ثمن القرب

ثمن القرب

last updateLast Updated : 2026-06-09
By:  Oum saifUpdated just now
Language: Arab
goodnovel12goodnovel
Not enough ratings
22Chapters
14views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

​📖 بين أمل مفقود وعوض موعود ​مريم وسارة... لم تكن مجرد صديقتين، بل كانتا روحاً واحدة انقسمت في جسدين، تجمعهما أحلام الطفولة وبراءة البكالوريا. لكن القدر يقرر فجأة أن يكتب نهاية مغايرة لقصتهما، حين يختطف الموت سارة بعد معركة شرسة مع السرطان، تاركة خلفها أماً مكسورة القلب، وثلاثة إخوة، وصديقة عمر لا تجد عزاءً لروحها سوى في حضن الحاجة فاطمة (والدة سارة). ​وسط ألم الفقدان، تشتد الروابط بين مريم والأم الثكلى، حتى أصبحت مريم هي "البنت التي لم تلدها"، تعوضها برائحة ابنتها الراحلة. لكن هذه الدفء العائلي يأخذ منعطفاً غير متوقع، حين يتقدم يوسف (أحد إخوة سارة) لطلب يد مريم. ​بين حيرة القلب ورغبة صادقة في البقاء بجانب الأم التي أحبتها، توافق مريم وتجبر نفسها على هذا الزواج... لتستيقظ على الصدمة الكبرى! الحنان الأمومي الجارف ينقلب فجأة إلى بركان من الرفض والعداوة، وكأن مريم ارتكبت خطيئة بمحاولتها أخذ مكان ابنتها المتوفاة في قلب ابنها. ​تجد مريم نفسها منبوذة، وتمر بأقسى فترات حياتها انكساراً وألماً... فهل ستستسلم للظلم؟ أم أن للقدر رأي آخر؟

View More

Chapter 1

أرواح متطابقة و أحلام بريئة

​الجزء الأول: "أرواح متطابقة وأحلام بريئة"

​كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحاً، وزقاق الحي القديم بالمدينة ما زال يغرق في هدوء نسبي، لا تكسره سوى خطوات تلاميذ المدارس المتسارعة. من بعيد، كان يمكن لأي عابر سبيل أن يلمح ظلين مألوفين يسيران جنباً إلى جنب، تتعالى ضحكاتهما لتملأ الأرجاء حيوية ونشاطاً. هما مريم وسارة، الصديقتان اللتان لم تفرق الأقدار بينهما منذ أول يوم ولجتا فيه أبواب المدرسة الابتدائية، حيث تقاسمتا نفس المقعد الخشبي، ونفس الأحلام الصغيرة.

​لم تكن مريم وسارة مجرد صديقتي دراسة عاديتين، بل كانتا كالتوأم في جسدين مختلفين، روحاً واحدة انقسمت لتدب في قلوبهن الطيبة. مريم، بهدوئها المعهود، ملامحها الوادعة وعينيها اللتين تحكيان قصصاً من الرزانة والعمق، كانت تمثل العقل والملجأ الآمن. أما سارة، فكانت كتلة من الطاقة والمرح، بشعرها الغجري المتموج وابتسامتها العريضة التي لا تغادر محياها، كانت هي الروح النابضة للمكان، والابنة الوحيدة المدللة وسط ثلاثة إخوة ذكور في بيت الحاجة فاطمة.

​في ذلك الصباح الخريفي البارد، كانت الرياح تداعب أطراف معاطفهما وهما تتجهان بخطى حثيثة نحو الثانوية لشهادة البكالوريا، وهي السنة الحاسمة التي طالما خططتا لها وسهرتا الليالي من أجلها.

"مريم، أسرعي قليلاً! إن تأخرنا عن حصة الفلسفة مجدداً، فلن يتردد الأستاذ في إغلاق الباب في وجهنا، وأنتِ تعلمين أنني لم أراجع درس الأمس جيداً"، قالت سارة وهي تجر مريم من يدها ضاحكة، والأنفاس تتصاعد من فمها دافئة لتتلاشى في الهواء البارد.

​أجابتها مريم وهي تحاول التقاط أنفاسها وتعديل محفظتها الثقيلة على كتفها: "يا سارة، أنتِ من تأخرتِ في الاستيقاظ كالعادة! لولا أنني وقفت تحت نافذتك لأكثر من ربع ساعة في هذا البرد، لكنتِ الآن غارقة في سابع نومة. ثم أخبريني، كيف لم تراجع الدرس وأنتِ من وعدتني بأننا سننال نفس المعدل لندخل كلية الحقوق معاً؟"

​التفتت إليها سارة، وتغيرت ملامحها للحظة من السخرية إلى جدية مغلفة بحب كبير ونظرة عميقة، وأمسكت بكتفي مريم قائلة: "أنا لا أهتم بالكلية ولا بالشهادة بقدر ما أهتم بأن نكون معاً يا مريم. أقسم لكِ، لو دخلتِ أنتِ إلى شعبة ولم أقبل فيها، سأعيد السنة عمداً فقط لأبقى بجانبكِ. حياتي بدونكِ باهتة لا لون لها، أنتِ أختي التي لم تلدها أمي، وسندي في هذه الدنيا".

​نزلت كلمات سارة كبلسم دافئ على قلب مريم، التي ابتسمت بعمق وضمت صديقتها إليها برفق. كانت مريم تعرف أن سارة تعني كل كلمة تقولها ولا تجامل؛ فبيتهما كان مفتوحاً دائماً لمريم في كل وقت وحين، والحاجة فاطمة، والدة سارة، كانت تتعامل مع مريم وكأنها ابنتها الرابعة التي رزقها الله بها، بل وتفضلها أحياناً على أبنائها الذكور لشدة أدبها، وحرصها الشديد على مصلحة سارة ودراستها.

​مرت الساعات داخل جدران الثانوية بين الدروس والمراجعات الصعبة، وكان التعب والإرهاق يظهر جلياً على وجوه التلاميذ مع اقتراب موعد الامتحانات الإشهادية. لكن في ذلك اليوم تحديداً، لاحظت مريم شيئاً غريباً ومقلقاً على غير العادة. سارة، التي كانت شعلة لا تتوقف عن الحركة والكلام والمزاح، كانت تجلس في المقعد الخشبي شاحبة الوجه، تضع رأسها بين كفيها الصغيرين وتغمض عينيها بضعف غريب.

​فوق الطاولة، كانت دفاتر سارة مبعثرة بشكل عشوائي، وقلمها جاف لم يخط سطراً واحداً منذ بداية الحصة الأخيرة. اقتربت منها مريم بقلق متزايد، ووضعت يدها على كتفها برفق: "سارة.. حبيبتي، هل أنتِ بخير؟ وجهكِ شاحب جداً كأن الدم هرب منه، وعيناكِ تبدوان متعبتين ومجهدتين. هل سهرتِ البارحة مجدداً في المراجعة؟"

​فتحت سارة عينيها ببطء شديد، وحاولت جاهدة أن ترسم ابتسامتها المعتادة لتطمين صديقتها، لكن الابتسامة خرجت باهتة، مكسورة، وخالية من الحيوية. "لا تقلقي يا مريم، إنه مجرد صداع خفيف وعابر يرفض أن يغادر رأسي منذ الصباح الباكر. ربما بسبب ضغط الدراسة الخانق، أو لأنني لم أتناول وجبة فطوري جيداً كالعادة".

​"لكنه ليس صداعاً عادياً يا سارة، هذه ثالث مرة هذا الأسبوع أراكِ فيها بهذا الخمول الشديد والضعف. حتى أنني لاحظت أنكِ فقدتِ بعضاً من وزنكِ ونضارة وجهكِ المعتادة"، قالت مريم وعلامات التوجس والخوف ترتسم بخطوط واضحة على جبينها.

ردت سارة وهي تجمع أدواتها ببطء وهدوء غريب بعد رنين جرس انتهاء الحصة: "أنتِ تكبرين الأمور دائماً يا مريم وتصنعين من الحبة قبة! دعينا نسرع للمنزل الآن، أمي أعدت لنا طبق الكسكس الساخن اليوم، ورائحة طعامها الزكية كفيلة بشفاء أي صداع في العالم".

​رغم محاولات سارة المستمرة لإظهار اللامبالاة، إلا أن قلماً من الشك والخوف انغرس في قلب مريم ولم يغادره. رافقتها خطوة بخطوة إلى باب بيتها، ودخلتا معاً كالعادة اليومية. استقبلتهما الحاجة فاطمة بوجهها البشوش المستبشر، ترحب بمريم بحفاوة بالغة ودعوات طيبة: "مرحباً بابنتي الغالية مريم، البيت لا يضيء ولا يدخله الفرح إلا بوجودكِ يا بنتي. ادخلي فورا، لقد جهزت الغداء، وسارة لا تأكل جيداً ولا تفتح شهيتها إن لم تكوني جالسة بجانبها".

​جلس الجميع حول المائدة المستديرة، وكان الإخوة الثلاثة متواجدين، ومن بينهم يوسف، الابن الأوسط. يوسف كان شاباً في بداية عشرينياته، هادئ الطباع، رزيناً، يراقب الأمور من حوله بصمت وذكاء. وكان دائماً ينظر إلى مريم بنظرات مليئة بالاحترام والإعجاب الصامت الخفي، نظرات لم تكن مريم تلاحظها أبداً، نظراً لكونها تعتبره بمثابة أخ أكبر لها، ولأن كل تفكيرها وتركيزها في تلك الفترة كان منصباً فقط على دراستها ومستقبلها وصديقة عمرها.

​أثناء تناول الغداء، لاحظت الحاجة فاطمة بنظرتها الأمومية الثاقبة أن ابنتها سارة لم تأكل سوى لقمات صغيرة جداً على غير عادتها، ثم اعتذرت بتعب واضح وصعدت إلى غرفتها لتنام وتستريح. التفتت الحاجة فاطمة إلى مريم وعيناها تملأهما الحيرة، وقالت بقلق أمومي حارق: "مريم ابنتي، أقسمت عليكِ أن تقولي لي الصدق.. هل سارة تعاني من مشكلة ما في الثانوية؟ أم أن هناك شيئاً تخفيه عني؟ أراها مؤخراً تذبل وتضعف أمام عيني يوماً بعد يوم، وجهها أصفر شاحب، وحركتها أصبحت قليلة، وهي التي كانت تملأ البيت صخباً وضجيجاً بمجرد دخولها".

​حاولت مريم أن تطمئنها بابتسامة مصطنعة وهي تحاول إخفاء توجسها وخوفها الداخلي: "لا تقلقي أبداً يا خالتي فاطمة، إنه فقط خوف الامتحانات وضغط البكالوريا الذي يثقل كاهلها. أنتِ تعرفين كم تشيل سارة هم المعدل رغبة منها في إدخال الفرحة على قلبكِ الكبير. سأهتم بها جيداً ونراجع دروسنا معاً ببطء لكي ترتاح أكثر".

​تنفسّت الحاجة فاطمة الصعداء ودعت لهما بالتوفيق والسداد، لكن في غضون أسابيع قليلة ومعدودة، لم يعد ذلك الصداع مجرد عرض عابر بسبب قلة النوم، ولم يعد الشحوب مجرد تعب امتحانات وضغط نفسي.

​في أحد أيام السبت الهادئة، بينما كانت مريم وسارة في غرفتهما المشتركة تراجعان مادة الرياضيات المعقدة، وقفت سارة فجأة من مكانها لتجلب بعض الماء من المطبخ، لكنها لم تكد تخطو خطوتين اثنتين حتى ترنحت يمنة ويسرة، وفقدت توازنها تماماً، ثم سقطت على الأرض الصلبة مغشياً عليها وجسدها هامد بلا حراك.

​نزلت الصدمة كالصاعقة على مريم، التي جفت الدماء في عروقها، وصرخت بأعلى صوتها وبكل ما أوتيت من قوة باسم سارة... صرخة هزت أركان وجدران البيت، وجعلت الجميع يهرعون إلى الغرفة والهلع يملأ قلوبهم، معلنين بذلك بداية منعرج مظلم، حزين، وقاسٍ جداً، سيغير حياة مريم والحاجة فاطمة ويقلبها رأساً على عقب إلى الأبد.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
22 Chapters
أرواح متطابقة و أحلام بريئة
​الجزء الأول: "أرواح متطابقة وأحلام بريئة"​كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحاً، وزقاق الحي القديم بالمدينة ما زال يغرق في هدوء نسبي، لا تكسره سوى خطوات تلاميذ المدارس المتسارعة. من بعيد، كان يمكن لأي عابر سبيل أن يلمح ظلين مألوفين يسيران جنباً إلى جنب، تتعالى ضحكاتهما لتملأ الأرجاء حيوية ونشاطاً. هما مريم وسارة، الصديقتان اللتان لم تفرق الأقدار بينهما منذ أول يوم ولجتا فيه أبواب المدرسة الابتدائية، حيث تقاسمتا نفس المقعد الخشبي، ونفس الأحلام الصغيرة.​لم تكن مريم وسارة مجرد صديقتي دراسة عاديتين، بل كانتا كالتوأم في جسدين مختلفين، روحاً واحدة انقسمت لتدب في قلوبهن الطيبة. مريم، بهدوئها المعهود، ملامحها الوادعة وعينيها اللتين تحكيان قصصاً من الرزانة والعمق، كانت تمثل العقل والملجأ الآمن. أما سارة، فكانت كتلة من الطاقة والمرح، بشعرها الغجري المتموج وابتسامتها العريضة التي لا تغادر محياها، كانت هي الروح النابضة للمكان، والابنة الوحيدة المدللة وسط ثلاثة إخوة ذكور في بيت الحاجة فاطمة.​في ذلك الصباح الخريفي البارد، كانت الرياح تداعب أطراف معاطفهما وهما تتجهان بخطى حثيثة نحو الثانوية لشهادة
last updateLast Updated : 2026-05-31
Read more
الزائر الأبيض و الصدمة الصامتة
​الجزء الثاني: "الزائر الأبيض والصدمة الصامتة"​لم تكن الدقائق التي تلت سقوط سارة مجرد وقت عابر، بل كانت دهراً من الرعب تجمدت فيه الدماء في عروق كل من في البيت. صرخة مريم التي شقت صمت المكان جعلت الإخوة الثلاثة يهرعون بصدمة، وكان يوسف أول من اقتحم الغرفة. وجد مريم جاثية على ركبتيها، ترفع رأس سارة الهامد وتصرخ باسمها بدموع حارقة، بينما دخلت الحاجة فاطمة وهي تلطم خديها بذهول، تندب ابنتها الوحيدة التي لم ترها يوماً في مثل هذا الموقف.​"تنحّي جانباً يا مريم، دعيني أرفعها!" قال يوسف بنبرة حازمة حاول من خلالها إخفاء الرعب الذي تملك قلبه. حمل سارة بين ذراعيه بخفة، فقد كان جسدها قد أصبح نحيلاً وخفيفاً بشكل مرعب في الأسابيع الأخيرة. نزل بها الدرج بسرعة جنونية، وتبعه إخوته ومريم التي كانت تمسك بيد الحاجة فاطمة المرتجفة وتهمس لها بكلمات تطمين لا تؤمن هي نفسها بها في تلك اللحظة.​ركب الجميع في سيارة الأجرة متوجهين إلى المستشفى الإقليمي. طوال الطريق، كانت مريم تحتضن سارة الغائبة عن الوعي، تمسح على شعرها الغجري المتموج، والدموع تنهمر من عينيها لتسقط على وجه صديقتها الشاحب. التفت يوسف من المقعد الأم
last updateLast Updated : 2026-05-31
Read more
الوصية الأخيرة و الرحيل الصامت
الجزء الثالث: "الوصية الأخيرة والرحيل الصامت"​مرت الأيام والأسابيع على عائلة الحاجة فاطمة ومريم كأنها دهور ممتلئة بالخوف والرجاء. كان ممر المستشفى الأبيض قد استهلك جل طاقة مريم، التي ذبلت ملامحها الشابة وبانت الهالات السوداء تحت عينيها نتيجة السهر الطويل والدعاء المستمر. أما سارة، فقد كانت كشمعة تذوب ببطء أمام أعين الجميع؛ العلاج الكيميائي أخذ منها نضارتها، وجسدها النحيل أصبح يرتجف من أقل نسمة هواء، لكن روحها بقيت متمسكة بالحياة، أو هكذا كانت تحاول إظهار الأمر لتخفيف العذاب عن والدتها وصديقة عمرها.​في ليلة شتوية شديدة البرودة، حيث كان صوت المطر يضرب نوافذ الغرفة الزجاجية بقوة، استيقظت سارة من نومها ببطء. التفتت لتجد مريم تجلس على الكرسي الخشبي بجانب السرير، واضعة رأسها على حافة الفراش تغط في نوم عميق من شدة التعب، وهي ما زالت ممسكة بكتيب صغير للأدعية.​نظرت سارة إلى مريم بنظرة ممتلئة بالحب والشفقة؛ كانت تعلم كم ضحت صديقتها من أجلها، وكيف تركت دراستها وبكالوريتها لتكون ظلها في هذا المكان الكئيب. مدت يدها المرتجفة ببطء، ووضعتها على شعر مريم تداعبه برفق. استيقظت مريم فجأة، والتقت عيناه
last updateLast Updated : 2026-05-31
Read more
عرض مفاجئ و حيرة القلب
الجزء الرابع: "عرض مفاجئ وحيرة القلب"​مرت سنة كاملة على رحيل سارة، سنة غيّرت الكثير من ملامح البيت القديم، لكنها لم تمحُ أثر النوارة التي غادرت باكراً. بفضل وجود مريم الدائم، استعادت الحاجة فاطمة بعضاً من عافيتها ونور وجهها. أصبحت مريم هي نبض البيت؛ تدخل بابتسامتها الهادئة فتبدد وحشة المكان، ترتب الغرف، وتعد الشاي بالنعناع الذي تحبه الحاجة فاطمة، وتستمع لقصصها القديمة بصبر ومحبة لا نظير لهما.​كان يوسف يراقب هذا المشهد يومياً بنظرات يملؤها الإعجاب والتعلق الشديد. لم تعد مريم في نظره مجرد صديقة أخته الراحلة، بل أصبحت هي المرفأ الذي يتمنى الاستقرار فيه. وفي إحدى الأمسيات، بعد أن غادرت مريم البيت عائدة إلى منزل عائلتها، جلس يوسف بجانب والدته في بهو المنزل، وكان الإخوة الآخرون غائبين. ترشّف قليلاً من الشاي، ثم تنحنح قائلاً بنبرة صوته الرزينة بالفصحى:"أمي... أود أن أفتح معكِ موضوعاً هاماَ، وأتمنى أن ينال رضاكِ ويبهج قلبكِ".​وضعت الحاجة فاطمة سبحتها جانباً، ونظرت إليه بحنان قائلة: "تحدث يا بني، كلي آذان صاغية. أدعو الله أن أراك متزوجاً ومستقراً قريباً، فهذا ما يتمناه قلبي".​ابتسم يوسف،
last updateLast Updated : 2026-05-31
Read more
شرارة الغيرة و الوجه الآخر
الجزء الخامس: "شرارة الغيرة والوجه الآخر"​بعد إعلان موافقة مريم الرسمية، تحول البيت القديم إلى خلايا نحل لا تهدأ من الحركة، وبدت الفرحة واضحة على محيا يوسف الذي كان يسابق الزمن لإنهاء كل الترتيبات الخاصة بعقد القران والخطوبة. كان يوسف يشتغل لساعات إضافية في عمله ليوفر كل متطلبات مريم، ولم يكن يبخل عليها بشيء، بل كان يشتري لها الهدايا والأقمشة الفاخرة ويدخل بها إلى البيت وعيناه تشعان بالفخر والسرور. في المقابل، كانت مريم تعيش في عوالم من الهدوء المستسلم؛ تحاول جاهدة أن تقنع قلبها الصامت بأن هذا هو الطريق الصحيح، وأن الوفاء لذكرى سارة وللحاجة فاطمة يستحق منها التضحية بمشاعر الحب الجارف التي طالما قرأت عنها في الكتب.​لكن، خلف هذه الأجواء الاحتفالية، وبشكل تدريجي وبطيء، بدأت خيوط غريبة ومظلمة تتسلل إلى قلب الحاجة فاطمة. تلك السيدة التي كانت ترى في مريم ابنتها الثانية وبديلة سارة، بدأت تلاحظ كيف تحول اهتمام ابنها الأوسط يوسف بالكامل نحو مريم. يوسف، الذي كان يقضي جل وقته بعد العمل مع أمه يواسيها ويتحدث إليها، أصبح الآن بمجرد دخوله من الباب يسأل بنبرة ملهوفة: "هل جاءت مريم؟ أين مريم؟ ماذا
last updateLast Updated : 2026-05-31
Read more
حصار الكرامة و عاصفة الرفض
​الجزء السادس: "حصار الكرامة وعاصفة الرفض"​مرت الأيام القليلة التي تلت تلك الليلة العاصفة ثقيلة وبطيئة على قلب مريم. كانت تشعر بغصة لا تغادر حلقها كلما تذكرت كلمات الحاجة فاطمة القاسية، وكيف تحول ذلك الحضن الأمومي الدافئ الذي آواها بعد رحيل سارة إلى جدار من الجليد والعداوة. ورغم الألم الذي كان يعتصر صدرها، إلا أن مريم، بنبل أخلاقها ووفائها لذكرى صديقتها الراحلة، قررت ألا تقطع زياراتها للبيت تماماً، بل أصبحت تأتي فقط لتقديم الواجب ومساعدة السيدة العجوز في حدوده الدنيا، متجنبة الاحتكاك المباشر بها قدر الإمكان.​أما يوسف، فقد كان يعيش بدوره صراعاً داخلياً مريراً. كان يحب مريم ويشعر بالذنب الشديد تجاه ما حدث لها أمام عينيه، وفي نفس الوقت يجد نفسه عاجزاً عن مواجهة والدته التي أصبحت تستخدم سلاح "الرضا والواجب الديني" للضغط عليه. وفي مساء أحد الأيام، بعد أن تأكد يوسف أن مريم لن تأتي في ذلك اليوم، دخل إلى غرفة والدته وجلس بقربها، وحاول أن يتحدث إليها بأسلوب هادئ ومليء بالاستعطاف:"أمي، أرجوكِ اسمعيني قليلاً. أنا لا أفهم سبب هذا التغير المفاجئ تجاه مريم. لقد كنتِ تحبينها كابنتكِ، وهي لم تفعل
last updateLast Updated : 2026-05-31
Read more
ماد الماضي و بداية الفجر الجديد
الجزء السابع: "رماد الماضي وبداية الفجر الجديد"​مرت ستة أشهر كاملة على ذلك اليوم المشؤوم الذي انكسرت فيه أحلام مريم على عتبة بيت الحاجة فاطمة. كانت الأيام الأولى كأنها جمر يحرق روحها، لكن مريم، بفضل إيمانها القوي وقوة شخصيتها الكامنة، قررت ألا تستسلم للحزن والكمد. نظرت إلى المرآة ذات صباح، ورأت كيف ذبلت ملامحها واختفت نضارة شبابها، فقالت لنفسها بعزيمة صلبة: "لن تضيع حياتي من أجل أشخاص لم يقدروا قيمتي. سارة رحلت وهي في دار الحق، ووصيتي لها كانت بالحب والوفاء، وقد فعلتُ ما بوسعي، لكن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. كرامتي فوق كل اعتبار، وحياتي يجب أن تستمر".​سحبت مريم ملفاتها القديمة، وقررت العودة إلى مقاعد الدراسة. سجلت في معهد خاص لتطوير المهارات وإدارة الأعمال، وبدأت تقضي جل وقتها بين الكتب والمحاضرات، محاولة سد الفراغ الروحي العاصف الذي تركه الخذلان. بدأت الألوان تعود تدريجياً إلى وجهها، وعادت تلك الابتسامة الهادئة لتزين محياها، لكنها كانت ابتسامة ناضجة، تحمل خلفها وعياً كبيراً بحقائق البشر وتقلباتهم.​في هذه الأثناء، وتحديداً في فترات التدريب الميداني التي فرضها المعهد، حظيت مريم ب
last updateLast Updated : 2026-05-31
Read more
أبواب العوض و وجوه غريبة
​الجزء الثامن: "أبواب العوض ووجوه غريبة"​دارت عجلة الزمن سريعة، وجاء اليوم الذي خططت له الحاجة فاطمة بكل تفاصيله لتثبت لابنها يوسف وللجميع أن اختيارها هو الأفضل. تم زفاف يوسف على "فهيمة"، تلك الفتاة التي اختارتها والدته بناءً على مظهرها الخارجي الخداع وانتمائها لعائلة معروفة في الحي الجديد. دخلت فهيمة البيت القديم وهي ترتدي قناع الأدب والوداعة، ونالت مباركة الحاجة فاطمة التي كانت تزغرد بفرحة عارمة، ظناً منها أنها استعادت السيطرة على بيتها وعلى ابنها، وأنها طردت مريم التي كانت تشكل تهديداً لسطوتها.​لكن القناع لم يدم طويلاً. فبمجرد أن انقضت أسابيع العسل الأولى، وبدأ الصخب يهدأ، بدأت فهيمة في إظهار وجهها الحقيقي. كانت فتاة أنانية، متسلطة، ولا تقبل أن يشاركها أحد في اهتمام يوسف أو في إدارة شؤون البيت. أول ما قامت به هو رفضها التام للقيام بأي أعمال منزلية، وكانت تقول ليوسف بنبرة متعجرفة:"أنا لم آتِ إلى هنا لأكون خادمة لوالدتك أو لإخوتك. أنا ابنة عائلة محترمة، وإن كانت والدتك تريد من ينظف ويطهو لها، فلتستأجر خادمة، أو فلتفعل ذلك بنفسها".​حاول يوسف الحديث معها وتهدئة الأمور، لكنه وجد نفس
last updateLast Updated : 2026-06-01
Read more
أفراح في قصر العوض..و أتراح في بيت الخذلان
​الجزء التاسع: "أفراح في قصر العوض.. وأتراح في بيت الخذلان"​مرت الأيام والأسابيع سريعة ومبشرة في حياة مريم وغالي، حيث كانت الترتيبات لزفافهما تسير في أجواء غامرة من الفرح والود المتبادل. لم يبخل غالي على خطيبته بشيء، بل حرص على أن يكون عرسها أسطورياً يعوضها في عيون الناس وعيون نفسها عن كل انكسار عاشته في الماضي. اشترى لها فستاناً أبيضاً ملكياً مطرزاً بأرقى أنواع الدانتيل، وحجز قاعة أفراح من أفخم القاعات بالمدينة، وكانت عائلة غالي تتعامل مع مريم بكل حب وتقدير، وكأنها ابنتهم التي طال انتظارها.​وفي ليلة العمر، كانت مريم تبدو كحورية هبطت من السماء؛ وجهها المشرق، ابتسامتها التي غابت لسنوات عادت لتضيء محياها، وعيناها تشعان ببريق الطمأنينة والأمان وهي تجلس بجانب زوجها غالي الذي كان ينظر إليها بعينين تملأهما لهفة الحب وعزة الانتصار. كان يمسك بيدها طوال الحفل ويهمس لها بين الفينة والأخرى: "الليلة تبدأ حياتك الحقيقية يا مريم، أعدكِ أنني سأنسيكِ كل حزن مر بقلبكِ الطاهر". تنفست مريم الصعداء، وشعرت بأن روح سارة تبتسم لها من السماء، وأن الله قد أبدلها بعد صبرها خيراً كثيراً.​انتقلت مريم لتعيش مع
last updateLast Updated : 2026-06-01
Read more
سجون الندم و صرخة الضمير المتأخر
الجزء العاشر هو: "سجون الندم.. وصرخة الضمير المتأخر"تمضي السنون وتتعاقب الفصول، وتستمر الأقدار في حياكة خيوطها الخفية لتثبت في النهاية أن العدالة الإلهية قد تتأخر لكنها لا تغيب، وأن من يزرع ظلماً لا يجني سوى الخسران، ومن يصبر على الخذلان يفتح الله له أبواب العوض من حيث لا يحتسب.​مرت خمس سنوات كاملة على تلك الليلة التي ارتدت فيها مريم فستانها الأبيض الملكي، خمس سنوات غيّرت الكثير من ملامح الحكايات وتبدلت فيها مصائر النفوس. في قصر العوض، تحولت حياة مريم إلى جنة أرضية ممتلئة بالسكينة والدلال والمحبة النادرة؛ غالي لم يكن مجرد زوج صالح، بل كان وما زال الحصن المنيع الذي يحمي مريم ويحملها في قلبه كأغلى ما يملك في هذه الدنيا. رزقهما الله بطفل جميل أسمياه "يوسف"، تيمناً وتذكراً لأيام الطفولة الطاهرة، ثم رزقا بطفلة صغيرة أسمياها "سارة"، لتظل روح صديقتها الراحلة ترفرف في أرجاء بيتها الجديد وتكبر أمام عينيها يوماً بعد يوم.​كانت مريم تعيش في رغد من العيش الكريم والاستقرار النفسي، تدير شؤون بيتها الكبير بحب، وتلقى من والدة غالي كل التقدير والاحترام الذي تستحقه كنة صالحة وأم مثالية. أصبحت مريم سي
last updateLast Updated : 2026-06-01
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status