Home / الرومانسية / ثمن القرب / عتبات السجن الجديد ..و نبضات الإهتمام الخفي

Share

عتبات السجن الجديد ..و نبضات الإهتمام الخفي

Author: Oum saif
last update publish date: 2026-06-04 09:43:46

​الجزء الثالث عشر: "عتبات السجن الجديد.. ونبضات الاهتمام الخفي"

​مرت أشهر قليلة على توقيع وثيقة الرهن المشؤومة، وتمت إجراءات القرض البنكي الضخم الذي كبل معصمي يوسف لسنوات طويلة قادمة. اشترى يوسف الشقة الحديثة في أحد الأحياء الجديدة بالمدينة، وقام بكتابتها باسم فهيمة بناءً على شرطها الصارم وتأكيد والدها التاجر بأن هذا هو الضمان الوحيد لاستمرار الزواج وتفادي المحاكم. انتقلت العائلة إلى السكن الجديد، وظنت الحاجة فاطمة برحيلها عن الحي القديم أنها ستجد الراحة والسكينة وتتقي شر الصراخ، لكنها لم تكن تعلم أنها دلفَت بقدميها إلى سجن حقيقي، تحكم في مفاتيحه امرأة نزعت الرحمة من قلبها.

​بمجرد الاستقرار في الشقة، بدأت فهيمة في تطبيق قوانينها الصارمة والجافة. منعت جيران الحي القديم وأقارب يوسف من الزيارة بانتظام بحجة أن الشقة بطابعها العصري لا تحتمل صخب الزيارات الشعبية، والأدهى من ذلك، أنها فرضت عزلة شبه تامة على الحاجة فاطمة داخل غرفة صغيرة في نهاية الرواق. ومع حلول فصل الشتاء وتغير الجو، نخرت الرطوبة الجديدة وأمراض الشيخوخة جسد السيدة العجوز، وأصيبت بنوبات سعال حادة ومستمرة بسبب ضعف مناعتها وارتفاع ضغط دمها المتواصل جراء الحزن الكامن في صدرها.

​في أحد الصباحات، كان يوسف قد غادر باكراً إلى عمله المرهق. جلست الحاجة فاطمة على حافة فراشها وهي ترتجف وتكاد عظامها تتكسر من الألم، وحاولت الخروج ببطء مستندة على عكازها الخشبي القديم للوصول إلى بهو الشقة لعلها تجد جرعة ماء دافئ تسكن بها سعالها. خرجت فهيمة من غرفتها بكامل أناقتها وهي تستعد للخروج للتسوق مع صديقاتها، ونظرت إلى حماتها العجوز بملامح يملؤها الاشمئزاز والتذمر، وقالت بنبرة جافة وقاسية:

"خالتي فاطمة، أرى أن سعالكِ قد زاد عن حده في الآونة الأخيرة. هذا الصوت المستمر في الليل يحرمني من النوم ويقلق راحة أطفالي. لقد تركتُ لكِ بعض الخبز والجبن البارد في المطبخ، ويمكنكِ التدبر بنفسكِ. وأرجو ألا تلمسي أواني الطبخ الفاخرة التي اشتريتها مؤخراً، فأنا لا أحب أن يعبث أحد بأشيائي الخاصة، ولا أريد أن تنتقل عدوى مرضكِ إلى أرجاء البيت".

​نظرت إليها الحاجة فاطمة بعينين مكسورتين وعاتبتها بصوت ضعيف ومرتجف يملؤه الوجع:

"يا ابنتي... أنا امرأة عجوز ومريضة، ورجلاي لا تقويان على الوقوف لإعداد الطعام، والمرض بسبيل الله وليس بيدي. ويوسف طلب منكِ البارحة أن تهتمي بي في غيابه وتصنعي لي القليل من الحساء الساخن. أين عطفكِ وأين إنسانيتكِ؟"

​أطلقت فهيمة ضحكة ساخرة ومستفزة وقالت بكل قسوة:

"يوسف يمكنه أن يقول ما يشاء، لكنني لستُ خادمة استأجرتها من الشارع لتهتم بوالدتك المريضة! إن كنتِ تريدين الدلال والطعام الساخن والاهتمام اليومي، فلتذهبي عند أبنائك الآخرين، أو فلتتذكري تلك الفتاة مريم التي طردتها من بيتكِ بغبائكِ وعنادكِ من أجل المظاهر! مريم هي من كانت تقبل رجليكِ وتطبخ لكِ بحب، أما أنا فلستُ مريم، واحمدي الله أنني أسمح لكِ بالجلوس في شقتي التي هي باسمي وقانونياً ملكي!".

​التفتت فهيمة وأغلقت الباب خلفها بقوة، تاركة السيدة العجوز تسقط على مقعدها وتبكي بصمت وعبرات حارقة تمزق نياط قلبها. تذكرت الحاجة فاطمة في تلك اللحظة وجهاً طيباً هادئاً كانت تنهره وتظلمه، تذكرت مريم وهي تدخل المطبخ قد تملكها القلق، تلمس جبينها، وتصنع لها الحساء الساخن بحب خالص دون مقابل أو منّة، وقالت في نفسها بحسرة قاتلة: "يا لظلمي ويا لشدة غبائي! طردتُ الملاك الذي أرسله الله ليحميني، واستقبلتُ بيدي وعنادي الشيطان الذي يذيقني العذاب الآن. هذا جزاكِ يا فاطمة... هذا ذنب مريم الذي يطاردني في صحتي وكرامتي".

​وفي الجانب الآخر المشرق من المدينة، وداخل أروقة "مجموعة الاستثمار العقاري الحديث"، كانت حياة مريم تسير في طريق ممتلئ بالتقدير والنور والنجاح المهني. بمرور الأسابيع على استلام غالي لمهام مجلس الإدارة، توطدت العلاقة المهنية بينهما بشكل متميز وراقٍ جداً. كان غالي يراقب مريم بدقة شديدة؛ يرى إخلاصها النادر في العمل، وعزة نفسها العالية التي تجعلها ترفض أي إطراء مبالغ فيه أو تقرب غير مهني، ويرى كيف تدير شؤون مكتبه والاتصالات الخارجية بذكاء ورصانة لفتت أنظار كبار المستثمرين.

​ولم يكن غالي يكتفي بالإعجاب بمهنيتها، بل وجد نفسه غارقاً في تفاصيل شخصيتها؛ يراقب حركاتها الهادئة، ونبرة صوتها الرقيقة والواثقة، وبدأ قلبه ينبض بمشاعر دافئة وجارفة لم يختبرها من قبل طوال سنوات عيشه في الغرب. أصبح غالي يبحث عن الأعذار والمبررات الصادقة ليتحدث إليها، ويستشيرها في تنظيم الصفقات الجديدة، فقط ليسمع صوتها ويرى عينيها التي باتت تبدد تعب يومه الحافل بالضغوط.

​وفي أحد المساءات الشتوية، بعد انتهاء ساعات العمل الرسمية وخلو الشركة من الموظفين، بقيت مريم في مكتبها لتكمل أرشفة بعض العقود الاستثمارية الهامة وتدقيق حسابات العلاقات العامة. خرج غالي من مكتبه الرئيسي، ووجدها ما زالت تعمل بتركيز شديد تحت ضوء المصباح الصغير. اقترب منها بخطى هادئة، وحمل في يده كأساً من الشاي الدافئ المعطر بالنعناع وقدمه لها برفق ونبل قائلاً:

"مريم... أرى أنكِ تبذلين جهداً مضاعفاً وتعملين لساعات متأخرة دون كلل أو ملل. الشركة ممتنة جداً لوجودكِ وكفاءتكِ العالية، لكن صحتكِ وراحتكِ أولى من كل هذه الأوراق والعقود. أرجوكِ، خذي قسطاً من الراحة واشربي هذا الشاي الدافئ".

​نظرت إليه مريم بامتنان كبير، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة خففت من تعبها، وأخذت الكأس قائلة بحياء وأدب:

"شكراً لك سيدي غالي، هذا من نبل أخلاقك. أنا فقط أحب أن أتم عملي على أكمل وجه ولا أطيق تأجيل عمل اليوم إلى الغد، خاصة وأن هذه العقود تهم مستقبل الشركة وصورتها أمام المستثمرين الجدد".

​جلس غالي على الكرسي المقابل لمكتبها، ونظر في عينيها بعمق وصدق خالٍ من التكلف والزيف، وقال بنبرة دافئة وصادقة:

"مريم... أود أن أسألكِ سؤالاً شخصياً، وأتمنى ألا يزعجكِ تدخل أو يسبب لكِ أي ضيق. أنا أرى في عينيكِ أحياناً، ورغم كل هذا الهدوء والنجاح والتميز الذي تحيطين نفسكِ به، مسحة حزن عميقة وكسرة قديمة، كأنكِ مررتِ بعاصفة قاسية من الخذلان والظلم تركت أثراً بالرياح في روحكِ الطاهرة. هل أنا محق في تخميني؟".

​تغيرت ملامح مريم للحظة، وعادت إلى مخيلتها سريعاً صور المستشفى، ورحيل صديقتها سارة، وقسوة الحاجة فاطمة، وخذلان يوسف الضعيف أمام عشاء الفسخ. تنهدت بعمق، وحافظت على كبريائها وثباتها، ونظرت إلى كأس الشاي ثم رفعت عينيها نحو غالي وقالت بنبرة هادئة ومؤثرة تفيض عزة ونضجاً:

"كلنا نمر بعواصف وقسوة في هذه الحياة يا سيدي غالي. الأيام لا تصفو لأحد، والمهم في النهاية ليس ما نخسره أو نفقده وسط العاصفة، بل كيف نلملم شتات أنفسنا ونقف مجدداً على أقدامنا بكبرياء وكرامة ودون أن نحني رؤوسنا لمن لم يقدر قيمتنا".

​أبهرت كلمات مريم غالي وزادت من إعجابه الشديد وتعلقه بها. شعر في تلك اللحظة بأن هذه الفتاة ليست مجرد موظفة كفؤة أو سيدة متميزة، بل هي إنسانة عظيمة، تحمل قلباً من ذهب وروحاً صقلتها التجارب والمحن فجعلتها تزداد بريقاً ونقاءً. وفي تلك الليلة، غادر غالي الشركة وهو يتخذ قراراً حاسماً في أعماق قلبه: هذه الفتاة يجب أن تكون شريكة حياته وزوجته، وسيفعل كل ما في وسعه ليعوضها بنبله وحبه عن كل ألم عاشته في الماضي.

​بينما كان يوسف يعود في نفس الساعة إلى شقته الجديدة، مثقلاً بالديون والهموم، ليجد أمه تبكي بزاوية غرفتها المظلمة، وزوجته تصرخ وتطلب المزيد من المال للمظاهر، ليدرك أنه بدأ يتجرع أولى قطرات جحيم السنوات الخمس العجاف.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ثمن القرب   أحضان الوفاء الغامرة ..و نبضات العوض المشرق

    ​الجزء الرابع والعشرين: "أحضان الوفاء الغامرة.. ونبضات العوض المشرق"​مرت الأيام القليلة التي أعقبت خروج يوسف من السجن كأنها بلسم بارد يداوي جراح سنوات طويلة من العذاب والضياع. استقر يوسف ووالدته الحاجة فاطمة في بيتهما القديم الذي تحرر من أثقال الديون والرهن، وعادت السكينة ترفرف على جدرانه الطاهرة. لكن قلب مريم النبيل، وعاطفتها التي لا تعرف الحدود، لم تطق أن تترك تلك السيدة العجوز المريضة في زوايا البيت القديم دون رعاية يومية فائقة، خاصة بعد أن رأت كيف نخر المرض والضعف جسد الحاجة فاطمة بسبب قسوة فهيمة وتصلفها في الماضي.​وفي صباح يوم مشمس ودافئ، قررت مريم أن تقوم بخطوة تنبض بالرحمة والأصول؛ حيث جهزت جناحاً خاصاً وكبيراً في الطابق الأرضي لقصر العوض الفاخر، جناح يطل مباشرة على حديقة الياسمين وأشجار الورود، ووظفت ممرضة محترفة تسهر على رعاية الحاجة فاطمة على مدار الساعة. ركبت مريم سيارتها برفقة يوسف، وتوجهوا إلى الحي الشعبي ليدعوا الأم العجوز للعيش معهم تحت سقف القصر، لتكون قريبة من أطفال سارة الراحلة وتتنفس هواء الراحة والوقار الذي تستحقه.​عندما دخلت مريم عتبة البيت القديم، وجدت الحاجة

  • ثمن القرب   انفجار الحقيقة..و استقبال الفارس عند بوابة الحرية

    ​الجزء الثالث والعشرين: "انفجار الحقيقة.. واستقبال الفارس عند بوابة الحرية"​لم تمضِ سوى ثمان وأربعين ساعة على زيارة مريم لمركز التوقيف، حتى تهاوت حصون المؤامرة كقصور من ورق أمام الإعصار القانوني الذي قادته بكل حسم. وتحت الضغط الصارم للأدلة والتهديد بالسجن النافذ من طرف طاقم المحامين، انهار المحاسب المرتشي "مدحت" انهياراً كاملاً أمام وكيل الملك في النيابة العامة. سقط على ركبتيه باكياً، واعترف اعترافاً تفصيلياً مسجلاً، مؤكداً أن يوسف بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وأن كل الفواتير والتوقيعات قد زُورت بطلب مباشر وتحريض من والد فهيمة وباتفاق سري مع السيد عاصم، مقابل مبلغ مالي ضخم تلقاه في حسابه الخاص.​ومع بزوغ فجر اليوم الموالي، صدر الأمر القضائي المستعجل بـإلغاء الشكوى فوراً، وإصدار قرار الإفراج اللامشروط عن السيد يوسف، مع إصدار مذكرات توقيف واعتقال فورية وجناية ضد كل من السيد عاصم ووالد فهيمة بتهم التزوير الجنائي، البلاغ الكاذب، والتآمر لسرقة أموال قصر أيتام.​وفي نفس تلك الساعة، كانت فهيمة تجلس في شقتها تترقب الأخبار، عندما انفتح الباب بقوة ودخلت عناصر الشرطة القضائية، لتقوم بـإلقا

  • ثمن القرب   زيارة العهد خلف القضبان..و بداية تهاوي حصون الكذب

    ​الجزء الثاني والعشرين: "زيارة العهد خلف القضبان.. وبداية تهاوي حصون الكذب"​مرت الليلة الأولى على اعتقال يوسف ثقيلة وكئيبة خلف الجدران الإسمنتية الباردة لمركز التوقيف. كان يرتدي قميصه الأبيض الذي تجعد من رطوبة المكان، ويجلس على مقعد خشبي صلب وضيق، واضعاً رأسه بين يديه. لم يكن يوسف نادماً على وقوفه بجانب مريم، بل كان كل همه وخوفه منصباً على والدته الحاجة فاطمة التي يعلم أن قلبها العليل لن يحتمل صدمة سجنه، وعلى مريم وأطفالها الأيتام الذين تركهم في مواجهة ذئاب السوق دون حماية.​وفي الصباح الباكر، فتح الحارس الحديدي الباب الثقيل، ونظر إلى يوسف بنبرة يملؤها الاحترام المفاجئ قائلاً: "السيد يوسف... لديك زيارة خاصة في قاعة المحامين الرئيسية. تفضل معي".​مشى يوسف بخطى هادئة، ودخل القاعة الواسعة والمحاطة بالقواطع الزجاجية، ليتسمر في مكانه من شدة الذهول. لم يكن الزائر سوى مريم! كانت تقف بكامل وقارها وهيبتها المتوجة، ترتدي عباءة سوداء أنيقة وحجاباً مرتباً بعناية يعكس عزة نفسها الشامخة، وبجانبها يقف ثلاثة من أشهر وأكبر المحامين في البلاد، يرتدون بدلاتهم الرسمية الفاخرة ويحملون حقائبهم الجلدية الم

  • ثمن القرب   حياكة المؤامرة في الظلام ..و الطعنة الغادرة

    ​الجزء الحادي والعشرين: "حياكة المؤامرة في الظلام.. والطعنة الغادرة"​كان الليل قد أرخى سدوله على المدينة، وفي مكتب السيد عاصم الشريك الجشع لشركة الراحل غالي، كان الدخان الكثيف يتصاعد في الأرجاء ممتزجاً برائحة المكر والشر. جلس عاصم خلف مكتبه الفاخر بنظرات يملؤها الغيظ بعد الإهانة القانونية التي تلقاها من يوسف في قاعة الاجتماعات، وكان يجلس في المقابل والد فهيمة، التاجر الحاقد الذي تحطمت سلطته المالية بعد فك رهن البيت القديم.​أخرج والد فهيمة ملفاً أصفراً قديماً، ووضعه أمام عاصم وابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيه قائلاً بنبرة خافتة:"السيد عاصم... هذا هو مفتاح الخلاص من يوسف. هذا الملف يحتوي على وثائق قديمة وتوقيعات تخص عمل يوسف السابق في شركتنا التجارية قبل سنوات. بمساعدة بعض المحاسبين الموالين لنا، قمنا بـتعديل بعض الأرقام وإضافة فواتير وهمية وتزوير توقيعه عليها، لتبدو وكأنها عملية اختلاس ضخمة وخيانة أمانة قام بها يوسف قبل رحيله. إن قدمنا هذا الملف للشرطة، سيتم اعتقاله فوراً بتهمة جنائية ثقيلة، ونلقي به وراء القضبان لسنوات، وبذلك ننتهي من حارس مريم الأمين، وتصبح الساحة فارغة لك لتفرض سيطر

  • ثمن القرب   ذئاب التركات ..و حارس العهد الأمين

    ​الجزء العشرين: "ذئاب التركات.. وحارس العهد الأمين"​انقضت أيام العزاء ببطء شديد، لتبدأ مريم في مواجهة الواقع الجديد؛ واقع يملؤه الفراغ القاتل الذي تركه غالي خلفه، ومسؤولية إدارة "مجموعة الاستثمار العقاري الحديث" التي أصبحت مطمعاً لكل الشركاء والمنافسين في السوق. لم يكد يمر أسبوع واحد على الفاجعة حتى بدأت ذئاب المال في التحرك؛ حيث ظن الجميع أن مريم امرأة وحيدة، مكسورة بوفاة زوجها، ولن تقوى على الصمود أمام الضغوطات والصفقات المعقدة التي تحتاج إلى حسم وقسوة أحياناً.​وفي صباح يوم الإثنين، عقد مجلس إدارة الشركة اجتماعاً طارئاً برئاسة الشريك الأكبر الراغب في السيطرة، السيد "عاصم"، وهو رجل أعمال جشع كان يتربص بالمجموعة منذ سنوات. دخلت مريم قاعة الاجتماعات وهي ترتدي ثياب حدادها السوداء وبكامل وقارها وكبريائها، وكان يوسف يمشي خلفها ببذلته الوقورة وبيده ملفات التدقيق القانوني، بصفته المستشار الخاص والحارس المعين لحماية شؤونها بأمر وتفويض رسمي منها.​جلس عاصم في صدر الطاولة، ونظر إلى مريم بنبرة تخفي وراءها الكثير من المكر والتعالي قائلاً:"السيدة مريم، نحن نقدر حزنكِ ومصابكِ الجلل، لكن سوق الع

  • ثمن القرب   دموع القصر المنكوب..و فاجعة تزلزل الأركان

    ​الجزء التاسع عشر: "دموع القصر المنكوب.. وفاجعة تزلزل الأركان"​مرت ساعات ذلك النهار الخريفي على مريم كأنها دهور ممتدة من القلق والترقب. كانت حبات المطر تطرق زجاج النافذة الكبيرة بقوة، ومع كل قطرة تسقط، كان انقباض صدرها يزداد حدة. حاولت مريم أن تشغل نفسها باللعب مع طفليها يوسف وسارة، لكن عينيها كانت تلتفتان نحو الساعة الجدارية كل دقيقة. حل المساء، وتجاوز الوقت موعد عودة غالي المعتاد، وهاتفها لم يرن بأي اتصال منه، وكلما حاولت الاتصال به، كان يجيبها ذلك الصوت الآلي البارد: "المشترك غائب عن الشبكة حالياً".​وفي تمام الساعة الثامنة ليلاً، وبينما كانت مريم تقف في وسط الصالون تذرع المكان ذهاباً وإياباً، قطع الصمت الرهيب رنين قوي ومفاجئ لجرس الباب الرئيسي للقصر. ركضت مريم بقلب يرتجف، وفتحت الباب لتجد أمامها عميد الشرطة ومعه المحامي الخاص بشركة غالي، وكانت ملامحهما شاحبة وعيونهما مطأطأة الأرض يحملان نظرة يملؤها الحزن والأسى الشديد.​تراجعت مريم إلى الخلف خطوة، ووضعت يدها على فمها وقالت بصوت متهدج مرتجف:"سيدي... ما الأمر؟ أرجوك لا تقل لي أن مكروهاً قد أصاب غالي! أخبروني أنه بخير... إنه في طري

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status