Home / الرومانسية / ثمن القرب / حصار الكرامة و عاصفة الرفض

Share

حصار الكرامة و عاصفة الرفض

Author: Oum saif
last update publish date: 2026-05-31 10:20:16

​الجزء السادس: "حصار الكرامة وعاصفة الرفض"

​مرت الأيام القليلة التي تلت تلك الليلة العاصفة ثقيلة وبطيئة على قلب مريم. كانت تشعر بغصة لا تغادر حلقها كلما تذكرت كلمات الحاجة فاطمة القاسية، وكيف تحول ذلك الحضن الأمومي الدافئ الذي آواها بعد رحيل سارة إلى جدار من الجليد والعداوة. ورغم الألم الذي كان يعتصر صدرها، إلا أن مريم، بنبل أخلاقها ووفائها لذكرى صديقتها الراحلة، قررت ألا تقطع زياراتها للبيت تماماً، بل أصبحت تأتي فقط لتقديم الواجب ومساعدة السيدة العجوز في حدوده الدنيا، متجنبة الاحتكاك المباشر بها قدر الإمكان.

​أما يوسف، فقد كان يعيش بدوره صراعاً داخلياً مريراً. كان يحب مريم ويشعر بالذنب الشديد تجاه ما حدث لها أمام عينيه، وفي نفس الوقت يجد نفسه عاجزاً عن مواجهة والدته التي أصبحت تستخدم سلاح "الرضا والواجب الديني" للضغط عليه. وفي مساء أحد الأيام، بعد أن تأكد يوسف أن مريم لن تأتي في ذلك اليوم، دخل إلى غرفة والدته وجلس بقربها، وحاول أن يتحدث إليها بأسلوب هادئ ومليء بالاستعطاف:

"أمي، أرجوكِ اسمعيني قليلاً. أنا لا أفهم سبب هذا التغير المفاجئ تجاه مريم. لقد كنتِ تحبينها كابنتكِ، وهي لم تفعل شيئاً سوى أنها وافقت على الزواج مني لتظل بجانبكِ وتحقق وصية سارة. فلماذا تعاملينها بكل هذه القسوة والتهكم؟ إنكِ تكسرين قلبها وتجرحين كرامتها دون سبب".

​توقفت الحاجة فاطمة عن تقليب صفحات مصحفها، ونظرت إلى ابنها بعينين مليئتين بالشرر والغضب، وقالت بنبرة حادة وصوت مرتفع:

"إذن، لقد بدأت الأفعى تبث سمومها في أذنيك يا يوسف! جاءت تشتكي لك وتتباكى لتقلبك على أمك؟ اسمعني جيداً يا بني، أنا عشت في هذه الدنيا أكثر مما عشت أنت، وأعرف نوايا البشر. مريم هذه لم تكن تحب سارة ولا تحبني، بل كانت تخطط منذ البداية لتضع يدها على هذا البيت وتستولي عليك وعلى إخوتك بعد أن خلت لها الساحة بموت ابنتي. إنها تريد أن تأخذ مكان سارة في كل شيء، وأنا لن أسمح لفتاة غريبة أن تتحكم في بيتي وفي ولدي ما دمت حية أرزق!".

​صُدم يوسف من حجم الأفكار السوداء التي تملكت عقل والدته، وقال بنبرة مذهولة:

"أمي! هذا ظلم وافتراء! مريم تركت دراستها ومستقبلها من أجل سارة، ولم تطلب يوماً شيئاً لنفسها. كيف تحول حبكِ لها إلى كل هذا الحقد والشك؟"

​ضربت الحاجة فاطمة على الطاولة بيدها وقالت بحسم قاطع:

"انتهى الكلام يا يوسف! إن كنت تريد الزواج بها، فتزوجها، لكن اعلم أن هذا البيت لن يجمعني بها أبداً. لن تدخل مريم هنا كزوجة لك، ولن أبارك هذا الزواج، وإن أصررت على موقفك، فلا أنت ابني ولا أنا أعرفك إلى يوم الدين!".

​خرج يوسف من غرفة والدته وهو يشعر بالضياع التام. التهديد بـ "المقاطعة والغضب" كان كافياً لكسر ظهره، فهو شاب بار بوالدته ولا يمكنه تحمل فكرة أن تغضب عليه أمه من أجل امرأة، حتى وإن كانت تلك المرأة هي مريم التي يعشقها.

​في اليوم الموالي، التقى يوسف بمريم في حديقة عامة قريبة من الحي، بناءً على طلب ملح منه. عندما جلست مريم على المقعد الخشبي، نظر إليها يوسف فوجد وجهها شاحباً وعينيها محاطتين بهالات الحزن. لم تكن مريم تلك الفتاة المبتسمة التي عرفها، بل بدت وكأنها تحمل هموم الدنيا على كتفيها الصغيرين. تنحنح يوسف، وحاول كتمان غصته، وقال بنبرة متهدجة:

"مريم... أنا آسف جداً. أنا لا أدري كيف أعتذر منكِ عما تفعله أمي. لقد حاولت الحديث معها البارحة، لكنها... لكنها مصرة على موقفها الرافض، بل وهددتني بغضبها ومقاطعتي إن أنا تمسكت بالزواج منكِ في هذا البيت".

​نظرت إليه مريم بعينين هادئتين، هدوء يسبق العاصفة، ولم تبكِ هذه المرة، بل قالت بصوت مكسور لكنه يحمل كبرياءً جريحاً:

"ويوسف... وما هو موقفك أنت؟ هل تصدق كلام والدتك عني؟ هل تعتقد فعلاً أنني أفعى جئت لأستولي على بيتكم وتاريخكم؟"

​أمسك يوسف بيدها بسرعة وقال بلهفة: "لا والله يا مريم! أنا أعلم أنكِ أطهر إنسانة على وجه الأرض، وأعلم كم ضحيتِ من أجلنا. أنا أحبكِ وأريد الاستمرار معكِ، لكن... لكنها أمي يا مريم! كيف يمكنني أن أتزوجكِ وأبني سعادتي على أنقاض رضا والدتي وغضبها؟ إنها تضعني بين خيارين أحلاهما مر: إما كرامتكِ وإما رضاها".

​سحبت مريم يدها من بين كفيه ببطء شديد، وشعرت بأن كل شيء قد انتهى في هذه اللحظة. تيقنت أن يوسف، رغم طيبته وحبه لها، شاب ضعيف أمام تسلط والدته، ولن يستطيع يوماً أن يكون لها السند والحماية التي تحتاجها. وقفت من مكانها، ونظرت إليه نظرة وداع أخيرة، وقالت بصوت متهدج تملؤه العزة والكرامة:

"إذن، لقد اخترتَ يا يوسف، وخيارك كان متوقعاً ونبيلاً في نظرك. أنا لستُ فتاة تفرض نفسها على عائلة لا تريدها، ولستُ مستعدة لتقديم المزيد من التضحيات على حساب كرامتي واسمي ليقال في النهاية إنني فرقت بين أم وابنها. يوسف... من هذه اللحظة، اعتبر أن كل شيء بيننا قد انتهى. الخطوبة ملغاة، وعقد القران لن يتم. اذهب وأرضِ والدتك، وادعُ الله أن يغفر لها ما فعلته بي، فقد جئتكم بقلب مليء بالحب والوفاء، وأخرج منكم بقلب مكسور ومحطم".

​حاول يوسف الوقوف واللحاق بها وهو ينادي باسمها بدموع حارقة: "مريم! أرجوكِ لا تذهبي! دعين نجد حلاً آخر! سننتظر حتى تهدأ أمي!".

لكن مريم لم تلتفت خلفها قط. كانت تسير بخطى سريعة، والدموع التي كتمتها طويلاً انهمرت كالمطر على وجنتيها. كانت تشعر بأن خنجراً مسموماً قد غرس في ظهرها من السيدة التي عاهدت صديقتها الراحلة سارة على حمايتها ورعايتها.

​عادت مريم إلى منزلها، ودخلت في عزلة تامة. كانت تلك الفترة هي الأقسى والأصعب في حياتها على الإطلاق. امتنعت عن الأكل والشرب، ورفضت مقابلة أي شخص من الحي. كانت تقضي لياليها مستيقظة تتأمل سقف غرفتها المظلمة، وتسأل نفسها بمرارة وفراغ قاتل: "لماذا يا رب؟ ماذا فعلتُ لأستحق كل هذا الظلم؟ هل كان ذنبي الوحيد أنني أوفيت بوعدي لصديقتي المتوفاة؟ كيف يتحول الحب إلى حقد بهذه السرعة؟".

​تأثرت صحة مريم كثيراً، وفقدت الكثير من وزنها ونضارتها، وبدت كأنها امرأة عجوز في جسد فتاة عشرينية. لم يكن يؤلمها فراق يوسف بحد ذاته، بل كان يؤلمها الخذلان، والغدر، وضياع السنين والتضحيات التي قدمتها لعائلة لم تصن الأمانة.

​وفي المقابل، في بيت الحاجة فاطمة، خيم انتصار زائف ومشحون بالتوتر. عندما علم الإخوة بفسخ الخطوبة، غضبوا كثيراً من والدتهم، واعتبروا أن تصرفاتها غير عادلة وتسببت في خسارة فتاة نادرة كمريم. أما يوسف، فقد تحول إلى شخص واجم، بارد، لا يتحدث مع والدته إلا نادراً، وأصبح يقضي جل وقته خارج البيت هرباً من نظرات أمه التي كانت تحاول إقناعه بأنها فعلت ذلك لمصلحته.

​ولم تكن الحاجة فاطمة تعلم أن هذا الانتصار الصغير الذي حققته بطرد مريم من حياة ابنها، سيكون هو الشرارة الأولى لسلسلة من الأحداث السوداء والمصائب التي ستحل بهذا البيت، لتذوق فيه هي وابنها يوسف مرارة العذاب والندم لسنوات طويلة قادمة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ثمن القرب   زيارة العهد خلف القضبان..و بداية تهاوي حصون الكذب

    ​الجزء الثاني والعشرين: "زيارة العهد خلف القضبان.. وبداية تهاوي حصون الكذب"​مرت الليلة الأولى على اعتقال يوسف ثقيلة وكئيبة خلف الجدران الإسمنتية الباردة لمركز التوقيف. كان يرتدي قميصه الأبيض الذي تجعد من رطوبة المكان، ويجلس على مقعد خشبي صلب وضيق، واضعاً رأسه بين يديه. لم يكن يوسف نادماً على وقوفه بجانب مريم، بل كان كل همه وخوفه منصباً على والدته الحاجة فاطمة التي يعلم أن قلبها العليل لن يحتمل صدمة سجنه، وعلى مريم وأطفالها الأيتام الذين تركهم في مواجهة ذئاب السوق دون حماية.​وفي الصباح الباكر، فتح الحارس الحديدي الباب الثقيل، ونظر إلى يوسف بنبرة يملؤها الاحترام المفاجئ قائلاً: "السيد يوسف... لديك زيارة خاصة في قاعة المحامين الرئيسية. تفضل معي".​مشى يوسف بخطى هادئة، ودخل القاعة الواسعة والمحاطة بالقواطع الزجاجية، ليتسمر في مكانه من شدة الذهول. لم يكن الزائر سوى مريم! كانت تقف بكامل وقارها وهيبتها المتوجة، ترتدي عباءة سوداء أنيقة وحجاباً مرتباً بعناية يعكس عزة نفسها الشامخة، وبجانبها يقف ثلاثة من أشهر وأكبر المحامين في البلاد، يرتدون بدلاتهم الرسمية الفاخرة ويحملون حقائبهم الجلدية الم

  • ثمن القرب   حياكة المؤامرة في الظلام ..و الطعنة الغادرة

    ​الجزء الحادي والعشرين: "حياكة المؤامرة في الظلام.. والطعنة الغادرة"​كان الليل قد أرخى سدوله على المدينة، وفي مكتب السيد عاصم الشريك الجشع لشركة الراحل غالي، كان الدخان الكثيف يتصاعد في الأرجاء ممتزجاً برائحة المكر والشر. جلس عاصم خلف مكتبه الفاخر بنظرات يملؤها الغيظ بعد الإهانة القانونية التي تلقاها من يوسف في قاعة الاجتماعات، وكان يجلس في المقابل والد فهيمة، التاجر الحاقد الذي تحطمت سلطته المالية بعد فك رهن البيت القديم.​أخرج والد فهيمة ملفاً أصفراً قديماً، ووضعه أمام عاصم وابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيه قائلاً بنبرة خافتة:"السيد عاصم... هذا هو مفتاح الخلاص من يوسف. هذا الملف يحتوي على وثائق قديمة وتوقيعات تخص عمل يوسف السابق في شركتنا التجارية قبل سنوات. بمساعدة بعض المحاسبين الموالين لنا، قمنا بـتعديل بعض الأرقام وإضافة فواتير وهمية وتزوير توقيعه عليها، لتبدو وكأنها عملية اختلاس ضخمة وخيانة أمانة قام بها يوسف قبل رحيله. إن قدمنا هذا الملف للشرطة، سيتم اعتقاله فوراً بتهمة جنائية ثقيلة، ونلقي به وراء القضبان لسنوات، وبذلك ننتهي من حارس مريم الأمين، وتصبح الساحة فارغة لك لتفرض سيطر

  • ثمن القرب   ذئاب التركات ..و حارس العهد الأمين

    ​الجزء العشرين: "ذئاب التركات.. وحارس العهد الأمين"​انقضت أيام العزاء ببطء شديد، لتبدأ مريم في مواجهة الواقع الجديد؛ واقع يملؤه الفراغ القاتل الذي تركه غالي خلفه، ومسؤولية إدارة "مجموعة الاستثمار العقاري الحديث" التي أصبحت مطمعاً لكل الشركاء والمنافسين في السوق. لم يكد يمر أسبوع واحد على الفاجعة حتى بدأت ذئاب المال في التحرك؛ حيث ظن الجميع أن مريم امرأة وحيدة، مكسورة بوفاة زوجها، ولن تقوى على الصمود أمام الضغوطات والصفقات المعقدة التي تحتاج إلى حسم وقسوة أحياناً.​وفي صباح يوم الإثنين، عقد مجلس إدارة الشركة اجتماعاً طارئاً برئاسة الشريك الأكبر الراغب في السيطرة، السيد "عاصم"، وهو رجل أعمال جشع كان يتربص بالمجموعة منذ سنوات. دخلت مريم قاعة الاجتماعات وهي ترتدي ثياب حدادها السوداء وبكامل وقارها وكبريائها، وكان يوسف يمشي خلفها ببذلته الوقورة وبيده ملفات التدقيق القانوني، بصفته المستشار الخاص والحارس المعين لحماية شؤونها بأمر وتفويض رسمي منها.​جلس عاصم في صدر الطاولة، ونظر إلى مريم بنبرة تخفي وراءها الكثير من المكر والتعالي قائلاً:"السيدة مريم، نحن نقدر حزنكِ ومصابكِ الجلل، لكن سوق الع

  • ثمن القرب   دموع القصر المنكوب..و فاجعة تزلزل الأركان

    ​الجزء التاسع عشر: "دموع القصر المنكوب.. وفاجعة تزلزل الأركان"​مرت ساعات ذلك النهار الخريفي على مريم كأنها دهور ممتدة من القلق والترقب. كانت حبات المطر تطرق زجاج النافذة الكبيرة بقوة، ومع كل قطرة تسقط، كان انقباض صدرها يزداد حدة. حاولت مريم أن تشغل نفسها باللعب مع طفليها يوسف وسارة، لكن عينيها كانت تلتفتان نحو الساعة الجدارية كل دقيقة. حل المساء، وتجاوز الوقت موعد عودة غالي المعتاد، وهاتفها لم يرن بأي اتصال منه، وكلما حاولت الاتصال به، كان يجيبها ذلك الصوت الآلي البارد: "المشترك غائب عن الشبكة حالياً".​وفي تمام الساعة الثامنة ليلاً، وبينما كانت مريم تقف في وسط الصالون تذرع المكان ذهاباً وإياباً، قطع الصمت الرهيب رنين قوي ومفاجئ لجرس الباب الرئيسي للقصر. ركضت مريم بقلب يرتجف، وفتحت الباب لتجد أمامها عميد الشرطة ومعه المحامي الخاص بشركة غالي، وكانت ملامحهما شاحبة وعيونهما مطأطأة الأرض يحملان نظرة يملؤها الحزن والأسى الشديد.​تراجعت مريم إلى الخلف خطوة، ووضعت يدها على فمها وقالت بصوت متهدج مرتجف:"سيدي... ما الأمر؟ أرجوك لا تقل لي أن مكروهاً قد أصاب غالي! أخبروني أنه بخير... إنه في طري

  • ثمن القرب   انتفاضة الكرامة العائدة..و ظلال السكينة قبل العاصفة

    ​الجزء الثامن عشر: "انتفاضة الكرامة العائدة.. وظلال السكينة قبل العاصفة"​ساد صمت ذهول قاتل في أرجاء الصالون بالشقة الحديثة، وبدت الأوراق الرسمية الملقاة على الطاولة، والتي تعلن فك رهن البيت القديم بالكامل، كقنبلة نسفت كل مخططات الجشع والسيطرة التي بناها والد فهيمة وابنته لسنوات طوال. كانت فهيمة تنظر إلى زوجها يوسف بعينين متسعتين من الصدمة والرعب، بينما تجمدت ملامح والدها التاجر المتكبر، وسقطت هيبته الزائفة وتلعثم لسانه وهو يرى سلاحه الوحيد للحجر والضغط قد تحطم وتبخر في ثوانٍ معدودة.​في تلك اللحظة بالذات، ولأول مرة منذ خمس سنوات عجاف، شعر يوسف بروح تتدفق في جسده الشاحب، وكأن قيداً ثقيلاً غير مرئي قد انكسر من حول معصميه وعنقه. وقف بكل طوله، واعتدلت قامته التي أحنتها الديون، ونظر إلى والد فهيمة وعينيه تشعان بنور الكرامة العائدة والرجولة المنتفضة، وقال بنبرة صوت جهورة قوية هزت أركان الشقة:"الآن... انتهت اللعبة يا عمي! سقط قناع التهديد والجشع الذي حاصرتموني به، وبيتي القديم طاهر ومحرر باسمي وباسم أمي، وليس لكم عليه ولا على كرامتي أي سلطة بعد اليوم! خذ محاميك وأوراقك المزيفة، واخرج من بي

  • ثمن القرب   مروءة القلوب الطاهرة..و ظلال الذعر في معسكر الجشع

    ​الجزء السابع عشر: "مروءة القلوب الطاهرة.. وظلال الذعر في معسكر الجشع"​لم تكن تلك الليلة التي تلت زيارة الحاجة فاطمة وابنها يوسف لقصر العوض ليلة عادية في حياة مريم. فرغم الدفء والسكينة اللذين يملآن قصرها بجانب زوجها غالي وطفليها الصغيرين، ورغم غمرها بكلمات الثناء والفخر من زوجها الذي رأى في تسامحها قمة النبل الإنساني، إلا أن صورة السيدة العجوز وهي تجثو بنحافة جسدها المريض، وملامح يوسف الشاحبة التي غارت فيها طاقة الشباب وتحولت إلى انكسار وعجز، ظلت تلوح أمام عيني مريم كشريط مؤلم. لم يكن في قلب مريم حقد، بل كان يسكنه حزن نبيل؛ فقد تذكرت وصية صديقتها الراحلة سارة وهي على فراش الموت في المستشفى، تذكرت كيف أمسكت بيدها وقالت لها: "مريم... أمي طبعها قاسٍ وعنادها أعمى، لكنني أستودعكِ إياها لوجه الله، لا تتركيها للضياع إن دارت عليها الأيام".​وفي بهو القصر الهادئ، وبينما كانت مريم ترتشف كوباً من البابونج الدافئ، اقترب غالي وجلس بقربها، ونظر إلى عينيها المستغرقتين في التفكير، وأمسك بيدها برفق قائلاً بنبرته الرجولية الدافئة:"مريم... حبيبتي، أرى أن عقلكِ ما زال مسافراً مع تلك الزيارة. لقد سامحتِ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status