LOGINثم، بدأ الطفل بالالتفات ببطء... ببطء شديد كأن الزمن نفسه يعانده. وعندما التقت عيونهما، تجمدت أنفاس ليث.
كان وجه الطفل مألوفًا... لكنه لم يكن طبيعيًا. عيناه كانتا سوداوين بالكامل، بشرته شاحبة كالموتى، وعلى جبينه، كان هناك رمز محفور كأنه وُلد معه "أركانا". الطفل ابتسم، وكانت ابتسامته خطأ في هذا العالم، شيء لا يجب أن يوجد. ثم، بصوت لم يكن صوت طفل، بصوت كان يتردد داخل عقل ليث لا في أذنيه، قال: ـ "استيقظ، أبي ... لقد بدأنا." وفي تلك اللحظة، استيقظ ليث، جسده غارق في العرق، أنفاسه متقطعة. عند حازم كان في غرفته ويرى سيارة بدأت تقف دائما عند البوابة ليقول لنفسه : ـ هل إكتشفو الامر .. انا قمت بكل الاحتياطات خرج حازم الي الباب وقف حازم عند مدخل المبنى المهجور، يتفحص الظلام من حوله، يراقب كل حركة المكان كان هادئًا بشكل مزعج، كأن العالم نفسه حبس أنفاسه لكن رغم الصمت، شعر بأن دالك رجل يراقبه. ثم، من العدم، خرج صوت هادئ لكنه محمّل بثقل الأسرار: ـ "ألم تتوقع أن نلتقي مجددًا؟" استدار حازم فورًا، ووجد نفسه وجهًا لوجه مع توفيق الرجل كان يقف هناك، يحدق به بعينين حادتين كأنهما تخترقان عقله. قال حازم بنبرة باردة : ـ " من انت ، و ماذا تريد؟" توفيق لم يبتسم، لم يغير تعابيره، فقط خطى خطوة إلى الأمام وقال بصوت منخفض: ـ "أعرف أنك من اتصل تلك الليلة أنت من بلّغ عن طائفة السرمديون." شعر حازم بقلبه يتباطأ للحظة، لكنه لم يظهر أي رد فعل حافظ على هدوئه ورد بنبرة خالية من أي اهتمام: ـ "لا أعرف عما تتحدث." توفيق أمال رأسه قليلًا، وكأنه يتوقع هذا الإنكار ثم قال بصوت أكثر حدة: ـ "وأعرف أنك أخذت طفلًا من هناك … وأنك اوقفت الطقوس." للحظة، تلاشت كل الأصوات كأن الجدران امتصت كل شيء، حتى الهواء نفسه حازم لم يتحرك، لم يرمش حتى، لكنه شعر ببرودة غير طبيعية تسري في جسده ، قال أخيرًا، نبرته ثابتة، ـ "أنت تتوهم ..." لكن توفيق لم يكن بحاجة إلى سماع صوته ليعرف الحقيقة : ـ "لا تتعب نفسك بإنكار الأمر أعرف عن الطفل … وأعرف أنه خطر على الجميع." حازم، لأول مرة، شعر بانزعاج حقيقي كيف عرف؟ لم يكن من المفترض أن يعرف أحد، لم يكن هناك أي أثر، أي خيط يمكن أن يقود إلى تلك الليلة. لكنه لم يكن ينوي الاعتراف. أخذ نفسًا عميقًا، ثم ابتسم ابتسامة باهتة وهو يقول: "أنت تضيع وقتك، أيها رجل إن كنت تعتقد أن لديك شيئًا ضدي، فلتثبت ذلك." نظر إليه توفيق طويلًا، ثم ابتسم أخيرًا، ابتسامة خالية من الدفء، وقال بهدوء: ـ "اسمي حازم أنا المحقق للذي تلقى إتصالك ، وللذي دهب ليوقف تلك الطائفة أنا لا أحتاج إلى إثبات انك رجل للذي إتصل … قريبًا، سيكشف الطفل نفسه وهذا سيى للجميع انا لم أتي لأديك او لطفل ." ثم، قبل أن يتمكن حازم من الرد، استدار توفيق وغادر، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا … وكلمات محفورة في عقل حازم. في صباح اليوم التالي في الفناء، أثناء وقت اللعب كان الأطفال يركضون ويضحكون، بينما وقف ليث في زاوية بعيدة، يراقبهم بصمت لكنه لم يكن وحيدًا طويلًا ، قال سامر بصوت منخفض بينما وقف أمامه، محاصرًا إياه بينه وبين جدار الميتم "أخبرني، ليث…من أين أتيت؟ لماذا أنت هنا؟" نظر ليث إليه دون إجابة لم يكن يعرف ماذا يقول، لكنه كان يعلم أن أي رد سيستفزه أكثر. ـ "لا تعرف، أليس كذلك؟" ابتسم سامر بسخرية. ـ "أنت نكرة… لا أحد يريدك، ولهذا أنت هنا." شعر ليث بشيء ينكسر داخله لم يكن يعرف لماذا تؤلمه هذه الكلمات بهذه القوة، لكنه كره مدى صحتها كان وحيدًا، بدون ماضٍ، بدون عائلة … مجرد شبح في هذا المكان. لكن رغم كل ذلك، كان هناك شيء مختلف فيه … شيء لم يستطع سامر، أو أي شخص آخر، رؤيته بعد. وفي تلك اللحظة، بينما كان سامر يدفعه إلى الجدار بقوة ، شعر ليث بشيء غريب يتصاعد في داخله حرارة مفاجئة ، نبض غريب … وكأن هناك قوة نائمة بدأت تستيقظ ببطء ، لمس ليث سامر لكن سامر ظل متجمدا وغادر ليث المكان والاولاد إستغربو من سامر لمادا تجمد ولأول مرة، لم يكن متأكدًا إن كان خائفًا من سامر … أم من نفسه. كان الليل يخيّم على الميتم، لكنه لم يكن هادئًا كما العادة في إحدى الغرف، كان ليث مستلقيًا على سريره، عيناه مفتوحتان في العتمة، جسده يرتجف من الغضب. كان كل شيء داخله يصرخ، يشتعل، يغلي لم يكن غاضبًا فقط … بل كان يحترق من الداخل. ـ لماذا أنا هنا؟ لماذا أتحمل كل هذا؟ صور من حياته في الميتم مرت في ذهنه كالشظايا الضحكات الساخرة، الأيدي التي تدفعه، العيون التي تنظر إليه وكأنه شيء غريب لكنه لم يكن مجرد شيء غريب … كان شيئًا آخر تمامًا. شعر بجسده يسخن بطريقة غير طبيعية، أنفاسه أصبحت ثقيلة، قلبه ينبض بجنون، وكأن شيئًا ما يستيقظ في داخله … شيئًا مظلمًا. أغمض عينيه للحظة، فرأى صورة سامر، ذلك الفتى المتنمر، يضحك … ثم تتحول ضحكته إلى صرخة … كان يراه وهو يختنق، يحاول التنفس، لكن لا هواء يدخل إلى رئتيه. وفي غرفة سامر، كان الأطفال مستيقظين، ملتفين حوله برعب. كان سامر نائمًا … لكنه لم يكن في سلام.ركع ليث بين جثث أحبائه، محاطًا بصمت قاتل، ورائحة الدم لا تزال تزكم أنفه لم يبكِ بعد الآن … بل أصبح البكاء بلا معنى.كان على وشك أن يفقد وعيه، حين سمع صوت خطوات هادئة تقترب من الخلف.رجلٌ المقنع يرتدي وشاحًا رماديًا ، بنظرات غريبة لا تخلو من الشفقة والخطر، اقترب منه وقال بنبرة باردة:ـ " اعرف ان هذا قاسي عليك ههههه ، لكن ادا أردت تخلص من ألمك وان لا تتذكر هذه صورة عليك أن تقوم بطقوس إحضار المالكازار، وتمنحه جسدك ليُولد من جديد."رفع ليث عينيه بتعب وهمس بصوت مبحوح:ـ "وما هي الخطوات؟"ابتسم الرجل، وأومأ لرجاله ليجهزو ... اخدوه الي غرفة وبدأ الطقس ، الأرض مليئة بالشموع السوداء ، والكتابات القديمة المنقوشة على الحائطأحضروا دمه، قطرات من جسده، ودماء أحبائه، وفتحوا بوابة استدعاء لا تُغلق إلا بثمن.وقف ليث في المنتصف، جسده مرهق وروحه أكثر إنهاكًا بدأ يحس به ، وقال بصوت مكسور:ـ "تعال … فأنت من كتبت قدري ... تعال لتحترق معي."شيء ما انفجر في الهواء.المالكازار دخل من شقّ في الظلام، وكان كالعاصفة، لكنه لم يجد طريقًا حرًا … لأن ليث لم يرد أن يمنحه
ليث حاول أن يصرخ، أن يرفع يده ليطلق طاقته ... لكن شيئًا ما حدث شيء غريب.الهواء تغيّر نبض قوته اختفى.شعر بها فورًا كما لو أن "المالكازار" قد اقتُلع من داخله.أصبح جسده ثقيلًا، وأعصابه مشوشة.ـ "ماذا يحدث...؟"رفع رأسه، يبحث عن مصدر أي تفسير، لكن الجواب كان قادمًا من الظلمة...رجال مقنّعون خرجوا من خلف الأعمدة، يسحبون ثلاث أجساد مربوطة ... سارة ، مروى ، وتوفيق.كلٌّ منهم معصوب العينين، مربط اليدين خلف الظهر، وجراح خفيفة في وجوههم وملابسهم الممزقة، وكأنهم قد عُذبوا طوال ساعات ، صرخ ليث:ـ سارة!! توفيق!! لا!!لكن صوته ارتدّ عليه صدى، كأن العالم قرر أن يسمعه دون أن يجيبه.من فوق، من شرفة مهشمة، وقف رجل مقنّع، يرتدي عباءة قاتمة لا يُرى وجهه إلا ظلًا صوته كان عميقًا، مشوّهًا، وكأن الشيطان يتحدث من خلاله:ـ "الآن ... سترى كل شيء يُسلب منك سترى موت الكل .. أمام عينيك، يا ليث."أراد ليث أن يتحرك، أن يصرخ، أن يطلق العنان للغضب الذي فيه … لكنه لم يكن يستطيع.طقوسهم القديمة قد فعلت فعلها كل ما يملكه من قوة، تبخر.حاول أن يزحف، أن يصرخ، أن
هاشتاق "ليث_يفضح_السرمديون" يتصدر الترند. المحللون، الناشطون، وحتى القنوات الأجنبية يتحدثون عن "ثورة رقمية" جديدة يقودها شاب ضد قوى خفية. مقاطع الفيديو يتم ترجمتها، وتحقيقات مستقلة تبدأ في الظهور. عند ليث مع توفيق في شقة مهجورة بعدما هربو من مختبر سجية التابع لسرمديون مختبئ في مكان غير معلوم، يتلقى مئات الرسائل يراقب الاخبار ويرى تعليقات يعلم ليث جيدًا أن ما فعله لم يكن نهاية الطريق .. بل بدايته. العالم من حوله انقلب إلى فوضى، والهواء نفسه بات أثقل، مشبعًا بشعورٍ خفي من الخطر. الجدران التي تحيط به الآن ليست آمنة بما فيه الكفاية، والسكوت في الغرفة لم يكن راحة، بل هديرًا مكتومًا لِما هو قادم. في تلك اللحظة، كان عقله مشتّتًا .. ليس في الناس، ولا في الضجة، بل هناك ... حيث زوجته وابنه. أخرج هاتفه للمرة الخامسة خلال دقائق، وحاول الاتصال لا رد. أعاد الاتصال لا إشارة. همس وكأن صدره لا يحتمل الصوت: ـ سارة ... مروى لا تجيبان. التفت نحو توفيق، الذي كان يراقب الشاشات بصمت متوتر، وقال دو
أما ليث، فبقي واقفًا عند الباب، يراقب الضوء الخلفي للسيارة وهو يختفي في الزوايا البعيدة، تمتم لنفسه:ـ سأقاتل حتى النهاية … من أجلهم.غادر ليث المنزل بخطى ثقيلة، قلبه مثقل بالقلق والخوف على مروى وغيث كان يعلم أن كل خطوة يُقدم عليها قد تكتب فصل النهاية … أو البداية.بعد دقائق، توقفت سيارة فاخرة أمام منزل مروى خرجت منها امرأة ذات حضور لافت، شعرها مربوط بعناية، ونظارات سوداء تغطي نصف وجهها، لكنها لم تخفِ ملامحها المعروفة.حدقت مروى بدهشة:ـ سـ… سارة؟! الممثلة سارة؟أومأت سارة بسرعة، وهي تدفع مروى نحو السيارة:ـ لا وقت للدهشة … يجب أن نهرب قبل أن يحسوا.انطلقت السيارة كالسهم، تبتعد عن أضواء المدينة وتغوص في العتمة طوال ساعة كاملة، كانت الطريق كأنها لا تنتهي صمت ثقيل خيم في الداخل، كل واحدة منهما تخبئ خوفًا مختلفًا ، ومعها غيث لا يفهم ما يحدثلكن فجأة … ظهرت ثلاث سيارات بيضاء على الطريق السريع طوقت السيارة التي تقودها سارة بإحكام.صرخت سارة:ـ تجهزي… هذا متوقع!توقفت السيارة، وبسرعة خاطفة، خرج رجال بملامح غريبة، لا كلمة تقال، فقط إشارات فُت
كانت سجية جالسة تقرأ شيئًا قديمًا، حين دفعت "أم. جي" الباب بعنف. ـ هل صحيح ما قاله ابنك؟! رفعت سجية عينيها وقالت : ـ وماذا قال إبني ؟ سيدة ام.جي بخيبة امل : ـ هل قتلني إبنتي ، لان إنجاب فتاة يعني إعاقت المختار ؟ نظرت سجية الي عينيها : وفي نظرتها لم يكن هناك ذنب ... بل نوع من الحزن الهادئ : ـ نعم ... انكسر شيء داخل "أم. جي" في تلك اللحظة، تراجعت خطوة إلى الوراء، ثم تقدمت، سحبت سكينًا صغيرة كانت مخبأة في ردائها، ودون تردد ... غرستها في قلب سجية. سقط جسد سجية ببطء، دون صراخ، كأنها كانت مستعدة لهذا المصير ، ابتسمت ابتسامة أخيرة وقالت: ـ كنتِ دائمًا أقوى مما ظننت .. وكنت صديقتي وانا كنت طماعة .. وانا أستحق قتلك لي ، كان على أديت الكل الا انت لهذا انا أسفه ثم رحلت سجية في الظل، كان السرمديون يراقبون لا حركة، لا ردة فعل، مجرد صمت ثقيل ، ثم جاء القرار. في اليوم التالي، وُجدت "سيدة أم. جي" مقتولة في غرفتها ، جسدها بلا حياة، ولكن ملامحها تحمل تعبيرًا غريبًا .. مزيج
هي من البداية كانت تعرف ... كانت تعلم أن هناك اتفاقًا بينها وبين السرمديون، وأنها لن تستطيع تحمل مسؤولية الطفل.لم يكن الأمر وليد اللحظة بل خيار مرير اختارته وهي في أقصى لحظات ضعفها، يومًا ما، حين شعرت أنها وحيدة بلا سند، ولا مال، ولا مستقبل وكل ما أرادته حينها هو أن تختفي من كل شيء ... حتى من أمومتها.بعد أيام، كانت "أم. جي" تجمع أغراضها في صمت، تحشو الحقيبة بلا ترتيب، وتلقي نظرات أخيرة على الجدران التي شهدت آخر لحظاتها كأم نيتها كانت واضحة الذهاب لمكان بعيد، والبدء من الصفر، والهرب من الماضي كله.لكن وقفتها سجية عند الباب، تمنعها بنظرة فيها رجاء:ـ لا تذهبي ... ابقي معي أحتاجك، وسنشتغل معًا عند الجماعة أعدك أنك ستجدين معنى جديدًا لحياتك.ترددت "أم. جي"، لكن الواقع كان واضحًا لم يكن لها مكان تذهب إليه وافقت، لا قناعة، بل لأنه لم يكن هناك باب آخر مفتوح.مرت الأيام، وبدأت سجية توكل "أم. جي" بأعمال أكثر لم تكن تفعل ذلك من فراغ، بل لأنها رأت فيها امرأة قوية رغم كل شيء، ومخلصة رغم آلامها شخصًا محترفًا ومهنيًا حتى في أشد لحظاته انكسارًا.وثقت بها .. ولم تعلم أ







