Home / الرومانسية / ثمن القرب / ذئاب التركات ..و حارس العهد الأمين

Share

ذئاب التركات ..و حارس العهد الأمين

Author: Oum saif
last update publish date: 2026-06-04 13:06:21

​الجزء العشرين: "ذئاب التركات.. وحارس العهد الأمين"

​انقضت أيام العزاء ببطء شديد، لتبدأ مريم في مواجهة الواقع الجديد؛ واقع يملؤه الفراغ القاتل الذي تركه غالي خلفه، ومسؤولية إدارة "مجموعة الاستثمار العقاري الحديث" التي أصبحت مطمعاً لكل الشركاء والمنافسين في السوق. لم يكد يمر أسبوع واحد على الفاجعة حتى بدأت ذئاب المال في التحرك؛ حيث ظن الجميع أن مريم امرأة وحيدة، مكسورة بوفاة زوجها، ولن تقوى على الصمود أمام الضغوطات والصفقات المعقدة التي تحتاج إلى حسم وقسوة أحياناً.

​وفي صباح يوم الإثنين، عقد مجلس إدارة الشركة اجتماعاً طارئاً برئاسة الشريك الأكبر الراغب في السيطرة، السيد "عاصم"، وهو رجل أعمال جشع كان يتربص بالمجموعة منذ سنوات. دخلت مريم قاعة الاجتماعات وهي ترتدي ثياب حدادها السوداء وبكامل وقارها وكبريائها، وكان يوسف يمشي خلفها ببذلته الوقورة وبيده ملفات التدقيق القانوني، بصفته المستشار الخاص والحارس المعين لحماية شؤونها بأمر وتفويض رسمي منها.

​جلس عاصم في صدر الطاولة، ونظر إلى مريم بنبرة تخفي وراءها الكثير من المكر والتعالي قائلاً:

"السيدة مريم، نحن نقدر حزنكِ ومصابكِ الجلل، لكن سوق العقارات لا يرحم ولا ينتظر أحداً. هناك صفقات معلقة بملايين الدولارات، ومستثمرون أجانب يهددون بسحب أموالهم إن لم تكن هناك إدارة حازمة. وبما أنكِ امرأة مشغولة بتربية طفلين أيتام في هذه المرحلة، فإن مجلس الإدارة يقترح عليكِ التنازل عن حق الإدارة والتوقيع التنفيذي لي شخصياً، مقابل راتب شهري ضخم يضمن لكِ العيش الكريم في قصركِ، دون إقحام نفسكِ في صراعات المحاكم والسوق التي لا تناسب رقتكِ".

​أحست مريم بإهانة مبطنة، وشعرت برغبة في البكاء أمام هذه القسوة، لكن قبل أن تنطق بكلمة، تقدم يوسف بخطى ثابتة ووضع الملفات بقوة فوق الطاولة الخشبية، ونظر إلى عاصم بعينين حادتين تشعان بالذكاء والجرأة، وقال بصوت جهوري حازم صدم جميع الحاضرين:

"السيد عاصم! ارفع يدك عن هذا الوهم فوراً! السيدة مريم ليست بحاجة لوصاية من أحد، وهي العقل المدبر الذي بنى مع الراحل غالي معظم استراتيجيات هذه الشركة لسنوات. القانون واضح؛ أسهم الراحل غالي تنتقل بالكامل لزوجته وأطفاله القصر، والسيدة مريم هي الوصية الشرعية والوحيدة عليهم. وبصفتي مستشارها القانوني، فقد قمتُ بمراجعة كافة العقود البارحة، ووجدنا أن محاولتك لسحب التوقيع التنفيذي تعتبر خرقاً سافراً يعاقب عليه القانون بتهمة استغلال الظروف الإنسانية وسرقة أموال القصر الأيتام. إن فكرت في الضغط عليها مجدداً، فإن المحكمة التجارية ستكون وجهتنا القادمة قبل نهاية هذا النهار!".

​تراجع عاصم إلى الخلف وهو يتصبب عرقاً، وتلعثم لسانه أمام هذه القوة القانونية والرجولة الحازمة التي أبداها يوسف، وأدرك الجميع في القاعة أن مريم ليست لقمة سائغة، وأن وراءها رجلاً يحمي ظهرها ويملك من الدهاء والأصول ما يكفي لتدمير أي مخطط للجشع. التفتت مريم نحو يوسف، ولمحت في عينيه صدق العهد والوفاء الذي قطعه على نفسه أمام والدته، وشعرت لأول مرة منذ وفاة زوجها بأنها ليست وحيدة في هذا العالم.

​وفي الجانب الآخر من المدينة، كانت فهيمة تجلس في صالون شقتها الحديثة والموحشة، وعيناها تحترقان بالغل والغيرة القاتلة. كانت تتابع الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وترى صور يوسف وهو يرافق مريم في دخولها وخروجها من مقر الشركة كحارسها ومستشارها الشخصي، والناس يثنون على مروءته ونبله.

​انخرطت فهيمة في بكاء هستيري مليء بالحقد، وقالت لوالدها الذي كان يجلس بقربها مطأطأ الرأس بعد خسارته لسلاحه المالي:

"أرأيت يا أبي؟! يوسف طلقني وتركني هنا، وذهب ليعيش في ظلال قصر مريم! إنه يستغل وفاة زوجها المليونير لكي يتقرب منها ويعوض سنوات فقره! مريم أصبحت تملك الملايين، ويوسف سيكون السيد المطاع هناك وأنا سأبقى المطلقة المنبوذة في هذا الحي! أنا لن أسمح بهذا... لن أسمح ليوسف ومريم بأن يعيشا في سعادة على أنقاض كرامتي وحياتي التي دمرت!".

​نظر إليها والدها بخبث، وقال بنبرة خافتة مليئة بالشر:

"اهدئي يا فهيمة... إن كان يوسف يظن أنه أصبح قوياً بحمايته لمريم، فإنه ينسى أن للسوق قواعد أخرى. سأتصل بالسيد عاصم الشريك الغاضب في شركة غالي؛ سنتحالف معه ونزوده ببعض الثغرات والملفات القديمة التي تخص عمل يوسف السابق، لكي نوجه له طعنة قانونية بتهمة خيانة الأمانة أو التزوير، ونبعده عن طريق مريم بالكامل ونلقي به في السجن! حينها ستنهار مريم وتصبح الشركة تحت رحمتنا مجدداً!".

​عادت خيوط المؤامرة لتطبخ في ظلمات الجشع، بينما كان يوسف يعود مساءً برفقة مريم إلى قصر العوض. نزل يوسف من السيارة وفتح لها الباب بكل أدب واحترام، وقبل أن يدخل، وقفت مريم ونظرت إليه وعيناها تفيضان بالامتنان وقالت بنبرة دافئة:

"يوسف... أنا لا أعرف كيف أشكرك على موقفك اليوم في الشركة. لقد أعدت لي هيبتي أمام عاصم، وشعرت بأن روح غالي مطمئنة لأنك بجانبي".

​ابتسم يوسف ابتسامة وقورة تحمل كل معاني النبل، وقال بصوت خفيض:

"مريم... هذا واجبي الذي سأحاسب عليه أمام الله. نموت وتبقى الأصول، ودم سارة ووصيتها أمانة في عنقي حتى آخر نفس في صدري. ارتاحي الآن مع أطفالكِ، واعلمي أنني سأبقى واقفاً عند باب هذا القصر كالحارس الأمين الذي لا ينام".

​دخلت مريم قصرها وهي تشعر بالسكينة، لكنها لم تكن تعلم أن تحالف فهيمة وعاصم يستعد لإطلاق عاصفة قذرة ستضع يوسف خلف قضبان السجن بتهم ملفقة، لتبدأ فصول جديدة من التضحية والصراع المرير بين الحق والباطل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ثمن القرب   أحضان الوفاء الغامرة ..و نبضات العوض المشرق

    ​الجزء الرابع والعشرين: "أحضان الوفاء الغامرة.. ونبضات العوض المشرق"​مرت الأيام القليلة التي أعقبت خروج يوسف من السجن كأنها بلسم بارد يداوي جراح سنوات طويلة من العذاب والضياع. استقر يوسف ووالدته الحاجة فاطمة في بيتهما القديم الذي تحرر من أثقال الديون والرهن، وعادت السكينة ترفرف على جدرانه الطاهرة. لكن قلب مريم النبيل، وعاطفتها التي لا تعرف الحدود، لم تطق أن تترك تلك السيدة العجوز المريضة في زوايا البيت القديم دون رعاية يومية فائقة، خاصة بعد أن رأت كيف نخر المرض والضعف جسد الحاجة فاطمة بسبب قسوة فهيمة وتصلفها في الماضي.​وفي صباح يوم مشمس ودافئ، قررت مريم أن تقوم بخطوة تنبض بالرحمة والأصول؛ حيث جهزت جناحاً خاصاً وكبيراً في الطابق الأرضي لقصر العوض الفاخر، جناح يطل مباشرة على حديقة الياسمين وأشجار الورود، ووظفت ممرضة محترفة تسهر على رعاية الحاجة فاطمة على مدار الساعة. ركبت مريم سيارتها برفقة يوسف، وتوجهوا إلى الحي الشعبي ليدعوا الأم العجوز للعيش معهم تحت سقف القصر، لتكون قريبة من أطفال سارة الراحلة وتتنفس هواء الراحة والوقار الذي تستحقه.​عندما دخلت مريم عتبة البيت القديم، وجدت الحاجة

  • ثمن القرب   انفجار الحقيقة..و استقبال الفارس عند بوابة الحرية

    ​الجزء الثالث والعشرين: "انفجار الحقيقة.. واستقبال الفارس عند بوابة الحرية"​لم تمضِ سوى ثمان وأربعين ساعة على زيارة مريم لمركز التوقيف، حتى تهاوت حصون المؤامرة كقصور من ورق أمام الإعصار القانوني الذي قادته بكل حسم. وتحت الضغط الصارم للأدلة والتهديد بالسجن النافذ من طرف طاقم المحامين، انهار المحاسب المرتشي "مدحت" انهياراً كاملاً أمام وكيل الملك في النيابة العامة. سقط على ركبتيه باكياً، واعترف اعترافاً تفصيلياً مسجلاً، مؤكداً أن يوسف بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وأن كل الفواتير والتوقيعات قد زُورت بطلب مباشر وتحريض من والد فهيمة وباتفاق سري مع السيد عاصم، مقابل مبلغ مالي ضخم تلقاه في حسابه الخاص.​ومع بزوغ فجر اليوم الموالي، صدر الأمر القضائي المستعجل بـإلغاء الشكوى فوراً، وإصدار قرار الإفراج اللامشروط عن السيد يوسف، مع إصدار مذكرات توقيف واعتقال فورية وجناية ضد كل من السيد عاصم ووالد فهيمة بتهم التزوير الجنائي، البلاغ الكاذب، والتآمر لسرقة أموال قصر أيتام.​وفي نفس تلك الساعة، كانت فهيمة تجلس في شقتها تترقب الأخبار، عندما انفتح الباب بقوة ودخلت عناصر الشرطة القضائية، لتقوم بـإلقا

  • ثمن القرب   زيارة العهد خلف القضبان..و بداية تهاوي حصون الكذب

    ​الجزء الثاني والعشرين: "زيارة العهد خلف القضبان.. وبداية تهاوي حصون الكذب"​مرت الليلة الأولى على اعتقال يوسف ثقيلة وكئيبة خلف الجدران الإسمنتية الباردة لمركز التوقيف. كان يرتدي قميصه الأبيض الذي تجعد من رطوبة المكان، ويجلس على مقعد خشبي صلب وضيق، واضعاً رأسه بين يديه. لم يكن يوسف نادماً على وقوفه بجانب مريم، بل كان كل همه وخوفه منصباً على والدته الحاجة فاطمة التي يعلم أن قلبها العليل لن يحتمل صدمة سجنه، وعلى مريم وأطفالها الأيتام الذين تركهم في مواجهة ذئاب السوق دون حماية.​وفي الصباح الباكر، فتح الحارس الحديدي الباب الثقيل، ونظر إلى يوسف بنبرة يملؤها الاحترام المفاجئ قائلاً: "السيد يوسف... لديك زيارة خاصة في قاعة المحامين الرئيسية. تفضل معي".​مشى يوسف بخطى هادئة، ودخل القاعة الواسعة والمحاطة بالقواطع الزجاجية، ليتسمر في مكانه من شدة الذهول. لم يكن الزائر سوى مريم! كانت تقف بكامل وقارها وهيبتها المتوجة، ترتدي عباءة سوداء أنيقة وحجاباً مرتباً بعناية يعكس عزة نفسها الشامخة، وبجانبها يقف ثلاثة من أشهر وأكبر المحامين في البلاد، يرتدون بدلاتهم الرسمية الفاخرة ويحملون حقائبهم الجلدية الم

  • ثمن القرب   حياكة المؤامرة في الظلام ..و الطعنة الغادرة

    ​الجزء الحادي والعشرين: "حياكة المؤامرة في الظلام.. والطعنة الغادرة"​كان الليل قد أرخى سدوله على المدينة، وفي مكتب السيد عاصم الشريك الجشع لشركة الراحل غالي، كان الدخان الكثيف يتصاعد في الأرجاء ممتزجاً برائحة المكر والشر. جلس عاصم خلف مكتبه الفاخر بنظرات يملؤها الغيظ بعد الإهانة القانونية التي تلقاها من يوسف في قاعة الاجتماعات، وكان يجلس في المقابل والد فهيمة، التاجر الحاقد الذي تحطمت سلطته المالية بعد فك رهن البيت القديم.​أخرج والد فهيمة ملفاً أصفراً قديماً، ووضعه أمام عاصم وابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيه قائلاً بنبرة خافتة:"السيد عاصم... هذا هو مفتاح الخلاص من يوسف. هذا الملف يحتوي على وثائق قديمة وتوقيعات تخص عمل يوسف السابق في شركتنا التجارية قبل سنوات. بمساعدة بعض المحاسبين الموالين لنا، قمنا بـتعديل بعض الأرقام وإضافة فواتير وهمية وتزوير توقيعه عليها، لتبدو وكأنها عملية اختلاس ضخمة وخيانة أمانة قام بها يوسف قبل رحيله. إن قدمنا هذا الملف للشرطة، سيتم اعتقاله فوراً بتهمة جنائية ثقيلة، ونلقي به وراء القضبان لسنوات، وبذلك ننتهي من حارس مريم الأمين، وتصبح الساحة فارغة لك لتفرض سيطر

  • ثمن القرب   ذئاب التركات ..و حارس العهد الأمين

    ​الجزء العشرين: "ذئاب التركات.. وحارس العهد الأمين"​انقضت أيام العزاء ببطء شديد، لتبدأ مريم في مواجهة الواقع الجديد؛ واقع يملؤه الفراغ القاتل الذي تركه غالي خلفه، ومسؤولية إدارة "مجموعة الاستثمار العقاري الحديث" التي أصبحت مطمعاً لكل الشركاء والمنافسين في السوق. لم يكد يمر أسبوع واحد على الفاجعة حتى بدأت ذئاب المال في التحرك؛ حيث ظن الجميع أن مريم امرأة وحيدة، مكسورة بوفاة زوجها، ولن تقوى على الصمود أمام الضغوطات والصفقات المعقدة التي تحتاج إلى حسم وقسوة أحياناً.​وفي صباح يوم الإثنين، عقد مجلس إدارة الشركة اجتماعاً طارئاً برئاسة الشريك الأكبر الراغب في السيطرة، السيد "عاصم"، وهو رجل أعمال جشع كان يتربص بالمجموعة منذ سنوات. دخلت مريم قاعة الاجتماعات وهي ترتدي ثياب حدادها السوداء وبكامل وقارها وكبريائها، وكان يوسف يمشي خلفها ببذلته الوقورة وبيده ملفات التدقيق القانوني، بصفته المستشار الخاص والحارس المعين لحماية شؤونها بأمر وتفويض رسمي منها.​جلس عاصم في صدر الطاولة، ونظر إلى مريم بنبرة تخفي وراءها الكثير من المكر والتعالي قائلاً:"السيدة مريم، نحن نقدر حزنكِ ومصابكِ الجلل، لكن سوق الع

  • ثمن القرب   دموع القصر المنكوب..و فاجعة تزلزل الأركان

    ​الجزء التاسع عشر: "دموع القصر المنكوب.. وفاجعة تزلزل الأركان"​مرت ساعات ذلك النهار الخريفي على مريم كأنها دهور ممتدة من القلق والترقب. كانت حبات المطر تطرق زجاج النافذة الكبيرة بقوة، ومع كل قطرة تسقط، كان انقباض صدرها يزداد حدة. حاولت مريم أن تشغل نفسها باللعب مع طفليها يوسف وسارة، لكن عينيها كانت تلتفتان نحو الساعة الجدارية كل دقيقة. حل المساء، وتجاوز الوقت موعد عودة غالي المعتاد، وهاتفها لم يرن بأي اتصال منه، وكلما حاولت الاتصال به، كان يجيبها ذلك الصوت الآلي البارد: "المشترك غائب عن الشبكة حالياً".​وفي تمام الساعة الثامنة ليلاً، وبينما كانت مريم تقف في وسط الصالون تذرع المكان ذهاباً وإياباً، قطع الصمت الرهيب رنين قوي ومفاجئ لجرس الباب الرئيسي للقصر. ركضت مريم بقلب يرتجف، وفتحت الباب لتجد أمامها عميد الشرطة ومعه المحامي الخاص بشركة غالي، وكانت ملامحهما شاحبة وعيونهما مطأطأة الأرض يحملان نظرة يملؤها الحزن والأسى الشديد.​تراجعت مريم إلى الخلف خطوة، ووضعت يدها على فمها وقالت بصوت متهدج مرتجف:"سيدي... ما الأمر؟ أرجوك لا تقل لي أن مكروهاً قد أصاب غالي! أخبروني أنه بخير... إنه في طري

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status