.. هل تنوي الرحيل؟ أم أنك تخبئ شيئاً في هذه الصناديق؟". ابتلع بدر ريقه. لو عرفت السيدة خديجة ما في الصناديق، لتم نفيه من الحي كله. قال بارتباك: "لا يا طنط خديجة.. هذه.. هذه مجرد ملابس قديمة سأتبرع بها للفقراء.. نعم، تبرعات!". نظرت خديجة إلى الصناديق ثم إليه وقالت: "حسناً، مريم سألت عنك.. أخبرتني أنك تبدو (مختلفاً) اليوم. لا تخذلها يا بدر، فابنتي لا تتحمل الألعاب". أغلق بدر الباب وجلس خلفه على الأرض، يتنفس بصعوبة. أدرك أن طريقه نحو مريم يمر عبر حقل من الألغام، وأن أصعب ما في التوبة ليس التوقف عن الخطأ، بل إقناع الآخرين بأنك لم تعد ذلك "الزير" الذي يعرفونه.الجزء السابع والثلاثون والمائة: "ملحمة البرج الهوائي والضغط العالي" وتكبيل استشاري التهوية المقال بالجل الفسفوري الورديلم يكد خبير الموارد المائية وفنيه المأجور يُساقان مقيدين بالجل الذهبي الكريستالي فوق ممشى السد في الجزء الماضي، حتى حاولت أواخر فلول السلحدار توجيه ضربتها الأخيرة نحو "العصب التنفسي والمناخي لـ البرج الأيقوني": "منظومة السحب والتنقاة الهوائية والضغط الموجب" (Eco-Smart Aero-Ventilation & HVAC Tower). صُممت هذه المنظومة بتمويل حلال 100% لضمان تدوير الهواء النقي بنسبة 100% ودفع الأتربة والحرارة خارج البرج دون استخدام أي وسائط كيميائية ضارة.لكن استشاري التهوية والتكييف المقال من المجموعة القديمة، والدفوع بحقد الفلول، تسلل ليلاً برفقة فني صيانة مأجور إلى محطة السحب المركزية بالطابق الثمانين. وقاما بفك توربينات الضغط الفولاذية واستبدال شفرات السحب بوصلات "ذات كفاءة فضفاضة ومغشوشة" تؤدي لاختناق الممرات وارتفاع الضغط الداخلي فور بدء التشغيل التجريبي؛ في حيلة يائسة لإيقاف البرج الأيقوني وتشويه سمعته أمام الوفد الهندسي الآسيوي الزائر.في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً، وعل
الجزء السادس والثلاثون والمائة: "ملحمة السد المائي الذكي" وتكبيل خبير الموارد المأجور بالجل الكريستالي الذهبيلم كد يُساق مستشار الشبكات وفنيه مقيدين بالجل الأزرق الكريستالي في الجزء الماضي، حتى حاولت أذيال الفلول المتبقية توجيه ضربتها الخبيثة الأخيرة نحو "شريان الأمن المائي لمدينة المنشاوي الخضراء الحلال": "سد التحويل والبحيرة الذكية للمعالجة البيئية" (Eco-Smart Water Barrier & Eco-Lake). صُمم هذا الصرح المائي الهيدروليكي بتمويل حلال 100% لإدارة المياه الرمادية وتنقيتها بالكامل عبر فلترة كوانتوم جزيئية صفرية الهدر.لكن خبير الموارد المائية المقال من هيئة الري القديمة، والمحرك بحسد الفلول، تسلل ليلاً برفقة فني هيدروليك مأجور إلى محبس التحكم التدقيقي الرئيسي (رقم 09). وقاما بفك صمامات الأمان الضغطية واستبدال حساسات الضغط الهيدروليكي بوصلات "ذات سعة فضفاضة ومغشوشة" تُظهر بيانات وهمية باحتمال تسرب المياه وتصدع السد فور بدء التشغيل؛ في حيلة يائسة لأحداث بلبلة وسحب ترخيص البحيرة أمام لجنة السلامة السدية الدولية.في تمام الساعة العاشرة صباحاً، وتحت أضواء الشمس المشرقة على مياه البحيرة الذ
الجزء الخامس والثلاثون والمائة: "ملحمة مركز الطاقة الكهرومغناطيسية" وتكبيل مستشار الشبكات المأجور بالجل الكريستالي الأزرقلم يكد خبير المخازن المقال وفنيه المأجور يُساقان مقيدين بالجل الفسفوري الأخضر وسط ضحك الجميع في مجمع الصوامع في الجزء الماضي، حتى حاولت الفلول المتبقية ضرب العصب الحيوي والكهربائي لـ "مدينة المنشاوي الخضراء الحلال": "محطة التوليد الكهرومغناطيسي الشمسي والشبكة الذكية" (Eco-Solar Electromagnetic Power Core). صُمم هذا الصرح العملاق بتمويل حلال 100% لتزويد المدينة بالطاقة النظيفة بالكامل عبر مكثفات شمسية متطورة ومجالات حث كهرومغناطيسية صفرية الانبعاثات.لكن مستشار الشبكات الكهربائية المقال من هيئة الطاقة القديمة، والمحرك بأحقاد الفلول، تسلل ليلاً برفقة فني تيار مأجور إلى محول التوزيع الرئيسي (رقم 12). وقاما بفك كابلات الأمان الضغطية واستبدال قواطع التيار العالي بقطع "ذات سعة فضفاضة ومغشوشة" تؤدي لارتفاع التردد وانفجار المحول فور بدء التشغيل التجريبي؛ في حيلة يائسة لإظلام المدينة بالكامل أمام وفود هيئة الطاقة الدولية.في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً، وتحت أنوار الم
الجزء الرابع والثلاثون والمائة: "ملحمة الصومعة الرقمية" وتكبيل خبير المخازن المأجور بالجل الفسفوريلم تكد تُطوى صفحة النصر الأسطوري في الملتقى الهندسي العربي بانتصار الأكواد الشريفة في الجزء الماضي، حتى وجهت الفلول ضربتها الغادرة نحو الشريان الغذائي والاستراتيجي لـ "مدينة المنشاوي الخضراء الحلال": "مجمع الصوامع الرقمية وإدارة المخزون الاستراتيجي" (The Eco-Smart Grain Silos & Logistics Hub). صُمم هذا الصرح العملاق بتمويل حلال 100% لإدارة وتخزين الأغذية والحبوب وفق أعلى معايير ضبط التبريد والتفريغ الآلي الصفرية الهدر.لكن خبير إدارة المخازن المقال من هيئة التموين القديمة، والدفوع بأحقاد الفلول المتبقية، تسلل ليلاً رفقة فني صيانة مأجور إلى غرفة التحكم في الضغط الجوي والتهوية بالصومعة الرئيسية (رقم 7). وقاما بفك صمامات الاستشعار الرطوبي واستبدال مستشعرات الحرارة بوصلات "ذات قراءات فضفاضة ومغشوشة" تُظهر بيانات وهمية بارتفاع الحرارة فورء بدء التشغيل التجريبي؛ في حيلة يائسة لإحراق أنظمة التبريد بالضغط المباشر وإتلاف المجمع أمام لجنة الاعتماد الغذائي الدولي.في تمام الساعة العاشرة صباحاً، و
الجزء الثالث والثلاثون والمائة: "الملتقى الهندسـي العربي" وكمين الأكواد البيئية الفضفاضةلم تكد أصداء الفوز بالوسام الذهبي العالمي تهدأ في الجزء الماضي، حتى انتقلت إمبراطورية المنشاوي إلى محطة أسطورية جديدة: "الملتقى الهندسي العربي للتطوير العمراني" المقام في قاعة المؤتمرات الرئيسية بالقاهرة، حيث اجتمعت الهيئات الاستشارية الكبرى لتكريم تجربة "مدينة المنشاوي الخضراء الحلال" كنموذج إقليمي أول في الاستدامة المضمونة بتمويل حلال 100%.لكن مستشار التقييم الهندسي القديم (أحد المتبقين من الحرس القديم لرابطة السلحدار)، والذي لم يتحمل مشاهدة هذا التتويج المستمر، تسلل برفقة فني مطابقة مأجور إلى منصة الاعتماد قبل بدء الجلسة العامة بأقسامها المعمارية. وقام بتعديل أجهزة قياس "الأكواد البيئية وعزل الصوت والحرارة" واستبدال الملفات المعتمدة بتقرير "ذو معايير فضفاضة ومغشوشة" يزعم عدم مطابقة الخرسانة العازلة للمواصفات القياسية العربية؛ في محاولة يائسة لأحداث بلبلة سريعة أمام ممثلي النقابات والهيئات العمرانية.في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً، وتحت الثريات الكريستالية الضخمة لقاعة الملتقى، كان بدر ال
الجزء الثاني والثلاثون والمائة: "قمة المعمار العالمي" وكمين جائزة الاستدامة الفضفاضةلم تكد تصداء النجاح الأسطوري لافتتاح "مدينة المنشاوي الخضراء الحلال" تهدأ في الجزء الماضي، حتى بلغت الأحداث ذروتها الدولية في "مؤتمر قمة المعمار العالمي" المنعقد في القاعة الكبرى بمركز المؤتمرات الدولي؛ حيث أُعلن عن ترشيح المدينة لنيل "الوسام الذهبي للمعمار المستدام الحلال".لكن رئيس لجنة التحكيم الدولية السابق (وهو حليف أكاديمي قديم للسلحدار تمت إقالته سابقاً لشبهات رشى)، تسلل رفقة خبير تقييم مأجور إلى غرفة حفظ العينات والمعايير البيئية. وقام بتزوير أجهزة قياس انبعاثات الكربون واستبدال شهادات الفحص البيئي النقي بتقرير "ذو معايير فضفاضة ومغشوشة" يزعم وجود نسب تلوث خفية في الخرسانة؛ في محاولة يائسة وأخيرة لحجب الوسام العالمي وتشويه سمعة الإمبراطورية الشريفة أمام وفود أربعين دولة.في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً، وتحت أضواء القاعة الملكية المغطاة بالرخام الفاخر، كان بدر الدين يقف بكامل كاريزميته ورجولته الطاغية وهيبته الكبرى؛ مرتدياً بدلة رسمية كلاسيكية باللون الرصاصي الفحمي المذهب تفصل بنيته القوي
الجزء الأول: زلزال في "مملكة الغواية"كان "بدر الدين" يجلس في شرفته المطلة على النيل، يرتدي رداءً من الحرير الإيطالي الذي تفوح منه رائحة خشب الصندل، ويقلب في هاتفه الذي يشبه "المقبرة الجماعية" للقلوب المحطمة. آلاف الرسائل، مئات الأسماء المستعارة مثل "سلمى المهندسة"، "ليلى النادي"، و"نورا التي لا ت
الجزء الحادي عشر: رمال الواحات وصدى الذكرياتودع بدر الدين ضجيج القاهرة، وزحام شوارعها، ورائحة عطورها الممزوجة بدخان السيارات، متوجهاً إلى فرع الشركة في "الواحات الداخلة". كان الطريق طويلاً وموحشاً، وكأنه يقطع المسافة بين حياته القديمة وحياته الجديدة بالكيلومترات. وصل إلى هناك ليجد مكتباً صغيراً م
الجزء العاشر: الفاتحة و"فخ" ليلة الخطوبةبعد خروج جيجي والاعتراف الجريء الذي قدمه بدر أمام الحاج رضوان، ساد جو من الارتياح المهيب في الصالون. وضع الحاج رضوان يده على كتف بدر وقال بلهجة حاسمة: "يا بني، لقد اشتريتَ رجولتك اليوم بصدقك. اقرأوا الفاتحة على نية البركة". ارتفعت الأصوات بالدعاء، وشعر بدر
الجزء التاسع: تراتيل الكهف و"قنبلة" جيجي الموقوتةأشرقت شمس يوم الجمعة، وبدر يشعر وكأنه مقبل على عملية جراحية بدون تخدير. أمضى ليله في مراجعة مخارج الحروف، يقرأ "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب" مئة مرة، ويحاول ضبط نبرة صوته لتكون خاشعة بما يكفي لإقناع الحاج رضوان، ودنيوية بما يكفي لكي لا يظنو







